صهيب بن الشيخ إمام جامع مرسيليا: “لا بدّ من حماية من يعتنقون ديانات أخرى” –

نقاش متواصل في مختلف الأوساط الجزائرية حول نشاطات المبشرين المسيحيين وخاصّة من الكنيسة الإنجيلية في الجزائر. هذا البلد الذي يُعتبرُ عند العديد من مؤرّخي المسيحية المهد الذي نشأ فيه هذا الدين وترعرع. وعلى غرار أغلب الحكومات الإسلامية فإنّ الحكومة الجزائرية تضع عراقيل متعدّدة في وجه المعتنقين ومن تشتبه في أنّهم مبشرون، وقد شهدت مدينة “تيارت” تاهرت قديما التي كانت عاصمة لدولة الخوارج محاكمة مثيرة لامرأة شابة اتهمت بممارسة دين غير الإسلام دون ترخيص.. وإذا كانت مثل هذه المواضيع فرصة للمزايدين بالتدين للدفاع عن حياض العقيدة والدعوة إلى الاقتصاص من “المذنبين”، فإنّه يوجد لحسن الحظّ متديّنون لهم نظرة أعمق وأشمل لهذا الموضوع منهم السيد صهيب بن الشيخ إمام جامع مرسيليا والذي يبيّن وجهة نظره المتسامحة العميقة في حديث أدلى به مؤخّرا إلى صحيفة “الوطن”الجزائرية الناطقة باللغة الفرنسية، وقد اخترنا في الأوان تعريب النص تعميما للفائدة.
 


أجرى الحوار :  Madjid Makedh


في ردّ فعل على محاكمة الشابّة “حبيبة كـ” التي لاحقتها محكمة  “تيارت” بتهمة “ممارسة عبادة غير مسلمة دون ترخيص”، وعلى الجدل الدائر حول حملة التنصير في الجزائر، أدان صهيب بن الشيخ مفتي جامع مرسيليا ما اعتبره  “جوّا خانقا تتألّم منه الجماعة المسيحية في الجزائر”. وبصفته رجل عبادة فقد دعا إلى احترام الأديان الأخرى حتى “نسمح للمسلمين بالتنفّس”، كما دعا القائمين على شؤون العبادات في الجزائر إلى إيجاد تلاؤم بين خطاباتهم وبين تعاليم الإسلام. وبالمناسبة فقد عبّر صهيب بن الشيخ عن الأمل في أن يتدخل الرئيس بوتفليقة لـ”تهدئة هذا الجوّ”.





حبيبة ك. امرأة جزائرية شابّة مُلاحَقة قضائيا من أجل”ممارسة عبادة غير إسلاميّة دون ترخيص”، فما هو ردّ فعلكم؟



هذه القضيّة قد غدت عالمية، وهناك شعور بأنّ كلمة “المسيحية” قد أضحت تهمة. المشرّعون والأخلاقويّون لا يمكن لهم النفاذ إلى ضمائر الناس، فأن يمارس الفرد العبادة التي اختار في فضائه الخاصّ (بيته، حديقته..) أمر لا يخصّ الإدارة في شيء. بل يُفترضُ أن الإدارة لا بد أن تتصرف طبقا لمقتضيات القانون  والاتفاقيات الدولية التي أمضتها الجزائر والإعلانات العالمية لحقوق الإنسان والمتعلقة بحرية العبادة، لأنّ فكرة تماهي حدود الأديان بحدود الأمم هي فكرة قد عفا عليها الزمن، وهي فكرة غير صالحة للاستعمال. فكلّ إنسان هو حرّ تمام الحرّية في أن يعتنق ما شاء من الفلسفات أو العقائد، وأستنتج أن هذه القضية ليست غير عادلة فقط  بل هي إلى ذلك غير مُجدية إذ لا يمكن لأحد أن يُكره ضمائر الناس.

بما أنّ قوانين الجمهوريّة مُستوحاة من الشريعة، فهل يحظر الإسلام ممارسة عبادات أخرى؟



في الفقه- وهو إنجاز بشريّ – هناك حديث [مُعتمد] يقول : “من بدّل دينه فاقتلوه”، لكنّ هذا الحديث لا يمكن له أن يُلغي عشرات الآيات الصريحة. ثمّ إنّ هذا الحديث يُفسّرُ بظروف المرحلة التي قيل فيها عندما كان المسلمون يتعرّضون إلى حصار من تحالف قبليّ، وكان تغيير الدين حينها بمثابة الخيانة الكبرى.. كما يُفسّر هذا الحديث بالمناخ الحربيّ الذي كان سائدا حينها، إمّا الولاء أو الرضوخ. أمّا القرآن، وهو منبع فخرنا، فإنّه يمنح الحرّية الأكثر اتّساعا (وهناك آيات كثيرة تتحدّث عن ذلك)، وحُججُنا القليلة على إمكانية بعث إسلامي ّجديد، ولإظهار أنّنا لم نفقد كلّ شيء بعدُ، لا ينبغي أن ننال منها… الجزائر أمّة عظيمة، وفي كلّ الأمم العظيمة هناك فرصة للتعايش بين مختلف الآراء الفلسفية والعقائدية.  أضف إلى ذلك أنّ التعايش سيكون دليلا جيّدا على الانفتاح في هذا البلد. ولكي يكون هناك حوار فيه إثراء مُتبادل لامناص من وجود الآخر، لأنّ الآخر الذي ليس بشبيهي هو الذي يثريني. وأنا أبدو نافعا بما هو عاديّ يوميّ عندي لدى الآخر لا عند مثيلي. ولهذا أقول إنّ هذه القضيّة غير عادلة لأنّه لا يمكن للقاضي أن ينفذ إلى الضمائر، إلاّ إذا كان هناك نفاق يسعى إلى تديّن شكليّ [تديّن الواجهات une religiosité de façade].. وهذا هو الوضع للأسف الشديد في مجتمعات إسلامية عديدة. وأقول إنها قضيّة غير مجدية لمخالفتها للحقوق الأساسية للإنسان [وحرية العبادة] حقّ يضمنه الدستور كما تضمنه الإعلانات العالمية لحقوق الإنسان.



