شعاع قادم من نهاية العالم

كانت (إطلالة من حوافّ النهائيّ) من السويد، من بلد قد تصبح الحرية فيه عائقا داخليا! يواجه البوح الشعريّ وما يعتلج في نفوس الشعراء الذين قدِموا منه إلى دمشق لأحياء (أيام للشعر السويدي) وتزامناً مع صدور كتاب – انطولوجيا الشعر السويدي- عن دار المدى للثقافة والنشر، تحرير جاسم محمد والشاعر السويدي ماغنوس ويليام اولسن وترجمة كل من إبراهيم عبد الملك وجاسم محمد وتقديم الشاعر سليم بركات. تتناول هذه الإطلالة الانطولوجية شعراء وشاعرات من سبعينات القرن الماضي حتى العقد الأول من الألفية الثالثة. هذه الأيام التي اختتمت أعمالها في ندوة حوارية في قاعة اوسكار في فندق الفردوس كانت بالفعل إطلالة على عالم شبه مغلق بالنسبة للقراء والكتاب والشعراء العرب الذين واكبوا تلك النشاطات. تحدّث الشعراء عن مختلف المواضيع التي أثيرت حول السويد على صعيد الفكر والحضارة وخصوصيات اللغة (التي لا يتجاوز عدد الناطقين بها 9 مليون نسمة) وقدّم الشاعر ماغنوس ويليام اولسن شرحا وافيا في خاتمته مبتدئا بالقول – إن ماهية الشعر السويدي المركّبة لقارئ من المحتمل انه لا يميّز اللغة السويدية عن غيرها من اللغات الغربية، تبدو صعبة للغاية خصوصا إذا عرفنا إن اللغة السويدية تكاد لا تلائم الفلسفة فهي فقيرة من حيث المفاهيم وغير دقيقة وعلى من يتوق (من السويديين) إلى التمايز الحاد والوصف السديد والدقة الإيمائية أن يطلب ذلك في الفرنسية أو الألمانية بين اللغات الأوروبية. أما من يريد مخاطبة القلب والأحلام وكل الدرجات المنزلقة لحياة الروح فإنه يكاد لا يجد لسانا أفصح من السويدية.إنها لغة النبرات والتناغم، محكية تبدو لسامعها أغنية ترجح فيها كفة الإيقاع والسرعة وتقطيع العبارات على كفة المعنى الدلالي وبمصطلحات (نفسلسانية) يمكن القول إن السيموتيكي (The semiotic )-( بالسويدية Det semiotiska ) العلاماتي فيها يغلب على الرمزي.ليدرك المرء فجأة لِم خلق الله هذه اللغة النائية متحدة بعالم من التناقضات الشديدة من صحراء ثلجية وخَضار متفجر، من أشهر من ليل أزلي وأخرى من شمس لا تغرب أبدا. من مدن –عمر أقدمها لا يتجاوز ثلاثمائة أو أربعمائة سنة على أبعد تقدير – ولكل فرد من سكانها جدّة أو جد من الفلاحين. ومن وحدة مفرطة وحفلات. رغم ذلك يضيف اولسن استطاع السويديون المحافظة على تقليد أدبي اسكندينافي متميّز تمتد جذوره إلى القرون الوسطى. أدب شعريّ رفيع المستوى بأوزان خاصة لغويا وكما هو معروف، فالمقفى (slutrimm )أحد فروع الشعر الأوروبي الاستعراضية، لكن اللغة السويدية تفتقر الى القافية، ولكنها من جانب آخر غنية بإمكانيات الجناس الاستهلالي (alliteration ) والجناس المجزوء (assonance ). لقد بحث الشعر السويدي والشعراء السويديون عن الذات في الخارج دائما ، في تقاليد ولغات أخرى لهذا تحظى الترجمة بتقدير عال وبصفة عامة فإن اغلب السويديين يتقنون لغة أخرى إلى جانب لغتهم الأم وفي فترة ما بعد الحرب كانت تلك اللغة وبشكل متنام، هي الإنكليزية ليهيمن الأدب الانكلوسكسوني على حركة الإصدارات السويدية حتى وإن اعترض الكتاب والنقاد والمترجمون السويديون بأعلى أصواتهم على الإقليمية في إصدارات دور النشر فالحقيقة تبقى أن ما يترجم في السويد يفوق ما يترجم في كل البلدان التي لا تجوز معها المقارنة، وبحساب النسب يفوق ذلك الكم مثيله في انكلترا والولايات المتحدة الأميركية على سبيل المثال بأضعاف.

