
حفصة بنت عمر بن الخطّاب، إحدى زوجات النبي وابنة الخليفة الثاني. يقول ابن قتيبة في المعارف: "وتزوّج رسول الله (ص) حفصة ابنة عمر بن الخطاب (رض)، وكانت تحت خنيس بن عبد الله بن حذافة السهمي، ثم تزوّجها رسول الله (ص)، وكان خنيس رسول النبيّ إلى كسرى ولا عقب له، وحفصة أخت عبد الله بن عمر لأمه وأبيه، وأمّهما زينب بنت مظعون وماتت بالمدينة في خلافة عثمان" (29). ويضيف البري في الجوهرة في نسب النبي: "وكانت حفصة من المهاجرات، وكانت قبل رسول الله (ص) تحت خُنَيس بن حُذافة السِّهمي. فلما تأيَّمت ذكرها عمر لأبي بكر وعرضها عليه، فلم يُرجع إليه أبو بكر كلمة. فغضب من ذلك عمر، فعرضها على عثمان حين ماتت رُقيّة بنت رسول الله (ص). فقال عثمان: ما أريد أن أتزوّج اليوم. فانطلق عمر إلى رسول الله (ص)، فشكا إليه عثمان، وأخبره بعرضه حفصة عليه. فقال رسول الله (ص): "يتزوّج حفصة من هو خير من عثمان، ويتزوّج عثمان من هو خير من حفصة". ثمّ خطبها إلى عمر، فتزوّجها رسول الله (ص)؛ فلقي أبو بكر الصديق عمر بن الخطاب فقال: لا تجِدنَّ عليَّ في نفسك، فإنّ رسول الله (ص) كان ذكر حفصة، فلم أكن لأُفشي سرَّ رسول الله (ص)، ولو تركها لتزوَّجتها" ( 217 ).
رغم أنّ علاقة النبيّ بحفصة لم تكن بالدفء الذي كان لعلاقته ببعض أزواجه مثل زينب بنت جحش أو عائشة، فقد تدخّل الله عبر جبريل في أمور تخصّ هذه المرأة في علاقتها بالنبيّ. وطبعاً، كانت حفصة من النساء القلائل اللائي نزل فيهنّ الوحي، بمعنى أنّ الله ذاته كان يتدخّل في حلّ منازعات النبيّ الأسرية مع زوجاته حين يشققن عصا الطاعة. "عن ابن عباس؛ قال: لم أزل حريصا أن أسأل عمر بن الخطاب عن المرأتين من أزواج النبي (ص) اللتين قال الله لهما: إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما! حتى حج فحججت معه وعدل فعدلت معه بالإداوة، فبرز ثم جاء فسكبت على يده من الإداوة فتوضأ، ثم قلت: يا أمير المؤمنين! من المرأتان من أزواج رسول الله (ص) اللتان قال الله لهما: إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما؟ فقال عمر: واعجبا لك يا ابن عباس! هما عائشة وحفصة! ثم استقبل عمر يسوق الحديث؛ فقال: إنّي كنت أنا وجار لي من الأنصار في بني أمية بن زيد وكنّا نتناوب النزول على رسول الله، فينزل يوما وأنزل يوماً، فإذا نزلت جئته بما يحدث من خبر ذلك اليوم من الوحي وغيره وإذا نزل فعل مثل ذلك؛ وكنا معشر قريش نغلب النساء، فلمّا قدمنا على الأنصار إذا قوم تغلبهم نساؤهم، فطفق نساؤنا يأخذن من أدب الأنصار فصحت على امرأتي فراجعتني فأنكرت أن تراجعني. فقالت: ولم تنكر أن أراجعك فوالله إنّ أزواج النبي (ص) ليراجعنه وإن إحداهنّ لتهجره اليوم حتى الليل؟! فأفزعني ذلك؛ فقلت: قد خاب من فعل ذلك منهنّ! ثمّ جمعت علي ثيابي فنزلت فدخلت على حفصة بنت عمر؛ فقلت: يا حفصة! أتغاضب إحداكنّ رسول الله يوما إلى الليل؟ قالت: نعم! قلت: خبت وخسرت! أفتأمنين أن يغضب الله لغضب رسوله فيهلكك؟ لا تستكثري على رسول الله ولا تراجعينه في شيء ولا تهجريه وسليني ما بدا لك ولا يغرك إن كانت جارتك هي أوضأ منك وأحبّ إلى رسول الله!! يريد عائشة؛ قال عمر:… فنزل صاحبي الأنصاري يوم نوبته فرجع إليّ عشاء فضرب بابي ضربا شديدا؛ وقال: أنائم هو؟ ففزعت فخرجت إليه؛ فقال: قد حدث اليوم أمر عظيم! قلت: ما هو؟… قال: … طلّق رسول الله نساءه! فقلت: خابت حفصة وخسرت! قد كنت أظنّ هذا يوشك أن يكون! فجمعت عليّ ثيابي فصلّيت مع رسول الله الفجر، فدخل رسول الله مشربة له فأعتزل فيها! قال: ودخلت على حفصة فإذا هي تبكي؛ فقلت: ما يبكيك؟ ألم أكن قد حدّثتك هذا؟! طلّقكنّ رسول الله!! فقالت: لا أدري ما أقول هو ذا معتزل في هذه المشربة! قال: فخرجت فجئت المنبر فإذا حوله رهط يبكي بعضهم! قال: … فدخلت على رسول الله فإذا هو مضطجع على رمال حصير ليس بينه وبينه فراش قد أثر الرمال بجنبه متكأ على وسادة أدم حشوها ليف " ( طبقات ابن سعد 1455 ).
