
أجرى الحوار: حسن بن عثمان
لعلّ فتحي بن سلامة لا تعرّفه صفة البروفسور ولا الدكتور ولا الأستاذ، لعلّ تعريف فتحي بن سلامة شبه الأكيد في منجزه العلمي وفي ما يطرحه وفي بعض قوله ووجهات نظره. تمتنع اللغة على أن تنسب لسيغموند فرويد، مثلا، صفة دكتور، أو للرازي، أو لابن سينا، أو أبا زيد البلخي لقب أستاذ… فتحي بن سلامة فيما يَعِدُ تفكيره وكتاباته هو من تلك السلالة، يرغب في فتوحات سليمة وسلمية في اللغة وفي الإنسان وفي النفس وفي علم النفس. هذا السيد مدرِّس في جامعة باريس السابعة في علم التحليل النفسي والباطولوجيا، أسس مجلة “ما بين العلامات” بالفرنسية وأدارها من باريس قبل توقفها، وأصدر من الكتب “تخييل الأصول” عن محنة سلمان رشدي وأدبه. “فلق الصبح” صدر هذا الكتاب الذي يتمحور حول التجربة المحمدية والسيرة النبوية من منظور جديد بالفرنسيّة عن دار “رامساي” المتخصّصة في التّحليل النّفسيّ سنة 1988، وأعدّ البشير بن سلامة (روائي ووزير ثقافة تونسي سابق) منذ سنة 1990 ترجمة عربيّة له تخوّفت بعض دور النّشر التّونسيّة التي عرضت عليها ترجمة الكتاب من نشرها، وهي ترجمة ستصدر فيما بعد عن دار الجمل بكولونيا. ومن آخر مؤلّفاته “محنة الإسلام والتحليل النفسي”، وقد ترجم إلى التّركيّة والإنكليزيّة والإيطاليّة واليابانيّة، وستصدر ترجمته العربيّة قريبا عن منشورات رابطة العقلانيّين العرب.
يقول المحلّل النّفسانيّ الفرنسيّ بيار فديدا في تقديمه كتاب “فلق الصّبح”: “هذا الكتاب ليس سيرة ولا حتّى سيرة نفسيّة لمحمّد الإنسان. ففي مسار يمكن مقارنته بمسار فرويد في كتابه “موسى الإنسان وديانة التّوحيد”، يسترفد الكاتب المصادر التّاريخيّة وكلّ ما توفّره اللّغات لكي يخضع إلى المعقوليّة التّحليلنفسيّة المحنة التي ينشأ عنها الأب والكلام ومنفى الكتابة، من حيث تلتقي هذه المعقوليّة مع جنيالوجيا نشأة القانون. فلو تذكّرنا ملاحظة فرويد عن انعدام قتل الأب المؤسّس للإسلام، أمكن لنا أن نتساءل عن وجود “رواية” أخرى للقتل المؤسّس في الإسلام. التّحليل النّفسيّ والإسلام؟ هذا أيضا سؤال هذا الكتاب، سؤال لقاء صامت وبديهيّ بين الإسلام والتّحليل النّفسيّ، وسؤال تعارض أيضا. إنّ القراءة في هذا الكتاب تستقبل قلق النّبيّ، وهي كذلك تعكس الدّلالات التي تحملها حضارة ما داخلها، عندما يتعلّق الأمر بالنّفس وبالتّحليل النّفسيّ”.
