
يحتلّ طه حسين (1889-1973) موقعا هامّا في مقارعة الأصوليّة والسلفية، فكرا وممارسة، من خلال ما قدّمه من أفكار تجديدية استندت إلى المنهج العقلانيّ في قراءة التراث العربيّ الإسلاميّ وفي الإضاءة على أسباب التخلّف الإسلاميّ العربيّ ومنه تعيين بعض سبل الخروج من الماضي نحو المستقبل. يتموضع طه حسين في طليعة روّاد التنوير في العالم العربيّ، وأحد القادة المكافحين والمصارعين في وجه القديم التقليديّ والحديث التجديديّ.
أدركت قوى التقليد والسلفية والظلامية في مصر مبكّرا خطورة طروحاته والآثار السلبية التي ستلحق بها من تركها تتفاعل داخل النخب المصرية، فامتشقت سيف الحرب التكفيرية ضدّ طروحاته ووظّفت موقعها في البلاط من أجل كبح جماح أفكاره بل وإجباره على التراجع عنها. لذا سجّل طه حسين اسمه مبكّرا بوصفه محاربا ضدّ الأصوليّات والظلامية والتخلّف في مصر والعالم العربيّ. فما هي الأفكار الجديدة التي أتى بها طه حسين ليصنّف معاديا للإسلام، ولماذا قادت المؤسّسة الدينية التي تخرّج منها أي الأزهر تلك الحملة الشعواء ضدّه، ولماذا تخلّى عنه أقطاب من الليبرالية السياسيّة واتخذوا موقفا مسايرا للمؤسّسة الدينية؟ أسئلة تجد جوابها في ما أتى به طه حسين من نشر للفكر العقلانيّ الذي يشكّل العدوّ الأكبر للفكر السلفيّ التقليديّ والأصوليّ. رغم أنّ طه حسين قدّم كثيرا في الأدب والسياسة والفلسفة، إلاّ أنّ كتابه “في الشعر الجاهلي” الصادر عام1926 يتميّز بأنّه سلّط الضوء من خلاله على منهجه الفكريّ في قراءة التراث، كما شكّل كتابه “مستقبل الثقافة في مصر” الصادر عام 1937 محاولة لوضع برنامجه الإصلاحيّ موضع التطبيق خصوصا في مجال التعليم. لذا سيجري التركيز على الأطروحات التي اعتبرت مسّاً بمقدّسات واقتحاماً لمقولات فكرية سائدة وتمرّدا على التقليد المهيمن في الثقافة المصرية.
{{عصر طه حسين: السياق الاجتماعيّ والسياسيّ والفكريّ}}
يشكّل النصف الأوّل من القرن العشرين المدى الزمني الأبرز الذي سجّل فيه طه حسين أبرز أفكاره الإصلاحية وخاض عبرها صراعه السياسيّ والفكريّ مع البلاط والمؤسسة الدينية على السواء. امتازت تلك المرحلة بانتشار كثيف للأفكار الليبرالية التي حملتها نخب تأثرت بشعارات الثورة الفرنسية في الحرية والمساواة وتلقحت بفكر الأنوار الأوروبية خصوصا قضية الديمقراطية وحق التعبير واستخدام المناهج العقلانية في قراءة قضايا الحاضر إلى أي ميدان انتمت. وشكل طه حسين واحدا من رواد الفكر التنويري وهو الذي تشبع به من خلال إقامته ودراسته في فرنسا. في الوقت نفسه كانت مصر تعيش تحت نير سلطتين مستبدتين وقاهرتين للمواطن المصري، الأولى تتمثل بالاحتلال البريطاني لمصر، والثانية بالحكم الملكي الخاضع لأوامر الاحتلال والمنفذ لرغباته في حرمان المصريين من الاستقلال الذي كان يشكل لدى النخب المصرية الشرط الضروري لفك الحجر عن تخلف مصر والبوابة التي تدخلها إلى التحديث والحداثة. لم تكن المؤسسة الدينية الممثلة بالأزهر بعيدة عن العلاقة الإيجابية مع البلاط واستطرادا مع الاحتلال، وكانت تلعب دورا خطرا من خلال كبت ومنع أي أفكار تجديدية على الصعيد الفكريّ – الثقافي، وهو دور يضع العصي في معركة التنوير والتحرر في آن.