وبفضل سياسة ازدهار عامة واقتصاد مختلط وأطراف راغبين بالتعاون في سوق العمل ورواتب دائمة الارتفاع وإيقاع إصلاح سريع كان للسويد في بداية السبعينات أن تصبح أكثر دول العالم رخاءً. مجتمع متجانس، وعادل نسبيا، تعلّم أفراده عن تجربة أنهم بالعمل الشاق والفاعلية النقابية والدراسات والعمل الديمقراطي استطاعوا في الواقع تحسين مجتمعهم وظروفهم المعيشية، ولكنه أيضا مجتمع وفاقي تسود فيه مطالب أتباع العُرف وان لا تنحرف وان لا تكون مختلفا. ورأى كثير ممن عاشوا تجارب في بلدان ومجتمعات أخرى كالشاعر غونّار ايكيليوف أن عقلية المجتمع بكاملها كانت خانقة حد الجزع. ولأول مرة كذلك تشكّل جيل كامل متأثرا بالثقافات الشبابية والموضات العالمية المتزايدة والمثل التي انتشرت في العالم والنابعة من الولايات لمتحدة الأميركية وانكلترا في المقام الأول، موسيقى البوب، التسريحات غير الممشطة ،روح التمرد. سنة 1975 خرق بعض الفنانين والشعراء والكتاب والباحثين في الأدب الموضة الفكرية السائدة فأسسوا مجلة فكرية نظرية متعجرفة تحت عنوان أزمة (KRIS ) كان مثالها إلى حدّ ما مجلة تيل كيل (Tel Quel ) الفرنسية. تمّ هنا وعلى جبهة عريضة تقديم ما اصطلح على تسميته فيما بعد بالفكر ما بعد البنيوي. تم التعريف بجاك دريدا وبول دومان ليتعرف المفكر السويدي بجدية على التفكيكية ولكن التقليد التمظهري الهرمنتيكي في الفلسفة الأوروبية والنقد وجد عبر مجلة – أزمة- مكانا في المُعلن الأدبي السويدي. هنا تجانس هايدغر وميرلوبونتي وغاستون باكيلارد مع هانس جورج غادمر وفيرنر هايشمر وجون ستاروبنسكي. وكان اهتمام الفلاسفة والنقاد، الذين تم تقديمهم، بالشعر ذا دلالة. وفي التسعينات ظهرت تسمية (الجيل الساخر) تسمية قصدت الشباب الذين رأوا الإيديولوجيات تموت عند (سقوط الجدار) والذين لم يؤمنوا البتة بقيم ثابتة واتخذوا من الفكرة النيتشوية (الحقيقة جيش من التعابير الصورية) نقطة انطلاق لهم. لقد كان تقسيم العالم إلى كتل ايديولوجية أمراَ مفروغا منه بالنسبة للسويديين المولودين في الخمسينات والستينات وكأن ذلك من قوانين الطبيعة. كانت زيارة أوروبا الشرقية ممكنة بلا شك . لكن التبادل كان ضئيلا

ومراقبا.

وحين سقط الجدار يقول اولسن –وجدنا هنا عالما كاملا من بشر وأفكار وكتب وحكايات ظنناها ستظل مختبئة عنّا داخل حصنها.

قام المترجمان ابراهيم عبد الملك وجاسم محمد بمحاولة جادة لإعطاء صورة واضحة الملامح عن الشعر السويدي منذ مطلع سبعينات القرن الماضي، عبر مختارات من نتاج مجموعة من الشعراء تمثّل تجاربهم علامات دالّة على أبرز معطيات المشهد الشعري السويدي في العقود الأربعة الأخيرة. وتجدر الإشارة هنا إلى أن شعراء هذه الأنطولوجيا كلهم قد مُنحوا جوائز أدبية عدة في السويد. إنّ هذه العقود الأربعة هي التي شهدت نشوء (ما بعد الحداثة) وتطورها والانقلاب عليها أيضا في الحياة الفرية والفنية والأدبية عموما ،والشعرية خصوصا في السويد كتبعة للمتغيرات السياسية والاجتماعية والاقتصادية لا في هذا البلد وحسب ،بل في العالم كله. حقيقة تتركنا مع نتاجات متعددة الاتجاهات والنزعات والعقائد والإيديولوجيات التي أثّرت على الشعراء الباحثين أساسا عما يميّز تجربة كل منهم عن أبناء جيله وتحميه من صفة تقليد سابقيه .

