صورة وحلم

لنؤكّد مرّة أخرى أنّ الوجه هو المكان المثاليّ الذي يخبرنا عن حقيقة الإنسان؛ وقد أكّدنا ذلك في مقالتنا السابقة، واعتبرناه الضرورة الوجودية للكائن الإنساني التي لا يمكن الاستغناء عنها. فالوجه يجعلنا قابلين للظهور في العالم والانخراط كليا في مسالكه الوعرة. به تتوطّد علاقات بين الذوات أحيانا وتتبخّر أحيانا أخرى. بدون الوجه يستحيل وجود العالم ويغدو ضريرا يتحسّس بيديه في العتمة. لكنّ انفتاح الوجه يكسر جدار هذه العتمة وظلماتها المخيفة ليجعل من الإنسان ماهية تستحقّ الوجود، لأنّ الوجه هو جسر نعبره لنعانق ضفّة العالم بما تختزنه من إمكانات الحياة السعيدة.

من هذا المنطلق يظهر جليا وبشكل يقينيّ أنّ الإعلان فطن لهذا المعطى مبكّرا، هذا المعطى الذي يتميّز به الإنسان بما هو إمكانية قادرة على جني ما هو مفيد، وهو معطى الوجه. الإعلان لا تفوته مثل هذه الحقائق، فهو يدرس ليلا ونهارا ليعثر بعد استنزافه مجهودا كبيرا على كل ما هو قابل للاستثمار والاستعمال. لم يسلم الوجه من هذا الجنون الكاسح للإعلان الذي استولى على مواطنه الضعيفة وأطبق عليه قبضته الحديدية.

العيون تتمرأى للناظر بشكل مثير؛ البؤبؤ يكاد يقتلع من مكانه، يترجم دهشة جنونية منقطعة النظير، دهشة بارزة للعيان لا يمكن التشكيك في سمتها. ترى ماذا تخفي هذه الدهشة في جعبتها؟

دهشة تخبر أنّ باب الكنز انفتح على مصراعيه أمام الذات ولم تتحكّم في نفسها ولو لبرهة جراء ما اختبرته أو التقطته أذناها اللامرئيان في عين المكان. هو انفتاح لأفق كان في الماضي مسدودا وأضحى بالنسبة إليها في تلك اللحظة الثمينة أفقا رحبا ومفتوحا، هو أفق الممكنات والعوالم الممكنة، والاستحالة لم تجد بدّا من تقديم أوراق المغادرة الطوعية عن طيب خاطر، لم تعد الاستحالة تجد آثارها راسخة في رمال صلبة، ولم تعد واردة بشكل جذريّ، فقد غدت محمولة على هودج النسيان. ملامح الدهشة تشي في عمقها بأنّ ثمّة باب الجنة انفتح، ويجوز عندئذ عدم التردّد في ولوجه، إنها فرصة سانحة وفريدة من نوعها عليها أن تغتنمها باعتبارها غير قابلة للتكرار. النصف الثاني السفلي لا مرئيّ، قد تكون الأرجل مرفوعة عن سطح الأرض، تعبيرا عن سماع الخبر السعيد، قفزة لا شعورية، لأنّ الخبر كان ذكيا والأكثر من ذلك حذقا. الرسالة أو الخبر السعيد الذي أثلج القلب تسلل بذكاء وفطنة إلى مواطن اللاشعور وبؤر الرغبة الجياشة بحممها المتناثرة. النصف الأول العلوي مرئيّ، اختيار الوجه ليس بريئا، لأنّ الناظر لا يصدّق إلا الوجه، يحسّه ويعلم خباياه، وهنا في هذه الصورة الوجه سعيد والبشاشة تغزوه. ما سبب سعادته؟ مفاتيح السعادة تسكن خلف هذا الوجه، الآذان سمعت نداء السعادة وليست لديها النية في عدم تلبية هذا النداء، ملامح الوجه لم تتمالك نفسها… الصورة يهيمن عليها اللون الأحمر، لأنه لون الإثارة ومنبع لإيحاءات متنوعة، لون يثير الانتباه والأكيد أن الناظر لن يقلب الصفحة دون الالتفات لهذا الجسم الغريب، الذي يسكنه اللون الأحمر بغرابة شديدة، الأحمر يتوج الدائرتين الموضوعتين بدقة وعناية على العينين المشدوهتين، والخط المستقيم المشبع هو أيضا بغزوة اللون الأحمر القاني الكبرى على سطحه العريض، بين الدائرتين والخط المستقيم ثمة دلالة مفرحة، بينهما لغة الأرقام تؤشر على أريحية مطلقة، بينهما عنوان للمجانية! اللون الأحمر لا يكفّ عن الانتشار والتباهي، يغمر الشفتين المتباعدتين عن بعضهما البعض. الإعلان لن يوقف جماحه أيّ شيء، يرفع الستار عن جسد يتغنى بجماله، يتجرّأ وبدون رادع على حمل المرأة على الظهور في كل الأشكال وفي شتى الوضعيات. الأحمر يغطي مساحة من الوجه، لكن الابتسامة تكسر تمثال الأحمر المهيمن. الفم فاغر في حدوده القصوى، الفم فاغر تشمله شراهة لا تنتهي دوافعها ولا تعرف استكانة. الفم فاغر مقرون بشراهة تلتهم كل شيء في طريقها، الأخضر واليابس، التهاما؛ يجسد بشكل مثالي الوضع الإنساني في عالم اليوم. الإنسان يجول وفمه فاغر، لا يتورع عن اقتناء كل الأشياء، سواء كانت تنتمي إلى صنف الضرورة أم إلى صنف الكماليات. يدخل الفرد إلى السوبرماركت ويجد نفسه متورطا رغما عن أنفه في متاهة هذا المكان المتشعبة ومترامية الأطراف. تصميم هندسي رفيع المستوى، ونوعية الأضواء منتقاة بعناية من طرف يد ناعمة، ومساحة الأروقة محسوبة، وصوت أنثوي ينادي بين الحين والآخر، المنتوجات تحتكر أماكنها التي وضعت فيها بأناقة وكبرياء لساعات ودقائق معدودة على أصابع اليد وتمضي من ثمة إلى حال سبيلها معزّزة ومكرمة. يدخله الفرد فارغ الوفاض ويخرج منه مثقلا بسلع تستعصي على ذاكرته الحافظة استيعاب أسمائها العجيبة جملة وتفصيلا.

