
” الكتاب المقدّس لا يعلّم الفلسفة بل يدعو إلى التقوى وحدها…ومضمونه كلّه مهيأ على قدر فهم العامة وأحكامها المسبقة …..ومن يجعل العقل والفلسفة خادمين للاهوت يضطرّ إلى قبول الأحكام المسبقة للعامّة في العصور الماضية على أنها أمور إلهية، بحيث تطغى هذه الأحكام المسبقة على ذهنه وتعميه كلّية “. ( سبينوزا)
سبينوزا من الفلاسفة الذين تصدّوا لبحث المسألة الدينية مع مطلع الحداثة في أوربا، وقد اكتوى هذا الفيلسوف بنار التحريم الديني، إذ صدر مرسوم يقضي بتكفيره، وتعرض لمحاولة اغتيال من طرف أحد المتعصبين، وكان انشغاله بنقد اللاهوت بارزا في مؤلفه رسالة في اللاهوت والسياسة بشكل خاص، بل انه اعتبر ذلك أمرا ضروريا للتفلسف فكان مناصرا لتدخّل الفلسفة في الدين، تحليلا ونقدا، تماما مثل تدخّلها في الشأن السياسي، ودافع بالتالي عن الحرية في السياسة كما في الدين، قائلا : “إنّ الحرية لا تمثّل خطرا على التقوى أو على سلامة الدولة، بل إنّ القضاء عليها يؤدّي إلى ضياعهما معا ” سبينوزا رسالة في اللاهوت والسياسة، ترجمة وتقديم حسن حنفي، بيروت، دار الطليعة، الطبعة الثالثة، 1994، ص 114 ، وأدرك أنّ المدخل لتحرير الدين والسياسة يتمثّل في الإطاحة بسلطة المؤسّسة اللاهوتية المتسربلة بالقداسة، ونزع حجاب الشرعية المغشوشة الذي يتوارى خلفه الاستبداد السياسي.
لقد تعامل مع المؤسسة اللاهوتية والفرق الدينية من موقع الرفض والإنكار، فالقيمون عليها وقفوا عند المظاهر الخارجية للدين فتفشّت الكراهية والبغضاء بين الناس، لذلك يأسف للوضع الذي آل إليه الدين، الذي أضحي على يد هؤلاء خرافة، لأجل هذا مهّد لحديثه عن النبوة بتحليل الخرافة والكشف عن ميل الناس إلي التصديق الساذج، لما لذلك من علاقة بفهم المسألة الدينية، فالناس يلجئون غالبا إلى الأخذ بمعتقدات زائفة، كلما كان بهم عجز عن مواجهة المشكلات التي ينوؤون تحت وطأتها، فـ ” لو استطاع الناس تنظيم شؤون حياتهم وفقا لخطة مرسومة، أو كان الحظّ مواتيا لهم على الدوام، لما وقعوا فريسة للخرافة ” – المصدر نفسه، ص 111.
يقع الناس تحت تأثير أشكال عجز مختلفة، لذلك يتقلبون كما يقول بين الخوف والرجاء، محاولين تحقيق ما يبتغونه من حاجات من شأنها أن تجعل حياتهم أكثر يسرا، وفي خضمّ ذلك يتملّكهم تارة الخوف، ويشعرون طورا بثقة جارفة في النفس، وبين هذا وذاك يزداد أو يتضاءل الإقبال على الخرافة.
وقد ركّز نظره على ما هو نفسيّ، وما يدخل ضمن نطاقه من مشاعر مختلفة، باعتبار ذلك السبب الرئيس الذي يدفع الناس نحو الخرافة، فعندما نتحدّث عن مشاعر الخوف أو الثقة بالنفس فانّ الذي يحضر هو السجلّ السيكولوجيّ، لذلك يدرج هنا الحديث عن الطالع الحسن أو السيّئ، والذكريات الجميلة أو الكئيبة، ورغم أنّ التجربة تبرهن باستمرار أن الاعتقاد في ذلك عديم الفائدة، فإنّ الناس يتمسّكون بأوهامهم المتوارثة وعاداتهم الميتة، حتى أنهم عند مواجهة ظواهر غير مألوفة يسرعون إلى تقديم تفاسير لا عقلية فيرجعونها إلى خوارق أرادت الآلهة من خلالها التعبير عن غضبها تجاههم، لتقصيرهم في تقديم النذور أو ما شابه ذلك، لقد ابتعدوا عن التقوى فاستحقّوا غضب الآلهة، وما هو قادم سوف يكون أشدّ فظاعة، هكذا يقول لسان حالهم، والحلّ في المزيد من التقوى، وطبق هذه الآلية في التفكير ًَُتترك الطبيعة جانبا وتتمّ التضحية بها لصالح ما وراءها، أي انّه عوضا عن سبر غور الظواهر الطبيعية في سبيل تحقيق السيطرة عليها يهرب الناس إلى عوالم متوهمة مفارقة، ويسجنون تفكيرهم في دائرة الخوارق التي ينسج خيالهم تفاسير مضحكة لها، وتتحكم تلك التفاسير بهم، و”هكذا يختلقون عددا من القصص الخرافية يفسّرون بها الطبيعة ويرون الخوارق شائعة فيها، وكانّ الطبيعة تهذي كما يهـــذون ” المصدر نفسه، ص 112.
