
موافقات عمر بين الأصنام وابن أبي سرح:
في بداية هذا البحث، لا بدّ من الإشارة إلى نص من كنز العمال للمتقي الهندي، تحدّث فيه عن شخص أدخل في القرآن بعض نصوص، ثم تنصّر : "عن أنس أن رجلاً كان يكتب لرسول الله (ص) الوحي، فكان إذا أملى عليه سميعاً كتب سميعاً عليماً، وإذا أملى عليه سميعاً عليماً كتب سميعاً بصيراً، وكان قد قرأ البقرة وآل عمران، وكان من قرأهما قرأ قرآناً كثيراً، فتنصر الرجل، فقال: إنما كنت أكتب ما شئت عند محمد" (كنز العمال 216).- ولا ندري طبيعة العلاقة بين هذه الرواية وقصة عبد الله بن أبي سرح التي أوردناها في الحديث عن مصحف "عبد الله بن مسعود ".
في البحث المتعلّق بمصحف عبد الله بن مسعود حول فروقات المصاحف رأينا من ناحية كيف أضاف عبد الله بن أبي سرح آية إلى القرآن وقبل بها من النبي؛ ورأينا من ناحية أخرى كيف أدخل النبيّ في مصحفه أقوالاً كانت العرب في زمن الشرك تتوسل بها إلى أصنامها. هذا يعني، ضمن أشياء كثيرة أخرى، وإذا ما تعاملنا مع المسألة برمّتها من منظور أرضيّ لا علاقة له بالغيبيات، أنّ النبي كان يعيد انتاج ما يلقى على مسامعه من كلام على أنه وحي منزّل. وكنّا لاحظنا في بحوثنا حول العلاقة بين القرآن وأسفار " أهل الكتاب " أنّ النبيّ كان يعيد إنتاج ما يلقى على مسامعه من كلام مقدّس أو شبه مقدّس لجماعة أهل الكتاب، ويعزو ذلك إلى إلهه.
مشكلة محمد كنبي، مقارنة مع أمثاله في أسفار غيره ممّن سبقوه، أنه وحده أسس للدين وفي فترة قياسية، في حين عرفت اليهودية سلسلة أنبياء لا نهاية لها في زمن لا نكاد نتلمّس ملامحه. لذلك فالنقديّة الكتابيّة، باعتقادي، تركّز على النص أكثر من مؤلّفه؛ في حين أن النقديّة القرآنيّة، لو قدّر لهذا العلم أن يكون، يجب أن تركّز على الشخص أكثر من النص الذي قدّمه لنا. وحتى الآن لم يجرؤ أحد من علماء النفس الجديين على دراسة الواقع السيكولوجي لمحمد على ضوء ما تركه لنا الكتّاب السابقون من نصوص. من هنا، وبسبب هذا الغياب غير المبرر لدراسات كهذه، لا نستطيع غير الانطلاق من واقع حيادي يقول إن محمداً كان يدخل في قرآنه نصوصاً لبعض المبرزين في جماعته الأولى – أو نصوصاً يسترضيهم بها – إما رغبة منه بتقريبهم منه أكثر، مثل عمر بن الخطّاب الذي كان يدعو الله أن يعزّ الإسلام به؛ أو لرباطه العاطفي معهم، كما حدث غير مرة مع عائشة حين استنزل نصوصاً تسكن غضبها الحاد.
في هذا البحث سنتناول المراجع التي حكت عن استنزال النبي آيات توافق بالحرف أحياناً ما قاله على مسامعه عمر بن الخطّاب أو تلبي رغبات له حيناً آخر.
نبدأ باتقان السيوطي: " أخرج الترمذي عن ابن عمر أن رسول الله (ص)؛ قال : إن الله جعل الحقّ على لسان عمر وقلبه! قال ابن عمر: وما نزل بالناس أمر قط فقالوا وقال، إلا نزل القرآن على نحو ما قال عمر… مجاهد؛ قال: كان عمر يرى الرأي فينزل به القرآن… عن أنس؛ قال: قال عمر: وافقت ربي في ثلاث : قلت : يا رسول الله لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلّى؟ فنزلت: " واتخذوا من مقام إبراهيم مصلّى "! وقلت: يا رسول الله إن نساءك يدخل عليهن البرّ والفاجر فلو أمرتهنّ أن يحتجبن؟ فنزلت آية الحجاب؛ واجتمع على رسول الله (ص) نساؤه في الغيرة؛ فقلت لهن: عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجاً خيراً منكن؛ فنزلت كذلك… عمر قال: وافقت ربي في ثلاث: في الحجاب، وفي أسرى بدر، وفي مقام إبراهيم… عن أنس؛ قال: قال عمر: وافقت ربي، أو وافقني ربي، في أربع: نزلت هذه الآية: " ولقد خلقنا الأنسان من سلالة من طين "، فلما نزلت قلت أنا: فتبارك الله أحسن الخالقين [نتذكر هنا عبد الله بن أبي سرح: راجع بحث عبد الله بن مسعود!]، فنزلت: "فتبارك الله أحسن الخالقين". وأخرج عن عبد الرحمن بن أبي ليلى أن يهودياً لقي عمر بن الخطاب؛ فقال: إن جبريل الذي يذكر صاحبكم عدوّ لنا، فقال عمر: من كان عدوّا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكائيل فإن الله عدو للكافرين؛ قال: فنزلت على لسان عمر! ( 38 ).
لكن بعضهم يرى أن موافقات "الله" لعمر – بمعنى أن يعيد محمد بعض ما قال عمر على أنه وحي إلهي – أكثر من ذلك بكثير؛ يقول السيوطي في تاريخ الخلفاء: "قد أوصلها بعضهم إلى أكثر من عشرين… عن مجاهد قال: كان عمر يرى الرأي فينزل به القرآن. …عن علي قال: إن في القرآن لرأياً من رأي عمر. وأخر عن ابن عمر مرفوعاً: ما قال الناس في شيء وقال فيه عمر إلا جاء القرآن بنحو ما يقول عمر.