كلمات بجوار الصورة على جهة اليمين تحرّض العين على النظر، أن تحملق بشدّة، العين من فرط مشاهدتها غدت لا تصدق نفسها. من هول ما رأت أو سمعت باتت عاجزة الآن عن التصديق. من يصدق العيون إذن؟

الوجه سكنته البشاشة إلى أبد الآبدين، في هذا الوجه تقطن السعادة مزهوة لا تعرف انطفاء، الوجه يوحي بفرحة لا تصدق ذاتها، هي فرحة كان من ورائها النجاح الذي جعلته المؤسسة الخدماتية ممكنا وقابل التحقق، فسنوات الحلم تلاشت مع هذه الخدمة. هي مؤسسة في مضمونها الإسمي تحيل على سخائها الجميل والنبيل في عدم فصلها ما بين الأفراد داخل المجتمع. بالنسبة إليها الكل بدون استثناء مشمول بخدمتها، هي رهن إشارة الجميع لا تخفي أية نزعة تفاضلية أو عنصرية.

الصورة هي النموذج الذي وفقه تستنسخ باقي الذوات، الحياة الأفضل تكمن في محاكاته، في تبني فكرته ومظهره، في الانقياد فيما اختاره وفيما سلكه، وفي الانهمام بميولاته، الأفضل هو اتباعه. إذا أردت أن تحيى سعيدا بعيدا عن البؤس والشقاء، عليك ألا تتردد في تقليده. فالحياة الطوباوية تترجمها عيونه المشدوهة المحملقة نحو هدفها المباغت وغير المنتظر.

الصورة بليغة في الكلام، تتقن لعبة الإثارة واجتذاب النفوس الحالمة بفردوس الخلود والرغد، صورة تصنع عالما خال من تعقيدات الأمور والأشياء، عالم يمكن العيش في حضنه بسهولة تامة. عالم قابل للسيطرة على هيجانه وحالات الهيستريا التي تنتابه بين الحين والآخر. الانخراط في هذا العالم المثالي يتأتى بالانصياع لكلام الصورة وبلاغتها الطنانة، ومشاركتها الحلم الذي يستحيل تحقيقه دون الانضمام إلى مملكتها ولعينيها التي رأت الحقيقة منتصبة أمامها. إذن، الفردوس الذي يطمح إليه الفرد والحلم الذي راوده في هزيع الليالي الشتوية الباردة والقارسة صار واقعة حقيقية وظاهرة في واضحة النهار.