
مثّلت الهجمات التي ضربت الولايات المتحدة الأميركية في 11 ايلول2001 حدثا “تاريخيّا” طبع الاستراتيجيات السياسية للعالم الغربيّ إلى عقود لاحقة، بحيث يجري الحديث عما قبله كتاريخ منفصل عمّا بعده. إنّ حدثا بهذه الضخامة كان من الطبيعيّ أن يطرح أسئلة عن الأبعاد والأسباب والعوامل التي تسببت به، وعن النتائج التي ستترتّب عليه. أثار أسئلة في الغرب إجمالا وتحليلات طالت مجتمعاته وعقائده وسياساته، كما رمى على العالم العربي والإسلامي تحدّيات حول دلالات هذا العنف غير المسبوق بمثيله، خصوصا أنّ هوية المنفذين وجنسيتهم عربية- إسلامية كاملة. راوحت الأسئلة بين مسؤولية الإسلام كدين عن الهجمات فيما توقف كثيرون عند مسؤولية الغرب نفسه عن انفلات العنف ووصوله إلى هذه الدرجة. ما تزال الأسئلة والأجوبة متواصلة حتى اليوم ولا يتوقّع لها أن تخفّ وتيرتها.
تحمل العلاقة القائمة بين الغرب إجمالا والولايات المتحدة الأميركية خصوصا من جهة والعالم العربي – الإسلامي من جهة أخرى، من المعضلات الكثيرة التي تحوي وتفرز أحقادا وعداء لا ينقصه سوى أن ينفجر عنفا. يعود هذا التاريخ المثقل بهذا التناقض إلى قرون تمتد من الحروب الصليبية وهزيمة المسلمين في أوروبا، وتصل إلى حدّها الأقصى مع الاحتلال الصهيوني للأرض الفلسطينية والعنف الوحشيّ المسلّط على الشّعب الفلسطينيّ، وصولا إلى الاحتلال الأميركيّ للخليج العربيّ ودخول الجيوش الأجنبية الأراضي المقدسة منذ حرب الخليج الأولى، واقتران ذلك بحصار على الشعب العراقيّ قبل سقوط النظام الديكتاتوري، وهي أحداث تعزّز لدى الوجدان الإسلاميّ والعربيّ منطق الهيمنة الغربية على شعوب العرب والمسلمين وثرواتهم. خلقت هذه العناصر حالة عربية- إسلامية تقول بضرورة استعادة مجد الإسلام والعرب القديم عبر إحياء الحرب المقدّسة التي تترجم نفسها بمحاربة “الشيطان الأكبر” في عقر داره.
في الجانب الغربي، اتّسعت التساؤلات وتفاوتت القراءات للحدث، فتركّز البحث حول التفاوت بين الغرب وحضارته وبين التخلّف الذي يقيم فيه العالم العربي والإسلامي مما ترجم نفسه حقدا على هذا الغرب وسعيا لتدمير حضارته. انتشر بسرعة سؤال “لماذا يكرهوننا؟” وتعددت الأجوبة عليه وكان أبرزها الذي ركز على التفاوت الثقافي والفكري ونمط الأنظمة السياسية القائمة، وصولا إلى إطلاق نظرية “صراع الحضارات” بما هو صراع بين حضارة الغرب المسيحية وحضارة الإسلام. ترتب على نظرة الغرب هذه أجوبة إستراتيجية كان أبرزها أنّ الغرب يواجه هجوما على قيمه وتقدمه وأنّ الجواب على ذلك يكون بإقرار إستراتيجية الحرب الوقائية التي تسمح بنقل المعركة بشكل مسبق إلى أماكن تراها الولايات المتحدة مصدر تهديد لأمنها. من هنا كان اجتياحها لأفغانستان وإسقاط حكم “طالبان” واحتلالها للعراق وإنهاء حكم صدام حسين، وصولا إلى اعتبار أنّ هذه السياسة مستمرة وستطال بلدانا أخرى.
مقابل الردود الغربية المستنكرة والخائفة من هذا المسار في العمل الإرهابي، عرف العالم العربي أنواعا مختلفة من الردود تفاوتت بين الأنظمة القائمة ونخب محددة، وبين الجمهور العريض من الشعوب العربية والإسلامية. اتسمت ردود الجمهور الواسع بالرضى والفرح، وصنفت العمليات التفجيرية في خانة الأعمال البطولية، واعتبر منفّذوها شهداء مصيرهم الخلود في الجنة. لم تخل أصوات من إعلان الأسف لسلبيات هذه التفجيرات على صورة الإسلام في العالم، لكن هذا الإعلان أتى مقرونا بالاحتجاج على سياسة الغرب ودعوته إلى نقد ممارساته تجاه الشعوب العربية والإسلامية، وانتهاز فرصة الهجمات ليراجع ذاته وضميره.
سلّطت الهجمات الضوء على “الإسلام الحركاتي” وكيفية نظرته إلى الإسلام واستخدامه لتراثه ومفاهيمه بما يتوافق مع الأهداف التي يطرحها. وأظهرت المدى الذي بلغه”السياج الدوغماتي” في السيطرة على العقول لشبيبة لم تقدم لها الأنظمة إلا الإحباط واليأس والانفكاك عن أوطانها كما يقول محمد أركون في كتابه المشترك مع جوزيف مايلا(من منهاتن إلى بغداد..ما وراء الخير والشر): “إنّ جنود بن لادن وبن لادن بالذات، كلهم بلا أوطان ، بلا انتماء إلى ارض وطن محدّد، لأنهم تخلوا عن أشكال التضامن الطبيعي الممثلة بالأسرة والمنطقة والأمة والدولة والثقافة والذاكرة التاريخية، ليذهبوا وليموتوا وليقتلوا بلا هدف سياسيّ يمكن تحديده”.