وأخرج الشيخان عن عمر؛ قال: وافقت ربّي في ثلاث: قلت: يا رسول الله لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلّى فنزلت: "واتخذوا من مقام إبراهيم مصلّى" "البقرة: 125"؛ وقلت: يا رسول الله يدخل على نسائك البر والفاجر فلو أمرتهن يحتجبن؛ فنزلت آية الحجاب؛ واجتمع نساء النبي (ص)في الغيرة؛ فقلت: عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجاً خيراً منكن فنزلت كذلك. وأخرج مسلم عن عمر؛ قال: وافقت ربي في ثلاث: في الحجاب وفي أسارى بدر وفي مقام إبراهيم ففي هذا الحديث خصلة رابعة. وفي التهذيب للنووي: نزل القرآن بموافقته في أسرى بدر وفي الحجاب وفي مقام إبراهيم وفي تحريم الخمر فزاد خصلة خامسة؛ وحديثها في السنن ومستدرك الحاكم أنه قال: اللهم بين لنا في الخمر بياناً شافياً فأنزل الله تحريمها. وأخرج ابن أبي حاتم في تفسيره عن أنس؛ قال: قال عمر: وافقت ربي في أربع: نزلت هذه الآية:" ولقد خلقنا الأنسان من سلالة من طين" "المؤمنون: 12" الآية؛ فلما نزلت قلت أنا: فتبارك الله أحسن الخالقين! فنزلت "فتبارك الله أحسن الخالقين" "المؤمنون: 14"! فزاد في هذا الحديث خصلة سادسة….
ثم رأيت في كتاب فضائل الإمامين لأبي عبد الله الشيباني؛ قال: وافق عمر ربه في أحد وعشرين موضعاً!! فذكر هذه الستة وزاد سابعاً قصة عبد الله ابن أبي؛ قلت: حديثها في الصحيح عنه قال [عمر]: لما توفّي عبد الله بن أبي دعي رسول الله (ص) للصلاة عليه فقام إليه فقمت حتى وقفت في صدره؛ فقلت: يا رسول الله! أو على عدو الله ابن أبي القائل يوم كذا كذا؟ فوالله ما كان إلا يسيراً حتى نزلت: "ولا تصل على أحد منهم مات أبداً" "التوبة: 84". وثامناً: "يسألونك عن الخمر": "البقرة: 219".
وتاسعاً: "يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة": "قلت: هما مع آية المائدة خصلة واحدة…وعاشراً لما أكثر رسول الله (ص)من الاستغفار لقوم؛ قال عمر: سواء عليهم! فأنزل الله: "سواء عليهم استغفرت لهم" المنافقون: 6"! الحادي عشر: لما استشار (ص) الصحابة في الخروج إلى بدر أشار عمر بالخروج؛ فنزلت: "كما أخرجك ربك من بيتك بالحق" "الأنفال: 5". الثاني عشر: لما استشار الصحابة في قصة الإفك؛ قال عمر: من زوجكها يا رسول الله؟ قال: الله! قال: أفتظن أن ربك دلس عليك فيها؟ سبحانك هذا بهتان عظيم فنزلت كذلك"! [ كالعادة، يضيعنا التراث اٌسلامي؛ فالسيوطي ذاته ينسب النص الأخير إلى سعد بن معاذ: " عن سعيد بن جبير أن سعد بن معاذ لما سمع ما قيل في أمر عائشة؛ قال: سبحانك هذا بهتان عظيم، فنزلت كذلك ( الاتقان 38 ) ]! الثالث عشر: قصته في الصيام لما جامع زوجته بعد الانتباه، وكان ذلك محرماً في أول الإسلام؛ فنزل: "أحل لكم ليلة الصيام" "البقرة: 187"! الرابع عشر: قوله تعالى "من كان عدواً لجبريل" "البقرة: 97"؛ قلت:.. أن يهودياً لقي عمر؛ فقال: إن جبريل الذي يذكره صاحبكم عدو لنا! فقال له عمر: من كان عدواً لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال فإن الله عدو للكافرين؛ فنزلت على لسان عمر. الخامس عشر: قوله تعالى: "فلا وربك لا يؤمنون" "النساء: 65"؛ … اختصم رجلان إلى النبي (ص) فقضى بينهما فقال الذي قضى عليه: ردنا إلى عمر بن الخطاب؛ فأتيا إليه؛ فقال الرجل: قضى لي رسول الله (ص) على هذا! فقال: ردنا إلى عمر! فقال: أكذاك؟ قال: نعم! فقال: عمر مكانكما حتى أخرج إليكم؛ فخرج إليهما مشتملا على سيفه فضرب الذي قال ردنا إلى عمر فقتله وأدبر الآخر؛ فقال: يا رسول الله قتل عمر والله صاحبي! فقال: ما كنت أظن أن يجترئ عمر على قتل مؤمن؛ فأنزل الله: "فلا وربك لا يؤمنون" "النساء: 65"… فأهدر دم الرجل وبرئ عمر من قتله!!… السادس عشر: الاستئذان في الدخول؛ وذلك أنه دخل عليه غلامه وكان نائماً؛ فقال: اللهم حرم الدخول! فنزلت آية الاستئذان. السابع عشر: قوله في اليهود إنهم قوم بهت. الثامن عشر: قوله تعالى: "ثلة من الأولين وثلة من الآخرين" "الواقعة: 39 – 40"؛ … التاسع عشر: رفع تلاوة الشيخ والشيخة إذا زنيا…العشرون: قوله يوم أحد لما قال أبو سفيان: أفي القوم فلان؟ لا نجيبنه! فوافقه رسول الله (ص)! … أن كعب الأحبار؛ قال: ويل لملك الأرض من ملك السماء! فقال عمر: إلا من حاسب نفسه!؟ فقال كعب: والذي نفسي بيده إنها في التوراة لتابعتها!! فخر عمر ساجداً… عن عمر أن بلالا كان يقول إذا أذّن: اشهد أن لا إله إلا الله، حي على الصلاة؛ فقال له عمر: قل في أثرها: أشهد أن محمداً رسول الله! فقال رسول الله (ص): قل كما قال عمر " ( تاريخ الخلفاء 49 -50 ).
في أسباب النزول للواحدي تطالعنا رواية، تفيد بالمعنى ذاته: " قوله عز وجل: وَقُل لِّعِبادي يَقولُوا الَّتي هِيَ أَحسَنُ؛ نزلت في عمر بن الخطاب (رض)، وذلك أن رجلاً من العرب شتمه، فأمره الله تعالى بالعفو " ( أسباب نزول القرآن للواحدي، 104).
