صكوك الغفران المعرّبة عبد الواحد المكني

صكوك الغفران كانت عبارة عن أختام ممضاة من البابا أو من ممثّلي المجمع الكنسي الكاثوليكي و تمكّن “مقتنيها ” من الإعفاء الجزئيّ أو الكامل من العقاب و تطهيره من الخطايا و الذنوب و الحصول على العفو الذي يخوله دخول جنّة السماء.

و مع رواج صكوك التوبة و احتداد الأزمة المالية للكنيسة قام البابا باستصدار كمّيات هامّة من الصكوك التي وقّع عليها وختمها” على بياض “و أصبح الرهبان المتجوّلون يطوفون بها بين المدن و القرى و الأسواق و المعارض لبيعها، و تطوّر الأمر بأن أجيز شراء صكوك التوبة للأقرباء والموتى في القرن الخامس عشر.

كانت هذه الصكوك التي ظهرت بداية من مطلع القرن الثالث عشر سببا أساسيّا في تراجع تأثير الكنيسة داخل مجتمعات أوروبا الغربية و الوسطى كما كانت سببا في بروز فكرة الإصلاح الدينيّ التي قادها مارتن لوثر في الربع الأوّل من القرن السادس عشر.

كانت ثقافتنا الإسلامية العربيّة القائمة على المشافهة و قلّة التدوين سببا في عدم إنتشار مثل هذه المساومات اللّاهوتية وفي تقليص دور ” الإكليروس” الديني الذي لم يوجد أصلا في صدر الاسلام، وحتّى إن عثرنا في الفكرة الإماميّة وفي تراث الزعامة الدينية على ترغيب في الجنة و ترهيب من النار فإنه لم يتجاوز حدود الوعد الكلامي والمشافهة العابرة.

اليوم، ومع تطوّر تقنيات الكتابة و الطباعة و الرقمنة قرّر بعض حرّاس العقيدة و بعض عدول تنفيذ “الجهل الأبديّ للأمّة” أن يستنسخوا تراث صكوك الغفران الكنسيّة ويلبسونها ثوبا إسلامويّا و لسانا عربيّا.

الصدفة وحدها لعبت دورا رئيسيا في عثوري على أحد هذه الصكوك: فقد طلبت منّي ابنة أختى ذات السنوات العشر بعض الملاليم للقيام بطباعة 30 نسخة. إرتبت في الأمر لأنّ المدرسين لا يحمّلون تلاميذهم مثل هذا الوزر وتمعّنت في الورقة لقراءتها. وإليكم النص حرفيا و الكلام المسطور ليس من عندي بل جاء في الوثيقة-الصكّ:

” هذا خطاب موجّه من المملكة العربية السعودية إلى كل المسلمين في أنحاء العالم من الشيخ أحمد خطيب مسجد الرسول صلّى الله عليه و سلّم أنّه في يوم الجمعة، بعد أن ختم القرآن ونام وفي منامه رأى الرسول عليه الصلاة والسلام يقول له ( في هذا اليوم مات من الدنيا 6000 مسلم و لم يدخل أحد منهم الجنة) …فالزوجات لا يطعن أزواجهن …والأغنياء لا يساعدون الفقراء و الناس لا تؤدي المناسك المطلوبة منهم والمسلمون لا يصلون الصلوات بانتظام كلّا على حدة …و الشيخ أحمد يقول هذا لا يصح إن كنتم مسلمين حقّا. وكلّ مسلم تقع في يده هذه الرسالة يهتم بها ويوزّعها على المسلمين حتّى إلى يد كلّ مسلم في العالم أجمع [كذا]. أيّ شخص سوف يرى ويبقي هذه الرسالة يرى المكافآت وسوف ينال شفاعة المصطفى عليه الصلاة و السلام يوم القيامة. والمسلمون الذين تركوا الرسالة و لم يوزّعوها لن يروا الخير أبدا. الشيخ أحمد يقول لو أنّ هذا الكلام كذب لن يشفع لي الرسول ( عليه الصلاة و السلام).

