صالات السينما الشعبية المندثرة في مصر

لعبت صالات السينما دوراً إجتماعياً وثقافياً هائلاً في مصر، على مدار القرن الفائت، خصوصاً. تلك الكائنة في المناطق الشعبية، إذ كانت المتنفس الأول للسكان. مجلة “روز اليوسف” (8 كانون الثاني 2013) نشرت تحقيقاً صحافياً عن أسباب اندثار تلك الصالات والمسارح، منه نقتطف:

في شارع أحمد سعيد، بمنطقة العباسية، رحنا نبحت عن السينما القديمة الشهيرة، التي ظهرت كثيراً في افلام سينمائية عدة، المسماة “سهير”.

وبعد جهد استطاع أحد المارة أن يدلنا على مكانها، فاكتشفنا انه تم اغلاقها منذ سنوات عدة وتم تحويلها الى “صالة أفراح”، وهي الآن في طور الهدم كي يتم تشييد بناء سكني مكانها. ويقول عبد الحميد جمال عبد الناصر (27 سنة)، صاحب محلات مجاور الصالة: كان والدي يقول ان هذه السينما كانت تعرض نحو 4 افلام في اليوم الواحد، وبتذكرة سعرها 30 قرشاً. وكان اسمها أولاً، “سينما البسمة”، في السنوات الأخيرة بات لها سمعة سيئة بعد شائعات اطلقت عليها بأنها صارت مكاناً مفضلاً لـ “الشواذ جنسياً”. ويتفق مع هذا الرأي ناصر عبد الفتاح (17 سنة) إذ قال: السبب الوحيد الذي جعل الناس تستنكف عن الحضور الى هذه السينما ان العائلات شعرت بالخوف على اولادها.. ويضيف: لا يفرق معي وجودها من عدمه لأنني أعيل أسرة كبيرة وأعمل طوال اليوم ولا أفكر في أي شيء سوى أكل “العيش” فقط.

“سينما التاج”، في منطقة العباسية أيضا، اختفت وحلّت محلها ورشة لخراطة الميكانيك. “العم” علاء الدين عدوي يقول: الصالة أغلقت منذ نحو عشرين عاما بعدما عجزت عن تأمين كلفة إيجارها ورواتب العاملين فيها. كانت سينما “درجة ثالثة”، وأشهر الافلام التي عرضتها “أبي فوق الشجرة”.

ويقول سيد شعبان (29 عاما) من سكان الحي: الشباب الذين يريدون مشاهدة الافلام عليهم الآن الذهاب الى وسط البلد، وهذا يكلف كثيراً من كلفة المواصلات الى الثمن الباهظ لتذكرة الصالات هناك. لذا لا نقصد صالات السينما الا في المواسم.

أحد العاملين السابقين في “سينما التاج” يعزو سبب اغلاق الصالة الى ارتفاع ثمن الافلام، وهذا لا يناسب الصالات الشعبية الرخيصة، الى جانب انتشار شرائط الفيديو في ذاك الوقت ثم الاقراص المدمجة حاليا، ما أدى الى اعتكاف الناس عن هذه الصالات. ويؤكد ان نحو 30 صالة سينما كانت تعمل في هذه المنطقة، وجميعها اغلقت، منها “سينما مصر” التي اشتراها الممثل فريد شوقي وحملت اسمه، وعندما توفي تم اغلاقها.

“سينما ريتس” كانت من أكبر صالات وسط البلد واشهرها، وبعد اغلاقها استأجرتها الممثلة شريهان لتعيد ترميمها وافتتاحها، ولكن بعد الحادثة الشهيرة التي تعرضت لها الممثلة وكادت تودي بحياتها توقف المشروع نهائياً.

“سينما حديقة النصر”، شارع الجمهورية، هي من اقدم سينمات وسط البلد وهي التي كان يشاهد فيها الملك فاروق والسياسيون الكبار والباشوات والبهوات الافلام في بدايات القرن الماضي.

الغريب ان اصحابها جهزوها على افضل المستويات في مرحلة قبل ثورة 52 ولكن عندما جاءت الثورة لم يستكملوا الاجراءات وصرفوا نظر عن اعادة افتتاحها.

كذلك سينما محمد علي في بولاق ابو العلا لا يوجد اثر لها فقد زحفت عليها محلات وكالة البلح، فتحولت من مكان لعرض الافلام الى محلات لعرض الملابس المستعملة.

منطقة روض الفرج يوجد بها العديد من السينمات التي اغلقت ولم يعد لها اثر، منها سينما الصيفي وألف ليلة وليلة، والتي هدمت ويوجد مكانها برج سكني الآن.

كان يوجد في منطقة شبرا من 8 الى 9 دور سينما، منها مسرة ودوللي وشبرا بالاس وجميعها أغلقت ولا احد يعرف ما السبب الحقيقي وراء ذلك، على الرغم من ان منطقة شبرا متميزة للغاية بسكانها وطابعها الاجتماعي المتنوع.

الصحافي صلاح عيسى يقول: منذ اكثر من خمسة عشر عاما هناك توجه لانشاء دور سينما محدودة العدد لا تزيد على 200 كرسي فقط لا غير، والتي توجد في المولات الكبيرة، وهذه لا وجود لها في المناطق الشعبية.

الى جانب ان الانتاج السينمائي تغير وطريقة العرض ايضا واصبحنا نرى الان الفيلم يعرض في 50 سينما في وقت واحد ويستمر الفيلم لمدة اسبوع او اسبوعين فقط وبعد ذلك ينتقل الى الفضائيات، وبالتالي لا توجد مساحة عرض في الأماكن الشعبية!

وفي سياق متصل، أكد الناقد علي ابو شادي ان الدُور في الاحياء الشعبية كانت تلعب دورين في غاية الأهمية، الترفيه والتثقيف، والان هما غير موجودين بسبب إغلاقها وأصبحت الأسر لا تستطيع الذهاب الى الصالات بسبب ارتفاع سعر التذاكر وبُعْدها عن الأماكن التي يقطنون فيها..

هالة منصور استاذ علم الاجتماع تقول: نتيجة غلق وهدم دُور الاحياء الشعبية جعلت سكان هذه المناطق يبحثون عنها في المناسبات في المولات الكبيرة، ويشاهدون نمطاً واحداً فقط من الأفلام التي نسميها “افلام العيد” بعد التنوع السينمائي الذي كان يعرض في سينمات الاحياء طوال العام. وهذا ادى الى زيادة مظاهر الصراع الطبقي وحالة النظرة السلبية تجاه كل طبقة الى اخرى. فتظهر في التجمعات حالات التحرش والسرقة بالاكراه.

وأضافت منصور: باختفاء سينما الأحياء تم فصل هذه الطبقة أو الشريحة عن المجتمع لأنهم كانوا يتابعون كل شيء من خلال شاشات العرض ويتعرفون على ثقافات اخرى متعددة، جعلنا سكان الأحياء الشعبية يشاهدون نمطاً واحداً فقط الذي يظهر في أفلام العيد ومعظم الافلام يوجد فيها بلطجة وسرقة ومعاكسات ورقص ويخرجون من السينما يقلدون ما شاهدوه خلال الفيلم وهذه مشكلة كبيرة يجب الانتباه اليها.