في تاريخ ابن شبّة، أخيراً، نجد عرضاً تفصيليّاً للمسألة؛ ففي حديث المؤرخ عن فضائل عمر بن الخطّاب، نقرأ: " موافقاته (رض): قال ابن عمر (رض): ما نزل اللّه أمراً قط فقالوا فيه وقال فيه عمر إلا نزل القرآن على نحو ما قال عمر. وعنه أنه قال، قال عمر: وافقت ربي في ثلاث، في مقام إبراهيم، وفي الحجاب، وفي أسارى بدر.
موافقته في مقام إبراهيم: قال عمر (رض): يا رسول الله! أليس هذا مقام إبراهيم أبينا؟ قال: بلى؛ قال عمر: فلو اتخذته مصلّى؟ فأنزل اللّه تعالى: "واتخذوا من مقام إبراهيم مصلّى".
موافقته في الحجاب: قالت عائشة (رض): كان عمر يقول لرسول الله (ص): احجب نساءك. قالت: فلم يفعل. وكان أزواج النبي يخرجن ليلاً إلى ليل قِبَل المناصع وهو صعيد أفيح خارج المدينة؛ فخرجت سودة بنت زمعة وكانت امرأة طويلة فراَها عمر وهو في المجلس؛ فقال: عرفناك يا سودة! حرصاً على أن ينزل الحجاب… فأنزل اللّه عز جل آية الحجاب. وعن أنس قال: قال عمر: قلت يا رسول الله لو أمرت نساءك يحتجبن، نإنهن يكلمهن البَرُّ والفاجر. فنزلت آية الحجاب. وعن ابن مسعود قال: أمر عمر نساء رسول الله (ص) أن يحتجبن. فقالت له زينب: وإنك علينا يا ابن الخطاب، والوحي ينزل بيوتنا فأنزل اللّه: "وإذَا سَأَلْتُموهُنّ مَتَاعاً قَاسْألُوهِن وَرَاءِ حِجَابٍ".[ هنالك روايات أخرى حول الحجاب تناقض كل ما سبق ].
موافقته في أسرى بدر: عن ابن مسعود (رض)؛ قال: لما كان يوم بدر جيء بالأسرى؛ فقال رسول الله (ص): "ما تقولون في هؤلاء؟" فقال أبو بكر: يا رسول اللّه، قومك وأهلك، استبقهم واستأمْن بهم لعل الله أن يتوب عليهم، وخُذْ منهم فديةً تكون لنا قُوّةً على الكفار. وقال عمر (رض): يا رسول الله كذَّبُوك وأخْرَجُوك، قَدِّمْهُم نضرب أعناقهم، مَكِّنْ علياً من عقيل يضرب عنقه، ومكنِّي من فلان نسيب لعمر فأضرب عنقه، فإنَّ هؤلاء أئمة لكفر. وقال عبد اللّه بن رواحة: يا رسول الله انظر وادِياً كثيرَ الحطب فأدخلهم فيه ثم أضرم عليهم ناراً. فقال له العباس: قطعتَ رَحِمَك. فسكتَ رسول الله (ص) فلم يجبهم، ثم دخل، فقال ناس: يأخذ بقول أبي بكر، وقال ناس: يأْخذ بقول عمر، وقال ناس يأْخذ بقول عبد اللّه بن رواحة. ثم خرج رسول الله (ص)؛ فقال: "إن اللّه ليلين قلوبَ رجالٍ حتى تكون ألين من اللَّبن ويشدد قلوب رجال حتى تكون أشد من الحجارة، وإن مثلك يا أبا بكر مثل إبراهيم، قال: "فمن تبعني فإنه مِنِّي ومَنْ عصانِي فإنك غَفُورٌ رَحِيم"، ومثلك يا أبا بكر مثل عيسى قال: "إن تعذبهم فإنهم عبادُك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم".، وإن مثلك يا عمر مثل نوح قال: "رَبِّ لا تَذر عَلى الأرض مِن الكافرين دَيَّاراً". ومثلك مثل موسى قال: "رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أمْوَالِهِم واسدْدُ على قُلُوبِهِم". ثم قال رسول الله (ص): "أنتم اليومَ عالةٌ فلا يفلتن منهم أحدٌ إلاَّ بفداء أو ضرْب عُنُق"، قال عبد الله بن مسعود: إلا سُهَيْلَ بن بيضاء فإني سمعته يذكر الإسلام، فسكتَ رسول الله (ص) فما رأيتني في يوم أخوف من أن تقع عَليّ الحجارة من السماء من ذلك اليوم حتى قال رسول الله (ص): "إلا سهيل بن بيضاء"؛ قال ابن عباس، قال عمر بن الخطاب: فهوى رسول الله (ص) ما قال أبو بكر ولم يهو ما قلت. فلما كان من الغد جئتُ فإذا رسول الله (ص) وأبو بكر قاعدان يبكيان. قلت: يا رسول الله أخبرني من أي شيء تبكي أنت وصاحبك، فإن وجدتُ بكاءً بكيت، وإن لم أجد بكاءً تباكيت لبكائكما. فقال رسول الله (ص): "أبكي للذي عرض عَليّ أصحابُك من أخذهم الفداء، لقد عُرِض عليّ عذابهم أدنى من هذه الشجرة لشجرة قريبة من رسول الله وأنزل اللّه تعالى: "مَا كَانَ لِنَبيٍّ أنْ يكُونَ لَهُ أسرَى حَتَّى يُثْخِنَ في الأزض" إلى قوله "فَكُلُوا مما غَنِمْتُمْ حَلاَلاً طيباً" الأنفال.