كان على طه حسين الانخراط في الحياة السياسيّة ومقارعة السائد من الفكر المتخلف كما يراه من خلال الثقافة. لم يكن جاهلا للصعوبات التي ستواجهه وللعقبات التي ستعترضه لاسيما وأن طروحاته المخالفة أتت مباشرة بعد المعركة الفكريّة السياسيّة التي قادها الأزهر والبلاط في وجه الشيخ علي عبد الرازق الذي كان قد نشر قبل عام كتابه “الإشكالي” المعنون ب”الإسلام وأصول الحكم”. وهي معركة لم تكن آثارها قد جفت عندما نشر طه حسين كتابه “في الشعر الجاهلي” عام 1926، مما وضع مصر أمام معركة مزدوجة في المضمون لجهة تمرد الكاتبين على الأفكار السائدة وطرحهما لمقولات تهزّ المؤسسة الدينية التي فرضت حجرا على حرية التفكير، واستخدمت البلاط لتنفيذ قراراتها في منع التجديد الفكريّ من أن يرى النور. فكيف ترجم طه حسين مشروعه التنويري وما المحاور المركزية التي شكلت قاعدة هذا المشروع؟
{{ميادين الفكر التنويري لطه حسين}}
كتب طه حسين في كثير من الميادين الفكريّة والأدبية والشعرية والتاريخية، فترك لنا تراثا كبيرا لا يزال حتى اليوم يشكل واحدا من منارات الفكر العربي. لكن حيزا من كتاباته المباشرة التي أتت مخالفة للسائد وضعته في معركة مع التقليد والسلفية والأصوليّة السائدة في مصر، وهي كتابات حملها بشكل أساسي كتاباه: في “الشعر الجاهلي” (1926) و”مستقبل الثقافة في مصر” (1937). لكن مقدمات هذين الكتابين لجهة المنهج والمضمون كانت في كتاباته الأولى وخصوصا رسالته لنيل الدكتوراه، أي كتاب “تجديد ذكرى أبي العلاء” (1915) حيث يقول :”إن الحياة الاجتماعيّة إنما تأخذ أشكالها المختلفة، وتنزل منازلها المتباينة بتأثير العلل والأسباب التي لا يملكها الإنسان، ولا يستطيع لها دفعا ولا اكتسابا… إن كل أثر مادي ومعنوي ظاهرة اجتماعيّة أو كونية ينبغي أن ترد إلى أصولها وتعاد إلى مصادرها”.
بناء على هذه المقدمات قدم طه حسين في ما أنتج لاحقا “مشروعه التنويري” الذي يمكن اختصاره بالدفاع عن العقلانية والعلمانية والحرية والديمقراطية. أما تجليات وتفاصيل هذا المشروع فيمكن تلمسها في كل النصوص التي أنتجها. عمد طه حسين إلى قراءة متجددة للتراث الإسلامي العربي وسعى بجرأة إلى إخراجه من الحيز اللاهوتي الذي كان هذا التراث أسيره بما يمنع نقده ومساءلته، وإخضاعه إلى القراءة التاريخية بما يسمح رؤيته انطلاقا من الحاضر، وبما لا يترك أي مجال خارج النقد والتحليل الموضوعي. أما الجديد غير التقليديّ الذي أتى به طه حسين وطبقه في قراءته المتعددة على التراث، فهو استخدام “منهجية الشك” في ما كان يعتبر من المسلمات التاريخية والحقائق الثابتة والتي وجدت أوضح صورها في كتابه الإشكالي :” في الشعر الجاهلي” حيث يقول :”نعم يجب حين نستقبل البحث عن الأدب العربي وتاريخه أن ننسى قوميتنا وكل مشخصاتها، وأن ننسى ديننا وكل ما يتصل به، وأن ننسى ما يضادّ هذه القومية، وما يضادّ هذا الدين، يجب أن لا نتقيد بشيء ولا نذعن لشيء إلاّ مناهج البحث العلمي الصحيح” (ص393).
