
لم يكن يوم الجمعة 26 – 9 عاديّا: ” روبار مينار ” ( Robert Ménard ) مؤسّس ورئيس منظّمة ” مراسلون بلا حدود ” (RSF ) يستقيل من مهامّه في المنظّمة بعد 23 سنة من العمل والمواجهة الميدانيّة ضدّ انتهاكات حرّية التعبير ودفاعا عن الصحافيين. وكما أنّ الخبر سينزل بردا وسلاما على الكثيرين فإنّه سيمثّل صدمة مفاجئة بالنسبة إلى جمهور واسع من الصحافيين والمراسلين ما فتئوا يعتبرونه ” قدّيس الحرّيات الصحافيّة ” أو درويشها.
قدم ” روبار مينار ” في سنّ التاسعة إلى فرنسا من وهران ( الجزائر ) التي ولد فيها سنة 1953. درس في معهد دينيّ ولكنّه حوّل الاتّجاه إلى الفلسفة وصار فوضويّا ثمّ تروتسكيّا، وكانت بداية نشاطه الإعلاميّ سنة 1970 داخل الإذاعات الحرّة. سنة 1985 أسّس ” مينار ” منظمّة ” مراسلون بلا حدود ” على منوال ” أطبّاء بلا حدود ” من أجل إدانة التضييقات على حرّية الصحافة والدفاع عن الصحافيّين المسجونين أو المعرّضين إلى الاضطهاد. كان ” مينار ” ذا رؤية راديكاليّة للتعامل مع مشاكل خنق الحرّيات الصحافيّة، فهو لا يستنكف من النزول إلى الشوارع للدفاع عن قضايا الحرّيات، وكان رجل المواجهات المثيرة و” الاستعراضيّة ” أيضا. في شهر مارس المنقضي عطّل إيقاد الشعلة الأولمبيّة في ” أولمبيا ” حين رفع راية قلب فيها الدوائر الأولمبيّة الخمس إلى سلاسل وقيود. ثمّ نشر مناضلو المنظّمة في شوارع باريس الأعلام السود على أبرز المعالم الباريسيّة في طريق مرور الشعلة الأولمبيّة.
وقبل اثنتي عشرة ساعة فقط من بدء الألعاب الأولمبيّة نجحت ” مراسلون بلا حدود ” في تنفيذ ” انقلاب ” إعلاميّ كبير حين تمكّنت من قرصنة تردّدات إذاعيّة على ” الآف آم ” في بيكين ( نفسها ! ) وأدانت انتهاكات الصين حرّية الصحافة والتعبير وطالبت، على الأثير، بإطلاق الحرّيات الإعلاميّة.
لـ” روبار مينار ” أيّام ووقائع أخرى، مع كوبا وتونس وسوريا. ففي مشهد غير مسبوق قادت مجموعة من رجال الأمن في تونس ” روبار مينار ” إلى المطار مباشرة حين ضبطته يوزّع مناشير صحافيّة لمنظّمته المثيرة للجدل في الشارع الرئيسيّ للعاصمة التونسيّة، وتكرّر معه ذلك مرّة أخرى ومنع مرّات من دخول الأراضي التونسيّة. ولأنّ الحرب سجال، عند مينار، فقد قاد، بُعيد القمّة العالميّة للمعلومات المنعقدة في تونس سنة 2005، مجموعة من الغاضبين لاحتلال وكالة سياحة وأسفار تونسيّة في العاصمة الفرنسيّة.
” أنْ تقول يعني أن تفعل ” كان اللّازمة التي تلخّص شعار ” روبار مينار “. ولذلك لا تكتفي منظّمته بتقريرها السنويّ وبأكثر من ألف بلاغ لإدانة انتهاكات الحرّيات الصحافيّة وحقوق الإنسان، ولكنّها تمرّ إلى مواجهات سلميّة ميدانيّة مثيرة أحرجت البلدان التي تستهدفها، كما أحرجت، في الآن ذاته، الفيديراليّة الدوليّة للصحافيين (FIJ ) وكثيرا من المنتسبين إلى الإعلام في وجاهة هذا الأسلوب الذي ينتهجه ” مينار ” ومدى نجاعته في تحقيق مكاسب جديدة للسلطة الرابعة.