موافقته في تحريم الخمر: عن عمر بن الخطاب (رض)؛ قال: لما نزل تحريم الخمر؛ قال: اللهم بين لنا في الخمر بياناً شافياً. فنزلت هذه الآية التي في سورة البقرة: "يَسْأَلُونَكَ عَن الخَمْرِ والْمَيْسر قُلْ فيهمَا إثْمٌ كَبيز وَمَنَافعُ للناس وَإثْمُهُمَا أكْبَرُ منْ نَفْعهمَا"؛ فدعي عمر فقرئت عليه؛ فقال: اللهم بين لنا في الخمر بياناً شافياً؛ فنزلت الآية التي في سورة النساء: "يَا أيهَا الَّذِين آمَنُوا لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاَةَ وَأنْتُم سُكَارَى"؛ فكان منادي رسول الله (ص) إذا أقام الصلاة نادَى: أنْ لاَ يَقْرَبَنَ الصلاةَ سَكْرَان. فدعي عمر فقرئت عليه؛ فقال: اللهم بين لنا في الخمر بياناً شافياً؛ فنزلت الآية التي في المائدة: "يَا أيُّهَا الَّذِين آمَنُوا إنَّمَا الخَمْرُ والْمَيْسَرُ والأنْصَابُ والأزْلاَمُ رجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَان فَاجْتَنبُوه لَعَلَّكُم تفْلِحُونَ إنَّمَا يُريدُ الشَّيْطَانُ أن يُوقَعَ بَيْنكُمْ الْعَدَاوَةَ وَالبَغْضَاءَ في الْخَمْر والمَيْسر وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذكْر الله وَعَن الصَّلاَة فَهَلْ أنْتُمْ مُنتهُون". َفدعي عمر فقرئت عليه فلما بلغ: "فَهَلْ أنْتُم مُنْتَهُون"؟ فقال عمر: انتهينا يا ربّ انتهينا.
موافقته في ترك الصلاة على المنافقين: عن ابن عباس قال: سمعت عمر بن الخطاب (رض)؛ يقول: لما تُوُفِّي عبد اللّه بن أبيّ دُعيَ رسول الله (ص) للصلاة عليه، فقام إليه، فلمَّا وقفَ عليه يريدُ الصلاة تحولتُ حتى قُمْتُ في صدره؛ فقلت: يا رسولَ اللّه، أعلى عَدُوِّ الله عبد اللّه بن أبيّ القائل يوم كذا وكذا؟ يُعدَدُ أيَّامه؟؟ قال: ورسول اللّه (ص) يبتسم حَتَّى إذَا أكْثرت عليه قال: "أخرّ عني يا عمرة إني خُيِّرتُ فاخترتُ، قد قيل لي: "اسْتَغْفِرْ لَهُم أوْ لاَ تستَغْفِر لَهُم إنْ تَستَغِفرْ لهمْ سَبْعينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفرَ اللَّهُ لَهُمْ" لو علم أني لو زدت على السبعين غُفرَ له زدت"ُ. قال ثم صلَّى عليه. ومشى معه، وقام على قَبْره حتى فرغ منه، قال: فعجبتُ من جرأتي على رسول الله (ص) واللّه ورسوله أعلم. قال فوَ الله ما كان إلا يسيراً حتّى نزَلَتْ هَاتَانِ الآيتان: "وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أبداً وَلاَ تَقُمْ عَلىَ قَبره" فَمَا صَلَى رسولُ الله (ص) بَعْدَهُ عَلَى مُنَافِقٍ وَلاَ قَامَ عَلَى قَبْره حَتى قَبَضَهُ اللَّهُ عَز وجل.
موافقته في الاستئذان: قال ابن عباس (رض): وجّهَ رسول الله (ص) غلاماً من الأنصار يقال له مولج بن عمرو إلى عمر بن الخطاب (رض) وقت الظهيرة لَيَدْعُوَه فدخل فرأى عمر بحالة، فكره عمرُ رُؤْيته ذلك، فأنزل اللّه: "يَا أيُهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ليَسْتَأْذنْكُم الَذِينَ مَلَكَتْ أيمانكم، وَالَذينَ لَمْ يَبْلُغُوا الحُلُمَ مِنكُمْ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ منْ قَبْل صَلاَة الفَجْرِ وَحينَ تَضَعُونَ ثيَابَكُمْ من الظهِيرَة ومَن بَعْد صَلاَة العشَاء".
موافقات أخرى: عن عروة بن رويم؛ قال: لما أنزل اللّه على رسوله: "ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلينَ وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِين". بكى عمر (رض). فقال يا نَبِيّ الله، آمنا برسول اللّه (ص) وصدقناه ومن ينجو منا قليل؟ فأنزل اللّه عز وجل: "ثلة مِنَ الأوَّلينَ وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِين".َفدعا رسول الله (ص) عمر؛ فقال: "قد أنزل الله عز وجلّ فيما قلت"! فقال عمر (رض): "رضينا عن ربنا وتصديق نبينا". عن أنس قال، قال عمر يعني ابن الخطاب (رض): وافقتُ رَبِّي في أربع نزلت هذه الآية: "وَلَقَدْ خَلَقْنَا الأنسانَ مِنْ سُلاَلَةٍ مِنْ طِين" فقلت أنا: "فَتبَاركَ اللَّهُ أحْسَنُ الخَالِقِين"َ، فنزلت: "فَتبَارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخَالِقين" ( تاريخ ابن شبّة، 251-254 ).
في عصور بعينها من التاريخ العربي-الإسلامي، ساد نوع من الكتابة ديدنه النقل وعدوه العقل؛ في تلك العصور راح المؤلّفون يجترون ما أنتجه قبلهم، يتأملون فيه، ويزيدون عليه من عندياتهم؛ كما هي الحال دائماً، لاسترضاء غرائز العوام. مما وصل إلى أيدينا من كتب تحدّثت عن " مؤّلفات " (!!) في موافقات عمر بن الخطاب، نقدم ما يلي:
يتحدّث الباباني في هديّة العارفين عن الشيخ الدمشقي ابن البدر الخطيب ( 1005-1071 )، فيذكر من تصانيفه: " اقتطاف الثمر في موافقات عمر " ( هدية العارفين للباباني 259 ).
في كتاب الكواكب السائرة بأعيان المئة العاشرة للغزي؛ نقرأ عن أحد المؤلّفين: " تأليفه نظم الدرر في موافقات عمر " ( الكواكب السائرة بأعيان المئة العاشرة، الغزي، 260 )؛ وفيه أيضاً حديث عن منظومة أسماها الغزي: " ومنظومة في موافقات سيدنا عمر (رض) للقرآن العظيم وشرحها " ( 353 ).