ويتابع طه حسين شرحه لمنهجه الجديد فيقول :”وليس حظ هذا المذهب منتهيا عند هذا الحد، بل هو يجاوزه إلى حدود أخرى أبعد منه مدى وأعظم أثرا. فهم قد ينتهون إلى تغيير التاريخ أو ما أتفق الناس على انه تاريخ. وهم قد ينتهون إلى الشك في أشياء لم يكن يباح الشك فيها.” قاده هذا المنهج في التطبيق إلى نسف بديهيات موروثة خصوصا في النص الديني حيث يقول :”للتوراة أن تحدثنا عن إبراهيم وإسماعيل، وللقرآن أن يحدثنا عنهما أيضا، ولكن ورود هذين الاسمين في التوراة والقرآن لا يكفي لإثبات وجودهما التاريخي، فضلا عن إثبات هذه القصة التي تحدثنا بهجرة إسماعيل وإبراهيم إلى مكة ونشأة العرب المستعربة فيها”.(من كتاب في الشعر الجاهلي، ص399).
هناك شبه إجماع من دارسي طه حسين أن رؤيته المنهجية القائمة على الشك للوصول إلى اليقين والتي انتهى بها إلى تحكيم العقلانية مقياسا أوحد للحقيقة، هذه المنهجية تشكل أهم الإسهامات والإنجازات التي قدمها إلى الفكر العربي الحديث والتي تمثل أهم الأسلحة في مواجهة المسلمات التقليديّة والماضوية السائدة، وهي مسألة لا تزال تشكل مصدر العداء الأصوليّ المتواصل لطه حسين وفكره.
يعتبر طه حسين أن الانطلاق من التزام العقلانية يجب أن تكون مرشد القراءة لكل جوانب الحياة سواء أكانت ثقافية أم سياسية أم اجتماعيّة .. لأنه يستحيل الوصول إلى التحديث في المجتمعات العربية والإسلامية من دون التزام هذه العقلانية وتنصيبها الحكم والحاكم في آن. لم يبق طه حسين في إطار النظر بالنسبة لرؤيته في وجوب التزام المنهج العقلاني، بل طبقه في مجمل أبحاثه المتعددة الجوانب، واعتبر أن هذا المنهج يحرر العقل من كل افتراضات مسبقة ومعيقة للتفكير والنقد الحر، وهي نظرة يمكن اعتبارها مدخلا لإعادة الاجتهاد في كل شيء وخصوصا في النص الديني، وذلك بعد قرون على إقفال هذا الباب منذ سيادة الشافعي وهيمنته على الفكر الديني، مرورا بعصور الانحطاط التي غرقت فيها المجتمعات العربية والإسلامية. يقرن طه حسين تحقق العقلانية بالعلم وتجديد العقل، ويرى ارتباطا وثيقا ين العقل والحرية ، وكون هذه الحرية لن تتحقق بدون قيام العلمانية التي ترتبط بدورها بتحديث الدولة وإشاعة الديمقراطية. يشير في مقطع معبر عن وجهة نظره في كتابه “مستقبل الثقافة في مصر” حيث يقول:”إن النظام الديمقراطي يجب أن يكفل لأبناء الشعب جميعا الحياة والحرية والسلم.
وما أظن الديمقراطية تستطيع أن تكفل غرضا من هذه الأغراض للشعب إذا قصرت في تعميم التعليم الأولي، وأخذ الناس جميعا به طوعا أو كرها. فلأجل أن تكفل الديمقراطية للناس الحياة يجب قبل كل شيء أن تكفل لهم التصرف في هذه المذاهب المختلفة التي تمكّن الفرد من كسب قوته… ومن الطبيعي أن الحياة التي يجب أن تكفلها الديمقراطية للناس إنما هي الحياة القابلة للتطور والرقي من ناحيتها المادية ومن ناحيتها المعنوية…فيفرض عليها أن تمنح أفراد الشعب وسائل الكسب التي يسعون بها في الأرض ويلتمسون بها الرزق. وأن تزيل من طريقهم ما قد يقوم فيها من العقبات التي تنشأ عن الجور والظلم، وعن التحكم والاستبداد وعن مقاومة الطبيعة نفسها لتصرف الإنسان” (ص94-95).
تطبيقا لمنهجه، دعا طه حسين إلى اعتماد القرآن نقطة انطلاق التاريخ العربي في جميع وجوهه التاريخية والأدبية والسياسيّة، ومن أجل ذلك يجب قراءة مراحل التاريخ السابق للإسلام أي ما يتعارف عليه بالجاهلية، قراءته من خلال القرآن وليس عبر نتاج هذه المرحلة خصوصا منها الشعر الجاهلي. وصل به البحث في هذا المجال إلى الشك في ما هو سائد من مفاهيم حول الحياة الجاهلية، وصولا إلى التشكيك في وجود هذا الشعر أصلا.
