على هامش “فتنة السّؤال لماذا الشّاعر دائماً حزين؟

“ما من عظيم إلا وبه عاهة”
“جوته”
قلت في الجزء الأوّل من هذا المقال (أنظر على هامش “فتنة السّؤال” الحوار المتمدّن” 13/05/2012)، أنّي سأقحم في هذا المقال نتفا من سيرتي الذاتيّة تخصّ علاقتي بالأدب، وبالشّعر خاصّة. بل إنّ هذا الاقحام هو في الواقع الدّافع الحميم الذي دفعني إلى الخوض في موضوع هو، بالنّسبة إلى مشروعي الفكري والإصلاحي، هامشي. هو النّقد الأدبي، وإن يكن من زاوية نفسيّة حصرا، لا من الزاوية الابداعيّة، لأن قولي فيها لن تكون له شرعيّة أهل الاختصاص. كتابة سيرتي الذاتية كانت أحد أحلام شبابي. ما إن قرأت وأنا بعد في بداية المراهقة الأيام حتى قلت: أيّامي ستكون أكثر إثارة للدّهشة من أيام طه حسين. وعندما قرأت السّبعين لميخائيل نعيمة سنة 1958 صرخت: وجدتها، في السبعين… سأكتب “السبعين”… لكن ما كل ما يتمنى المرء يدركه.
علاقتي بالشّعر تعود إلى سنّ 17 عاما. في شتاء 1952 عدت من العاصمة إلى كوخنا المعزول. فقد توقّفت الوالدة عن إرسال المصروف الشّهري لأنّ دجاجاتها نفقت في وباء. وكانت ترسل ثمن بيضها في كلّ شهر. تولّيت بدلا منها رعي بقراتنا. مصطحبا يوميّا ديوان المتنبّي الذي حفظته عن ظهر قلب ثمّ “لزوم ما لا يلزم” للمعري وحفظته أيضا.
عدت في الصّيف للعاصمة لإجراء الامتحان وبأعجوبة نجحت. وفي ذلك الصّيف قدم لي أحد زملائي في الفصل ترجمة لـ”أزهار الشرّ” لبودلير ثم تواصلت رحلتي مع الأدب والشعر. ترجمت في 1958 بفرنسيّتي البدائية، قصائد من أزهار الشرّ احتجاجا على ترجمة ناجي الحرفيّة لها. نشرت إحداها في الصفحة الأدبيّة لليوميّة “الصّباح”، التي تحاول اليوم حكومة أقصى اليمين الإسلامي كسر أقلام محرريها، بتعيين مدير رقيب دشّن احتلاله لمكاتبها بالدّوس بسيارته على أحد الصّحفيين من المرابطين منهم أمام الدّار احتجاجا على تعيينه مديرا لهم رغم أنوفهم. لكن عثمان منسية والصادق مزيغ نصحاني بعدم نشرها. وأطلعني الصادق مزيغ يومها على ترجمته لـ”دعوة للرّحيل” مطلعها : “لكن هواة الطّعن حقا، ذلك النّفر القليل/ من يرحلون على جناح الشّوق حبّا في الرّحيل”. سحرتني التّرجمة وقد كنت آنذاك أستعدّ للرّحيل من تونس “حبّا في الرّحيل” في 1961، اكتشفت في باريس شعراء السوريالية. أدهشني منهم خاصّة “أرطو”، فقد كان يكتب هذيانا بالكاد منظم. عندما التقوا فرويد سألوه عن رأيه في أشعارهم فقال لهم مبتسما: “أنتم مجانين”. الكتابة السوريالية الأتوماتيكيّة هي محاولة للكتابة الهاذية. الشّاعر والمجنون من أسرة نفسيّة واحدة. إلا أنّ الشاعر ينظم هذيانه في قوالب فنيّة متعارف عليها أو ستغدو متعارفا عليها بعد حين، مثل قصيدة النثر. أما المجنون فعاجز عن هذا التّنظيم.