المرادي، من ناحية أخرى، أشار إلى رسالة لأحد الكتّاب أسمها: " الدر المستطاب في موافقات سيدنا عمر بن الخطاب (رض) " ( سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر، المرادي، 184).
حاجي خليفة في كشف الظنون يتحدّث هو الآخر عن مؤلّف للسيوطي في الموافقات إياها: " قطف الثمر في موافقات عمر لجلال الدين السيوطي المذكور أرجوزة ذكرها في فهرست مؤلفاته في فن الحديث " ( كشف الظنون، حاجي خليفة، 676 ).
المؤلّفات الحديثة أو المعاصرة التي تحكي عن تلك الموافقات بمنظور تسليمي غير نقدي أكثر من أن تعد؛ يقول صديق حسن خان في أبجد العلوم، على سبيل المثال لا الحصر: " أفرد بالتصنيف جماعة موافقات عمر (رض)، قال عمر: وافقت ربي في ثلاث، قلت: يا رسول الله، لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلّى، فنزلت:" واتخذوا من مقام إبراهيم مصلّى "، وقلت: يا رسول الله، إن نساءك يدخل عليهن البر الفاجر، فلو أمرتهن أن يحجبن، فنزلت آية الحجاب، واجتمعت عند رسول الله (ص) نساؤه في الغيرة، فقلت لهن: عسى إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيراً منكن، فنزلت كذلك، وأمثاله كثيرة يعرفها أهلها " ( أبجد العلوم، صديق حسن خان، 331 ).
موافقات عمر في الحديث النبوي:
في صحيح البخاري وتفسيره، فتح الباري، تفصيل هام يوثّق للمسألة: " قال عمر بن الخطاب (رض): وافقت ربي في ثلاث؛ فقلت: يا رسول الله لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلّى؟ فنزلت: واتخذوا من مقام إبراهيم مصلّى؛ وآية الحجاب؛ قلت: يا رسول الله لو أمرت نساءك أن يحتجبن فإنه يكلمهن البر والفاجر؟ فنزلت آية الحجاب؛ واجتمع نساء النبي (ص) في الغيرة عليه؛ فقلت لهن: عسى ربّه إن طلقكن أن يبدله أزواجاً خيراً منكن؛ فنزلت هذه الآية… [ وفي تفسير النص؛ نقرأ ] : والمعنى وافقني ربي فأنزل القرآن على وفق ما رأيت، لكن لرعاية الأدب أسند الموافقة إلى نفسه، أو أشار به إلى حدوث رأيه وقدم الحكم، وليس في تخصيصه العدد بالثلاث ما ينفي الزيادة عليها ؛ لأنه حصلت له الموافقة في أشياء غير هذه من مشهورها قصة أسارى بدر وقصة الصلاة على المنافقين، وهما في الصحيح، وصحح الترمذي من حديث ابن عمر أنه قال: " ما نزل بالناس أمر قط فقالوا فيه وقال فيه عمر إلا نزل القرآن فيه على نحو ما قال عمر !" وهذا دال على كثرة موافقته؛ وأكثر ما وقفنا منها بالتعيين على خمسة عشر؛ لكن ذلك بحسب المنقول، وقد تقدم الكلام على مقام إبراهيم، وسيأتي الكلام على مسألة الحجاب في تفسير سورة الأحزاب، وعلى مسألة التخيير في تفسير سورة التحريم، وقوله في هذه الرواية " واجتمع نساء النبي (ص) في الغيرة عليه فقلت لهن : عسى ربه إلخ " وذكر فيه من وجه آخر عن حميد في تفسير سورة البقرة زيادة يأتي التنبيه عليها في باب عشرة النساء في أواخر النكاح" ( البخاري، ما جاء في القبلة، من لم ير الاعادة على من سها فصلى ).
في موضع آخر من صحيح البخاري؛ نقرأ: "… عمر (رض) قلت: يا رسول الله! يدخل عليك البر والفاجر! فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب؛ فأنزل الله آية الحجاب!! ( صحيح البخاري، تفسير القرآن، لا تدخلوا بيوت النبي ).
في الصحيح ذاته، وفي موضع ثالث؛ نقرأ: " قال عمر : وافقت الله في ثلاث أو وافقني ربي في ثلاث: قلت: يا رسول الله لو اتخذت مقام إبراهيم مصلّى؟ وقلت: يا رسول الله يدخل عليك البر والفاجر فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب؟ فأنزل الله آية الحجاب! قال: وبلغني معاتبة النبي (ص) بعض نسائه فدخلت عليهن؛ قلت: إن انتهيتن أو ليبدلن الله رسوله (ص) خيرا منكن حتى أتيت إحدى نسائه قالت: يا عمر! أما في رسول الله (ص) ما يعظ نساءه حتى تعظهن أنت؟ فأنزل الله: عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجاً خيراً منكن " (البخاري، تفسير القرآن، اتخذوا من مقام ابراهيم مصلّى ).