في هذا الحوار العفوي والمرتجل ـ الذي استغرق أكثر من أربع ساعات تسجيل هي مجرد مفتّحات للشاهية المعرفية، ستعقبها، بحول الله، وجبات رئيسة وفواكه ومُحليات ـ شئنا طرح بعض الأسئلة من منطلق الثقافة العربية الإسلامية الراهنة على التّحليل النّفسيّ ممثلا في أحد أعلامه المجتهدين. كان سؤالنا الأول لفتحي بن سلامة عن الرهبة التي تحفّ بتسمية علم النفس، التسمية في حد ذاتها، تلك الرهبة لدى الأفراد وفي الذهنية العامة للمجتمعات العربية الإسلامية. كأن هذا العلم يحوز سطوة على النفوس ويهتك المستور، وكأن له بعدا مقترنا بالغيب وبمن يطلع على سرائر الأنفس. كان رأي فتحي بن سلامة على النحو التالي:
كلمة النفس كلمة قديمة جدّا. والعلماء العرب السالفون أخذوا هذا العلم من لدن الإغريق القدماء وأضافوا إليه، فابن رشد مثلا أخذه عن أرسطو وقدّم فيه نظرة جديدة خصوصا في الجانب الروحي . النفس والروح ليسا بذات المعنى. النفس أقرب إلى الجسد وللأنفاس. الأساسي في الأمر أن التعريف القديم الذي أخذه العرب عن أرسطو يتمحور على أن النفس هي صورة الجسد. هذا تعريف نستطيع أن نقول عنه إنه مازال حاضرا إلى الآن. أمّا الروح فهي مبدأ إلهي وديني. وربّما تعود الرهبة من علم النفس في الثقافة العربية الإسلامية الراهنة إلى أن العرب منذ قرون لم يعودوا يحللون ما في دواخلهم، بل أصبحوا يرجعون أي سبب من أسباب الحياة والعلاقات لأمور تخرج عن قدرتهم وسيطرتهم، خاصة أنهم يسلّطون على أنفسهم نظرة يتخيّلون أنها صادرة من عند الإله، فهي ليست نظرة بشرية لبشريتهم. والإنسان الذي يضع نفسه هذا الموضع، يعتقد أنه غدا عينا للإله، ويكون أسيرا للأوهام. والخروج من هذا الوهم صعب وشاق، لأن الإنسان مدعو ليصير بشريا ويتحمل عبء الوجود، وتحمّل عبء الوجود هو ذلك الوضع الذي أطلق عليه العرب القدامى “تحقمري”، أي العيش في عالمنا هذا، ومعنى ذلك أن واقع العلاقات البشرية يقتضي أن لا يتدخل فيها أي منقذ إلاّ ما يضطلع به الإنسان بنفسه في علاقته مع الآخرين. هذا من جهة، ومن جهة أخرى ثمة التباس بين علم النفس، والعلوم الأخرى ذات النفوذ على إرادة الإنسان، وهذا الالتباس يضع عالم النفس في مكانة الإله الذي يطّلع على ما في الصدور ويسبر ما في القلوب، ومن هنا تأتي الرّهبة.
في علم النفس الحديث، وبالنسبة إليّ في علم النفس التحليلي، ليس هناك إنسان يعرف من جهة وإنسان لا يعرف من جهة أخرى، أي:عالم النفس أو طبيب النفس في مقابل المريض الذي لا يعرف، بل هناك علاقة معرفية يكون فيها المحلل النفساني ومقابله في نفس الدرجة، فهما شريكان في عملية استكشاف، حيث ليس هناك فاعل ولا مفعول، ليس هناك عارف في مقابل جاهل.