تنظيم الهذيان يجعله مفهوما أو ممكن الفهم. أمّا الهذيان الخام فهو طلسم كما قال القدماء في بعض كتابات المعري وخاصة رسالة الغفران. وحتى بعد تحقيقها العلمي الذي انجزته بنت الشاطئ فإنها مازالت، في بعض مواطنها، متشابهة. قصائد عدة من شعر “ادجار بو” هي الأخرى طلسم، لأنّها هذيان غير منظّم، شأن هذيان الفصاميين السّريرين سواء أكانوا شعراء أو أنبياء. والشّعراء والأنبياء هم، كما أكّد النّفساني فتحي بن سلامة، من عائلة نفسيّة واحدة. الآيات المتشابهات أي المتناقضات والمغلقة عن الفهم هن أيضا هذيان غير منظم. والآيات المتشابهات تشكّل، حسب بعض الباحثين %94 من المصحف، بل كما روى السّيوطي في “الإتقان” : “وقيل هو متشابه كلّه” المتشابهات تعبير صادق وعميق عمّا كان يضطرب ويضرم في أعماق نبيّ 
 الإسلام من انفعالات وتخييلات متضاربة.
الشّاعر والنبيّ كثيرا ما يقولان ما لا يُفهم. فأحد أعراض الفصام، كما يقول الطبيبان النفسيان الفرنسيان، جوربان وجوت فابان، في كتابهما : “عش وافهم الاضطرابات الفصاميّة” [لم أكتب اسم الطبيبين ولا الكتاب بالأحرف اللاتينيّة، لأن انتقال المقال من موقع إلى آخر يسبب اضطرابا في الكلمات والسّطور]،هي : “اضطراب الفكر والسّلوك” الذي يتجلى في الهذيان الفصامي المضطرب والمفكّك. فطبقات اللاشعور العميقة.مبهمة ومخزونها النّفسي بعيد الغور.
استطاع بودلير أن يترجم أشعار “ادجار بو”، ومتشابهاتها أكثر من بيناتها. ترجمها يعني تأوّلها بتماهي لاشعوره مع لا شعور “ادجار بو” الذي يغلي كالبركان بالمبهم والمتناقض، لذلك كان تفسير بودلير لمعاني شعر”بو” أجمل، كما قال النقّاد، من شعر “بو” نفسه. كذلك فعل الشّاعر التّونسي الصّادق مزيغ في ترجمته لـ: “معاني القرآن الكريم” كما عنون ترجمته. كانت ترجمته شعرا خالصا جميلا وملهما. حتّى المتشابهات لم تعد متشابهات كليّا، فكأنما أعاد تنظيمها بكلّ عفويّة وبراعة. فبفضل هذيان مزيغ المنظم أصبح لها معنى يشمّ ولا يحك كما يقول النحّاة.
كان يقول لنا في مقهي باريس في تونس العاصمة إنّه عاشق لديوان “أزهار الشرّ” و”للقرآن الكريم” وكان قبل أن ينام يقرأ إحدى قصائد أزهار الشرّ وإحدى قصار السّور. فقط الأطبّاء النّفسانيون وكبار الشّعراء قادرون على استخراج المعنى من اللامعني، الدّلالة الواضحة من الهذيان المطلسم! بعد هذا الاستطراد المقحم. والإقحام هو أيضا أحد أعراض الفصام السّريري وحتّى ما تحت السّريري، مثل فصامي أنا.
الفصام مبرمج في جينياتي فعمّي عباس وعمّي ابراهيم وعمّتي العكري كانوا فصاميين، عمّي عبّاس كان يمشي عاريا ويرمي رموز السلطة، الدرك الرّيفي ـالصبائحيّةـ الذين يسمّون في مصر الغفر، وذات يوم اعتقله الصبائحي وربطه بحبل خلف حصانه وركض جارا جثة عمّي. وكانت جدّتي تقول عن أبي إنّه نصف مجنون فماذا عسى تقولون عني؟ بالمناسبة، بلاشير، الذي أنجز أول ترجمة علمية فيلولوجية للقرآن في بداية الخمسينات، قال محقا إنّ الآية الأولى من سورة الإسراء : “سبحان الذي أسرى بعبدة ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى…”، مقحمة. أي أنّ لجنة جمع القرآن أقحمتها في السّورة التي موضوعها موسى وبنو إسرائيل. سلم الباحثون حتّى الآن باكتشاف بلاشير.
