سباق التديُّن

لستُ من محبّي تهويل الأشياء وافتراض النهايات الكارثية للعالَم، ولكنّ مظاهر الانحدار نحو العصور الوسطى لا تُخفي نفسها، ليس فقط في العالِم الإسلامي الذي يُخيم عليه شبح السلفية، وإنما في الغرب أيضاً وإن بشكلٍ خفيّ. ومثلما كان هناك سباقٌ للتسلّح في فترة الحرب الباردة بين أمريكا والاتحاد السوفيتي على نحوٍ خاص، فإنّ فترة ما بعد الحرب الباردة أخذت تشهد وبشكلٍ مُضطرد سباقاً للتديّن، خاصة بين الكيانين اللاهوتيين (بحسب تسمية دريدا) أي العالم الإسلامي والولايات المتحدة.

لا شك أنّ أمريكا بلدٌ لاهوتيٌّ على طريقته، رغم قناعه العلماني، فمظاهر التديّن التي تتعاظم سيطرتها على المجتمع الأمريكي لا تُخفي نفسها، حيث يشهد ذلك البلد تراجعاً لسيطرة الفكر العلمي لحساب اللاهوت. يمتدّ هذا التوجه الديني ليسيطر حتى على خطاب الدولة الرسميّ: فعبثاً حاول جورج بوش إخفاء دوافعه الدينية في حربه على ما أسماه “الإرهاب”، إلا أنّ أصوليته الدينية كانت تتفلت من خطابه هنا وهُناك. ولا يقتصر الأمر على حكومة المحافظين التي سادتْ في فترة حكم بوش الابن، بل إنّ الخطاب السياسي الرسمي هناك مدموغٍ بصفته الدينية المسيحية (غالباً) God bless America, In God we Trust. ومن المعروف أن مثل هذه التصريحات الدينية تمثل جواز سفر إلى وجدان الشعب الأمريكي وهذا ما فعله أوباما مثلاً في برنامجه الانتخابي عندما أعلن I believe in the power of prayer. بإعلانه أن الحرب على الإرهاب هي حربٌ صليبية (التعبير الذي تراجع عنه لاحقاً)، يكون بوش قد كشف أن مقاومة الإرهاب الدينيّ ستكون من نفس الطابع أي دينيّة الهويّة. لا أقصد هنا ولو للحظة إخفاء المطامع الاقتصادية والإستراتيجية الأمريكية في العالَم، ولكن علينا أن لا نغفل وأن لا نُقلل من أهمية العامل الثقافي- بل بالأحرى الديني- أيضاً الذي بدأ يأخذ وتيرةً متصاعدة. وإذا كان سباق التسلُّح الديني قد بدأ في الولايات المُتَّحدة الأمريكية، فلا شك أنّ لأوروبا سيرورة تاريخية مُختلفة وقاعدة علمانية أقوى ممّا في أمريكا، والعودة فيها إلى قيم ما قبل عصر التنوير ليس أمراً بهذه السهولة، ولكن لنلاحظ بعض المظاهر الجديدة المُقلِقة في السياق الأوروبي التي تشي- ولو بشكلٍ خجول- بمظاهر عودة الديني. وسآخذ مثالاً على ذلك فرنسا. فمع أن هذا البلد هو بلد علمانيّ إلا أن تقدُّم الإسلام واحتلاله المرتبة الثانية دينياً في تلك الدولة قد دفع بنيكولا ساركوزي عندما كان وزير الداخلية إلى فرض إلغاء الحجاب في المدارس ثم التأكيد على الجذر المسيحي لأوروبا عند زيارة البابا الأخيرة إلى فرنسا. ما الذي يدفع بلداً عَلمانياً كفرنسا إلى انتهاك مبدأ العلمانية الذي ينص على حق التدين وممارسة الشعائر والطقوس بما فيها ارتداء الرموز الدينية؟ ما الذي يدفع رئيس دولةٍ مثل فرنسا عانت كثيراً في نضالها ضد الكنيسة حتى نجحت عام 1905 في إقرار قانون اللائكية حتى تتحدث عن علاقة مُلتبسة تبحث عن جذرٍ ديني لبلدٍ علماني؟ ليس لديّ إلا جوابٌ واحد على مثل هذه الأسئلة: إنه بسبب زحف المسلمين الكثيف إلى الغرب وعدم اندماجهم مع قوانين المجتمع المدني وحقوق الإنسان والحريات المدنية وتمسّكهم بتقاليدهم وعاداتهم ومحاولة مجابهتها سرَّاً أو علناً مع تقاليد المجتمع الغربي الحديث. لاشكّ أنّ قلّةً من المسلمين في الغرب قد اندمجوا وتكيفوا مع قوانين تلك المجتمعات المدنية، ولكن القسم الأكبر ظلّ متمسكاً بتقاليده التي كان لا بدّ لها أن تصطدم يوما ما مع حداثة الغرب، الأمر الذي أخذ يُهدد بتحريض الكامن الديني عند الآخر، هذا الكامن الروحي الذي انتهت هيمنته على المجتمع الأوروبي شيئاً فشيئاً مع تقدم الحداثة.