راجع أيضاً: صحيح البخاري، الصلاة، ما جاء في القبلة ومن لم ير الاعادة على من سها فصلى؛ صحيح مسلم، فضائل الصحابة، من فضائل عمر ( رض )؛ صحيح البخاري، تفسير القرآن، واتخذوا من مقام ابراهيم مصلّى؛ مسند أحمد، مسند العشرة المبشرين بالجنة، أول مسند عمر بن الخطاب رضي الله عنه؛ مسند أحمد، مسند العشرة المبشرين بالجنة، أول مسند عمر بن الخطاب رضي الله عنه ؛ فتح الباري بشرح صحيح البخاري، تفسير القرآن، قوله لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم إلى طعام؛ سنن الدارمي، المناسك، الصلاة خلف المقام؛ مسند أحمد، مسند العشرة المبشرين بالجنة، أول مسند عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
في نهاية هذه الفقرة نذكّر أن آخرين غير عمر بن الخطّاب يعزا إليهم في المراجع الإسلاميّة موافقات قريبة من تلك المذكورة آنفاً؛ أو ربما نسخ أخرى عنها بتعديلات طفيفة؛ يقول السيوطي في إتقانه: " عن سعيد بن المسيب؛ قال: كان رجلان من أصحاب النبي (ص) إذا سمعا شيئاً من ذلك [ في إفك عائشة وهي رواية موافقة تنسب أيضاً لعمر بن الخطّاب ]؛ قالا: سبحانك هذا بهتان عظيم: [ وهما ] زيد بن حارثة وأبو أيوب، فنزلت كذلك. وأخرج أبي حاتم عن عكرمة قال: لما أبطأ على النساء الخبر في أحد خرجن يستخبرن، فإذا رجلان مقبلان على بعير، فقالت امرأة: ما فعل رسول الله (ص)؛ قال: حيّ، قالت: فلا أبالي يتخذ الله من عباده الشهداء، فنزل القرآن على ما قالت: ويتخذ منكم شهداء!… [ و ] حمل مصعب بن عمير اللواء يوم أحد فقطعت يده اليمنى، فأخذ اللواء بيده اليسرى؛ وهو يقول: وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أوقتل انقلبتم على أعقابكم؟! ثم قطعت يده اليسرى فحنى على اللواء وضمه بعضديه إلى صدره؛ وهو يقول: وما محمد إلا رسول! … ثم قتل فسقط اللواء. قال محمد لن شرحبيل: وما نزلت هذه الآية – وما محمد إلا رسول – يومئذ حتى نزلت بعد ذلك " ( 38 ).
دور عمر في وضع المصحف:
توقفنا كثيراً في البحوث السابقة حول دور عمر بن الخطّاب في وضع ما بين أيدينا اليوم من مصحف حمل اسم عثمان بن عفّان. مع ذلك، التناقض سيّد الموقف في الروايات إياها، كما هي العادة في الروايات الإسلاميّة.
ننتقل الآن إلى نص جفري في المسألة؛ الذي يقول: [ هنالك روايات كثيرة تفيد أن الخليفة الثاني، عمر بن الخطّاب، وضع أو وصل إليه مصحف يجمع بين دفتيه كل ما هو متاح من المواد المتعلقة بما أوحي للنبي. في واحدة من أقدم تلك الروايات يقال إن عمر استعلم عن عبارة بعينها معروف أنها كانت جزءاً مما قاله النبي، وقد أًخبر أنها كانت مع أحد القرّاء الذين قتلوا في معركة اليمامة وهي بالتالي مفقودة. من هنا وبدافع من قلق كبير على أن يُفقد جزء كبير من القرآن أعطى عمر أوامره بأن تدوّن مواد الوحي على شكل مصحف، وكان بالتالي أول من جمع القرآن في مصحف. ( ابن أبي داود، ص 10؛ أنظر أيضاً: الاتقان 134، 135؛ الدر 1: 302،303 وابن عساكر 133:5).
من الصعب أن نفصل بين ما ورد آنفاً عن قصة علاقته بما يدعى تكوين التحرير الأول تحت رعاية أبي بكر، والقصة الأخرى التي مفادها أن تحرير عثمان لم يكن بالفعل غير إكمال لعمل بدأه عمر لكن موته أوقفه. وواحدنا يشك بأن القصة السابقة كانت الأصليّة ومن ثم نقلت إلى قصّة التحرير الأول في حين تمّ تفسير مجموعة أبي بكر على أنها مهمة رسميّة ]. جفري.
سنقدّم الآن بعض روايات نستكمل فيها ما أوردناه في بحوثنا السابقة حول دور عمر بن الخطّاب في وضع المصحف العثماني. ونحن نهدف هنا، أولاً وقبل كلّ شيء، جمع كل ما يمكننا جمعه من روايات حول تاريخ النص القرآني ومشاكله، ومن ثم تقديم نصوص جاهزة للباحثين المهتمين من أجل إكمال المهمة التي تتطلّب حتماً جهداً جماعيّاً، وأقصد بذلك التأسيس لنقديّة قرآنيّة. يقول الغزالي في إحياء علوم الدين: " بل الكتب والتصانيف محدثة لم يكن شيء منها في زمن الصحابة وصدر التابعين وإنما حدثت بعد سنة مائة وعشرين من الهجرة وبعد وفاة جميع الصحابة وجملة التابعين (رض)؛ وبعد وفاة سعيد بن المسيب والحسن وخيار التابعين؛ بل كان الأولون يكرهون كتب الأحاديث وتصنيف الكتب لئلا يشتغل الناس بها عن الحفظ وعن القرآن وعن التدبر والتذكر؛ وقالوا: احفظوا كما كنا نحفظ. ولذلك كره أبو بكر وجماعة من الصحابة (رض) تصحيف القرآن في مصحف؛ وقالوا: كيف نفعل شيئاً ما فعله رسول الله (ص)؟ وخافوا اتكال الناس على المصاحف؛ وقالوا: نترك القرآن يتلقاه بعضهم من بعض بالتلقين والإقراء ليكون هذا شغلهم وهمهم، حتى أشار عمر (رض) وبقية الصحابة بكتب القرآن خوفاً من تخاذل الناس وتكاسلهم وحذراً من أن يقع نزاع فلا يوجد أصل يرجع إليه في كلمة أو قراءة من المتشابهات فانشرح صدر أبي بكر (رض) لذلك فجمع القرآن في مصحف واحد" (احياء علوم الدين للغزالي 84).
في الأوائل لأبي هلال العسكري، نقرأ نصاً هاماً آخر: " وقالوا أول من جمع القرآن عمر، وكان لا يقبل من أحد شيئاً منه حتى يشهد شاهدان، فمات عمر قبل أن يجمع، وقد روينا أيضاً حديثاً دل علي أن علياً عليه السلام أول من شرع في جمع القرآن… عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده قال: لما قبض رسول الله (ص) تشاغل علي بدفنه، فبايع الناس أبا بكر فجلس علي يجمع القرآن وكتبه في الخزف وأكتاف الإبل وفي الرق فمكث ثلاثة أيام، واجتمعت بنو هاشم كلها معه ولم يبايعوا أبا بكر والزبير معهم، فلما كان اليوم الثالث قال أبو بكر لعمر: قد تخلف بنو هاشم عني ولم يتم لي الأمر حتى يبايعوني، فجاءا إلى علي فدخلا عليه، فقال أبو بكر: أبا حسن ما أبطأ بك عنا؟ قال: يا أبا بكر ما كنت أظن أنك تقدم على أمر وأنا فيكم. قال: أبا حسن أكرهت إمارتي؟ أبسط يديك أبايعك. قال: أو تفعل ذلك؟ قال: نعم. قال: ما كنت لأفعل. إن رسول الله (ص) رضيك لديننا فرضيناك لدنيانا ما كان يخلفني عن بيعتك كراهة مني لها، ولكن كنت أجمع ما أنزل الله على نبيه عليه السلام من القرآن وهو ذا قد جمعته في هذه الصحيفة الملأى ثم بايعه كذا سمعته " ( 39 ).