يقدّم لنا المتقي الهندي في كنز العمال الرواية السابقة، منسوبة إلى ابن عبّاس، مع تحويرات طفيفة في بعض التفاصيل: "عن ابن عباس؛ قال: أقبلنا مع عمر… فقلت: يا أمير المؤمنين! أريد أن أسألك عن حديث منذ سنة، فتمنعني هيبتك أن أسألك! فقال: لا تفعل، إذا علمت أنّ عندي علماً فسلني! فقلت: أسألك عن حديث المرأتين؟ قال: نعم حفصة وعائشة – كنا في الجاهلية لا نعتدّ بالنساء ولا ندخلهنّ في شيء من أمورنا، فلما جاء الله بالإسلام أنزلهن الله حيث أنزلهنّ، وجعل لهنّ حقاً من غير أن يدخلهنّ في شيء من أمورنا، فبينما أنا جالس في بعض شأني إذ قالت لي امرأتي: كذا وكذا، فقلت: وما لك أنت ولهذا؟ ومتى كنت تدخلين في أمورنا؟ فقالت: يا ابن الخطاب ما يستطيع أحد أن يكلمك وابنتك تكلّم رسول الله (ص)، حتى يظلّ غضبان! فقلت وإنها لتفعل؟ قالت: نعم! فقمت فدخلت على حفصة، فقلت: يا حفصة! ألا تتقين الله؟ تكلمين رسول الله (ص) حتى يظل غضبان، ويحك، لا تغترّي بحسن عائشة وحبّ رسول الله (ص) إياها! ثم أتيت أمّ سلمة أيضاً فقلت لها مثل ذلك؛ فقالت: لقد دخلت يا ابن الخطاب في كلّ شيء، حتى بين رسول الله (ص) وبين نسائه!؟ وكان لي صاحب من الأنصار يحضر رسول الله (ص)إذا غبت، وأحضره إذا غاب… إذ جاء صاحبي، فقال: أبا حفص مرتين! … طلق رسول الله (ص) نساءه! فقلت: رغمت أنف حفصة! وانتعلت، وأتيت النبي (ص)، وإذا في كل بيت بكاء وإذا النبي (ص)في مشربة له…فأنشأت أخبره بما قلت لحفصة وأم سلمة.وكان آلى من نسائه شهراً فلما كان ليلة تسع وعشرين نزل إليهن.
عن ابن عباس قال: ذكر عند عمر بن الخطاب: "يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضات أزواجك" قال: إنما كان ذلك في حفصة " ( 275 ).
رواية ثالثة ينسبها المرجع السابق إلى ابن عمر، لا تختلف كثيراً عن السابقتين؛ تتحدّث عن ممارسة النبي الجنس مع إحدى جواريه، ماريّة القبطيّة، في بيت حفصة وفي نوبتها وعلى فراشها: " عن ابن عمر عن عمر، قال النبي (ص) لحفصة: لا تخبري أحداً، وأن أم إبراهيم (مارية القبطيّة) علي حرام، فقالت: أتحرم ما أحل الله لك؟ فقال: والله لا أقربها! فلم تقرها نفسها حتى أخبرت عائشة فأنزل الله: " قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم"؟" ( المرجع السابق ).
نص آخر ينسبه كنز العمال لابن عبّاس فيه تفصيل آخر: " عن ابن عباس؛ قال: قلت لعمر بن الخطاب من المرأتان اللتان تظاهرتا؟ قال: عائشة وحفصة! وكان بدء الحديث في شأن مارية أم إبراهيم القبطية، أصابها النبي (ص) في بيت حفصة في يومها، فوجدت حفصة، فقالت: يا نبي الله لقد جئت إلي شيئاً ما جئته إلى أحد من أزواجك، في يومي وفي دوري وعلى فراشي؟ قال: ألا ترضين أن أحرمها، فلا أقربها؟ قالت: بلى، فحرمها، وقال: لا تذكري ذلك لأحد، فذكرته لعائشة، فأظهره الله عليه، فأنزل الله تعالى:" يا أيها النبي لم تحرّم ما أحل الله لك تبتغي مرضات أزواجك". الآيات كلها فبلغنا أن رسول الله (ص) كفر عن يمينه وأصاب جاريته " ( كنز العمال 275 ).
يكمل ابن سعد في نص آخر من طبقاته رواية القصة لنكتشف بعدها أن السبب الغيرة، كما أشرنا، هو الجنس: " خرجت حفصة من بيتها – وكان يوم عائشة – فدخل رسول الله بجاريته [مارية القبطيّة ] وهي مخمر وجهها؛ فقالت حفصة لرسول الله: أما إني قد رأيت ما صنعت!!! فقال لها رسول الله: فاكتمي عني وهي حرام! فانطلقت حفصة إلى عائشة فأخبرتها وبشرتها بتحريم القبطية؛ فقالت له عائشة: أما يومي فتعرس فيه بالقبطية! وأما سائر نسائك فتسلم لهن أيامهن! فأنزل الله: وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثا لحفصة فلما نبأت به وأظهره الله عليه عرف بعضه وأعرض عن بعض! فلما نبأها به؛ قالت: من أنبأك هذا؟ قال: نبأني العليم الخبير – إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما – يعني عائشة وحفصة – وإن تظاهرا عليه – يعني حفصة وعائشة – فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير عسى ربه إن طلقكن! الآية فتركهن رسول الله (ص) تسعاً وعشرين ليلة ثم نزل: يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضاة أزواجك والله غفور رحيم! فأمر فكفر يمينه وحبس نساءه عليه!… عن زيد بن أسلم أن النبي (ص) حرم أم إبراهيم [مارية القبطية] فقال: هي علي حرام! قال: والله لا أقربها! قال فنزل: قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم!… قال مالك بن أنس: فالحرام حلال في الإماء!! إذا قال الرجل لجاريته أنت علي حرام فليس بشيء وإذا قال والله لا أقربك فعليه الكفارة!! … عن الضحاك أن النبي (ص) حرم جاريته، فأبى الله (!!) ذلك عليه، فردها عليه وكفر يمينه!! … عن مسروق؛ قال: آلى رسول الله من أمته وحرمها فأنزل الله في الإيلاء: قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم! وأنزل الله: يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضاة أزواجك!؟ فالحرام ها هنا حلال!!" ( طبقات ابن سعد 1457 ).
