فروقات المصاحف (11)



مصحف عبيد بن عمير واحد من تلك المصاحف التي وصفها جفري بالأوليّة، مقابل تلك الثانويّة التي عزيت عموماً للتابعين. مع ذلك، فعند ابن عمير قراءات هامّة خالف فيها نصيّاً المصحف العثماني.

من هو عبيد بن عمير؟

عبيد بن عمير"بن قتادة الليثي الجندعي المكّي الواعظ المفسّر؛ ولد في حياة رسول الله صلّى الله عليه وسلم، وحدّث عن أبيه وعن عمر بن الخطاب وعلي وأبي ذرّ وعائشة وأبي موسى الأشعري وابن عباس وطائفة. حدث عنه ابنه عبد الله بن عبيد وعطاء بن أبي رباح وابن أبي مليكة وعمرو بن دينار وعبد العزيز بن رفيع وأبو الزبير وجماعة. وكان من ثقات التابعين وأئمتهم بمكّة؛ وكان يذكّر الناس فيحضر ابن عمر رضي الله عنهما مجلسه. روى حماد بن سلمة عن ثابت؛ قال : أوّل من قصّ عبيد بن عمير على عهد عمر بن الخطاب. أبو بكر بن عياش عن عبد الملك عن عطاء؛ قال : دخلت أنا وعبيد بن عمير على عائشة؛ فقالت له : خفف فإنّ الذّكر ثقيل، تعني : إذا وعظت! وقال عبد الواحد بن أيمن : رأيت عبيد بن عمير وله جمّة إلى قفاه ولحيته صفراء؛ قلت: هو من خضاب السنّة. توفّي قبل ابن عمر بأيام يسيرة وقيل توفّي في سنة أربع وسبعين. وكان ابنه عبد الله من علماء المكيين وكان حفيده محمد بن عبد الله المعروف بالمحرم ضعيفاً، حدّث عن عطاء وجماعة لحقه داود بن عمرو الضبّي" (سير أعلام النبلاء 402).

بالانتقال الآن إلى ما قاله جفري حول هذا الصحابي، نقرأ ما يلي :  [يطالعنا اسم عبيد بن عمير الليثي، الذي ارتبط اسمه بالتعليم القرآني لكلّ من عمر وأبيّ،  في كتب الطبقات على أنه نَقَل رواية في حروف القرآن (طبقات ابن الجزري، 1، 496، 497)، والتي نُقلت بدورها من قبل مجاهد، عطاء وعمرو بن دينار، وكلّهم يتمّ الاستشهاد به مراراً وتكراراً من قبل المفسّرين بسبب قراءاتهم غير القانونيّة، واثنان منهم كان عندهما مصحفاهما الخاصّان. كان واحداً من أوائل القرّاء المكّيين (نشر 8:1) وربّما كان مصحفه الأساس لمدرسة التقليد النصّي المكيّة. يورد ابن أبي داود (ص 88 ) أشهر ما نقل عنه من قراءات مخالفة للنص العثماني، والتي هي في بداية السورة 87، لكن يمكننا جمع قبضة من قراءات أخرى من الأدب القرآني] جفري.

فروقات مصحف ابن عمير:

قبل أن نقدّم القائمة التي أوردها جفري حول قراءات ابن عمير، لا بأس من تقديم ما بين أيدينا من فقرات، مع مراجعها، والتي تبيّن أنّ عبيد بن عمير امتلك قراءات مخالفة قليلة، لكنها هامّة.

نبدأ بكشّاف الزمخشري؛ حيث يقال : “وفي قراءة عبد الله : بعيس عين؛ والعيساء : البيضاء تعلوها حمرة. وقرأ عبيد بن عمير “لا يذاقون فيها الموت”، وقرأ عبد الله “لا يفوقون فيها طعم الموت“ (الكشاف 1186).

القرطبي، كالعادة، يقدّم لنا نصوصاً كثيرة لها علاقة بقراءات خاصّة بعبيد : “وقرأ عبيد بن عمير والشعبي وابن سيرين “قدروها” بضمّ القاف وكسر الدال؛ أي جعلت لهم على قدر إرادتهم. وذكر هذه القراءة المهدوي عن علي وابن عباس رضي الله عنهما؛ وقال: ومن قرأ “قدروها” فهو راجع إلى معنى القراءة الأخرى، وكأن الأصل قدروا عليها فحذف الجرّ؛ والمعنى قدرت عليهم“ (القرطبي 3564 ).

نص آخر للقرطبي، نجد فيه حديثاً عن قراءة لعبيد : “وقرأ عبيد بن عمير "لا يفرطون" بالتخفيف، أي لا يجاوزون الحدّ فيما أمروا به من الإكرام والإهانة “(القرطبي 1326).

وفي نص ثالث للقرطبي نقرأ: “أي حذرتكم وخوفتكم. أي تلهب وتتوقد وأصله تتلظى. وهي قراءة عبيد بن عمير، ويحيى بن يعمر، وطلحة بن مصرف“(القرطبي 3686).