التزم سبينوزا وهو يعرض للمسألة الدينية بمنهجية مضبوطة، تقوم على التقيّد بالكتاب المقدّس وفحصه دون غيره، واستنتاج ما يلزم عنه من موضوعات، حتى انّه يماهي بين المنهج المعتمد في تفسير الظواهر الطبيعية، والمنهج الذي يعتمده هو في فحص الكتاب المقدس، فالمبادئ والمعطيات تستخلص من الكتاب على وجه الحصر، وهذا يتطلب العودة إلى اللغة التي كتب بها، وامتلاك ناصيتها، وسبر غور معاني ألفاظه من خلال الوقوف عليها في الزمن الذي استعملت فيه، ومقارنتها باستعمالها اللاحق أي إخضاع النص المقدس إلى القراءة الفيلولوجية. كما وضع على عاتقه على صعيد المنهج، تنظيم وترتيب الأفكار الواردة في الكتاب بحسب القضايا التي تتوزع عليها، أي تبويبها ضمن مجالات واضحة، وهذا ييسّر مهمّة تبديد ما قد يبدو تناقضا في النص المقدس، إذ يمكن القيام بالمقارنات اللازمة، وربط الصلة بين الأقوال المختلفة على ضوء ما يشير به العقل، يضاف إلى ذلك القيام ببحث تاريخي للإحاطة بالشروط الموضوعية التي حفت بصياغة الكتاب المقدس، والظروف التي عاشها مؤلفوه والمسار التاريخي الذي عرفه في الأزمنة التي تلت تأليفه، وقد بلغت ثقته بمنهجه هذا حدّ القول: ” إنّ هذه الطريقة ليست يقينية فحسب بل هي الطريقة الوحيدة الممكنة ” المصدر نفسه، ص 243.
لقد خاطب النص المقدس الجمهور بحسب مداركه الذهنية، وذلك بهدف حثّه على الغاية الأخلاقية، ومن هنا نفهم لماذا كان الحديث عن المعجزات، واعتماد الرموز والأمثال المتناسبة مع اللحظة التاريخية، حيث ندرك بيسر أنّ النص ابن البيئة التي انبثق فيها، وأنه مثقل بهموم الناس الذين خاطبهم فكان انعكاسا لأمانيهم وآمالهم. كما اختلف الوحي باختلاف الأنبياء، بل انه اختلف بحسب المزاج والبيئة والآراء التي اعتنقها هؤلاء من قبل، فهذا نبيّ طرب بالموسيقي فجاءت تنبؤاته سعيدة المصدر نفسه، ص152 وذاك نبيّ غاضب فتنبأ بالشرور القادمة المصدر نفسه، ص 151 ، فـ ” إذا كان النبيّ من أهل الريف كانت صورة الوحي متضمّنة للأبقار والجاموس، وإذا كان جنديا تكون صورة قُواد وجيش، وأخيرا إذا كان رجل بلاط ، تمثّل له عرش ملك وما شابه ذلك ” المصدر نفسه، ص 151، وغنيّ عن البيان انه يرسم هنا حدودا فاصلة بين العقل والخيال.
وكما ذكرنا فإنّه كان حريصا على الالتزام بمنهجية محددة، يقترن فيها التاريخ بالنقد والفيلولوجيا بهرمينوطيقا النص المقدس، من خلال وضع قواعد منهجية صارمة تماثل كما يذكر هو نفسه قواعد العلم الطبيعي، فالموضوع المدروس هو الكتاب المقدس والوصول إلى فهم عقلي بخصوصه من شأنه الإبانة عن مسألة النبوة.
