
عندما تعيش وحيداً، ومنعزلاً عن العالم، تتذكر ما كتبه ألبيرتي عن بيكاسو"أنت في وحدتك عالم مزدحم"… فتأتيك صور الحشود…تلك التي لا تراها سوى في داخلك، في الذاكرة. ..جنازة؟ ولم لا. تكوين لا يحتمل كتلة النعش، لا أرى له مكاناً، سيسأل الناس وأين الميت؟ في داخل كل منّا يمكن أن أجيب. الباشا
لا يسعى عاصم الباشا(1) إلى تقديم أجوبة، عبر مجمل نتاجاته الإبداعية، حتى وإن صادف وحدث، فهو غير معني بذلك، ما يشغله بالضبط، صياغة سؤاله بكيفية متماسكة، تتيح إمكانية الإحاطة بإشكالية اللحظة الراهنة.
تضيق به حدود اللغة بكل زخم مفرداتها، فيغادرها، ليعيد تشكيل سؤاله، عبر غابة الرسم والتصوير، يضيق المكان، فيستعين بالحجر، الصلصال، المعدن… وبكل المواد التي تتيح صنع الجماليات، مرة أخرى يضيق به المكان، فيختنق التعبير.
في الأرجنتين –حيث مسقط رأس الباشا- سيرحل تشي غيفارا بعد أن يضيق به المكان، معلناً بدء الثورة في كوبا، ونجاحها اللاحق، بيد أنه لا يلبث أن يختنق مرة أخرى في حدود المكان، ليعاود محاولة القبض على سؤاله على أرض جديدة، يدركه الموت قبل أن يعثر على مكانه الفسيح، فندرك نحن الأجيال اللاحقة أنّ غيفارا وصل إلى ما يريد عندما تحوّل إلى فكرة.
ستكون الفكرة، إذن، هي المكان المحطم للحدود والنافي لها.
يلتقي الباشا مع فكرته، أو يقاربها، يحاول القبض عليها، فتتجلى على شكل صرخة، ترفض أن تكون صدًى لغيرها.
يعود إلى عزلته، يكتشف حشوداً في هذه العزلة، يقرأ الفلسفة، وهو المدرك بأن الفن شكل من أشكال إنتاج المعرفة، ويقرر : بأن الفن إن لم يكن فناً إشكالياً فهو لا يستحق اسمه. يركز على علاقة الفن بالمعرفة، ويستشف الأصالة –عكس التزييف- عبر هذه العلاقة بالتحديد. "إذ لا يمكن أن يحاول الفنان النحت، ما لم يدرس الفلسفة، وما لم يتشبع بالأدب والتاريخ، ما لم يلج عالم الموسيقى والشعر وإبداعات حركة الجسد في الرقص والإيماء، ما لم يتفاعل مع معانات الناس ومشاغل سمان الحارة. الباشا".
يصرخ الباشا: أنا أنتمي إلى كل ما هو إنساني، مردداً خلف ماركس. وتبدأ ملامح أسئلته بالتشكل عبر مجمل نتاجاته الإبداعية، يوجه تحية إلى شغيلة الأرض، ويعلن انتماءه إلى المقهورين في كل مكان؛ يهاجم الموروث العفن، الذي يتجلى عبر أشكال لا حصر لها من حياتنا اليومية؛ ويعقب على جرائم الشرف، بقرف، يتهم من خلاله الجميع بالمشاركة في هذه الجريمة "فليس من الضروري أن تغرز السكين بنفسك لتكون بين القتلة، السكوت عن تلك الجرائم مشاركة فيها، الأب والأم اللذان لا يعلّمان أبناءهما الذكور احترام المرأة مشاركان في الجريمة. المجتمع بأسره إذن في حالنا مشارك".