صحيح أن الآية مقحمة لكن الذي أقحمها هو نبيّ الإسلام نفسه. يقول الطبيبان النّفسيان “بينيملي” و”جيمنس” في كتابهما “ذهانات الرّاشد” : أحد أعراض الفصام هي الإقحام. فأرجو أن يطلع الباحثون الذين اعتقدوا خطأ أن الآية مقحمة من الغير على هذه الحقيقة لإعادة الأمور إلى نصابها، فالذي أسرى تخييلا طبعا، هو نبيّ الإسلام وقد قال معاوية وعائشة إنّ إسراءه كان بروحه وليس بجسده وفي الحلم. 
ردّد قاسم حدّاد في فتنة السّؤال مراراً بأنّه حزين. الحزن والشجي والأرق من أهمّ أعراض الاكتئاب، الذي عرّفه أبقراط بأنّه “الجنون الأخبث “الذي يهزم إرادة الحياة. ما من شاعر حقّا إلا وكابد الاكتئاب ألوانا. حتّى شاعر الفرح والحبّ أبو نواس كان يداوي اكتئابه العميق بالتي كانت هي الدّاء :”وما عيش الفتى، إلا سكرة بعد سكرة”. في كتابه” مطالعات في الكتب والحياة “نشر العقّاد لوحة تمثل محبوبة محزونة أمام قبر حبيبها، واضعا كتعليق بيتي المتني:
“ورب كئيب ليس تندى جفونه /ورب ندي الجفن غير كئيب
وللواجد المكروب من زفراته/سكون عزاء أو سكون لغوب”
ويضيف العقاد : “تملى اللوحة أو اقرأ البيتين لتعيش المشاعر ذاتها”.
الفرنسي “نيرفال” شخص عصره، القرن 19: “شمس الاكتئاب السّوداء” عليه لا تغيب. أوّل رواية نشرتها المراهقة فرنسواز ساجان عنوانها “مرحبا أيّها الحزن”. 
عرف نزار قباني حياته : “وحياتي، ما حياتي؟ قصة سوداء في موج الدواة”.
في كتابه ” الأخلاق” من أجل نيكوماك” لاحظ أرسطو بأنّ سقراط وأفلاطون كانا مكتئين.
وأرسطو نفسه كان مكتئبا. 
أستنتج حواريوه من المتشائمين في كتاب نسبوه إليه انتحالا بأنّ الحزن هو “علامة العبقريّة”، فالنّابهون من شعراء وفلاسفة وعلماء وسياسيون وقادة عسكريون هم مكتئبون تعريفا. وبناء على ذلك شاع لقرون وربّما حتى الآن فكرة ارتباط العبقريّة بالجنون. فالعباقرة من أنبياء وشعراء وقادة، من الإسكندر ذو القرنين [=الإسكندر الأكبر] إلى نابليون كانوا مجانين. لكن الطبّ الحديث مفرط الاكتئاب وأحزانه وأشجانه وأرقه وقرفه من الحياة ليجعلها جميعا أعدل الأشياء قسمة بين النّاس. 
الجنون لا يستثني أحدا من النّاس ربما علل قاسم حداد حزنه وحداده الدّائمين بانهيار مشروع “حركة القوميين العرب”، التي كانت بالنّسبة إليه عائلة نفسو ـ عاطفية بديلا، عن عائلته البيولوجيّة التي كان “يجلده فيها الوالد”. كانت الحركة تدغدغ أحلام يقظته بحلم وحدة عربيّة، من المحيط الهادر إلى الخليج الثّائر، تجعل من قاسم حدادا ذي النفسيّة الجريحة التي مارست جميع المهن “المهينة” اجتماعيّا، ليس فقط شاعر البحرين، بل شاعر جميع البحار العربيّة.
تحقيق هذا الهدف الحالم هو وحده البلسم الذي كان سيشفي، في السيناريو المتفائل، جراحه النرجسيّة. أي الكدمات والصّدمات والإذلالات الفعلية والرمزيّة التي عاشها طفلا ومراهقا وربّما راشدا في شعوره وخاصّة في مخزونه النّفسي. ما معنى أن يتحوّل من شاعر البحرين المجهريين إلى شاعر جميع البحار العربيّة والأعجميّة ـ لماذا لا؟ ـ معناه أن يملأ الدنيا ويشغل النّاس كما قيل عن المتنبي. الشّهرة هي “الجزة الذهبيّة” التي يلهث وراءها الشّعراء والأدباء إلى آخر أعضاء قبيلة الثّقافة. لكن المحزن أنّهم يطلبونها وقلما يدركونها. فالشّهرة، كفنتازم جهنّم القرآن، كلّما امتلأت تقول هل من مزيد؟ هكذا يفسّر الطبّ النّفسي بواعث أحزان الشّاعر وإخوانه وأخواته: بالرّكض وراء الشّهرة عسى أن يرمم بها تقدير ذاته المنطرح أرضا. 