ويلغي بهذا دور المؤوّلين المتقوّلين الذين يلجؤون إلى التلفيق، فيقدمون أفكارهم ومواقفهم على أنها أقوال الأنبياء، إنّه يحيل هؤلاء على التقاعد، إذ لا حاجة لتأويلاتهم، كما انه يتخذ لنفسه مسافة من المعتقدات السائدة، مما يعني ضرورة عدم الاهتمام بما يزخر به التديّن الرائج من أحكام مؤسسة في الغالب على أوهام تجد منبعها في تبجيل الكتاب المقدس في ذاته، الذي أضحى بديلا عن كلام الله، لذلك يميّز بين الأسفار المقدسة التي أصبحت بديلا عن جوهر الوحي الإلهي، والفكرة الأساسية الموجهة لذلك الوحي، ممثلة في حث الناس علي ممارسة العدل والإحسان، أي التقيد بايتيقا تنتظم وفقها معاملاتهم، فهذا هو الأمر الجوهري في الدين أما ما زاد عن ذلك من إيمان ومعتقدات وطقوس فلكلّ فرد الحقّ في أن يكون له بشأنها التفسير الذي يشاء، والممارسة التي يريد، وبالتالي فإنّه ” ينبغي أن نترك لكلّ فرد حرية الحكم وحقّه في تفسير الإيمان كما يفهمه، وأن تكون الأعمال وحدها مقياس إيمان كل فرد باتفاقها أو اختلافها مع التقوى، وهكذا يستطيع الجميع إطاعة الله بحرية ورضى، ولا يحرصون جميعا إلا على العدل والإحسان “المصدر نفسه، ص119، ولا يفوّت هنا الفرصة دون الإشارة إلى أن تلك الكتب لم يقم بخطها الأنبياء وإنما أفراد جاؤوا بعدهم بسنوات عديدة.
ووفق هذه المقاربة الفلسفية يتضمّن الدين ما هو خاصّ وفرديّ وما هو عامّ وجماعيّ، فالإيمان شأن شخصيّ ولكلٍّ الحقّ في أن يختار طريقه إلى الله، وأن يتمثل الذات الإلهية كما شاء، دون تكفير من أحد، إننا هنا إزاء الجانب النظريّ أو الفكريّ في الدين، أما العامّ والجماعيّ فهو الجانب العمليّ وما يحتويه من معاملات، فالممارسة الإنسانية مشتركة بين أفراد يفرض عليهم التعايش فيما بينهم اعتماد معايير تراعي التقوى، فينتج عن ذلك صلاح حالهم.
والملاحظ أنّه يربط بين النبوة والوحي كما في التعريف التالي: ” النبوة أو الوحي هي المعرفة اليقينية التي يوحي الله بها إلى البشر عن شيء ما ” المصدر نفسه، ص 123 ، واللافت أن ذلك الربط يصل إلى حدود المماهاة بينهما، من حيث مصدرهما الإلهيّ وطابعهما اليقينيّ، فالأمر يتعلّق بمصدر للوحي والنبوة وهو الله، وبمتلقّين لذلك هم البشر، وفي ثنايا ذلك يعرّف سبينوزا النبي بالقول:” النبي هو مفسّر ما يوحي الله به لأمثاله من الناس، الذين لا يقدرون علي الحصول علي معرفة يقينية به، ولا يملكون إلا إدراكه بالإيمان وحده “المصدر نفسه، ص 123، ويرتكز هذا التعريف على الوظيفة، وهي التبليغ والتفسير، فالنبي لا يبلغ الوحي فقط وإنما يفسره أيضا لبقية الناس الذين بهم قصور عن إدراك ما أدركه هو بفعل اتصاله المباشر بمصدر الوحي، وللإبانة عن هذا المعنى الذي منحه للنبيّ يعود إلى مصطلح النبيّ لدى العبرانيين ملاحظا أنّه يعني الخطيب والمفسّر، وفي ذلك تطبيق لتلك القاعدة المنهجية القائلة بضرورة العودة إلى اللغة التي كتب بها النصّ المقدس، يقول :” يسّمي العبرانيون النبيّ ” نبيّا ” أي خطيبا ومفسّرا “المصدر نفسه ص 123.