{{>هل يمكن أن نفهم من الجواب أن المجتمعات العربية والإسلامية هي حالات استثنائية في مسار البشرية الراهن، مع الملاحظة أن الدين وحضور الإله طاغيان في مجتمعات حديثة، وأوضح مثال في هذا السياق تديّن المجتمع الأميركي وكذا الشأن بالنسبة إلى المجتمع الإسرائيلي؟}}
>من الإجابات الممكنة عن هذا السؤال قولنا إن المجتمعات الحديثة والتي دخلت فعلا في الحداثة حدّت من استعمال الإله في العلاقات السياسية والمعاملات البشرية. ومثلما أشرنا سابقا، عندما يتكلم الإنسان باسم الإله يضع نفسه في مقامه وهذا لا يترك مجالا للإيمان المفكر فيه وهو نقيض الإيمان الدوغمائي، ومعنى ذلك أن المجتمعات الحديثة وضعت كل ما هو سلطان أو مصدر للسلطة بين يديها البشريتين بحيث لا يكون لأي إنسان إمكان أن يتكلم باسم ما هو أعلى من الإنسان. من هنا يمكن فهم الاختلاف بين المجتمعات العربية والإسلامية والمجتمعات الحديثة. فمجتمعاتنا لم تجد إلى الآن، ولأسباب تاريخية، طريقها إلى رسكلة السلطة بصفة عامة بين الأيدي البشرية. ما حصل هو أن الحكام الحاليين أخذوا السلطة بصفة فاحشة لدرجة أن التّخلّص منهم لا يمكن إلا بسلطة أقوى. لذلك لجأ بعض المسلمين إلى سلطة الإله المطلقة لمواجهة سلطة مطلقة في الواقع. إذن نرى أن الحرب الأهلية الموجودة في العالم العربي الإسلامي هي حرب حول السلطة، السلطة المطلقة التي تحكم الواقع في مقابل السلطة المطلقة للسماء. ومن هؤلاء الذين اعتمدوا سلطة السماء من وصل في استعمالها إلى درجة فاحشة في مقاومة سلطة فاحشة. إذا عدنا إلى مسألة علم النفس التحليلي نجد أن أقوى نزعة من نزعات النفس هي تملّك الآخر ومتعة التملّك. والحدّ من متعة التملّك في العلاقات الإنسانية بين الأب والابن والزوجة وبين الحاكم والشعب هو الذي يمكّن من الخروج من الحرب الأهلية حول السلطة، ولذلك أرى أنّ الأزمة الحقيقية في العالم العربي الإسلامي هي أزمة ناتجة عن هذه النزعة، نزعة المتعة بالسلطة. ففي سبيل المتعة بالسلطة يتم استعمال القوة الجسدية والقوة البوليسية وقوة اسم الإله. إذا كان من سبيل إلى تغيير ممكن فأنه تغيير أنفسنا قبل كل شيء. لو كنت في جزيرة خالية ولم يبق لي من المداد إلاّ ما أكتب به بضعة أسطر من القرآن لكتبت تلك الكلمة: “لا يغير الله ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم”. ما عبّرنا عنه بالإيمان المفكر فيه يجعل المسلم يعمل بهذه الكلمة.
{{>تميّز بين نوعين من الإيمان مع أن الكثير من علماء النفس يعتبرون كل إيمان سواء مفكر فيه أو غير مفكر فيه هو مما يندرج في التصنيف الدوغمائي. وعلى رأي العالم النفساني ألبرت إيليز: “إن كل من يعتقد بشيء ما مطلق يكون مضاداً للعلماء ويميل إلى التفكير بتطرف مجنون. وكل المتدينين يفعلون ذلك حتى عندما لا يبدون ذلك علانية. ولكن هناك مجموعة واسعة من المؤمنين الأشرار فعلاً، المتعصبين كما في إيران مثلاً”}}
>هذا خلط ما بين الإيمان والديانة، يمكن أن يكون الإيمان خارجا عن الديانة، ويمكن أن توجد ديانة ليس فيها إيمان، أي أن تكون ديانة طقوسية آلية، وهذا هو شأن المسلمين كما يبدو لي أحيانا، وأشدّد هنا على القول بأن المشكل اليوم ليس في الإسلام بل في المسلمين وما فعلوه باسم الإسلام. الكثير من المسلمين اليوم يتوضأ ويدخل إلى المسجد يتعبّد وهو خاضع مستسلم، ويخرج من هناك ليتخبط في أقذر الممارسات، ويتعسّف على الآخرين، ويستعمل كل ما في قدرته للتمتّع بالسلطة على من هو أضعف منه، وتلك ديانة آلية طقوسية خالية من الإيمان.
