
أولاد الحفيانة (أبناء حافية القدمين) في سيدي بوزيد هم أولئك الذين جعلوا قراهم المنسيّة منارات للحرّية خلال أيام. من سمع، قبل الآن، عن تجمعات سكنية صغيرة متناثرة ترقد على مقربة من سفوح الجبال مثل "الاعتزاز" و"النصر" التي يسميها أهلها وحدة الثوار كناية عن متساكنيها الذين هم من بين المقاومين القدامى؟ من سمع عن "الرقاب" و"المكناسي" و "المزونة" و "منزل بوزيان" ؟ لقد أصبحت تلك القرى فجأة على أعمدة الصحف، وفي الفقرات الأولى لنشرات الأنباء العالمية، والمناسبة كرة لهب صغيرة، سرعان ما تدحرجت لكي تصبح حريقا ضخما.
في بلدي يعيش الجميع، هذه الأيام، حكاّما ومحكومين على إيقاع ثقافة الانتحار بعد انتحار الثقافة بفعل فاعل، على مدى عشرات السنين. اللحم الآدمي المشوي والمصعوق بالكهرباء والمرمي في بئر أصبح رمزا، والأجساد المثقوبة بالرصاص صارت علامة. وعندما يشتد الظلام، ويطول ليل الاضطهاد قد تأتي شرارة من بعيد فيندلع الحريق، وإذا بما جري تصويره على أنه سهل أخضر يعجّ بالحياة هشيم يسكنه الأموات.
إنّها العلاقة المعروفة نتائجها مسبقا بين النار وبرميل البارود، تلك النار التي إذا اندلعت فإنّ ألسنتها وهي ترتفع عاليا تفتح الأعين على ما لم تره سابقا. ففي وهج النار المشتعلة، اكتشف المسؤولون الرسميون، فجأة، ثغرات تنموية في حاجة إلى معالجة فورية، وانتبه "جندرمة" الإعلام المحلّي إلى هموم المعذبين الذين طحن الفقر عظامهم و جرح الإذلال كرامتهم .
لقد أسمع "أولاد الحفيانة" الجميع صوتهم، بما في ذلك من به صمم. وصل الصوت حتى لأولئك الذين وضعوا الشمع على آذانهم، جريا على عادة ألفوها، متجاهلين ما عدوه نشازا سوف لن يستمر لأكثر من ساعات، ولكنه استمر أياما فأصبحوا هم النشاز وهو القاعدة. عندها، خرجوا من كهوفهم والتحقوا بالركب لممارسة التضليل بعد إخفاقهم في مهمة التعتيم. ولم يخجل بعضهم من تفسير ما حصل بمؤامرة شاركت فيها أطراف داخلية وأخرى خارجية. وذهب الخيال بطبيب نفساني إلى أبعد من ذلك فالأمر برأيه يفسر ببساطة بعدوى الانتحار!
أولاد حافية القدمين وهبوا الوطن خلال معاركه الكبرى مئات الشهداء والجرحى. منهم خرج ثلثا المقاومين التونسيين، وعلى أيديهم تخرجت أجيال يسكنها الغضب. فرنسا اكتوت بنار بنادقهم التي جمعوها من بقايا سلاح المتقاتلين خلال الحرب الثانية، وأوّل الرصاصات التي أطلقت ضدّ الفرنسيين كانت في جبل "قارة حديد" الذي يحرس "سيدي بوزيد" من جهة الجنوب، وسرعان ما لعلع رصاص العز في "قبرار الرقاب" و"بوهدمة / المكناسي" قبل أن يعـــــمّ البلاد من أقصاها إلى أدناها.
تحتفظ الذاكرة إلى اليوم بروايات كثيرة عن بطولات هؤلاء الذين أسماهم بورقيبة في خطبــــه " أولاد الحفيانة"، معترفا لهم بدورهم الكبير في طرد الغزاة الفرنسيين، قبل أن ينقلب عليهم ويعدم بعض قادتهم ويرمي بآخرين منهم في غياهب سجونه. ويردّد الأهالي ما يعد درسا تفتقت عليه قريحة "المجاهد الأكبر" في التعامل معهم، فقد نصح، يوما، بعدم إشباعهم ولا تجويعهم، ففي الحالتين لا يمكن تجنب ثوراتهم!
سيدي بوزيد ريف شاسع، جبال وسهول ووديان. أناس قُدّت قسمات وجوههم من تربة تعد مطمور تونس للخضروات. وأنت تتجوّل بين تضاريس ذلك الريف ربما صادفت امرأة مسنة لا تزال تحتفظ في ذاكرتها بحكايات غضّة عن تلك المعارك الكبرى التي خاضها أبناء حافية القدمين ضد المستعمرين، فتروي وقائعها شعرا، وتجعلك تعيشها اليوم كما لو كنت بين جموع الزاحفين الأباة على جحافل الغزاة قبل ستّين عاما.
معذّبو الأرض هؤلاء قاوموا الفقر والاستعمار والإهانة. لم يفجروا أنفسهم في مراقد النجف و قباب سامراء، وإنما اختاروا الانتحار بين ذويهم، علً ذلك يكون عنوان الحرية للمحرومين من أبناء جلدتهم الذين طُمروا أحياء في قبور الفقر والعبودية. تلك كانت صرختهم التي ترددت في الآفاق ، فهبّ الشعب يردّد نشيدها.
أبناء حافية القدمين أصبحوا الآن أشدّ مراسا، هم أكبر من المذاهب والطوائف والعشائر التي استبدت بأقرانهم العرب فقادتهم إلى الاقتتال على أعتاب الأوهام. شعاراتهم تعكس شوقهم للعدل والحرية، وهم يرددون أنه إذا كان هناك من طرف يعملون لحسابه في الداخل وفي الخارج فهو أنفسهم. وهم مدركون أن تحرّرهم مثل سائر المضطهدين لن يكون إلا من صنعهم. لقد دفعوا، فيما سبق، ثمن انتصارات غيرهم وعليهم الحذر الآن من إهداء دمائهم إلى طيور الظلام ومستبدّي المستقبل الذين ينتظرون مثل ذئاب ماكرة انقشاع غبار المعركة للفوز بغنيمة طالما انتظروها!