ما الذي يحاول قوله الباشا في مجمل أعماله؟ في الحقيقة يقدم الباشا، حكاية، حكايته وحكاية كل الذين ينتمي أو هم ينتمون إليه؛ فالمهم بالنسبة إليه أن يروي حكايته عبر عمله التشكيلي. يرى الشغيلة، فيشدّ على قبضاتهم، ويرى المدافع عن البيئة فيخصه بالتحية؛ يرى التعفن يتخلل تفاصيل حياتنا اليومية، فيشير بإصبع الاتهام، إلى كل ما هو رسمي ومفتعل، وإلى كل من انتمى إلى هذا الرسمي وقبل المشاركة بهذه اللعبة –المهزلة. "إذ أن كل ما هو رسمي في بلدنا وغيرها من الجغرافيات ضحل بالضرورة". الضحية في هذه اللعبة ليست امرأة تقتل بدعوى الشرف، بل المجتمع بكل قواه المسحوقة، ومن لم يشارك فعلياً في هذه الجريمة، واكتفى بالفرجة والحياد، هو مدان بقدر المجرم ذاته، فالحياد في هذه اللحظة الراهنة لا يعدو كونه جريمة بحد ذاته.
إذن وفق هذه الرؤية –والتي أزعم أنها رؤية الباشا نفسه- نصبح معنيين باتخاذ موقف حيال حكايتنا بالتحديد، وذلك كي لا نتحول إلى ضحايا يثيرون الشفقة، وكي يبقى للتاريخ معنى.
بيد أن اللحظة الراهنة لا تنبئ بمثل هذا الخيار، فيعترض الباشا على رعيل من جيل فنانينا الشباب، ويتهمهم بالابتذال والتسطيح، يتهم المرحلة ورموزها، ويشعر بالرعب، يتساءل : هل وصلت الثقافة والحس الفني لدى أهلي إلى هذه الرداءة والضحالة؟
يقدم الباشا نفسه كإنسان مختلف، عدوه اللدود : التشابه. يعبر عن ذلك بأشكال مختلفة، يضع إمكاناته الإبداعية، ويرسي عليها قضيته؛ لا فنّ للفن، بل فنّ متعشق بتفاصيل حياة البشر الذين حولهم الشرط التاريخي، إلى مسوخ أو مجرد أشباح. ينقضّ على الواقع، ولا يدع أطيافه المباشرة تخدعه، كما لا يكتفي بما تقدمه العين التجريبية؛ يخترق هذا الواقع، ويغوص في ما وراء المباشر، فيكتشف وجوهاً وأقنعةً مشوهة، بيد أنها لا تخفي ما في أعماقنا من طيبة وشفافية، إذ مازال خلف الأقنعة متسع لم تصل له يد التخريب بعد، بقعة راسخة في أعماقنا تستدعي من يستنهضها من خلف كل هذا الركام المحيط بنا.
في المنحوتة التي يقدمها كنصب تذكاري لضحايا مخيم جنين عام 2001، سنقع على مشهد ممتلئ بالقبضات، التي تحاول اختراق جدار اللوحة، وأكفّ تلوح، أو تطلب النجاة، بينما المشهد بالمجمل يقدم نفسه كاعتراض وإدانة على جريمة ترتكب على مرأى من العالم المتمدن؛ تتسع الرؤية في هذا العمل حتى ليصح أن يكون نصباً تذكارياً لشعوب المنطقة العربية بالكامل، فنحن سكان هذا المكان ما نزال قابعين في ظل الحصار منذ عدة عقود، ونأمل أن نستيقظ ذات صباح على ضجيج أفق مختلف.
****
يلعب الفن أدوارا متعددة، بينما تتحدد هذه الأدوار من خلال الشرط التاريخي الخاص بكل بنية اجتماعية، ومن هنا سنلاحظ أن الأشكال التي يتجلى عبرها الفن ويقدمها في إطار مجتمعاتنا العربية، متمايز عما يمكن أن نقع عليه في إطار تشكيلات اجتماعية أخرى.
