لكن إلى أي مدى يتوافق نزع شرعية الأنظمة والسلطات و”تشذيذها” مع الحاجة الضرورية لفهم هياكل السلطة والأصول الاجتماعية والثقافية للسياسات المتبعة؟ إلى أي مدى يسهم نزع الشرعية في إعاقة نشوء شرعية جديدة، ويعمل التشذيذ على تعطيل مفهوم القاعدة المطردة الذي لا غنى عنه من أجل ثقافة منتجة للشرعية؟ وهل يسهم إحكام الحصار الأخلاقي حول النظم المعنية في تحرير الفهم والتحليل العقلاني المتجرد لها أم في حصاره؟ هل إقامتنا على إدانة استثنائيتها تضعف هذه الاستثنائية أم تثبتها وترفع خارج متناول العقل؟ وهل إبراز شذوذها والتركيز عليها يرسخ الشذوذ هذا، ويعطل الفهم الذي هو بالتعريف نزع شذوذ الظاهرة ووضعها في سياق أوسع وأعم؟ وهل ثمة تعارض أساسي غير قابل للتقليص بين مطالب الاحتجاج السياسي ومطالب الفهم والتحليل النظري؟ وهل هذا، إن وجد، تعارض أصلي بين كل نقد يجري في سياق العمل السياسي والاحتجاج وبين مقتضيات التحليل النظري المنزه عن الغرض؟ وإذا كان حشد الاحتجاج ضد نظم وسلطات مستبدة وغير عقلانية ضروريا، فهل من سبيل للمثابرة عليه مع تطوير قدراتنا على فهم أصولها وبناها ومنطق عملها ومناهج تفكيرها؟ أم أن التطوير هذا يقتضي تحييد انحيازاتنا السياسية وشل الفاعلية الاحتجاجية؟ وهل التحييد ممكن دون إضفاء شرعية واقعية على سياسات وهياكل النظم الراهنة؟ وهل يكون إضفاء الشرعية هذا ثمنا لا بد منه لمعرفة علمية بأحوالنا السياسية؟ معرفة ترقى عن “تحليلات نضالية” قلما تكون مرضية في الواقع؟
لنعترف أن التساؤلات هذه تتصل مباشرة بالشأن السوري الراهن، وتحديدا بالعلاقة بين النشاط الكتابي النازع للشرعية وبين الحاجة إلى فهم أكثر تنوعا ورهافة وعمقا للبنيان السياسي. وهي أوثق صلة بعد باللحظة الراهنة من عمل الديمقراطيين والمثقفين السوريين، لحظة يبدو أنها تتسم بتراجع مردود الأنشطة النازعة للشرعية إن ثابرت على أدواتها وممارساتها الراهنة: تشذيذ، إبراز الاستثنائية واللامعقولية، تغذية السخط على النظام… بل إننا نشتبه في أن المثابرة على هذا المنوال من شأنها أن تعطي مفعولا عكسيا، أعني النيل من شرعية المثقفين المنكبين على هذا النشاط. شرعيتهم الثقافية مقابل شرعية سياسية مخفوضة القيمة.
في السياق الملموس، السوري، يبدو لنا أن مجمل الأنشطة النازعة للشرعية لا تطرح تلك الشواغل على نفسها، ولا تهتم بها. في أصل ذلك ضعف الإحساس بالزمن. قبل ست أو سبع سنوات كان نقد نظام يضفي القداسة على نفسه، ويصادر على التطابق التام بينه وبين البلد، وكان إدخال دلالات غير متداولة مثل الاستبداد والدكتاتورية ونظام الحزب الواحد والشمولية وحالة الطوارئ، والعمل على إظهار رثاثة النظام وتهافته الفكري والثقافي… كان أمرا “تقدميا” لأنه كان جهدا باتجاه تمليك القطاعات الناشطة السوريين حقا بديهيا لهم: نقد السلطات التي تحكمهم و”السيطرة” عليها عقليا. كان هذا التزاما ملحا يتقدم أي التزام آخر. وقد تحقق إلى حد لا بأس به. وهو اليوم لم يعد ذلك كافيا. أضحى المطلوب معرفة أعمق لآليات عمل النظام وتركيبه وهياكله، وللمجتمع السوري وبناه الاقتصادية والثقافية وانقساماته ووعيه الذاتي، وقبل كل شيء تكوين سورية وتاريخها. بإقامة الأنشطة النازعة للشرعية على تشذيذ النظام تحكم على نفسها بحالة طوارئ فكرية، بينما هي لا تكف عن إدانة نظام الطوارئ المرتهن البلاد منذ أكثر من أربعة عقود، وتسوغ باستثنائية نظام الحكم استثنائية وضعها وتركيزها المفرط على السياسي المباشر (ما يستحق وصف السياسوية). فكأنها تصاب بعدوى النظام وتنسخ بنيته الاستثنائية الشاذة بينما هي تناهضها، وتعرّف نفسها حصرا بمناهضتها لها. وكأن فرط الالتصاق بالنظام ينقل له آفاته وأمراضه (بالتناضح؟). نرغب في إغلاق باب اللاشرعية على النظام، لكننا نغلق دون أنفسنا أبواب الفهم وتطوير أدواتنا التحليلية والعملية.