{{>فما هو الإيمان إذن؟}}
>الإيمان هو الإيمان بالآخر، والإيمان بالآخر هو مبدأ العقل. مثلا إذا خرجت من منزلك وركبت حافلة النقل فأنت من غير شعور تؤمن بأن سائق الحافلة ليس مجنونا سيقحم الحافلة في الحائط. وكذلك عندما تقول صباح الخير تؤمن بأن الآخر يسمعك وتعتبر أن لديه قدرة على أن يردّ عليك ليبين لك أنه سمعك. إذن، الإيمان هو الإيمان بالآخر العاقل السميع الناطق. أنظر كل ما نفعله كل يوم، فإنه مرتبط بدون شعور بهذا المبدأ إلاّ في الحروب والحروب الأهلية والأمراض النفسية. نحن الآن نتحدث في ما نسميه المبدأ الإنساني العام، ولكننا في الحين ذاته يمكن أن نميّز بين الآخر والغير. الآخر هو مبدأ الإيمان في العقل والسماع والنطق وهو مبدأ مطلق. أما الغير فهو كل مثيل لي في علاقاتي اليومية فأنا كذلك غير بالنسبة إليه، والغير هو من يمكن أن لا يحترم مبدأ الآخرية المؤسس في العقل، وهنا مجال الغيرة والتنافس على السلطة. هذا التمييز هو موجود عند ابن عربي ويوافق تماما التحليل النفسي الحديث، ويعطينا الدليل على أن هناك من تكلم باسم الإسلام بطريقة ترجع إلى مبدأ الإيمان، كما تكلمت بها الآن، وهم في الآن نفسه كانت لهم العقيدة الإسلامية. وهنا أدخل الآن كلمة العقيدة، والعقيدة أمر مختلف، إنها الرابط بين شخص ما وصورة من صور الإله لديه، فكل منا له صورة من صور الإله في نفسه، مهما كانت محاولة الفقهاء تقنينها. فالعقيدة هي الميثاق الرمزي الذي يربط بين الإنسان وصورة للإله. أما التصديق فهو خيالي تماما ومجاله مفتوح ويمكن أن نصدّق بكل شيء، لذلك فإن الإيمان بالآخر كعاقل وسميع وناطق هو أسمى مرتبة في العلاقة الإنسانية. هناك من يمنح هذا الآخر اسم الله وهناك من يمنحه اسم المسيح وهناك من يمنحه اسم يهوه أو من يسميه القرد الأكبر كما في ديانات أخرى. فالإنسانية عبر التاريخ تُلبس الآخر ألبسة مختلفة ومتنوعة. والتحليل النفسي سحب الأقنعة عن الآخر وفهم أن الآخر هو الآخر، أي المبدأ الإنساني المتأسس في العقل والموجود في كل الإنسانية، ففي ذلك إذن اعتراف بالمبدأ الذي حجبته أقنعة المعتقدات والأديان. ولكن التحليل النفسي يقرّ بأن هذه الأقنعة ضرورية بالنسبة للكثيرين فهي تعينهم على تحمل مشاق الوجود. وما أسميه “الإيمان المفكر فيه” هو ذاك الإيمان الذي لا ينسى أن الآخر غير القناع الذي أُلبس إياه. فالدغمائية والتعصّب يمزجان بين القناع والآخر، ويذهبان بالإنسانية إلى كرنفال موحش وفتّاك ترفع فيه صورة الإله الحاقد وينفتح به مجال الانفلات والحروب الأهلية. إذن من الممكن أن ما يضاد بالآخر كعاقل وسميع وناطق هو ما أسميه الآخر المقنّع وليس الإلحاد أو غير ذلك، لأن من يسمّى بالملحد يؤمن أيضا بالآخر العاقل السميع الناطق، باستثناء ما نسميه ومنذ نيتشه، بالعدمية. ذلك هو الخطر الكبير على الإنسانية الذي يمكن أن يدخل فيه أصحاب الإله من الضفة الأخرى.