 يقول النويري في نهاية الأرب: “وقرأ عبيد بن عمير وإن يخذلكم بضم الياء وكسر الذال، أي يجعلكم مخذولين، ويحملكم على الخذلان والتخاذل، كما فعلتم بأحد فمن ذا الذي ينصركم من بعده أي من بعد خذلانه وعلى الله فليتوكل المؤمنون“ ( نهاية الأرب للنويري 1928).

في تاج العروس نجد كثيراً من القراءات التي تنسب لابن عمير؛ يقال: “ ظَمِئَ، كفرِح يَظْمَأُ ظَمْأً بفتح فسكون وظَمَأً محرّكة وظَماءً بالمدّ وبه قُرئَ قوله تعالى “لا يُصيبُهُم ظَمَأٌ” وهو قراءة ابن عُمَير“ (تاج العروس 171).

  

في تاج العروس نقرأ أيضاً: “قال ذلِكَ أَبو عَمْرِو ابنُ العَلاءِ، وبِهِمَا قُرِئَ قولُه تعالى: “ومَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّه إِلاَّ الضّالُّونَ”. قلتُ: أَمَّا يقنُط، كيَنْصُر، فَقَرَأَ به الأَعْمَشُ، وأَبو عَمْرٍو، والأَشْهَبُ العُقَيْلِيُّ، وعِيسَى ابنُ عُمَرَ، وعُبَيْدُ بن عُمَيْر، وزَيْدُ بنُ عَلِيٍّ، وطاوُوس، فهو قانِطٌ“ (تاج العروس  4981 ؛ راجع: تاج العروس 6421).

في نص آخر من تاج العروس، نجد الفقرة ذات الصلة التالية: “قال : وبه قُرِئَ : “فافْرِقْ بيْنَنا وبيْن القوْمِ الفاسِقين” قُلت : وهذه قد ذكَرها اللِّحْياني نَقْلاً عن عُبَيْد بنِ عُمَيْرٍ اللّيْثيّ أنّه قرأ فافْرِق بيْننا بكسرِ الرّاء. وقولُه تَعالَى:  "فيها يُفْرَق كُلُّ أمْرٍ حكيم". قال قَتادةُ أي : يُقْضَى وقيل : أي يُفصَلُ، ونقَلَه اللّيْثُ“ (تاج العروس 6539).

في نص آخر حول القراءات، يقول تاج العروس : "ووَلَق فُلاناً يلِقُه : طعَنَه طعْناً خفيفاً. ويقال : ولَقَه بالسّيف ولَقاتٍ أي : ضرَبَه به ضرَبات. وولَق في السّيرِ، أو في الكذِبِ يلِقُ ولْقاً : إذا استمرّ فيهما. ومنه قولُ عليّ رضي الله عنه قال لرجُل : كذبْتَ واللهِ ووَلَقْت، وإنّما أعادَه تأكيداً، لاختِلاف اللّفظ. ومنه قِراءَةُ عائِشةَ رضي الله عنها، ويَحْيَى بنِ يعْمَرَ وعُبَيد بنِ عُمير، وزيْد بن علي، وأبي مَعْمر “إذ تلِقونَه بألسِنَتِكُم” ونقل الفَرّاءُ هذه القِراءة، وقال : هذه حكاية أهلِ اللّغة، جاؤوا بالمُتَعدّي شاهِداً على غير المتعدّي(تاج العروس 6620).

ننهي شواهدنا من تاج العروس بالنص التالي : “زَلَلْتَ يا فُلانُ، تَزِلُّ، مِن حَدِّ ضَرَبَ، وزَلِلْتَ، كَمَلِلْتَ، تَزَلُّ مِنْ حَدِّ عَلِمَ، وهذهِ عن الفَرَّاءِ، وبِهِ قَرَأَ أبو السَّمَّالِ، وزَيْدُ بنُ عَلِيٍّ، وعُبَيدُ ابنُ عُمَيْرٍ، قولُه تَعالى: “فَإِن زَلِلْتُمْ”، بِكَسْرِ اللَّامِ، والأُولَى قِراءَةُ العامَّةِ“ (تاج العروس 7135).

من ناحيته، يورد الرضى الصاغاني في الشوارد الفقرة التالية: “وقراً عُبَيْدُ بنُ عُمَيْر" وَقِيدُها النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ" "(الشوارد للرضى الصاغاني 1).

بالعودة إلى كشّاف الزمخشري نقرأ النص التالي، المتعلّق بقراءة لابن عمير : “ “فمنهم من يقول : "فمن المنافقين من يقول بعضهم لبعض: “أيكم زادته هذه” السورة “إيماناً” إنكاراً واستهزاء بالمؤمنين واعتقادهم زيادة الإيمان بزيادة العلم الحاصل بالوحي والعمل به. وأيكم: مرفوع بالابتداء. وقرأ عبيد بن عمير : أيكم بالفتح على إضمار فعل يفسره “زَادتهُ” تقديره : أيكم زادت زادته هذه إيماناً “فزادتهم إيماناً” لأنها أزيد لليقين والثبات، وأثلج للصدر. أو فزادتهم عملاً، فإن زيادة العمل زيادة في الإيمان، لأن الإيمان يقع على الاعتقاد والعمل “فزادتهم رجساً إلى رجسهم” كفراً مضموماً إلى كفرهم، لأنهم كلما جددوا بتجديد اللّه الوحي كفراً ونفاقاً، ازداد كفرهم واستحكم وتضاعف عقابهم“ (الكشاف 510).