كما نراه يعود إلى دلالة هذا اللفظ في الكتاب المقدّس، ففي العهد القديم يخاطب الله موسى قائلا :” أُنظر قد جعلتُك إلها لفرعون وهارون أخوك يكون نبيك ” فإذا كان الله هو مصدر الوحي بالنسبة إلى نبيه موسى، فإنّ هذا الأخير قياسا إلى فرعون يكون في مرتبة الإله / الباثّ، الذي يودّ تبليغ رسالة لفرعون / المتلقي بينما يكون هارون في مرتبة النبي / الوسيط، أمّا الرسالة المبثوثة فهي كلام موسى الواجب علي هارون نقله وتفسيره لفرعون، وبهذا فإننا إزاء ثلاثة أطراف، المرسل والرسول والمرسل إليه، والهدف هو جعل الرسالة تصل إلى صاحبها، وأن تكون في نفس الوقت واضحة المعاني لا يشوبها لبس، فالنبيّ حاضر لكي يشرح ما كان غامضا فيها .
وينكبّ سبينوزا على بحث أواصر الصلة بين ضروب مختلفة من المعرفة، فما يدركه الإنسان بنور الفطرة يستند إلى معرفة الله، لذلك يشترك كل الناس في المعرفة الفطرية التي هي هبة إلهية صرفة، وهو يميّز بين هذا الضرب من المعرفة وضرب آخر هو المعرفة الإلهية، التي تتّسم بتجاوز حدود المعرفة الفطرية، من حيث كونها لا تخضع في تفسيرها إلى قوانين الطبيعة الإنسانية. غير أنه إذا كانت المعرفة الفطرية مشتركة بين الناس كافّة، فإنّ المعرفة النبوية خاصّة ومتميّزة وأرفع شأنا، ولكن هذا لا ينقص من المعرفة الفطرية شيئا باعتبارها هي أيضا ذات مصدر الهيّ، فـ” المعرفة الفطرية لا تقل مطلقا عن المعرفة النبوية من حيث يقينها الذي تتميز به، ومن حيث مصدرها الذي تصدر عنه (وهو الله)، إلا إذا شئنا أن نظنّ أو بالأحرى أن نحلم (ونتخيّل) أنّ للأنبياء بدنا إنسانيا، وليست لهم روح إنسانية، بحيث تختلف إحساساتهم ومشاعرهم في طبيعتها عن إحساساتنا ومشاعرنا “المصدر نفسه، ص 124.
والمعرفة الفطرية بدورها يجري نشرها وتبليغها، ولكن من يقوم بهاته الوظيفة ليس نبيا فهذا العمل يقدر عليه كل الناس، فــ ” مع أن المعرفة الفطرية معرفة إلهية بمعني الكلمة، فإننا لا يمكن أن نسمّي من يقومون بنشرها أنبياء، إذ يستطيع كل فرد أن يدرك تعاليم المعرفة الفطرية ويفهمها بنفس اليقين، دون الاعتماد على الإيمان وحده ” المصدر نفسه، ص 125، ومن هنا تصبح الحدود الفاصلة بين النبيّ وغيره من الناس واضحة المعالم، فالنبيّ يشارك الناس المعرفة الفطرية، غير أنّه يتفوّق عليهم في إدراك المعرفة الإلهية، واللافت هنا أنّ سبينوزا يجعل من الذهن الإنسانيّ ذهنا موسوما بطابع إلهيّ، مشاركا الإله طبيعته، إذ أنه من مصنوعاته وآثاره، ومن ثمة فإنّ السبب الأوّل لكلّ وحي يعود إلى طبيعة الذهن الإنساني والقدرات التي يمتلكها، ويلاحظ جليا النفس الديكارتي في كلام سبينوزا عندما يتحدث عن وضوح الأفكار وتميزها، كما يلاحظ تأثير الفلاسفة الوسيطين أمثال ابن ميمون وابن طفيل وابن رشد عند الحديث عن النور الفطري أو المعرفة الفطرية، وكان ابن طفيل في كتابه حي ابن يقظان قد زاد عن ذلك بحديثه عن أهل الفطرة الفائقة، في إشارة منه إلى الفلاسفة ابن طفيل، حي بن يقظان، تقديم وتحقيق فاروق سعد، تونس، الدار العربية للكتاب، الطبعة الرابعة، 1984 ،ص.111.