قبيلة الثّقافة، تجعل الرّغبة في تحقيق تقديرها لذاتها، وهي ضاربة الجذور في أغوار النّفس البشريّة الجريحة على مرّ العصور، خاضعا للفوز بـ”المثل الأعلى” للذّات التي ما فتئت تختاره منذ الطفولة: فهو الأب أو الأم، *ثم الأستاذ، ثم بطل الرواية، ثم أحد الأبطال في أيّ مجال كان ـ والبطل والله هما في اللاشعور الجمعي رمزا الأب ـ من المتنبّي إلى نجيب محفوظ. 
قال لي الطاهر وطار في مرضة الأخير: نجيب محفوظ : “تجاوزته أما حنا مينا فلا معيار السعادة، في القبيلة إياها، هي أن يستطيع كل عضو فيها أن يقف ذات يوم على قدم المساواة مع مثله الأعلى. لكن المثل الأعلى قلما يتحقّق. فهو، كما سماه أبو تمّام، “مثل شرود”، بعيد المنال، يطلب فلا يدرك”.
 خيبة الأمل إذن مبرمجة سلفا. هذا الفشل يجعل الشّاعر يشعر بالعار من نفسه، من فشله المحزن في تحقيق محط آماله. وبالمناسبة الشّعور بالعار ليس الشّعور بالذّنب. فالأوّل يتعلق بالفشل في تحقيق مثل الذات الأعلى. أمّا الثاني فيتعلق بانتهاك محرّم، عكسا للخلط الشائع بينهما.
 
الفشل في الوقوف جنبا لجنب مع المثل الأعلى جعل الشّاعر في حداد على فقيد مجهول ـ معلوم : على “جودو” الشهرة الذي يأتي ولا يأتي.
قال أدونيس ما فحواه: “الموت الحقيقي هو أن تموت كلّ يوم لأنّك تنتظر شيئا يأتي ولا يأتي” : جائزة نوبل. وحتّى إذا ما أتى يوما، فبعد الفرحة الأولى، لن يلبث أن يعود إلى حداده الدّائم. لأنّ الرّغبة بما هي رغبة مقطوعة من الواقع، مجرّد تحقيقها يمسخها من رغبة بعيدة المنال إلى واقع يومي مبتذل. لذا قيل: “الزّواج مقبرة الحب”. وهكذا تعود الذات الكسيرة مجددا إلى السّباق الماراطوني طمعا في إكسير الشّهرة المستحيل. 
بيان إلى قبيلة الثّقافة
أنا أيضاً من أعضاء هذه القبيلة، ومثل بقيّة زملائي مررت بسراط التّربية العائليّة والمدرسيّة والاجتماعيّة القائمة على التّأنيب والتذنيب، الساحقين لبذور الثقة في النّفس واحترام الذات من عواقب التربية العربيّة الإسلاميّة الوخيمة، أن الكثير منّا، بدل ممارسة النّقد والنّقد الذاتي الموضوعيين والمخصبين للنفسية والفكر، يمارسون المدح والهجاء الذاتيين. وهكذا فالنّقد الذاتي يلمع بغيابه، والنقد يعاش كتجريح لاحترامه الذات. غداة وفاة الجابري، ذكر طيب تيزيني في رثائه أنّه التقى به على هامش مؤتمر في تونس. تحادث معه على انفراد ووجه له بعض الملاحظات النقديّة التي ظنّ أنّه لم يجد فيها غضاضة. لكن فوجئ بعد الجلسة بأنّ الجابري أبى أن يردّ عليه السلام. 
الملاحظات النقديّة عاشها الجابري كما كان يعيش طفلا تأنيب وتذنيب أبويه له؛ فانتقم منهما لا شعوريّا في المسكين طيب تيزيني، الجابري عينة من 9 على 10 من أبناء قبيلتنا المتشبعة بثقافة المدح والهجاء، وهذا أحد أسباب تخلّف الحركة الفكريّة والثقافيّة والغياب الفاجع لثقافة الديمقراطيّة: الحوار العقلاني المتعارض، قوّة الحجّة لا حجّة القوّة. رهاب النّقد والنّقد الذاتي لا ينبغي أن يردعنا عن ممارستهما غير مبالين بردود أفعال لم تزل صبيانية. 