هذه الرسالة وصلت إلى ( 3) أشخاص:

– الشخص الأوّل: تعامل معها بأن أعطاها للسكرتيرة و طلب منها أن تعطيه ( 30) نسخة، وبعد عدّة أيام من توزيعها فتحت أمامه عدّة أبواب من الرزق و الفرص الجديدة.

– الشخص الثاني: تعامل معها بأنْ حفظها في درج المكتب و نساها. وبعد عدّة أيام فصل من عمله فتذكّرها فطبع منها ( 30) نسخة ووزعها و بعد ( 5) أيام تمّ تعيينه في وظيفة أعلى من السابقة.

– الشخص الثالث: تعامل معها بإزدراء و إهمال شديد ورماها وقال ليس لها معنى … وتوفّي بعد (9) أيّام.

انشرها و سوف ترى الخير إنشاء الله.”( انتهت الرسالة ).

لن أتوقّف كثيرا عند تحقيق المصدر فأنا لا أعتقد البتّة بأنّها صادرة عن خطيب مسجد الرسول في السعودية. ويذهب تخميني أكثر صوب بعض أصحاب دكاكين النسخ ( الفوتوكوبي) الذين يريدون ترويج بضاعتهم وتنشيط سوقهم الكاسدة وحتّى هذا غير مهمّ كثيرا رغم خطورة الاتجار بالدين و العقائد فالأمر لا يعدو أن يكون نوعا من الاستشهار المجاني والذكي من شأنه تنشيط التجارة زمن الكساد.

ما استوقفني عند التمعّن في هذا الصك المعرّب هو الذهنية الجديدة التي أصبحت تروّج لها المطبوعات والمرئيات والمسموعات والقائمة على الوساطة العقائدية والوكالة على الجنّة والنار ورواج شرطة المرور إلى الفردوس وحرس العقيدة الذين نصّبوا أتفسهم بوّابين للجنان وللجحيم و هو أمر يتزايد بشكل سرطاني و يؤشّر على انغماس” نبهاء الأمّة ” في غفلة نوم جديدة قد لا يخرجون إثرها من الكهف.

تتضمّن الوثيقة عند إخضاعها لقراءة بنيوية مبسّطة استبطانا لضعف الحجة وسذاجة المقصد بدليل الاسترابة الذاتية المجانية ( لو ان هذا الكلام كذب…).

أمّا أطرف ما في الوثيقة والذي يستدعي قراءات معمّقة فهو تحميل مسؤولية هوان الأمّة وضلالها للزوجة الناشز التي لا تخضع إلى الهجر والضرب.

هكذا كان تشخيص بنت العلّة في مدوّنة ثقافة الصكوك ومن الأسباب الأخرى الهامّة بعد النيل من حرّية ” الرجل- الزوج” هو حيف الأغنياء واستكبارهم وعدم انخراطهم في التنمية التضامنية مع الفقراء والمساكين. أمّا السبب الثالث فهو ترك الصلاة، والرابع هو عدم استنساخ 30 ورقة من الصكّ.

هذه أسباب انحطاط الأمة وعدم قدرتها على اللّحاق بالركب و سياحتها في الجهل والأمّية والتخلف.

نسيت أن أذكّر بـ” السكرتيرة والدرج والمكتب والعودة السريعة للشغل والفرص الجديدة وأبواب الرزق ” فانتابني شكّ كبير وظنّ شديد: فهل أنّ الوثيقة وُزّعت على مسلم هذا الزمان وهذا المكان الذي يجد عناءً لتوفير ثمن الخبز قبل النسخ أم على مسلم افتراضي له سعة رزق و يسر شغل و كاتبة و درج و فرصة.

وبعد هذا، لا باس من العودة إلى تعريف إضافي ومبسّط لمعنى التخلّف التاريخيّ أو الفارق الزمني بين الحضارات فقد هبّ ( جون هوص ) و( مارتين لوثر ) للإصلاح ونقد صكوك الغفران منذ ستّة قرون بعد أنْ انغمست الكنيسة في الترويج لجنّة الصكوك الغفرانيّة منذ ثمانية قرون. وبين الستّة أو الثمانية قرون نجد الحدّ الزمنيّ والكمّي الفاصل بين نهضتهم ونومنا!