النص السابق ذاته يقدّم لنا رواية أخرى فيها تفاصيل إضافيّة هامة حول تدخل الله ذاته في الحياة الجنسيّة للنبي: " عن جبير بن مطعم؛ قال: خرجت حفصة من بيتها فبعث رسول الله إلى جاريته فجاءته في بيت حفصة فدخلت عليه حفصة وهي معه في بيتها!! فقالت: يا رسول الله! في بيتي وفي يومي وعلى فراشي؟؟ فقال رسول الله: اسكتي! فلك الله لا أقربها أبدا ولا تذكريه! فذهبت حفصة فأخبرت عائشة؛ فأنزل الله: يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك!؟ فكان ذلك التحريم حلالا! ثم قال: قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم! فكفر رسول الله عن يمينه حين آلى؛ ثم قال: وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثا – يعني حفصة – فلما نبأت به – حين أخبرت عائشة وأظهره الله عليه – عرف بعضه وأعرض عن بعض فلما نبأها به – يعني حفصة – لما أخبره الله! قالت حفصة: من أنبأك هذا؟ قال: نبأني العليم الخبير: إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما – يعني حفصة وعائشة – وإن تظاهرها عليه – لعائشة وحفصة – فإن الله هو مولاه! فقال رسول الله: ما أنا بداخل عليكن شهرا!!".
لكن الطبقات ينسب إلى عروة بن الزبير رواية تبدو الأوضح: " قال: انطلقت حفصة إلى أبيها تحدث عنده، وأرسل رسول الله إلى مارية فظل معها في بيت حفصة، وضاجعها!! فرجعت حفصة من عند أبيها وأبصرتهما، فغارت غيرة شديدة؛ ثم إن رسول الله أخرج سريته فدخلت حفصة؛ فقالت: قد رأيت ما كان عندك! وقد والله سؤتني! فقال النبي: فإني والله لأرضينك – إني مسر إليك سرا فأخفيه لي! فقالت: ما هو؟ قال: أشهدك أن سريتي [ مارية القبطية ] علي حرام! يريد بذلك رضا حفصة! وكانت حفصة وعائشة قد تظاهرتا على نساء رسول الله… فانطلقت حفصة فحدثت عائشة؛ فقالت لها: أبشري فإن الله حرم على رسوله وليدته! فلما أخبرت بسر رسول الله، أنزل الله: يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضاة أزواجك إلى قوله ثيبات وأبكارا" ( طبقات ابن سعد 1457 ).
في تفسير القرطبي، نجد شرحاً تفصيليّاً لتلك الواقعة: ففي حديثه عن آية " فإن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما "؛ يقول: " يعني حفصة وعائشة، حثهما على التوبة على ما كان منهما من الميل إلى خلاف محبة رسول الله (ص). أي زاغت ومالت عن الحق. وهو أنهما أحبتا ما كره النبي (ص) من اجتناب جاريته واجتناب العسل، وكان عليه السلام يحب العسل والنساء. قال ابن زيد: مالت قلوبهما بأن سرهما أن يحتبس عن أم ولده، فسرهما ما كرهه رسول الله (ص) "( القرطبي 3449 ).
وينقل لنا القرطبي، المصدر السابق، نصّاً عن ابن عبّاس؛ يقول: " وفي صحيح مسلم عن ابن عباس قال: حدثني عمر بن الخطاب (رض)؛ قال: لما اعتزل نبي الله (ص) نساءه دخلت المسجد فإذا الناس ينكتون بالحصى؛ ويقولون: طلق رسول الله (ص) نساءه – وذلك قبل أن يؤمرن بالحجاب -؛ فقال عمر: فقلت: لأعلمن ذلك اليوم… فدخلت على عائشة؛ فقلت: يا بنة أبي بكر، أقد بلغ من شأنك أن تؤذي رسول الله (ص)! فقالت: مالي ومالك يا بن الخطاب! عليك بعيبتك! قال فدخلت على حفصة بنت عمر فقلت لها: يا حفصة، أقد بلغ من شأنك أن تؤذي رسول الله (ص)! والله لقد علمت أن رسول الله (ص)لا يحبك، ولولا أنا لطلقك رسول الله (ص). فبكت أشد البكاء، فقلت لها: أين رسول الله (ص)؟ قالت: هو فى خزانته في المشربة… فقلت: يا رباح ( الخادم )، استأذن لي عندك على رسول الله (ص)، فإني أظن أن رسول الله (ص)ظن أني جئت من أجل حفصة، والله لئن أمرني رسول الله (ص) بضرب عنقها لأضربن عنقها، ورفعت صوتي فأومأ إلي أن أرقه؛ فدخلت على رسول الله (ص) وهو مضطجع على حصير، فجلست فأدنى عليه إزاره وليس عليه غيره " ( تفسير القرطبي 3449 ).
لكن الواقع، كمن تخبرنا كثير من أمهات المراجع الإسلاميّة، أن النبيّ طلّق حفصة. الأغرب أن الله ذاته تدخّل في الأمر، وأمر نبيّه أن يعيد حفصة إلى ذمته: " حفصة بنت عمر بن الخطاب القرشية العدوية، تزوجها رسول الله (ص) ثم طلقها، فأتاه جبريل فقال: إن الله يأمرك أن تراجع حفصة فإنها صوامة قوامة! فراجعها " ( تفسير القرطبي 2752 ).