لقد نقد سبينوزا تديّن ” الجمهور ” من خلال إشارته على سبيل المثال إلى التضحية بالعلل المتوسطة أو الجزئية فكلّ شيء ينسب مباشرة إلى الله دون إدراك للأسباب المباشرة التي تتحكم بمسار الظواهر، يقول:”يجب أن ننوّه هنا بأنّ اليهود لم يذكروا مطلقا العلل المتوسطة، أي العلل الجزئية بل أهملوها تماما مفوّضين كلّ شيء إلى الله، بدافع من ورعهم الديني أو كما نقول عادة بدافع من تديّنهم الشديد، فمثلا إذا حقّقوا ربحا من بعض الأعمال يقولون إن الله قد أعطاهم المال، وإذا رغبوا في شيء ما يقولون: إنّ الله هيّأ قلوبهم على نحو ما، وإذا خطر ببالهم شيء يقولون : إنّ الله قد تحدّث إليهم بهذا، لذلك يجب ألا نعتقد عندما نقرأ في الكتاب عبارة ” قال الله ” أنّ هناك نبوّة أو معرفة تعلو على الطبيعة، إلا عندما يؤكد الكتاب ذلك بصريح العبارة، أو عندما تؤكد ظروف الرواية أن نبوّة أو وحيا قد حدث بالفعل ” سبينوزا رسالة في اللاهوت والسياسة، ص 126، فالإيمان العامّيّ يفوّض كلّ شيء إلى الله دون توسّط العلل الجزئية التي يتطلب إدراكها بحثا عقليا، وهو ما ينمّ عن كسل معرفيّ يقود في نهاية المطاف إلى الجهل.
دقّق سبينوزا مفهوم النبوة، وحصر المجال الذي يتحرك فيه النبي كما ضبط على المستوى المنهجي سبل التعاطي مع النص الديني، وتناول بنفس هذا التمشّي الكيفية التي أوحى بها الله إلى الأنبياء، مبينا أن ذلك قد تمّ إما بواسطة الكلام أو بواسطة المظاهر الحسية أو باعتماد هاتين الواسطتين في نفس الوقت، يقول: “عندما نفحص الكتب المقدّسة، نجد أن الله قد أوحى للأنبياء بالكلام أو بالمظاهر الحسية أو بالطريقتين معا، وفي بعض الأحيان يكون الكلام والمظهر الحسّيّ حادثا بالفعل، لم يتخيّله النبي لحظة سماعه أو رؤيته، وأحيانا أخري يكون مجرد خيالات، بحيث تكون مخيلة النبي مهيأة، حتى وهو في اليقظة، على نحو يجعله يتخيل انه سمع صوتا أو يري شيئا بوضوح ” المصدر نفسه، ص 126 وهو ما يعني أنّه في الوقت الذي يشير فيه إلى أن الكلام والمظهر الحسّيّ يمكن أن يكونا حوادث فعلية، فإنّه يفتح المجال على إمكانية التعاطي معها باعتبارها مجرد خيالات، تحدث في النوم كما في اليقظة، فالنبوة بهذا المعنى يمكن أن يكون مجالها الخيال ليس أكثر. وهو بهذا يقف على نفس الأرضية في فهم النبوة مع عديد الفلاسفة العرب الذين أرجعوها إلى الخيال مثل أبي نصر الفارابي.
اعتمد سبينوزا في تفسير الظواهر الدينية على التأويل العقلي من جهة، ومن جهة ثانية حرص على أن يكون وفيا لمنطوق النص المقدس أكثر ما يمكن، وإذا كان الفكر الديني الرائج في زمانه وفي زماننا أيضا يقوم على القول بعجز العقل عن إدراك الحقائق التي يزخر بها النص الديني بحكم طبيعته، فإنّه على العكس من ذلك يثق في العقل ويمنحه القدرة على فهم النص المقدس، بل إنّه يتجاوز النظرة الفلسفية المهيمنة في زمانه، والتي تعود بجذورها إلى ابن ميمون والقائمة على التوفيق بين النص الديني والعقل، لصالح نظرة أخرى ترى أنّ النصّ المقدّس يتضمّن ضمن ما يتضمنه ما لا سبيل للتوفيق بينه وبين العقل، مثل المعجزات وضرب الأمثال، التي لم يكن الهدف منها غير تقريب الأفكار إلى الناس، أما حدوثها واقعيا فلا برهان عقلي يؤكده، لذلك فإنّ المطلوب برأيه هو تركيز النظر على المعنى الأخلاقي للدين، أما المعرفة اليقينية فتطلب من مصدر آخر غير النص المقدس.