********
حول براءة المسلمين
 لا أتعامل مع الانترنت. لكن قرأت تعليقا عن “براءة المسلمين” في صحيفة جديّة، قيمت الفيلم بأنه “استفزازي وغبي”. ردّ فعل جموع المسلمين الغاضبة كالمعتاد لم تفاجئني. تشخيص شاتوبريان، في “مذكّرات ما وراء القبر”، لجموع المسلمين في تركيا العثمانية التي زارها : “جموع يقودها إمام ويذبحها انكشاري”، ما زالت دقيقة. لكن ليس على غالبية مسلمي تركيا المعاصرة الذين أصلحوا اسلامهم وبدوره أصلحهم. آخر لمسات هذا الإصلاح حققها حزب “العدالة والتنمية الإسلامي” في دستور 2006 : إلغاء عقوبة الزّنا والإعدام والاعتراف للمسلم بالحقّ في تغيير دينه عملا بالمادّة 18 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. فقد تحوّل الأتراك، بفضل هذا الإصلاح الدّيني، من جموع مغفلة في ظلّ الخلافة العثمانيّة التجهيليّة، إلى أفراد لم يعودوا مذوبين في الأمّة، بل إلى مواطنين متساوين في حقوق المواطنة الكاملة في الدّولة ـ الأمّة.
نبيّ الإسلام لم يكن مهووسا بنكاح القاصرات، كما يقول الفيلم وكما أشاعت عنه السنة المنسوبة إليه، عائشة لم تكن صبيّة (تسع سنوات قمريّة)عندما تزوّجها بل كانت ناهدا: 18 عاما. كما أثبت ذلك باحث مصري بوقائع تاريخيّة مقنعة (أنظر العفيف الأخضر: إصلاح الإسلام دراسته وتدريسه بعلوم الأديان، الحوار المتمدن 2009). لكن هذا الاكتشاف المهمّ لم يتحمس له أقصى اليمين الإسلامي، التقليدي والسّياسي، المسكون بالرّغبة الجامحة في نكاح الأطفال.
 فحولة محمّد المفرطة « أوتيت قوّة أربعين رجل» كما يقول حديث نبوي صحيح على الأرجح. فحولته المفرطة يفسّرها الطبّ النّفسي بكونها نتيجة للاكتئاب ثنائي القطب: طور قطب الخمود والهمود، وطور قطب الاهتياج والابتهاج. في طور قطب الخمود والهمود تنقص القوّة الجنسيّة. وهذا الطور مرّ به نبيّ الإسلام في مكة حيث كان مضطهدا من عشيرته الأقربين. لذلك اكتفى بزوجة واحدة خفّفت عنه وطأة العزلة: خديجة. ظل أرملا لأكثر من عامين بعد موتها، ربّما كحداد شعوري أو لا شعوري عن خديجة المحبوبة. مرّ محمد في المدينة بطور قطب الهياج والابتهاج، لأنّه غدا نبيّا معروفا ومعترفا به ورئيس أمّة فضلا عن ذلك. وفي هذا الطّور تنطلق الغريزة الجنسيّة من كوابحها. وهذا ما حصل معه فتزوّج 15 وقيل 22 امرأة فضلا عن 4 وهبن أنفسهنّ له. وترك 9 أرامل وهكذا جمع بين 9 زوجات على الأقلّ. والحال أنّ القرآن لم يرخص إلا في 4 وبشرط العدل المستحيل التّحقيق. في هذه النّقطة وفي نقاط أخرى لم يتصرّف هشام جعيط، كما يفعل كثيرا وغالبا، في كتابه الجيد عن محمّد، كمؤرخ موضوعي بل كمؤمن غيور!
هذا المقال حوى موضوعات ومعلومات ليست تماما في محلّها حسب منطق الكتابة. السبب؟ نظرا إلى انتشار السّرطان في جسدي، فقد أصبحت حذرا : أعتبر أنّ كل مقال قد يكون مقال الوداع.
*****
لم أترك حديثا ولا مقالا للنشر بعد موتي. كل ما قد ينشر باسمي إذن بعدي فهو منحول ومردود على صاحبه.