في سير أعلام النبلاء، يقدّم لنا الذهبي أكثر من رواية حول طلاق حفصة وإعادتها؛ يقول مثلاً: " وروي أن النبي (ص) طلق حفصة تطليقة ثم راجعها بأمر جبريل عليه السلام له بذلك وقال: "إنها صوامة قوامة وهي زوجتك في الجنة" (182). وفي نص آخر نجد جبريل وقد أخذته الرأفة بعمر؛ يقال:" : طلق رسول الله (ص)حفصة فبلغ ذلك عمر فحثا على رأسه التراب وقال: ما يعبأ الله بعمر وابنته! فنزل جبريل من الغد وقال للنبي (ص): إن الله يأمرك أن تراجع حفصة رحمة لعمر (رض). (سير أعلام النبلاء 182). وفي رواية ثالثة من المرجع ذاته، نقرأ: " : أن النبي (ص) طلق حفصة فدخل عليها خالاها: قدامة وعثمان؛ فبكت وقالت: والله ما طلقني عن شبع. وجاء النبي (ص) فقال: "قال لي جبريل: راجع حفصة فإنها صوامة قوامة وإنها زوجتك في الجنة" (سير أعلام نبلاء الذهبي 182). مع أن الذهبي يقرّ أن " حفصة وعائشة هما اللتان تظاهرتا على النبي (ص) فأنزل الله فيهما: "إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما. وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه وجبريل". الآية التحريم 4 " (المصدر السابق). والنص ذاته موجود في غير مرجع هام؛ منها على سبيل المثال لا الحصر: الجوهرة في نسب النبي للبري 217
نص آخر يحكي عن تدخل الله في أمور النبي الزوجيّة. هذه المرة لم تكن حفصة غير واحدة من نساء كثر يقرعهن الله على إزعاج نبيّه زوجهن: " قال الله سبحانه وتعالى: (يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتم تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكم سراحا جميلا) [الأحزاب 28] … وسبب نزول هذه الآية قد اختلف فيه، فقيل: إن أزواجه سألنه النفقة وطلبن منه ما لا يقدر عليه (ص)، كما في حديث مسلم من حديث جابر (رض)؛ قال: دخل أبو بكر وعمر (رض) على النبي (ص) وحوله نساؤه يسألنه وهو ساكت فقال عمر (رض): لأكلمن النبي (ص) لعله يضحك، فقال عمر: يا رسول الله، لو رأيت بنت خارجة سألتني النفقة، فقمت إليها فوجئت عنقها، فضحك رسول الله (ص) وقال: هن حولي كما ترى يسألنني النفقة، فقام أبو بكر إلى عائشة ليضربها، وقام عمر إلى حفصة ليضربها كلاهما يقولان: تسألان رسول الله (ص) ما ليس عنده؟ وأنزل الله الخيار فبدأ بعائشة؛ فقال: إني ذاكر لك أمرا، فأحب أن لا تعجلي منه حتى تسامري أبويك، قالت: ما هو؟ فتلا عليها: (يا أيها النبي، قل لأزواجك: إن كنت تردن الحياة الدنيا وزينتها) [الأحزاب 28] الآية، قالت عائشة: أفيك استأمر أبوي بل أختار الله ورسوله. ولا مخالفة بين هذا الحديث وما في صحيح البخاري عن ابن عباس (رض) أنه سأل عمر بن الخطاب عن قصة المرأتين اللتين تظاهرتا على رسول الله (ص) فذكر اعتزال رسول الله (ص) نساءه، وكان قال: ما أنا بداخل عليهن شهرا من شدة مؤاخذته عليهن حين عاتبه الله، فلما مضت تسع وعشرون ليلة، دخل على عائشة فبدأ بها فقالت له عائشة: يا رسول الله، إنك كنت قد أقسمت أن لا تدخل علي شهراً، وإنما أصبحت من تسع وعشرين، أعدها عدا فقال رسول الله (ص): "الشهر تسع وعشرون" وكان ذلك الشهر تسعا وعشرين، قالت عائشة (رض): ثم نزلت بعد آية التخيير". الحديث. لأنه يمكن الجمع، كما قال الحافظ: بأن تكون القصتان جميعا سبب الاعتزال…
القول الثاني: إن التخيير كان لسبب قصة العسل الذي شربه رسول الله (ص) في بيت زينب بنت جحش وموطأة عائشة وحفصة أن يقولا لرسول الله (ص) إنا نجد منك ريح مغافير فحرمه رسول الله (ص)على نفسه، فأنزل الله تعالى: (يا أيها النبي، لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضاة أزواجك) [التحريم 1] إلى قوله: (أن تتوبا إلى الله) [التحريم 4] هو مخرج في الصحيحين عن عائشة (رض) والمغافير حلو المذاق … ونزل قوله تعالى: (لا يحل لك النساء من بعد ولا أن تبدل بهن من أزواج) [الأحزاب 52]. ثم نسخ حكم ذلك بقوله: (إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن) [الأحزاب 50]، فتكون المنة له (ص) بترك التزوج عليهن.وقد قالت عائشة: ما مات رسول الله (ص) حتى أحل الله تعالى له أن يتزوج من النساء ما شاء إلا ذات محرم لقوله تعالى: (ترجي من تشاء منهن) [الأحزاب 51]" ( سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد لشمس الدين الشامي 465 ).
مصحف حفصة:
[يطالعنا اسم حفصة بنت عمر، الخليفة الثاني، وإحدى زوجات النبي، في بعض من القوائم التي تتحدّث عن أولئك الذين جمعوا موادّ قرآنيّة أثناء حياة النبيّ (نشر 6:1). لكن قد لا يكون ذلك أكثر من استقراء لواقعة أنها اشتهرت بامتلاكها لمصحف.