قادت أبحاث طه حسين في الشعر الجاهلي إلى القول إن التعمق في دراسة حياة قريش في الجاهلية تظهر أن حياة دينية حقيقية كانت تمارسها وتفرض قواعدها من خلالها، وهذه الحياة الدينية تفسر الأسباب التي جعلتها تتصدى لدعوة محمد التي كانت تراها وسيلة تدمير وإلغاء حياتها الدينية، ويصل طه حسين من ذلك للقول بان هذه الحياة لا يمكن العثور عليها او تبينها من خلال الشعر الجاهلي:”ليس هذا الشعر الذي ثبت أنه لا يمثل حياة العرب الجاهليين ولا عقليتهم ولا دياناتهم بل لا يمثل لغتهم ، أليس هذا الشعر قد وضع وضعا، وحمل على أصحابه حملا بعد الإسلام؟ أما أنا فلا أكاد أشك الآن في هذا” على ما يورد في كتابه “في الشعر الجاهلي”.
لم يقتصر مشروع طه حسين التنويري على المنهج العقلاني الذي استخدمه في قراءة التراث وخصوصا الشعر الجاهلي، بل استكمل هذا المشروع بتناول التعليم ووجوب تعميمه والأهم إصلاح مناهجه. قدم طه حسين في كتابه “مستقبل الثقافة في مصر” عام 1937 مشروعا حضاريا اعتبر فيه “الثقافة والعلم أساس الحضارة والاستقلال والحرية وسيلة الكمال وسبب من أسباب الترقي، ينبغي الملاءمة بين حياتنا ومجدنا القديم”. ولأن التعليم ومناهجه كانت تحت هيمنة الأزهر، كان لا بد لمشروع طه حسين أن يطال بشكل جوهري إصلاح المؤسسة الدينية- التعليمية الأم الممثلة في الأزهر. لم تكن آثار حملة الأزهر على طه حسين بعد إصداره كتاب “في الشعر الجاهلي” قد جفت بعد، ولم يكن طه مقصرا في نقده للمؤسسة بشكل غير مباشر من خلال تعرضه إلى رجال الدين عبر كتابه “الأيام” الذي يروي فيه سيرته الذاتية ومن بينها علاقته برجال الدين الأزهريين وتشخيص ما يتصفون به من جهل وتجهيل “واقتناص حقوق الآخرين بعد مصادرة عقولهم وإتلافها”. تابع طه حسين الطريق التي شقها محمد عبده قبله بنصف قرن تقريبا في وضع اليد على مصدر الخلل في التعليم في مصر وبالتالي في إنتاج الثقافة والتفاعل مع التقدم والتطور. لذا لم يكن غريبا أن يرى طه حسين في الأزهر أخطر العوائق وأصعبها أمام التحولات العلمية والمعرفية والثقافية في مصر، وذلك بالنظر للموقع الديني التقليديّ الذي يحتله الأزهر وما يرمى عليه من مهابة وسلطة تصل إلى حدود التقديس، وهي مهابة تجد ترجمتها على صعيد السلطة السياسيّة التي يشكل الأزهر أحد دعائمها الرئيسية مقابل الحرية التي تعطيها السلطة للأزهر في الحجر على العقول وسن قوانين المسموح به وغير المسموح من أفكار .
إضافة إلى ذلك يتمتع الأزهر بقدرة كبيرة في تجييش الجمهور الشعبي ضد أي طروحات مخالفة لآرائه ووسمها بالهرطقة والإلحاد بما يبرر لجمهور معبأ برمزيات الدين من الانقضاض على أي مجتهد أو مفكر وإسكات صوته وصولا إلى هدر دمه، وهو أمر سبق أن خبرته مصر عامي 1925 و1926 مع الشيخ علي عبد الرازق وطه حسين نفسه.