{{>عندما تتحدث عن الآخر بصفته عاقلا سميعا ناطقا يبدو لنا أن هذا الآخر بالمعنى الحضاري كأنه غير موجود، أي كأن الإنسانية كافة تمر في راهنها بمرحلة صمم وجنون ونفي للآخر، وذلك كلما قلبنا النظر فيما يسود العالم حاليا من همجية حديثة. فما الضامن لكي لا يقع الجور على الآخر؟}}
>في الحقيقة ليس هناك ضامن مطلق ولا يوجد أي قانون يمكننا من تفادي الخلط بين الآخر والغير واستعمال الآخر في مصلحة الغير. نحن إذن فاقدون تماما للضامن المطلق، ومن يقول إنه الضامن المطلق لأي شيء فهو المجرم الحقيقي. إذن الضمان هو القانون الذي تضعه المجموعة البشرية بينها كبشر ليس لهم أن يجسدوا مكان الآخر بل تجمعهم الإرادة الحرة المشتركة، وهذا هو السياسي، وهنا يجب التمييز بين السياسي والسياسة. السياسة هي تدبير الشأن العام في جميع الميادين فيما يخص المدينة، أما السياسي فهو هذه الرابطة التي تجمع بين الناس والتي يكون فيها مكان الآخر مكانا فارغا لا يمكن لأي أحد أن يستحوذ عليه أو يحلّ فيه كذات فردية. تتنوع الوظائف وتتعدد حول المكان الفارغ بتداول مستمر في حراسة الفراغ وهذا ما نسميه الديمقراطية.
{{>جاء ذكر العدمية منذ حين وهي تذكرنا في هذا المقام بإعدام الأفراد لأنفسهم في عمليات يسمونها جهادية استشهادية وآخرون يسمونها انتحارية، ونرغب في التعرّف على رأيك في هذه المسألة من موقعك كمحلل نفسي.}}
>أولا وقبل كل شيء يجب أن نقول إن قتل النفس هي حالة من حالات الانتحار، إذ توجد عمليات انتحارية أقصى من الانتحار الفردي منها تدمير الأرض على سبيل المثال، ويمكن أن نذهب إلى أبعد من ذلك وهو وجود نزعة إلى تحويل الإنسان إلى شيء من الأشياء. ما يقع الآن في بعض المجتمعات الإسلامية يجب أن نربطه بمسألة العلاقة بين الآخر والغير. المرجع الذي يجعل من العلاقة بين الآخر والغير علاقة سلمية هو مسألة الكرامة. من أساليب التسلط على الغير هو إهانته، أي سلبه الثقة في الآخر كعاقل سميع ناطق، فالعدالة تكمن في مساواة الأشخاص من حيث علاقتهم بالآخر. إذا تقلص الإيمان في الآخر يذهب الإنسان إلى قتل نفسه وقتل الآخرين. ومن أكبر الإهانات أن يعمد فرد أو تعمد مجموعة إلى تقمّص مكان الآخر بحيث يصبح الغير نفايات لا معنى لها ولا اعتراف بوجودها. هذا التقمّص للآخر يكون بأساليب كثيرة: القوة المادية المستعملة من أجل المصلحة الخاصة، التكلم باسم الآخر، باسم الإله، باسم الدولة، واستعمال هذا الكلام لفرض الإرادة الخاصة. كل المجتمعات البشرية بنيت على تضحية أساسية تكمن في أن هناك إنسانا أراد أن يتقمّص مكان الآخر، وهو ما يسميه التحليل النفسي: الأب الأصلي. ففي الديانات التوحيدية هذا ما ضحى به إبراهيم عندما عدل عن قتل ابنه. عندما آمن أنه لا يمكن له تقديم ابنه قربانا للآخر. هذا ما نسميه التضحية بالمتعة المطلقة بالسلطة، ويقول ابن عربي أن هذا الأب هو حيواني، فإبراهيم بعدوله عن التضحية لم يعد أبا حيوانيا. إذن من يتمتع بالسلطة المطلقة يدخل في نطاق الحيوانية. ما يسميه التحليل النفسي بقتل الأب، ليس أن يقتل الإنسان أباه، ولكن أن يضحي بالأب الحيواني الذي في نفسه والذي يحتكر المتعة والتمتع بالسلطة. فكل مجتمع يقوم على هذه التضحية التي تمكن الأبناء من أن يجدوا مكانا لهم في الاشتراك في السلطة.