نتيجة ذلك شيئان: الأولى، انحدار الفاعلية النازعة للشرعية إلى مستوى التذمر والشكوى الذي يضمر تقبلا غير مدرك للشرط القائم وتثبيت شرعيته؛ النتيجة الثانية، هي ما أشرنا إليه فوق من إغراق نظام الحكم في استثنائية وشذوذ لا برء منهما تبدوان متناسلتين بصورة طبيعية من تكوينه الذاتي. النظام شاذ وقمعي واعتباطي لأن “طبيعته” لا تثمر غير سياسات من هذا الطراز. لا ننتبه إلى أن اشتقاق الشذوذ من “جوهر” النظام أو “طبيعته” يجرده من حريته، ويلغي من ثم شرعية نقده. فإذا كان النظام شريرا بطبعه، فأية مفاجأة في أنه يفعل الشر، يعتقل ويعذب وينهب ويميز..؟ وأي جدوى من إدانته؟ بل أي معنى لها؟ (مثل ذلك، بالمناسبة، ينطبق على نقد عربي شائع لأميركا وإسرائيل: إنهما قوتان شريرتان جوهريا. الأذى طبعهما البديهي. لكن نتيجة ذلك أننا نرتبك حين تفعلان شيئا غير شرير. وقد نوغل في السخف إلى درجة تصوير كل مستحسن لديهما بأنه دعاية كاذبة، أو حتى مؤامرة على وعينا! أو نميل إلى نسيانه لأنه يخزي مخططنا العقلي هذا. كيف “نؤول” مثلا كون عزمي بشارة عضوا في البرلمان الإسرائيلي؟).
فاسد وشرير بطبيعته، يغدو الشيء الوحيد الصحيح هو قلب النظام والثورة عليه. وفي هذا ما فيه من “زنق” للنشاط المعارض وتضييق للخيارات أمامه. وفيه ما فيه أيضا من تصور التغيير كقفزة عدمية تمسح الطاولة تماما وتبدأ من الصفر؛ وهذا مسلك اقترنت نظائره التاريخية بالعنف والإرهاب.
والأصل في هذه الممارسة هو تواضع يقارب الرثاثة في مستوانا الفكري. لا نقوم بدراسات مقارنة مع نظم أخرى، تتجاوز تشبيهات انطباعية مع دول عربية أو “شمولية” أخرى. لا نقوم كذلك بتحليل تاريخي لتطور نظم الحكم لدينا وحولنا. وبينما لا جدال في رثاثة النظام ذاته، وكونه فاعل ترثيث ثقافي واجتماعي وسياسي لا يجارى، فإن الوقوف هنا يعني التسليم بانغلاق الباب: النظام رث ومرثث أو فاعل ترثيث، والمثقفون رثون ومنفعلون.
هذا لا يترك مخرجا عمليا، ما يمثل في رأينا برهانا كافيا على أنه خطأ معرفيا.
المثقفون الديمقراطيون السوريون مدعوون اليوم إلى هجر المقاربة التشذيذية، من أجل ألا يفلت منهم زمام المبادرة الفكرية نهائيا. وضع نظامنا السياسي في إطار البحث المقارن والتاريخي من شأنه أن ينزع شذوذه ويساعد على فهمه وبلورة مفاهيم ونظريات مناسبة لمقاربته، دون أن يعني ذلك بالضرورة إضفاء الشرعية عليه. الواقع أن العكس هو الصحيح. فمن شأن الارتقاء الفكري والنظري أن يرسخ شرعية النشاط المعارض كفاعلية متحضرة وراقية لا كصراع صغير على السلطة، وقد يتيح له مخاطبة جمهور أوسع يحتكر النظام اليوم مخاطبته، فضلا عن أنه يسلط الضوء على بنية النظام ونقاط ضعفه وقوته، ما يفيد في تطوير النشاط التغييري والاحتجاجي بالذات. وعي هذا الاحتياج لا يلبيه، لكن الغفلة عنه تفاقم عقم الفكر والعمل.
بلى، ليس من شأن الدراسة الموضوعية لبنى النظام وهياكله وأصوله أن تضفي عليه الشرعية. فالأحكام المعيارية التي تتصل بقضية الشرعية ونزع الشرعية لا تشتق من الأحكام التحليلية أو الوصفية، وإن تطلبت التناول التحليلي والوصفي تعليقا إجرائيا للحكم المعياري. ترقية المعرفة الموضوعية تنعكس إيجابا على قدرة فكرنا على نزع الشرعية، لأنها تمكنه أولاً من إنتاجها أو صنعها. اليوم محدودية فاعليتنا النازعة للشرعية وجه من محدودية فعلنا العام، بما فيه الصانع الشرعية.
لا يفوتنا، في الختام، الإشارة إلى وجود مثقفين يدرسون الحياة السياسية السورية دراسة وضعانية، وينتهون منطقيا إلى مواقف سياسية محافظة، ويضفون على النظام استواء وشرعية سياسيتين. من أبرزهم في سوريا محمد جمال باروت، الذي تمكنه فطنته وسعة اطلاعه من تقديم أفكار واقتراح مقاربات فكرية “ثورية”. لكن تدهور السوية المعرفية للعمل المعارض، واقتصارها على “تحليلات نضالية”، يفتح الباب أوسع فأوسع لأشخاص أدنى موهبة وأقل اطلاعا لإنتاج معرفة “غير إيديولوجية” ومحابية للنظام. سيبدو العلمي مع النظام، وما هو ضده إيديولوجي وعالي الصوت (شقي الوعي أيضا).
قد يقترح قارئ: من أجل استقلال المعرفة العلمية عن الإيديولوجية يتعين فصلها عن السياسة، بما في هذه نشاط المعارضة الاحتجاجي. لا يملك المرء إلا أن يتعاطف مع طرح كهذا، لكنه طرح يفترض مجتمعا ممأسساً، تتمايز فيما “منازل” السياسة والمعرفة، وتنزل كل منهما منزلها لا تتعداه. ليس الأمر كذلك في بلدنا. لذلك تبقى قضية الاحتجاج والعمل من أجل التغيير “تقدمية”، ويبقى ارتباط المعرفة بالاحتجاج أمرا لا سبيل إلى اجتنابه.