تفترض الشروط الراهنة لمجتمعاتنا، أن يلعب الفن، دور المنتج للمعرفة، كما تفرض هذه الشروط على الفن أن ينطوي على فعل الهدم والبناء، فضح الثقافة السائدة –والتي هي ليست هنا سوى الثقافة الرسمية- والوعي الموازي لها، التقاط وجع الناس وانكساراتهم، وبلورة خيارات تتيح إمكان فتح أفق مختلف. إذن الشرط الراهن، يفترض فناً ثورياً بالضرورة، ومن هنا كان على الفن كي يستحق اسمه، أن يكون عاملاً حاسماً من عوامل التغيير، وهو الشيء الذي يمنح مفهوم "الهدم والبناء" محتواه ومغزاه.
يحمل الفرد في أعماقه فعل التغيير، يتجلى عبر أشكال لا حصر لها، ويصاب هذا "التغيير" بالصدأ والاضمحلال، لأسباب أيضاً لا حصر لها، بيد أن القمع في مقدمتها. ينجو الفعل الفني من هذه المعادلة، أو هو يحاول، ويسعى إلى كسرها، عبر مجمل نتاجاته، التي لا تفعل سوى تذكير الفرد بكينونته فاعلاً اجتماعياً، لا يستوي مفهوم التاريخ ذاته بمعزل عن هذا الفاعل. يعيد تشكيل المشهد من عناصر يخال المرء أنها لم تعد من الممكنات. فيعيد رسم الحلم، والمخيلة الجمعية، في اللَحظة ذاتها التي يخرب فيها الواقع كل ممكنات الحلم. يعيد لملمة شظايا الهوية، المتناثرة بفعل التخريب المتعمد، ويمنح الفرد ثقة في قدرته على التغيير، في مرحلة تآكلت فيها هذه الثقة.
ماذا يبقى -عبر هذا المنظور- من مقولة حيادية الفن والفنان؟ في الحقيقة الجميع في هذه المعادلة متورط بالقدر ذاته. إذ لا يعيق القمع الفن من التعبير،كما لا يدفعه للانطواء على نفسه، بل يحفزه على مزيد من الحنكة، والقدرة على مراوغة الرقيب. يلعب في الزمن، فيرحِّل الحاضر إلى أزمنة ماضية أو غير محددة، يعبث بالأشخاص والرموز ويعيد تشكيل المشهد من مزيج من المخيلة وواقع التجربة المعاش في الحاضر، ويحفز ذهناً نقدياً، يكتشف الحاضر عبر عالم من الرموز التي تقول ولا تقول. بيد أن "الفن لا يمتلك هذه القدرة السحرية إلا عندما يكون هو نفسه قدرة على النفي، وهو لا يستطيع أن يتكلم لغته الخاصة، إلا عندما تكون الرموز التي تدحض وترفض النظام القائم حية لمَا تمت. ماركوز"
هل قاربنا رؤية عاصم الباشا فيما قدمناه أعلاه؟ ذلك غير مهم، فالمهم هنا، أن الباشا نفسه، كان قد قاربَنا عبر مجمل أعماله، والتقط بدقة الخبير المجرب، أن المكان لم يعد يتسع لنا، نحن سكان هذا المكان، فقد كان اختبر الباشا هذا الشعور عام 1977عندما عاد إلى "البلد" ليفاجأ بتعيينه مدرساً في مدارس الحسكة الابتدائية!!، ويلتحق بعدها بعام واحد بالخدمة الإلزامية. فما كان منه إلا أن هاجر بعيداً، وقرر أن لا متسع له في هذا المدعو وطناً، فهل مازال لنا من متسع؟ في الحقيقة إنها دعوة للتغيير.
هامش:
1- عاصم الباشا : فنان سوري، ولد في الأرجنتين عام 1948 من أب سوري وأم أرجنتينية، درس الرسم في أكاديمية بويدو –بوينس أيرس، والنحت في موسكو، كما كتب الرواية والقصة القصيرة، عاد إلى سوريا، وما لبث بعدها أن هاجر إلى أسبانيا، وأقام هناك.