ظل طه حسين طوال حياته يهجس في إصلاح التعليم في مصر، وعندما توفرت له ظروف المشاركة في السلطة سعى إلى تحقيق هذا الهدف من دون أن يتمكن من تحقيق كل ما يريد. في المقابل واستكمالا لإصلاح التعليم احتلت قضية تحرير المعرفة من السلطة الدينية وقوانينها التقليديّة والبالية محورا أساسيا في كتاباته وسجالاته، ورأى أن هذا الهدف متصل بالخصومة بين العلم والدين والخلط بينهما. يطرح وجهة نظره في كتابه “بين العلم والدين” فيقول :”الخصومة بين العلم والدين قديمة يرجع عهدها إلى أول الحياة العقلية الفلسفية. إن هذه الخصومة بين العلم والدين ستظل قوية متصلة بما قام العلم وما قام الدين، لأن الخلاف ينهما أساس جوهري…
إن الخصومة لم تكد تنشأ بين العلم والدين أو بين العقل والدين حتى دخلت فيها السياسة فأفسدتها وانصرفت عن وجهها المعقول إلى وجه آخر لم يخل من الإثم بل من الإجرام… الخلاف بين العلم والدين لا يستمد قوته وعنفه من الفرق بين جوهر العلم والدين فحسب، وإنما يستمد قوته وعنفه من مصدر آخر هو أن الدين خط الكثرة والعلم خط القلة، فسواد الناس مؤمن ديّان مهما يختلف العصر والطور والمكان، والعلماء والمفلسفون قلة دائما”.
{{طه حسين في مواجهة السلطتين الدينية والسياسيّة}}
واجه طه حسين حملة شعواء ضد التجديد الفكريّ الذي طرحه بوضوح في كتابه “في الشعر الجاهلي”، قاد الحملة مؤسسة الأزهر التي رأت خطورة طروحات طه حسين على منظومتها الفكريّة التقليديّة السائدة. وتمكن الأزهر من تجييش معركة أوسع عبر استحضار السلطة السياسيّة التي لم يكن طه حسين متلائما في فكره ومنهجه مع توجهاتها. ولإعطاء المعركة بعدا أكبر كان على الأزهر استخدام ما يملكه من قوة سياسية وشعبية ورمزية مكنته من تحويل المعركة ضد طه حسين من إطارها الفكريّ إلى معركة سياسية بكل معنى الكلمة استحضرت عبرها الشارع لمواجهة “الخطر الكبير” الذي يمثله ذلك المفكر “المارق” والمتمرد على أفكار رجال الدين. عاشت مصر في تلك الفترة ، وقبلها بعام مع علي عبد الرازق، ما كانت عرفته أوروبا في عصور “محاكم التفتيش” في القرون الوسطى التي قادتها الكنيسة آنذاك وأخضعت بموجبها المفكرين والعلماء إلى ضروب شتى من الاضطهاد وصل إلى إحراقهم وإعدامهم، في حال مخالفة ما كانت الكنيسة قد وضعته من أفكار وقوانين من غير المسموح التعرض لها أو نقدها أو نقضها.
تركزت اتهامات الأزهر ضد طه حسين على جملة مسائل أولها اعتبار كاتب “في الشعر الجاهلي” قد أهان الدين الإسلامي من خلال تكذيبه القرآن حول إبراهيم وإسماعيل عندما يورد في كتابه:”للتوراة أن تحدثنا عن إبراهيم وإسماعيل، وللقرآن أن يحدثنا عنهما أيضا، ولكن ورود هذين الاسمين في التوراة والقرآن لا يكفي لإثبات وجودهما التاريخي..”.
ويتعلق الاتهام الثاني بما تعرض له المؤلف في شأن القراءات السبع التي اجمع عليها المسلمون والتي باتت من المسلمات والثوابت. أما الاتهام الثالث فيرى أن طه حسين قد طعن طعنا فاحشا بالنبي محمد لجهة نسبه. أما الاتهام الرابع فيتناول مسألة إنكار طه حسين كون الإسلام يحتل الأولوية في بلاد العرب من خلال قوله :”أما المسلمون فقد أرادوا أن يثبتوا أن للإسلام أولية في بلاد العرب كانت قبل أن يبعث النبي. وشاعت في العرب أثناء ظهور الإسلام وبعده فكرة أن الإسلام يجدد دين إبراهيم، وأن هذا قد كان دين العرب في عصر من العصور ثم عرضت عنه لما أضلها به المضلون وانصرفت إلى عبادة الأوثان”. وبناء على ذلك طلب شيخ الأزهر اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة والفعالة ضد طه حسين بناء لطعنه ومسه بدين الدولة ووجوب تقديمه إلى المحاكمة. في أي حال لم تكن هذه المرة الأولى التي يتعرض فيها طه حسين إلى مثل هذا العداء، فقد ناله منه قبل عشر سنوات عند صدور كتابه “تجديد ذكرى أبي العلاء” حيث اتهم بالإلحاد والهرطقة وجرت مطالبة بحرمانه من حقوقه الجامعية وسحب شهاداته وإلغائها.