كان 11/ سبتمبر هو ما سرَّع عملية الانتباه للخطر الإسلامي في الغرب، ولكنه هو من أيقظ فيه أيضاً الوحش الدينيّ من سباته. لقد استفاق الغربيون على الكثافة السُكانية الإسلامية الرافضة في معظمها لكل ما هو دنيوي فكان لهذا الحدث، من وجهة نظري الشخصية، ثلاث نتائج أساسية على الإسلام الغربي أو الإسلام في الغرب:

1. التثاقل الأوروبي (الخفي والمُعلن والذي يصل أحياناً إلى حدّ معاداة الإسلام) من خطر الحضور الإسلامي الكثيف في الغرب والذي أخذ يُهدد قيم المجتمع المدني التعدُّدي الغربي. وعندما نقول “تحاور” نعني ضمناً أن الإسلام في الغرب قد بلغ شأواً بحيث وصل إلى مرتبة الند أو النظير، فالقوي لا يتحاور مع الضعيف بل يفرض عليه ما يريد أو يتسامح معه في أحسن الأحوال، وهذا ما يُفسّر مثلاً صرخة بعض الساسة الفرنسيين صرخةً يائسةً بقولهم أن على المسلمين (في فرنسا) أن يتكيّفوا مع المجتمع الفرنسي وليس العكس.

2. تجذُّر الهوية الدينية عند المسلمين (في الغرب كما في الشرق) ومواجهتهم لحالة التنكّر لوجودهم بالتمسك بتقاليدهم أكثر فأكثر بل وبالمبالغة في استعراض تدينهم وفي رفضهم لكل ما هو مدني وعلماني، وبكلمة واحدة غربي.

3. رغم اختلاف ردود الفعل الأوروبية إلا أن أخطرها (وقد أخذ صيغةً رسمية مثل التأكيد على الجذر الديني المسيحي في مقابل الإسلامي مثلاً الخ.) قد دخل في اللُعبة (غالباً عن طريق ردّ الفعل) وما أقصده هنا مواجهة الديني بالديني، وإذا كان لكم دينكم فلنا ديننا أيضاً.

في مثل هذه الحالات يكُف الصراع أن يكون صراع ثقافات كما أراد له صموئيل هنتنغتون، ولكنه سيغدو على ما أخشى صراعاً بين الأديان. لعل الغرب المادي الذي يشعر بالفراغ الروحي والذي يبحثُ عن أُفقِ غير مادي يخرجه مما دعاه ماكس فيبر يوماً “اختفاء سحر العالم” يعود- مع الاستعراض الإسلامي على المسرح العالمي- إلى البحث عن جذوره الدينية التي كانت قد قُطعت مع تقدم سيرورة الحداثة الغربية. وأخشى ما أخشاه أن نشهد على الساحة العالمية في المستقبل غير البعيد جداً انتصاراً للسماء على الأرض، أو أن يُصبح ما قد دعاه دريدا ﺑ “عودة الديني” “روح العصر” الجديد/القديم بالمعنى الهيغلي للكلمة.