
يعيش الشعب الفلسطيني اليوم احتلالات شتى، فهو محتل من قبل الاسرائليين، ومحتل من قبل حماس في قطاع غزة، ومحتل من قبل السلطة في الضفة الغربية، ومحتل من بعضه في المخيمات، ومحتل من دول النفوذ العربية، ومحتل من الدول التي استقبلته في الشّتات، ومحتل بالتذرر والتشتت وغياب المرجعية الواحدة، ومحتل بالخطابات وصراع المصالح وتعقُّدها.
ويصر كل خطيب فلسطيني على تكرار اللازمة الشهيرة: ” نقول لأبناء شعبنا…”، أو ” يريد أبناء شعبنا…” أو ” وأكّد أبناءُ شعبنا…”. الكل يدعى أنه ناطق باسم جميع الفلسطينيين وأنه يمثل صوتهم وإرادتهم ويعبّر عن تطلعاتهم ومشروعهم وخطتهم للتحرر. والنتيجة الحقيقية أن هذا المشروع في عطالة أكيدة.
كان من الممكن أن تكون حرب غزة الأخيرة فرصة للفرز الحقيقي، فداخل المعركة، وفي حالة الحرب لا السلم تتحدد الأمور المهمة، ويتحدد الخط الغالب، لكن أزمة الفلسطينيين الهيكلية كانت أكبر من أن تحسم بحرب واحدة، وأكبر من تقاتل داخل البيت الفلسطيني زاد من تعقيد الأمور.
الضفة وغزة الآن كيانان منفصلان تماما، يتفاوضان وبينهما وساطات ككل الأعداء على مر التاريخ، وبينهما قتلى وأسرى، ولكل منهما أنصار وحلفاء، دول أو جماعات…
لقد تمثل كل مالك سلطة فلسطيني أدوات المحتل في القمع بكل وجوهه من اعتقال وحرمان من حق التنقل ومنع من التظاهر وتكميم للأفواه، ومداهمات…
” نقول لأبناء شعبنا إنّنا…”، لازمة تعرّت، فاح منها نفاق، تخثّرت بكثرة الاجتماعات فاضت من الفضائيات، تعفّنت ولم يعد لـ”القضيّة” صدقها وأهدافها وحدودها الإنسانية. دخلت مأزق الزعامات والبدلات العسكريّة والمؤسسات الوهميّة لسلطات بلا قدرة يقودها “بسيكو الحكم” و”بسيكو الديمقراطيّة” والاجتماعات الخطابيّة، والنقاشات الطويلة وجولات المفاوضات و”لعبة القاهرة” وجلجلة الوفود وجلسات شرب الشاي وتبادل الابتسامات وفوضى البيانات وحرب الاتهامات.
يُعقد مؤتمر فتح السادس، بمن حضر ومن غاب، تمنع حماس ُمؤتمرِين من عبور حدود إمارتها، وتمنع فتح حقائق وأولويات من تصدّر أعمال المؤتمر. ويدّعى كلّ طرف أنه يحمى مصالح الشعب الفلسطيني، بل ويدعى كلّ منهما أن الشعب الفلسطيني، برمّته، يريد ما أراد.
ينادي الجميع بضرورة وجود مرجعيّة فلسطينية موحدة، ويصرّ أن المرجعيّة الفلسطينية الحقيقيّة لن تكون غير وجهة نظره.