تخبرنا القصص التي تحكي عما يمكن تسميته بالتحرير الأول تحت رعاية أبي بكر أنه عند وفاة الأخير أخذ مجموعته من المواد القرآنيّة عمر بن الخطّاب وعند وفاة عمر ذهبت المجموعة لحفصة، التي أعارت المواد لعثمان بناء على طلب الأخير من أجل استخدامها في إكمال المصحف العثماني الرسمي. ومع أننا مجبرون بالدليل على إنكار أي تحير رسمي للقرآن يعزا لأبي بكر، ليس ثمة سبب خاص يدعونا لأن نشك من أنه ربما قام بجمع خاص لمواد قرآنيّة، وقد وصلت هذه المواد إلى يدي حفصة بالطريقة التي تمّ وصفها. (العبارة في كتاب ابن أبي داود تفترض أن المواد التي قضى عليها مروان كانت المواد التي وصلت إلى حفصة من أبي بكر، لكن علينا أن نضع في أذهاننا إمكانيّة بأن ذلك قد يكون تفسيراً متأخراً أقحم في القصة). من ناحية أخرى، يقال إن والدها عمر كان له مصحفه، وربما أن هذا المصحف صار إليها. ممن الممكن أن مواد أبي بكر كانت بالفعل الأساس الذي بنى عليه عمر مصحفه، ومن هنا فإن ما صار إلى حفصة كان نتيجة ما جمع الخليفتان الأول والثاني. لكن كل هذا ضرب من التخمين، وكل ما يمكننا قوله بنوع من التأكيد أن حفصة كان لها مجموعتها الخاصة بها من المواد القرآنيّة التي استخدمها عثمان وحدها أو مع مواد أخرى لصنع نصه الرسمي] جفري.
تتفق معظم المراجع الإسلاميّة في أن النص القرآني وجد بشكل أو بآخر عند حفصة. قد تختلف النصوص حول دور أبي بكر أو عمر في المسألة كالعادة، لكن تبقى حفصة القاسم المشترك الدائم في رواية عثمان ووضعه للنص المعياري.
السيوطي، على سبيل المثال، يقول إن الصحف، وليس المصحف، كانت عند أبي بكر فأخذها عمر بعد وفاة الخليفة الأول لتصبح أخيراً في حوزة حفصة: " فكانت الصحف عند أبي بكر حتى توفاه الله، ثم عند عمر حياته، ثم عند حفصة بنت عمر " ( إتقان السيوطي 67 ). وهو ما يؤكده ابن النديم في الفهرست: "فكانت الصحف عند أبي بكر حياته حتى توفاه الله ثم عند عمر حتى توفاه الله ثم عند حفصة ابنة عمر"؛ ثم يضيف: " قال محمد بن إسحاق روى الثقة أن حذيفة بن اليمان قدم على عثمان بن عفان، وكان بالعراق؛ وقال لعثمان: أدرك هذه الأمة قبل أن اختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى! فأرسل عثمان إلى حفصة أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف ثم نردها إليك؛ فأرسلت بها حفصة إلى عثمان فأمر عثمان زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام فنسخوها في المصاحف… وقال للرهط من قريش إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش فإنما أنزل بلسانهم ففعل ذلك حتى إذا نسخ المصحف ردّ عثمان الصحف إلى حفصة وأرسل إلى كل أفق مصحفاً مما نسخوا وأمر بكل ما سواه من القرآن في كل صحيفة ومصحف أن يحرق " (الفهرست 13 )؛ انظر أيضاً: البخاري، فضائل القرآن، جمع القرآن.
في فتح الباري للعسقلاني، نجد رواية حول السبب الذي دفع بأبي بكر لأن يجمع القرآن؛ وقد سبق وأشرنا إليه في بحث من هذه السلسة. الجديد هنا، هو أن حفصة هي من وصل المصحف إلى يديها بعد موت والدها: " [أبو بكر] هو أول من جمع القرآن الكريم بين اللوحين، وذلك أن المسلمين لما أصيبوا باليمامة خاف أبو بكر، (رض)، أن يفنى قراء القرآن – وإنما كان في صدور الرجال – فجمعه وجعله بين اللوحين وسمّاه مصحفاً، ولم يزل عنده إلى أن مات، وبقي عند عمر، (رض)، إلى أن مات، وبقي عند حفصة ابنته" ( فتح الباري، فضائل القرآن، نزل القرآن بلسان قريش والعرب ).
في وفيات الأعيان، نجد إضافة هامة تناقض معلومة لدينا، حول أن أبا بكر هو من سمّى القرآن مصحفاً: أبو بكر " هو أول من جمع القرآن الكريم بين اللوحين، وذلك أن المسلمين لما أصيبوا باليمامة خاف أبو بكر، (رض)، أن يفنى قراء القرآن – وإنما كان في صدور الرجال – فجمعه وجعله بين اللوحين وسمّاه مصحفاً، ولم يزل عنده إلى أن مات، وبقي عند عمر، (رض)، إلى أن مات، وبقي عند حفصة ابنته " ( وفيات الأعيان 338 ). راجع أيضاً: مختصر ابن منظور 2198؛ تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي.
في تاريخ الذهبي إضافة حول عثمان بعد أن نسخ مصحف حفصة؛ تقول: " ففعلوا حتى كتبت المصاحف، ثم رد عثمان الصحف إلى حفصة، وأرسل إلى كل جند من أجناد المسلمين بمصحف، وأمرهم أن يحرقوا كل مصحف يخالف المصحف الذي أرسل إليهم به، فذلك زمان حرقت فيه المصاحف بالنار " ( تاريخ الذهبي 452 )؛ راجع أيضاً: كنز العمال 288.