في تاريخ ابن شبّة، نقرأ الفقرة التالية: " ما روي عنه في جمع القرآن والقول فيه (رض) [ عمر ]: أراد عمر (رض) أَن يجمع القرآن فقام في الناس؛ فقال: من كان تلَقى من رسول الله (ص) شيئًا من القرآن فليأْتنا به، وكانوا كتبوا ذلك في الصحف والأَلواح والعُسُب، وكان لا يقبل من أَحد شيئًا حتى يَشْهد شهيدان، فقتل عمر (رض) قبل أَن يجمع ذلك إليه… جاءت الأَنصار إِلى عمر (رض)؛ فقالوا: نجمع القرآن في مصحف واحد؟ فقال: إِنكم أَقوام في أَلْسِنَتِكُم لَحْن، وإني أَكره أَن تُحْدِثوا في القرآن لحنًا. فأَبى عليهم " ( 201 ).
قصّة أخرى:
[ قصّة أخرى قد لا تكون غير تكملة للقصّة الأولى تحكي كيف جمع عمر كل من لديه مادة وحي بين الجماعة. وهكذا جاءوا بما كتبوه على مواد الكتابة المختلفة، لكن عمر لم يقبل إلا بما عليه شاهدان. قتل عمر أثناء ذلك وكان هذا ما يقال إن عثمان أكمله وأصدره كنص رسمي. مع ذلك علينا دائماً أن نأخذ بعين الاعتبار احتمالية أن تكون قصّة علاقة عمر بالتحرير الرسمي ملفقة، مثلما لفقت فكرة التحرير الأول تحت رعاية أبي بكر، وذلك من قبل واضعي الروايات الذين يبدو أنهم لم يرغبوا أن يسبغوا على عثمان مغامرة تستأهل الثناء ألا وهي تثبيت النص الرسمي من القرآن. في هذا السياق من المهم ملاحظة أن مصحف عمر كان يدعى " الإمام " مثله مثل مصحف عثمان، كما يقال إن عمر كان يوجّه الذين كتبوا له مصحفه، أنهم إذا اختلفوا فيما بينهم حول كلمة أن يلجأوا للهجة مضر ( ابن أبي داود، المصاحف، 11 )، تماماً كما كان عثمان يوصي لجنته أن تتبع لهجة قريش ] جفري.
توخيّاً للموضوعية، نقول إن ما ذكره ابن أبي داود في كتابه ونقله عنه آرثر جفري، لا يخص إلا ابن داود وربما غيره ممن لم نصل إليه؛ فقد وجدنا في مراجع أخرى عكس ما قيل من أن ابن الخطّاب آثر لهجة مضر، في حين أن عثمان طلب الكتابة بلهجة قريش: " أَن أَبا الدرداء وأصحابًا له خرجوا بمصحفهم حتى قدموا المدينة يثبتون حروفه على عُمَر وزيد بن ثابت؛ وأبي بن كعب يقرأُ عليهم: "إذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا في قُلُوبهِم الْحَميةَ حَمِية الجَاهِلية" الفتح 26، "ولَوْ حَمَيْتُمْ كَمَا حموا لَفَسَدَ المسجدُ الحرام"؛ فأَخبروا بذلك عمر وزيد بن ثابت، فقال عمر (رض): عليّ بأبي! … فقال عمر (رض): اقرأ، فقرأَ كما أَخبروه، فقال: يا زيد اقرأ، فقرأَ قراءة العامة، فقال عمر: اللهم لا علم إلا كما قرأت، فقال أبيّ: أَما والله يا عمر إِنك لتعلم أَني كنت أَحضر ويغيبون، وإن شئت لا أقرأتُ أَحدًا آية من كتاب الله، ولا حدَثتُ حديثًا عن رسول الله (ص)، فقال عمر (رض): اللهم غفرًا، قد جعل اللّه عندك علمًا فأَقرىءْ الناس وحدَثْهم، قال فكتبوها قراءة عمر وزيد… كنت عند عمر (رض)؛ فقرأَ رجلٌ من سورة يوسف: "عَتا حين"! فقال له عمر (رض): من أَقرأَك هكذا؟ قال: ابن مسعود، فكتب عمر إِلى ابن مسعود: سلام عليك أَما بعد، فإن الله أَنزل هذا القرآن بلسان قريش، وجعله بلسان عربي مبين، أَقرىء الناس بلغة قريش ولا تقرئهم بلغة هذيل، والسلام" ( تاريخ ابن شبّة 201 ).
رواية أخرى تناقض ما أورده جفري؛ تقول: " عن كعب بن مالك؛ قال: سمع عمر رجلاً يقرأ هذا الحرف: "ليسجننه عتى حين"! فقال له عمر: من أقرأك هذا؟ قال: ابن مسعود! فقال عمر:" ليسجننه حتى حين"؛ ثم كتب إلى ابن مسعود: سلام عليك أما بعد: فإن الله تعالى أنزل القرآن، فجعله قرآناً عربياً مبيناً، وأنزل بلغة هذا الحي من قريش، فإذا أتاك كتابي هذا فأقرئ الناس بلغة قريش، ولا تقرئهم بلغة هذيل " ( كنز العمال 291 ).