أحيت هجمات أيلول وطبيعة منفذيها نقاشا حول الإسلام وكيفية قراءته وتأويل نصوصه وطرق استخدامه وصولا إلى السؤال الهاجس المستمر: هل يشرّع الإسلام الإرهاب؟ وهل هو دين عنف؟ تأتي مشروعية الأسئلة من الإعلان الصريح لبن لادن أن ما قام به يصبّ في الدعوة إلى الدفاع عن الإسلام وجد مستنده في الآيات القرآنية والأحاديث النبوية. وتواصلت الأسئلة لتطال بنية الحركات الأصولية المتطرفة وفكرها وواقع المجتمعات العربية المسؤولة عن إنتاجها.لا بدّ من الاعتراف بداية بمسؤولية الهزائم التي مني بها العرب لاسيما هزيمة 1967 والتي أشّرت إلى نهاية الإيديولوجيا القومية أو انحسارها، وصعود الإسلام السياسي وحركاته الأصولية المتشدّدة التي يستحيل في نظرها الفصل بين النظامين السياسيّ والدينيّ.
من المعلوم أنّ المجتمعات العربية- الإسلامية تعاني منذ قرون من انغلاق في قراءة النصّ الدينيّ واعتبار أنّ ما أنتجه فقهاء العصر القديم شكل نهاية الاجتهادات. أدّى هذا الانغلاق إلى تراجع تيارات العقلنة لصالح ثقافة “القصص- التاريخ”، وهي قطيعة أثّرت سلبا على رؤية الفكريّ والروحيّ والإنسانيّ والأخلاقيّ في النصّ القرآنيّ. ترافقت هذه القطيعة مع انغلاق آخر لهذه المجتمعات على منتوجات الحداثة الأوروبية، وهو انغلاق تحوّل إلى رفض أيديولوجي للحداثة من قبل الحركات القومية المناضلة ضد الاستعمار بعد العام 1945. ثم أتت الثورة الإيرانية عام 1979 لتنشّط على نطاق واسع الفكر الأصولي في العالم العربي والإسلامي وتزيد من تراجع الجهود العقلانية التي كانت بدأت بالتفتح ولو بخجل.
تقوم ايدولوجيا الحركات الأصولية على قراءة للنصّ الدينيّ لا سيما القرآن منه على أنّ هذا النص “هو كلام الله المنطوق باللغة العربية والمنقول بحرفيته من قبل رسول الله”، وأنّ هذا النص وُجد لكل زمان ومكان ولا اجتهاد في تأويله. يحوي النص القرآني آيات تدعى “آيات العنف” تبيح قتل غير المسلمين بصفتهم مشركين وكافرين، وهي آيات تعتبرها الحركات الإسلاموية قائمة وتبرّر لها أفعالها التي تقوم بها. إن أخذ النصّ الدينيّ بكليته والإصرار على استمراريته أخطر ما يواجه المجتمعات العربية والإسلامية لما يعطيه من حجج على تشريع الإسلام للإرهاب والعنف. منذ إقفال أبواب الاجتهاد وسقوط التيارات العقلانية في الفكر الإسلامي بعد هزيمة المعتزلة، تقلّصت القراءات التاريخية للنص القرآني التي تعتبر أنّ لهذا النص تاريخا في نزوله أي زمانا محددّا، وكذلك له مكان انطلق منه أي في بيئة معينة هي بيئة الجزيرة العربية. تستدعي “ارخنة” النص تأويلا يفسّر ما قصده الله لحظة نزول الآيات والمعنى الذي يهدف إلى إيصاله. لا يمكن إسقاط القراءات والمعاني من الزمن القديم على زمننا الراهن، مما يعني أنّ النص القرآني يحوي من الآيات ما تجاوزه الزمن وبالتالي لا يمكن استخدامها في تبرير أعمال إرهابية.
تكمن الإشكالية الكبرى في المجتمعات العربية والإسلامية في رفض هذه القراءة التاريخية للنصّ الدينيّ، ويعبّر هذا الرفض عن نفسه بتصدّي المؤسسة الدينية الرسمية، السنية منها والشيعية، لأيّ تأويل مخالف لما تراه وصولا إلى تكفير واتهام المخالف بالهرطقة وصولا إلى إهدار دمه، يساعدها في ذلك تواطؤ مع السلطة السياسية الفاقدة لمشروعيتها والساعية إلى تكريس هذه المشروعية من المؤسسة الدينية. يجري كل ذلك في مناخ من الانهيار الاجتماعيّ والثقافيّ والفكريّ وانحسار التيارات العقلانية وهزال قواها. وهي أمور لا تساعد في تقليص موقع الحركات الأصولية والحدّ من فكرها الإرهابيّ.
يملأ الخطاب الأصوليّ اليوم الفراغ الكبير الناجم عن الندرة والضعف الذي يطال فئة المثقفين القادرين على ممارسة الوظيفة النقدية دون تقديم تنازلات. يساعد على ذلك هذا الحشد الهائل من رجال الدين الذين يجهدون في نشر واحتضان الحركات الأصولية ونشر فكرها مستخدمين احدث وسائل التكنولوجيا الإعلامية. يطرح هذا الواقع تحديات على المسلمين لجهة أن يعيدوا للإسلام قوته الروحية والدينية والإنسانية المحتواة في النص القرآني، وذلك من دون أن تقع هذه الاستعادة تحت سلطة رجال الدين ولا تحت نير سياسات الدولة، فكلاهما ارض خصبة لازدهار الظلامية وسيادة مفاهيمها.