في البداية والنهاية، نجد ذكراً لأسماء الأمصار التي تم إرسال المصاحف إليها: " فلما توفي صارت إلى حفصة أم المؤمنين، فاستدعى بها عثمان، وأمر زيد بن ثابت الأنصاري أن يكتب، وأن يملي عليه سعيد بن العاص الأموي بحضرة عبد الله بن الزبير الأسدي، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي، وأمرهم إذا اختلفوا في شيء أن يكتبوه بلغة قريش. فكتب لأهل الشام مصحفاً، ولأهل مصر آخر، بعث إلى البصرة مصحفاً، وإلى الكوفة بآخر، وأرسل إلى مكة مصحفاً، وإلى اليمين مثله، وأقر بالمدينة مصحفاً " ( البداية والنهاية 2759 )؛ راجع هنا أيضاً: تاريخ الخلفاء للسيوطي 30 ؛ الرياض النضرة في مناقب العشرة للطبري 211؛ المقنع في رسم مصاحف الأمصار للداني 1.
في المقنع نجد إضافة حول الاختلاف بين من كتب النص القرآني حول مفردة بعينها، بعد أن أخذوا المصحف من عند حفصة:" فأرسل عثمان إلى حفصة أرسلي إلينا بالصحف فننسخها في المصاحف ثم نردّها إليك؛ فأرسلت إليه بالصحف! قال: فأرسل عثمان إلى زيد بن ثابت وإلى عبد الله بن عمرو بن العاص وإلى عبد الله بن الزبير وإلى ابن عباس وإلى عبد الرحمن بن الحارث بن هشام؛ فقال: انسخوا هذه الصحف في مصحف واحد! وقال للنفر القرشيين: إن اختلفتم انتم وزيد بن ثابت فاكتبوه على لسان قريش فإنما نزل بلسان قريش! قال زيد: فجعلنا نختلف في الشيء ثم نجمع أمرنا على رأي واحد؛ فاختلفوا في "التابوت" فقال زيد: "التابوه" وقال النفر: "التابوت" قال: فأبيت إن ارجع إليهم وأبو إن يرجعوا إليّ حتى رفعنا ذلك إلى عثمان؛ فقال عثمان: اكتبوه "التابوت" فإنما انزل القرآن على لسان قريش" (المقنع 2). النص ذاته موجود عن البري في الجوهرة في نسب النبي وأصحابه العشرة؛ مع إضافة تقول: "قال ابن شهاب: قال أنس: فردَّ عثمان الصحف إلى حفصة، وألغى ما سوى ذلك من المصاحف" (269).
في تاريخ مكة والمسجد الحرام لابن الضياء، نجد روايتين متناقضتين حول عدد النسخ التي نسخت عن مصحف حفصة؛ مع إشارة هامة هنا بأن زيداً جمع المصحف وأعطاه لحفصة، الأمر الذي يفتح الباب على مصراعيه لآراء جديدة: " فلما جمعه زيد كان عند حفصة، فأرسل عثمان إلى حفصة: أرسلي إلينا بالمصحف فننسخها بالمصاحف، ثم جمع زيداً وعبد الله بن عمرو بن العاص وابن عباس وعبد الله بن الزبير وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام وأمرهم بنسخها في مصحف ففعلوا، ثم رد عثمان المصحف إلى حفصة، وقيل: أحرقها، وقيل: جعل منها أربع نسخ فبعث أحدهن إلى الكوفة، وإلى البصرة أخرى، وإلى الشام الثالثة، وأمسك عند نفسه واحدة فهي التي بالمدينة، وقيل: جعل سبع نسخ، ووجه من ذلك أيضاً نسخة إلى مكة، ونسخة إلى اليمن، ونسخة إلى البحرين، والأول أصح " (تاريخ مكة والمسجد الحرام لابن الضياء 147). راجع هنا أيضاً: تاريخ ابن شبة 90، 91؛ سمط العوالي 480.
في تاريخ البخاري، 279، نجد عبارة هامة ملفتة، حول مصحف أمرت حفصة مولى لها بأن يكتبه: " عن أبي رافع مولى عمر بن الخطاب (رض): أمرتني حفصة أكتب مصحفاً ". فهل كان لحفصة مصحفها الخاص بها؟ وما علاقة هذا المصحف بالمصاحف التي ورثتها عن أبي بكر وعمر؟ وما علاقة كل ذلك بما سنقوله لاحقاً؟ ولماذا يكتب لها مولاها مصحفاً إن كان لديها مصحفها الخاص، الذي ورثته عن أبيها؟ الملفت هنا هو إحراق مصحف حفصة، بعد وفاتها؛ وبعد أن نسخ عنه، ليس دون اختلاف، المصاحف الرسميّة: " وروي أن عمر (رض) كان قد جمع القرآن في مصحف كان عند حفصة، وهو الذي أرسل مروان فيه وهو والي المدينة إلى عبد الله بن عمر يوم ماتت حفصة، فأمر بإحراقه مخافة الاختلاف " ( محاضرات الأصبهاني 510 ).
يوضح ابن شبّة في تاريخه المسألة على نحو أكثر تفصيلاً؛ حين يقول: "
لما تُوُفِّيَت حفصةُ أرسل مَرْوَان إلى ابن عمرَ (رض) بعزيمة ليُرْسِلَنَّ بها، فساعةَ رجعوا من جنازة حفصة أرسل بها ابنُ عمر (رض)، فشَقَّقَها ومزَّقها مخافةَ أن يكون في شيء من ذلك خلافٌ لما نَسَخَ عثمانُ (رض) " ( تاريخ ابن شبة 295 ).