أما على الصعيدين الشعبي والسياسيّ، فلم تكن المعركة أقل ضراوة منها في المؤسسة الدينية. جرت عملية تجييش شعبي ضد طه حسين عبرت عن نفسها بمظاهرات في مدن القاهرة والدلتا والصعيد، وحشدت فيها من كل الفئات الاجتماعيّة في مصر، منددة بأفكار طه حسين ومطالبة بمحاكمته واتخاذ الإجراءات الردعية المناسبة في حقه.
أما على الصعيد السياسيّ، فكما جرى مع قضية علي عبد الرازق قبل عام، انقسمت الحياة السياسيّة بين مدافع عن طه حسين وأفكاره وبين من ماشى المؤسسة الدينية والبلاط. لم تكن السلطة السياسيّة على توافق مع طه حسين الذي ظل أمينا لأفكاره وأهدافه في الإصلاح، ولم تبد هذه السلطة ارتياحا لمقولاته التي رأت فيها، على غرار المؤسسة الدينية، مخاطر تهدد الأسس التي تقوم عليها السلطة وبموجبها تحقق الهيمنة على العقلية الشعبية السائدة. في هذا المجال عاد الزعيم المصري سعد زغلول الذي كان يرئس البرلمان المصري ليكرر الموقف إياه الذي سبق اتخاذه تجاه علي عبد الرازق فوقف ضد طه حسين وماشى المؤسستين الدينية والسياسيّة، وهو موقف يمكن وصفه ب”الانتهازية” هدف زغلول من ورائه إلى إرضاء الجمهور الغاضب ضد طه حسين.
{{العقلانية المجهضة في مشروع طه حسين}}
لا ينفصل إخفاق مشروع طه حسين التنويري عن السياق التاريخي ودرجة التطور الثقافي والاجتماعيّ والاقتصادي في مصر والعالم العربي. يمكن قراءة مشروع حسين التنويري في محطتين تاريخيتين لعبتا سلبا ضد توجهاته وأعاقتا برنامجه الإصلاحي. المحطة الأولى تعود إلى الفترة التي سبقت قيام الانقلاب العسكري في تموز 1952 وهي الفترة التي اتسمت باختراق الفكر الليبرالي المتصل بفكر الغرب وحداثته والذي عبر عنه طه حسين أكثر من أي مفكر آخر. وكما جرت الإشارة، حاول حسين تجديدا في الثقافة والتعليم، لكن فكره ظل أسير النخب و”الأنتلجنسيا” المصرية ولم تتوفر له القوى الاجتماعيّة والاقتصادية لحمله وجعله مشروعا وطنيا عاما، وهو أمر إذا كان قد انطبق على رواد النهضة الأوائل مثل الأفغاني ومحمد عبده وعبد الرحمن الكواكبي وغيرهم.. فهو عاد يكرر نفسه في النصف الأول من القرن العشرين مع علي عبد الرازق وأمين الخولي وطه حسين…
لا تتوافق عادة صحة وصواب مشروع سياسي أو فكري – ثقافي بشكل آلي مع وجود قوى تحمله، وهو ما أصاب المشروع النهضوي على امتداد أواخر القرن التاسع عشر ومنتصف القرن العشرين. وفي نظرة مقارنة مع الراهن، يتكشف يوما بعد يوم ضحالة وفشل المشروع الأصوليّ الإسلامي، فكرا وممارسة، لكن هذا الفشل لا يزال يترجم نفسه بتصاعد متزايد لحجم الموالين لهذه الأصوليّة في المجتمعات العربية والإسلامية، وبانكفاء متزايد أيضا للقوى العقلانية المناهضة لهذا المشروع والمعبرة عن الطموح إلى تقدم المجتمعات العربية ودخولها العصر وتجاوز التخلف المريع الذي تقيم فيه.