فاختلفت الأساليب حد الهوس شكلا وفحوى .ونشبت صراعات ومساجلات بين من يؤيد هذا الاتجاه وبين من يؤيد سواه .وفي خضّم هذه الاختلافات وهذا التعدد النوعي كان للشاعر السويدي أن يكتب قصيدته إما مغرقا ومغاليا في الانتماء لنزعة أو اتجاه ما حينا أو مبتعدا بها أحيانا عما يشدها لأي انتماء في الظاهر أو الجوهر إلى سواه. يقول المترجمان في كلمتهما ((كما وأن للشاعر السويدي كأي شاعر في الكون علاقة شائكة بلغته .له فيها استعاراته وتورياته وجناسه وطباقه وبديعه ونحته واشتقاقه .وهو هنا كأي شاعر في الكون يصل بلغته إلى أسمى ما تستطيع لغته بلوغه.يلعب بالكلمة (أو بالعبارة) أو بمعانيها ويلاعبها كما يحلو له فتداعب اللعبة قارئها (السويدي) الذي يطرب (مثلك) اذا ما حلّ لغزا ما خبيئا بين طيات البلاغة.وكان حتما علينا هنا تجنّب ترجمة نصوص كهذه ،لايبقى من اللعب /اللغوي/اللفظي/ الموسيقي/الشكلي/التشكيلي فيها إن ترجمت أو – عُرّبتْ بتصرف – إلا مسخها .هنا لابُد من قراءة القصيدة بلغة شاعرها لا بلغة مترجمها)).ومن الجدير بالذكر هنا أن الشعراء الذين شملتهم هذه الأنطولوجيا واحد وعشرين شاعر وشاعرة هم على التوالي:

1-برنو ك أوير 2-إيفا رونفلت 3-إيفا ستروم 4-كاترينا فروستنسون 5- يوهان نوردبيك 6-أولف إيركسون 7-آن يادرلوند 8-آرنه يونسون 9- ماغنوس ويليام اولسون 10- ماري لوندكفيست 11- بتّر ليندغرين 12- لي لي 13- أوسا ماري كرافت 14-ماري سلكبيري 15- لارش ميكائيل رآتما 16- كريستين فالكنلاند 17- يوهانّس آنيورو 18-كريستيان لوندبيرغ 19- آن هالستروم 20- ينّي توندال 21- دافيد فيكغرين.

ختاما نورد هنا مقاطع مختارة للشاعر برونو .ك أوبر من مجموعة (بينما السمّ يسري)

في باطن مشط قديم بياضه كالعظام

تكمن ذرّات شرر كهربائي متبقية من شخوص

مشطوا شعرهم عند النافذة

وحبسوا أنفسهم في الداخل

ابتكروا مفتاحا للظلام الكبير الذي نستحق

آثار يديك

قرب الباب

على ورق الجدران

الباهت الزرقة

كما لو أنك اتكأت

وأردت أن تلفظي عنك جسدك وبقايا جوهرك

حلّّقت في شعور

ليس بمقدورك فيه

تمييز النور من العتمة لكنكِ مازلتِ

تُحسين بدوامات تيار من عيون

احتمت في الوجه المريع

في الحلم

صعدت في ريح شديدة

وأضرمت النار في البيت

خشيت بعدها

أن يصلوا في الوقت

ويأخذوا معهم

لهبا يقحمونه في السائل

ليحمّضوه

ويروا ملامحك

تبرز في الصورة

لماذا أراها جليّة ، عطر بنفسج

يقودوني إلى مكان السرير

هناك برأس مطأطئ فوق

تقبض بأسنانها على قلبها

دون ندم

ربما انقضت أصياف

صوت طير قوي على ظهره

والشعور بالاشمئزاز بعد أن حُمل بعيدا

العشب ينهض ثانية

ويختبئ منتظرا

بعد منتصف الليل

تعبت حقائبي

المرأة الشاحبة الخجول

ذات الرئتين السوداوين

تجلس ساكنة

وترقبني

ماذا تريد ثانية؟

لم أخلّ بعقدنا

ألستُ احمل نسخا من صوتها

حيث تقول بوضوح

إن هناك ظلالا مزيّفة

وإن الظلال الحقيقية فحسب لها أن تعتني بالجسد

الميّت