تشدد عمر ضد الفروقات:
[ يبدو مؤكّداً أن عمر لعب دوراً ما في التحضيرات لتحرير رسمي للقرآن. بل يمكن أن نسلّم بأنه حضّر مجموعة من مواد الوحي لهذا الغرض، وهكذا لدينا شعور معيّن بأن عمل عثمان لم يكن غير إكمال لما قام به عمر. لكن لا يبدو مؤكّداً للغاية أنه كان بحوزته نصّاً خاصّاً به تم تداوله على شكل مصحف قبل إتمام النص العثماني. أما مسألة إدخال اسمه في قوائم أولئك الذين جمعوا القرآن في حياة النبي ( نشر 6:1 ) فربما يكون مردّها الإحساس إنه يجب أن تضفى عليه هذه الميزة باعتباره أحد الخلفاء الأتقياء. إن نسب مصحف إليه من قبل ابن أبي داود ربما يكون استنتاجاً ليس إلا من علاقته الشهيرة بجمع المواد من أجل التحرير الرسمي، نضيف إلى ذلك حقيقة أن ثمة قراءات نصيّة مشهورة للغاية تنسب إليه ] جفري.
نحن نعتقد أن عمر بن الخطّاب فرض قراءة بعينها حيثما استطاع، قبل أن يفرض عثمان نصّه الرسمي؛ دليلنا على ذلك صراع الخليفة الثاني مع أبرز الصحابة فيما يخص النص القرآني؛ وكنّا رأينا آنفاً وفي البحوث السابقة بعضاً من صراعاته، خاصّة مع أبي بن كعب، في هذا الشأن. وإلى ذلك يمكن أن نضيف هنا روايات أخرى تساهم في دعم منظورنا: " عن إِبراهيم عن خرشة بن الحر؛ قال: رأَى معي عمر بن الخطاب (رض) لوحًا مكتوبًا فيه "إذا نُودِيَ للصلاة مِن يَوْم الجمعة فَاسْعَوْا إلى ذِكر الله" الجمعة:9، فقال: من أَملى عليك هذا؟ قلت: أُبيّ بن كعب! فقال إِن أُبيّاً كان أَقرأَنا للمنسوخ، اقرأها: "فامضوا إِلى ذكر الله"… عن عكرمة؛ قال: قال عمر (رض): أَقرأنا أبيّ، وِإنَا لندع كثيرًا من لحن أُبيّ… عن محمد بن سيرين: أَن عمر (رض) سمع كثير بن الصلت يقرأ: "لو أَن لابن آدم واديَيْن من مال لتمنى واديًا ثالثًا، ولا يملأُ جوف ابن آدم إِلا التراب، ويتوب الله على من تاب "! فقال عمر (رض): ما هذا؟ قال: هذا في التنزيل! فقال عمر (رض): من يعلم ذاك؟ واللّه لتأْتين بمن يعلم ذاك أَو لأَفعلن كذا وكذا؟! قال: أُبيّ بن كعب، فانطلق إِلى أبي؛ فقال: ما يقول هذا؟ قال: ما يقول؟ قال: فقرأَ عليه، فقال: صدق قد كان هذا فيما يُقْرَأُ! قال: أكتبهَا في المصحفِ؟ قال: لا أَنهاك قال: أَتركها. قال: لا آمرك " ( تاريخ ابن شبّة 201).
نص آخر نعتقد أنه هام؛ يقول: " ومنه حديث عمر "؛ جاءه رَجُل فقال: أتَيْتُك من عند رجُل يكْتُب المَصاحِفَ من غيْر مُصحَف، فغَضِبت، حتى ذَكَرْت الزِّقَّ وانتْفِاَخَه، قال: مَن؟ قال: ابن أمّ عَبْد [ عبد الله بن مسعود ]، فَذَكرت الزِّق وانْفِشاَشَه يُيد أنه غَضِب حتى انْتفخَ غَيْظاً، ثم لمَّا زَال غَضَبُه أنْفَشَّ انْتِفاخُه". والانْفِشاَش: انْفِعاَل من الفَشّ "( النهاية في غريب الحديث والأثر، ابن الأثير المحدث، 666 ).
نص آخر وجدناه هامّاً: " عن محمد بن سيرين؛ قال: كان الرجل يقرأ حتى يقول الرجل لصاحبه كفرت بما تقول، فرفع ذلك إلى عثمان بن عفان، فتعاظم ذلك في نفسه، فجمع اثني عشر رجلاً من قريش والأنصار، فيهم أبي بن كعب وزيد بن ثابت، وسعيد بن العاص، وأرسل إلى الربعة التي كانت في بيت عمر، فيها القرآن، وكان يتعاهدهم، فقال محمد: فحدثني كثير بن أفلح أنه كان يكتب لهم، فربما اختلفوا في الشيء فأخروه، فسألته لم كانوا يؤخرونه؟ فقال: لا أدري، فقال محمد: فظننت فيه ظناً فلا تجعلوه أنتم يقيناً، ظننت أنهم كانوا إذا اختلفوا في الشيء أخروه، حتى ينظروا أحدثهم عهداً بالعرضة الأخيرة فيكتبوه على قوله " ( كنز العمال، 289 ).
يبدو كما لاحظنا أن أبي بن كعب كان على نحو شبه دائم في حالة صراع مستمر مع الخليفة الثاني حول فروقات المصاحف؛ واعتقادنا أن أبيّاً كان أكثر علماً واطلاعاً من ابن الخطّاب في القضايا القرآنيّة. ونلاحظ هنا أيضاً أن عمر كان بحاجة دائمة لشخص يعرف بالقراءات، يقف عوناً له في وجه أبي العالم. لكن للعلم حكمه، وللسلطة أحكامها: " عن أبي إدريس الخولاني؛ قال: كان أبيّ يقرأ:" إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية ولو حميتم كما حموا لفسد المسجد الحرام، فأنزل الله سكينته على رسوله"؛ فبلغ ذلك عمر فاشتد عليه فبعث إليه فدخل عليه، فدعا ناساً من أصحابه فيهم زيد بن ثابت؛ فقال: من يقرأ منكم سورة الفتح؟ فقرأ زيد على قراءتنا اليوم، فغلظ له عمر فقال أبيّ: لأتكلم! قال: تكلم! فقال: لقد علمت أني كنت أدخل على النبي (ص) ويقرئني وأنت بالباب، فإن أحببت أن أقرئ الناس على ما أقرأني أقرأت وإلا لم أقرئ حرفاً ما حييت. قال: بل أقرئ الناس… وعن أبي إدريس الخولاني أن أبا الدرداء ركب إلى المدينة.