المحطة الثانية هي التي لم يتوافق فيها طه حسين مع سياسة الضباط الأحرار الذين تولوا الحكم في مصر العام 1952. اتسمت تلك الفترة طوال العهد الناصري الذي عايشه طه حسين بكامله بتوجهات لا تلائم قناعاته السياسيّة والفكريّة، فهو مشبع بقدسية حرية الفكر، فيما كمّم رجالات “الثورة” الأفواه عبر القمع الذي مارسوه ضد حرية الفكر والتعبير ومنع الأحزاب السياسيّة وتسليط أجهزة القمع وممارسة الاستبداد السياسيّ والفكريّ..
مما جعل طه حسين بعيدا جدا عن المرحلة القومية التي افتتحتها الناصرية، خصوصا وانه كان يحمل قناعات حول دور مصر وموقعها المتوسطي المغاير للدعوة القومية العربية التي رفع لواءها عبد الناصر. كان طه حسين يرى في السياسة الجديدة لرجالات الثورة تدميرا للإنسان ولعقله والحجر على فكره بما يبقيه أسير الفكر الأسطوري والخرافي والديني الغيبي المسيطر على العقول بحكم الترسانة الفكريّة السائدة، فيما كان كل طموحه وآماله تتركز على تحرير الإنسان من التخلف الفكريّ والعقلي والاجتماعيّ بما يدخله في إطار العلم الحديث والتقدم. من هنا كانت خيبته كبيرة على امتداد تاريخه النضالي في شتى الميادين التي سعى إلى التأثير فيها.
{{طه حسين والزمن الراهن}}
إذا كان طه حسين حصد الخيبات في حياته الفكريّة، وكان أصعبها عليه التراجع عن بعض ما كتبه “في الشعر الجاهلي” وهو تنازل أضطر إليه بحكم الضرورة وليس بحكم الاقتناع، إلاّ أن ما أثاره طه حسين من قضايا، وما كتب فيه من تراث، يظل يكتسب في جوهره راهنية حقيقية. فأسئلة عصر النهضة في العقلانية وفصل الدين عن الدولة وعدم استخدام الدين في السياسة وتقديس الحرية بمختلف وجوهها الفكريّة والسياسيّة وتحقيق الديمقراطية والعدالة الاجتماعيّة والمساواة أمام القانون، كلها أسئلة وقضايا تكتسب أهمية في استحضارها وطرحها.
من هنا يبدو طه حسين محتفظا براهنيته بالنظر إلى أن المسائل التي ناضل من أجل تحقيقها لا تزال تشكل محور مشروع النهضة العربية المتوخاة والتي لا خلاص للمجتمعات العربية والإسلامية من دون التصدي لمفاصله الأساسية. لكن العودة إلى طه حسين لا تكتمل إلاّ باستحضار العوامل الرئيسة التي أفشلت مشروعه سعيا لتجاوزها وعلى رأسها فقدان القوى الاجتماعيّة والاقتصادية والسياسيّة القادرة على حمل المشروع ومواجهة السياسات السائدة وفي طليعتها بنى التخلف السياسيّ والاقتصادي والاجتماعيّ والديني. إن تكوّن هذه القوى وفعلها خير تكريم لطه حسين وأفعل سلاح في مواجهة الأصوليّات التي توظف الدين في خدمة مشروعها الماضوي، وبذلك يتحقق لطه حسين ثأره من الذين قادوا ضده حملة ظلامية لمنعه من الاستمرار في التفكير ونشر الثقافة العقلانية التي في نظره وحدها تشكل سبيل الخلاص للعرب والمسلمين على السواء.
{{المراجع}}
طه حسين:
1. في الشعر الجاهلي (1926). عدد خاص من مجلة “القاهرة” رقم 159 /شباط (فبراير 1996).
2. مستقبل الثقافة في مصر 1938
3. من بعيد : دار العلم للملايين – بيروت 1985
4-كتاب :قضايا وشهادات 1993 /عدد مخصص لطه حسين بعنوان: طه حسين: العقلانية، الديمقراطية ، الحداثة./مؤسسة عيبال للدراسات والنشر
5-احمد علبي: طه حسين، سيرة مكافح عنيد. دار الفارابي، بيروت