وهكذا نصل إلى قول الرافعي: "ثم أرسل عثمان إلى حفصة يسألها أن تعطيه الصحيفة، وحلف لها ليردنها إليها فأعطته فعرض المصحف عليها فلم يختلف في شيء، فردها إلى وطابت نفسه، وأمر الناس أن يكتبوا مصاحف، فلما ماتت حفصة أرسل إلى عبد الله بن عمر في الصحيفة بعزمه فأعطاهم إياها فغسلت غسلاً " ( تاريخ آداب العرب للرافعي 145).
فروقات مصحف حفصة:
من النصوص الثلاثة الأخيرة يمكن أن نصل مع جفري إلى الاستنتاج القائل [ إن الدليل على أن مصحف حفصة يختلف عن النص العثماني إلى درجة كبيرة هو لهفة مروان على الخلاص منه. ( ابن أبي داود، ص 24؛ وحاولته تفسير ذلك في الصفحة 25. أنظر أيضاً: ابن عساكر 445:5 ). القصة تخبرنا حول كيف أرسل مروان والي المدينة إلى حفصة مطالباً إياها بالمصحف كي يتخلّص منه، لكنها رفضت أن تعطيه إياه. لما ماتت، ساهم مروان بدفنها وعند نهاية الدفن أرسل بمزيد من الإلحاح إلى أخيها عبد الله بن عمر مطالبتاً إياه بالمصحف. أرسل عبد الله المصحف إليه في نهاية الأمر ليتخلص مروان منه، وذلك لأنه كان يخشى، كما قال، أنه إذا كانت هنالك مجموعة كبيرة من القراءات المختلفة التي رغب عثمان بكبت أنفاسها أن تعاود الظهور.
هذه القصة هي الأبعد عن الأرجحيّة والتي توضح لنا تماماً أنه في حالة هذا المصحف نحن على تماس مع نص ما قبل عثماني والذي كان يختلف، ربما إلى درجة معتبرة، عن مصحف عثمان. مع ذلك، فإن مصحف حفصة الذي يورد منه ابن أبي داود القراءة المختلفة، " صلوة العصر "، في السورة 238:2، هو دون أدنى شك نسخة مأخوذة عن النص العثماني القانوني، الذي ألحت أن تضيف عليه تلك الإضافة البسيطة. حين تورد قراءات مختلفة قليلة تنسب لمصحف حفصة يظل السؤال الأساسي على الدوام، هل الإشارة هي إلى مصحف ما قبل عثماني أم أنها إلى نسخة من نص عثماني تم تصحيحه بناء على طلبها؟ ( هنالك أيضاً إمكانية أخرى من أن تكون قصّة صلوة العصر مجرد تلفيق ألصق بحفصة لإعطائه نوعاً من المرجعيّة. هذا الارتياب يطال القصة ذاتها التي تحكي عن إضافة مماثلة قامت بها عائشة وأم سلمة ).
القراءة المختلفة الوحيدة المستلة من ابن أبي داود هي فقط في 238:5، لكننا أخذنا القراءات المختلفة الأخرى من التفاسير ] جفري.
لقد سبق ورأينا في غير بحث حول فروقات المصاحف من التي قدمناها سابقاً أن ثمة تبديل أجراه عثمان الأموي على المصحف بحيث تخلّص من كل ما في المصحف الأصلي من حديث سلبي على بني أميّة: فهل كانت لهفة مروان بن الحكم الأموي على إحراق مصحف حفصة تصب في الاتجاه ذاته؟
قراءات حفصة المختلفة كما جمعها جفري ومحاولة توثيق من قبلنا:
باستثناء قراءات أبي موسى الأشعري، القراءات المخالفة للنص العثماني التي قال جفري إنه جمعها والتي تنسب لحفصة، تبدو قليلة وربما نادرة؛ وذلك بالمقارنة مع قراءات ابن مسعود أو علي أو ابن كعب أو ابن عبّاس. لذلك نقدّم الان كل هذه القراءات المخالفة، لننهي هذا البحث بما جمعناه موثقاً من قراءات حفصة المخالفة للنص العثماني.
[ السورة الثانية:
الآية 18 صم بكم عمي؛ قرأتها حفصة: صماً بكماً عمياً.
الآية 164 الرياح؛ قرأتها حفصة: الأرواح.
الآية 184 يطيقونه؛ قرأتها حفصة: لا يطيقونه.
الآية 238 والصلوة الوسطى؛ قرأتها حفصة: والصلوة الوسطى وصلوة العصر.
السورة السابعة:
الآية 154 سكت؛ قرأتها حفصة أسكت.
السورة التاسعة:
الآية 40 عليه وأيّده؛ قرأتها حفصة: عليهما وأيدهما.
السورة العاشرة:
الآية 30 تبلوا كل؛ قرأتها حفصة: تتلوا كل.
السورة التاسعة والعشرون:
الآية 11 عصبة؛ قرأتها حفصة: عصبة أربعة.
الآية 31 الطفل؛ قرأتها حفصة: الأطفال.
السورة التاسعة والثلاثون:
الآية 56 جنب؛ قرأتها حفصة: ذكر ] جفري.
بعودة للتوثيق نختم به هذا البحث يمكننا القول، إن مراجع كثيرة تحدّثت عن طلب حفصة أن يزاد في الآية 238 من سورة البقرة لتصبح: " والصلاة الوسطى وصلاة العصر ". ونبدأ الآن بإيراد أبرز تلك المراجع ذات الشأن:
نبدأ بالمعتزلي الزمخشري، الذي يقول في كشافه: " "والعصر إن الإنسان لفي خسر، إلا الذين أمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر،" أقسم بصلاة العصر لفضلها، بدليل قوله تعالى: "والصلاة الوسطى" صلاة العصر، في مصحف حفصة ( 1381 ).