فعلا، ولكن ألا ينبغي أن نُطوّع النصوص التشريعية إلى التطوّر العالميّ بتطبيق مبادئ الإسلام التي تعرّضتم إليها منذ حين؟



هذا تراجع ! فالدستور يضمن حرّية العبادات، والجزائر من الدول الممضية على الإعلانات العالمية لحقوق الإنسان التي ترسّخ بوضوح تامّ حرّية الرّأي الفلسفي، والرأي السياسي والرأي الدينيّ. فهذا إذن تناقض مع ذواتنا، تناقُض مُضاعف بالتمشّي العقيم الذي ينفّر منّا الآخر. فالدّين الواثق من نفسه لا يهاب الآخر ولا يخشى المقارنات ولا حتّى التشكيك. فالأديان المتشكّكة في نفسها هي وحدها التي تنمو في الظلّ في مأمن من النظرات. وليس هذا وضع الدين الذي أعتنقه. لا مناص باسم الدين نفسه، من احترام من يختارون اعتناق ديانة أخرى. أمّا هؤلاء الذين يعترضون على ذلك باسم السنّة أو باسم الإسلام وباسم وحدة الأمّة.. .فإنّهم يخالون أنّ هذا البلد يرتعش بيسر وأنّ ديننا يرتجف بسبب ارتداد هؤلاء أو أولئك. إنّنا إذا كنّا نريد أن نُبرز تماسك مبادئنا وقوّة قناعاتنا، فعلينا ألاّ نخاف ممّن يختار مسارا مُخالفا. وليس هذا مجرّد رأي يسوقه عالمُ دين،  بل هو التزام شخصيّ. أنا أحضُّ الجزائريّين الذين يملكون حدّا أدنى من سلامة العقيدة الإسلامية على أن يحموا من يُريدون اعتناق العقيدة المسيحية أو غيرها من العقائد. ولا بدّ أن تكون تصريحات جمعية العلماء أو وزارة الشؤون الدينية أشدّ انسجاما مع مبادئ الإسلام.. الإسلام الذي حمى المزدكية والأديان المانوية والمسيحية بتفرّعاتها واليهودية.. هذا الإسلام لا يمكن له اليوم أن يدير بظهره إلى تاريخه. فإذا كانت حبيبة تريد أن تعتنق المسيحية وإذا وجد شخص آخر روحانيته في شخص المسيح، فأنا لا أقاسمهما رأييهما، ولكنّني سأفعل ما في وسعي كي يعبّرا عنهما.



تعرف الجزائر منذ بضعة شهور جدلا حقيقيا حول ما يسمّى بالحملة الإنجيلية. فهل ترون أنّ الإسلام مُهدّد فعلا في الجزائر؟



 نحن مُقتنعون تمام الاقتناع بحقيقتنا ومرتاحون تمام الارتياح إلى قناعاتنا. ومن غير الطبيعيّ أنّنا -نحن المسلمين- نفعل كلّ شيء كي تعيش عقيدتنا ونقوم بعباداتنا في كنف الكرامة الكاملة في بلدان الغرب، وفي كنف الجمال والحرّيّة، بينما نحن في الجزائر مهد المسيحية نخشى منها. لا يمكن للإنسان أن يحمي دينه إلا في كنف الحوار إذ لا يمكن أن  نتحقّق من واقعيّة عقائدنا إلاّ عبر الاحتكاك. وإن لم نفعل فإنّنا نوشك أن نصاب بالشيخوخة والضمور دون أن نعلم. فحيويّة دين من الأديان تتأكّد عندما تكون في تماسّ مع الوقائع. وبصراحة أنا لا أرى أين يوجد الخطر، بل بالعكس : الخطر يكمن في هذا المناخ الذي ينتسب إلى محاكم تفتيش جديدة، وهي خطيرة على الإسلام مثل خطرها على المسلمين. فلا ينبغي تجاهل هذا المعط المتمثّل في أنّ عدد المسلمين في الدول غير الإسلامية أكبر من عدد المسلمين في الدول الإسلامية. وأنا أتوجه إلى رئيس الجمهورية وهو ضامن الدستور والوحيد القادر على التحكيم في هذه المسألة وتهدئة هذا الجوّ. لا أحد يمتلك إيمانه، والإيمان ليس خيارا ولا يصدر عن نشاط دماغيّ ، لكنّها تساؤلات  تستفيق داخل ذواتنا ورغم إرادتنا.
 


مقالات ذات صلة:


محاكم تفتيش بالجزائر: السجن ثلاث سنوات لجزائرية اعتنقت المسيحية


تزايد المعتنقين للمسيحية في تيزي وزو بالجزائر


نداء من أجل التسامح و احترام الحريات