ومثلما عاد إلى اللغة العبرية للإحاطة بمعنى كلمة النبي، نراه يعود إلى اللغة ذاتها للبحث في معني كلمة روح، لكي يقف علي دلالة نزول روح الله على الأنبياء، فالروح تعني: الريح والنسمة والشجاعة والقدرة والنفس والرأي، ويؤسّس على تلك المعاني فهمه للنبوة، من حيث كونها تتمظهر عند أناس أتقياء، وبالتالي هم متميزون عن غيرهم في مجال الأخلاق، كما أن لهم قدرة علي الإحاطة بفكر الله، فالله منحهم روحا منه لتمكينهم من القيام بالوظيفة التي انتدبهم للقيام بها، وبهذا فإنّ ما نسميه خيال الأنبياء هو فكر الله بحسب رأيه ، يقول ” وبالمثل يمكن تسمية خيال الأنبياء بقدر ما كان يكشف عن الأوامر الإلهية فكر الله وروحه، ويمكننا القول إنّ الأنبياء كان لديهم فكر الله “المصدر نفسه، ص 142.
وذلك القصور الذي يعانيه الجمهور، هو الذي جعل الأنبياء بحسب سبينوزا يلجؤون إلى الألغاز وضرب الأمثال، وذلك لتقريب المسائل من أذهان الناس، لذلك كتب يقول ” وبناء على ذلك يتبيّن لنا السبب الذي جعل الأنبياء يدركون تعاليمهم ويعرضونها دائما بلغة الأمثال أو الألغاز، وجعلهم يعبرون عن الحقائق الروحية بطريقة جسمية، فهذه الأساليب هي التي تتفق تماما مع طبيعة الخيال “المصدر نفسه، ص 144.
وأثناء رسمه لحدود النبوة يبين أن بعض الجهلة والنساء الساذجات كانوا أصحاب نبوة بينما افتقدها بعض الأذكياء، فبرأيه ” من المسلم به مثلا إن سليمان لم تكن لديه هبة النبوة، مع انّه فاق سائر البشر في حكمته، وكذلك لم يكن الرجال ذوو العقل الراجحة من أمثال هيمان ودرداع وكلكول أنبياء، على حين أن رجالا غرباء عن العلم وكذلك بعض النساء الساذجات، مثل هاجر خادمة إبراهيم كانت لديهم هبة النبوة، وهذا ما يتّفق مع التجربة والعقل، فكلما زاد الخيال قلّ الاستعداد لمعرفة الأشياء بالذهن الخالص ” المصدر نفسه، 145. وفي هذا دلالة كبيرة، فالحكمة لا تفترض النبوة ضرورة والعكس صحيح أيضا، ومن ثمّة ينتقص من الخيال إذ ” مجرد الخيال لا يتضمن بطبيعته اليقين، على نحو ما تتضمنه كل فكرة واضحة ومتميزة ، بل إن من الضروريّ للحصول على اليقين أن نضيف إلى الخيال شيئا ما، هو الاستدلال، ويترتب على ذلك أن النبوة لا تتضمن بذاتها اليقين، مادامت تعتمد … على الخيال وحده ” المصدر نفسه 146 ، وعلى هذا النحو فإنّ ما يعطيه للأنبياء بيد يأخذه بيده أخرى، فهو يقر تفوقهم في الخيال، ولكنهم متخلفون في الذكاء الذهني، والواضح أنّه يرسم خطّ فصل بين النبوة والعقل، بين الفلسفة واللاهوت فـ” كلما زاد الخيال قلّ الاستعداد لمعرفة الأشياء بالذهن الخالص ” أما من يتفوّق في الذهن فإنّ قدرته علي التخيّل تكون ضعيفة، ومن ثمّة يستنتج نتيجة خطيرة فـ ” البحث عن الحكمة ومعرفة الأشياء الطبيعية والروحية في أسفار الأنبياء ابتعاد عن جادّة الصواب ” المصدر نفسه ص 146 وهو ما يعني أن الخيال أدنى مرتبة من البرهان والفلسفة أسمى من اللاهوت، وبالتالي فإنّ الحكمة لا تطلب من الكتب المقدسة وإنما من الفلسفة.