في كنز العمال نصّ هامّ يتقاطع للغاية مع نصوص أوردناها في ملفاتنا السابقة حول القراءات غير التقليديّة؛ يقول الهندي: “عن عبيد بن عمير أن عمر بن الخطاب قنت بعد الركوع في صلاة الغداة، فقال: بسم الله الرحمن الرحيم، اللهم إنا نستعينك ونستغفرك ونثني عليك ولا نكفرك ونخلع ونترك من يفجرك بسم الله الرحمن الرحيم اللهم إياك نعبد ولك نصلي ونسجد ولك نسعى ونحفد نرجو رحمتك ونخشى عذابك إن عذابك بالكفار ملحق. وزعم عبيد أنه بلغه أنهما سورتان من القرآن في مصحف ابن مسعود.  عن عبيد بن عمير أن عمر قنت بعد الركوع فقال: اللهم اغفر لنا وللمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات، وألف بين قلوبهم وأصلح ذات بينهم، وانصرهم على عدوك وعدوهم، اللهم العن كفرة أهل الكتاب الذين يصدون عن سبيلك، ويكذبون رسلك ويقاتلون أولياءك، اللهم خالف بين كلمتهم وزلزل أقدامهم، وانزل بهم بأسك الذي لا ترده عن القوم المجرمين.

عن أبي رافع الصائغ قال : صليت مع عمر بن الخطاب سنتين، فقنت بهم قبل الركعة. ابن سعد. عن عبيد بن عمير قال : صليت خلف عمر بن الخطاب الغداة قنت فيها قبل الركوع“ (كنز العمال 1121).

وفي نص للسيوطي : يقال: “تذنيب يقرب مما تقدم عن عائشة ما أخرجه الإمام أحمد في مسنده وابن أشتة في المصاحف من طريق إسماعيل المكي عن أبي خلف مولى بني جمح: أنه دخل مع عبيد بن عمير على عائشة؛ فقال: جئت أسألك عن آية في كتاب الله تعالى كيف كان رسول الله (ص) يقرؤها؟ قالت: آية آية؟ قال: الذين يأتون ما أتوا، أو الذين يأتون ما آتوا؟ قالت: أيتهما أحبّ إليك؟ قلت: والذي نفسي بيده لأحدهما أحب إلى من الدنيا جميعاً، قالت: أيهما قلت – الذين يأتون ما أتوا – فقالت: أشهد أن رسول الله (ص) كذاك كان يقرؤها وكذلك أنزلت، ولكن الهجاء حرف“ (الإتقان 213).



فروقات مصحف ابن عمير بحسب جفري:

[ السورة الثانية:

الآية 7: غشاوة قرأها غشوة.

الآية 42: وقودها قرأها وقيدها، وكذلك قرأها في السورة 66 الآية 6.

الآية 238: والصلاة الوسطى قرأها والصلاة الوسطى وصلاة العصر، مثل أبي وحفصة وغيرهما.

السورة الثالثة:

الآية 10: وقود قرأها وقيد.

الآية 71: تلبسون قرأها تلبسوا، مثل زيد بن علي وأبي نهيك.

تكتمون قرأها تكتموا.

السورة الرابعة:

الآية 104: تهنوا قرأها تهانوا.

السورة الخامسة:

الآية 60: وعبد الطاغوت قرأها وأعبد الطاغوت.

السورة الثامنة عشر:

الآية 105: نقيم قرأها يقوم، مثل أبي نهيك وأبي سمّال، مع أن بعضهم يقول إنه قرأها هنا يقيم.

السورة الخامسة والثلاثون:

الآية 8: زيّن له سوءُ قرأها زين له أسوء، مع أن بعضهم قال إنه قرأها سوءَ.

السورة السادسة والثلاثون:

الآية 56: ظلال قرأها ظلل، مثل ابن مسعود وكوفيين كثر.

السورة الثامنة والثلاثون:

الآية 23: عزني قرأها عازني، مثل ابن مسعود وأبي رزين.

السورة الرابعة والأربعون:

الآية 38: بينهما قرأها بينهن.

الآية 56: يذوقون قرأها يذاقون.

السورة التاسعة والأربعون:

الآية 9: اقتتلوا قرأها اقتتلا، مثل أبي وابن مسعود.

السورة الثالثة والستون:

الآية 10: وأكن قرأها وأكون. هكذا قرأها السلمي.

السورة السابعة والثمانون:

الآية 1: سبّح اسم ربّك الأعلى الذي خلق قرأها سبح اسم ربّك الذي خلقك.

السورة الثانية والتسعون:

الآية 2: تجلّى قرأها تتجلّى مثل ابن مسعود.

الآية 14: تلظّى قرأها تتلظّى، مثل ابن مسعود وزيد بن علي وآخرين] جفري.