عندما تصبح العلاقة بالسلطة على منوال المتعة الحيوانية التي لا تترك سبيلا للأبناء حتى يجدوا مكانا لهم وعلاقة بالآخر غير المستحوذ عليه عندها يذهب الأبناء إلى الحلول القصوى لإعادة عملية التضحية المؤسسة ويدفعون بأنفسهم إلى الموت. والسؤال المركزي في هذا السياق هو: لماذا تدفع المجتمعات الإسلامية أبناءها إلى إعادة هذه العمليات العتيقة. الجواب يكمن في هذه الإشكالية، ذلك أن دخول هذه المجتمعات إلى الحداثة كان دخولا أفقدها التنظيم السياسي الذي يمكّن من الحدّ من متعة الأب الحيواني، لأن المشكل ليس في العدول عن هذه الحيوانية في التمتع بالسلطة أو الكلام بالشعارات الدينية، بل في التنظيم السياسي لحيوانية الإنسان. وهذا يعني أن الدخول في التنظيم السياسي للمتعة والحدّ من السلطة لم يحصل بعد نظرا لاستيلاء الحكام على السلطة والانفراد بها. المشكلة ليس أن العدو أقوى أو أشد بأسا في فلسطين أو في العراق. العدو في حرب تحرير الجزائر كان قوة استعمارية هائلة، والمجاهدون الجزائريون لم يتخذوا وسائل الانتحار في كفاحهم، وهذا يدلّ على أن المشكلة ليست مشكلة العدوّ في ميدان الانتحار، ولكن المشكلة هي داخل المجتمعات العربية الإسلامية اليوم. وليس من باب الصدفة أن نرى بعض الشبان الجزائريين اليوم يذهبون إلى الانتحار في دولتهم وفي غياب الاستعمار. إذن التمتّع بالسلطة والاستحواذ على مكان الآخر هو استعمار أدهى من أي استعمار لأنه يعود بالمجتمعات إلى قسوة ما قبل تأسيسها.
{{>الانتحار يحيلنا على ضرب آخر من الموت الذي هو الإعدام، هل الإعدام نوع من طلب الموت؟ وماذا تقول عن أشهر عملية إعدام في التاريخ تابعها العالم كله عبر شاشات التلفزيون: إعدام صدام؟}}
>صدام حسين هو حقا من الحكام الذين أسرفوا إسرافا كبيرا في التمتّع بالسلطة واقترفوا كثيرا من الجرائم. فالإطاحة بحاكم كهذا كان يمكن أن يكون شيئا مرغوبا فيه، ولكن العملية وقعت باحتلال بلاد وتدميرها عن طريق قوة استعمارية جديدة وهو ما قلب هذه الإطاحة إلى عملية استحواذ من قبل سلطة تعتبر نفسها في مكان الآخر وتحتكر اسم الديمقراطية وتستعمله كاسم إله جديد لا كمبدإ للآخر، كما قلنا، ثم لو وقع احترام الكرامة بصفة فعلية للعراق ولشعبه لوقعت محاكمة هذا الرجل من طرف شعبه في ظلّ احترام مبادئ القانون الدولي لحقوق الإنسان. هذا لم يحصل، بل إنّ ما حصل هو إعدامه في يوم العيد، عيد الأضحى، وهذا يعود بنا إلى ما قلته سابقا، إي إلى العمليات العتيقة التي ترجعنا إلى ما قبل تضحيات إبراهيم، فالآن وقعت التضحية بإنسان. ومهما كانت جرائم هذا الإنسان فإنّه لا يمكن أن يُقدّم قربانا، لأنّ هذا الفعل يجعل الشعب العراقي والإنسان بصفة عامة يدخل في دوامة العتيق بدل أن يدخل في حداثة القانون والعصر.
{{>من وجهة نظر التحليل النفسي كيف تفسّر المشهد الذي ظهر عليه صدام حسين وهو يتوجه بثقة ورباطة جأش لمشنقته بصورة لا تخلو من دلالات بطولة؟}}
>ذلك أن هناك موت أقسى من الموت وقبل الموت، عندما يفقد الإنسان كل كرامة يموت قبل أن يموت ويصبح الموت حدثا جسديا يمكن أن تستسيغه النفس، وهو خلاص أخير.