يقول المتقي الهندي في كنز العمّال: " عن نافع أن حفصة دفعت مصحفاً إلى مولى لها يكتب؛ وقالت: إذا بلغت هذه الآية:" حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى" فآذني، فلما بلغها جاءها، فكتبت بيدها: حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر، وقوموا لله قانتين ( 234 ).
ويؤكّد ذلك ابن حزم، حين يقول: " عن نافع: إن حفصة أم المؤمنين كتبت بخط يدها في مصحفها" حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى – وصلاة العصر – وقوموا لله قانتين" ( المحلى 411 ).
في التاريخ الكبير للبخاري، نقرأ نصاً قريباً من السابق مع بعض الإضافات: " عن ابن أبي رافع عن أبيه مولى لحفصة (رض): استكتبتني حفصة مصحفاً فقالت: أمليها عليك كما أقرئتها "على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر" فلقيت أبياً أو زيد بن ثابت فقال: هو كما قالت أو ليس أشغل ما تكون عند عملنا ونواضحنا ورواه نافع وأبو جعفر عن عمر بن نافع عن حفصة " ( التاريخ الكبير للبخاري 396 ).
في تفسير القرطبي، المرجع البارز عند أهل السنة والجماعة؛ نقرأ: " يدل على ذلك حديث عمرو بن رافع؛ قال: أمرتني حفصة أن أكتب لها مصحفا… وفيه: فأملت علي "حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى – وهي العصر- وقوموا لله قانتين" وقالت: هكذا سمعتها من رسول الله (ص) يقرءوها. فقولها: "وهي العصر" دليل على أن رسول الله (ص) فسر الصلاة الوسطى من كلام الله تعالى بقوله هو (وهي العصر). وقد روى نافع عن حفصة "وصلاة العصر"؛كما روي عن عائشة وعن حفصة أيضاً "صلاة العصر" بغير واو " ( القرطبي 568 ).
في تهذيب التهذيب للعسقلاني، وهو مرجع ثقة آخر عند أهل السنة والجماعة؛ نقرأ عن أحدهم: " قال: كنت اكتب مصحفاً لحفصة الحديث في ذكر الصلاة الوسطى وعنه زيد بن أسلم ونافع مولى بن عمر وأبو سلمة بن عبد الرحمن وأبو جعفر محمد بن علي بن الحسين ذكره ابن حبان في الثقات " ( تهذيب التهذيب للعسقلاني 1163).
في مجمع الزوائد للهيثمي، معلومة إضافيّة حول عمرو بن رافع: " وعن عمرو بن رافع مولى عمر بن الخطاب حدث أنه كان يكتب المصاحف في عهد أزواج النبي (ص)؛ قال: فاستكتبني حفصة مصحفاً؛ وقالت: إذا بلغت هذه الآية من سورة البقرة فلا تكتبها حتى تأتيني فأمليها عليك كما حفظتها من رسول الله (ص)! قال: فلما بلغتها جئتها بالورقة التي أكتبها فيها فقالت اكتب "حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر وقوموا الله قانتين". (مجمع الزوائد 1241).
في فتح الباري تفاصيل أخرى يمكن أن تفيد في فهم أشمل لمصحف حفصة: " عمرو بن رافع قال: كنت أكتب مصحفا لحفصة؛ فقالت : إذا بلغت هذه الآية فآذني! فأملت علي " حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر " وأخرجه ابن جرير من وجه آخر حسن عن عمرو بن رافع؛ ومن طريق سالم بن عبد الله بن عمر أن حفصة أمرت إنسانا أن يكتب لها مصحفا نحوه؛ ومن طريق نافع أن حفصة أمرت مولى لها أن يكتب لها مصحفا فذكر مثله وزاد " كما سمعت رسول الله (ص) يقولها "! قال نافع: فقرأت ذلك المصحف فوجدت فيه الواو فتمسك قوم بأن العطف يقتضي المغايرة فتكون صلاة العصر غير الوسطى" ( فتح الباري، تفسير القرآن، حافظوا على الصلاة الوسطى ).
مالك، في مسنده، يؤكّد هو أيضاً الكلام السابق، نقلاً عن عمرو بن رافع: " عن عمرو بن رافع أنه قال: كنت أكتب مصحفا لحفصة أم المؤمنين! فقالت إذا بلغت هذه الآية فآذني: حافظوا على الصلاة والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين! فلما بلغتها آذنتها فأملت علي حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر وقوموا لله قانتين " (مالك، النداء للصلاة،الصلاة الوسطى ).
كذلك نجده في مجمع زوائد الهيثمي: " قوله تعالى: "حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا الله قانتين"؛ عن عمرو بن رافع مولى عمر بن الخطاب: حدث أنه كان يكتب المصاحف في عهد أزواج النبي (ص)؛ قال: فاستكتبتني حفصة مصحفاً؛ وقالت: إذا بلغت هذه الآية من سورة البقرة فلا تكتبها حتى تأتيني بها فأملها عليك كما حفظتها من رسول الله (ص)! قال: فلما بلغتها جئتها بالورقة التي أكتبها فيها؛ فقالت: اكتب "حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى صلاة العصر وقوموا الله قانتين " ( مجمع الزوائد للهيثمي 1141).
وهو ما نجده بشكل أو بآخر في مرجع غيره نقلاً عن عمرو بن رافع ذاته: " كنت أكتب مصحفاً لأم المؤمنين حفصة… الحديث في ذكر الصلاة الوسطى " ( تهذيب الكمال للمزي 2492 ). وكذلك في تحفة الأحوذي: " وأما حديث حفصة فأخرجه مالك في الموطأ؛ قال عمرو بن رافع إنه كان يكتب لها[ حفصة ] مصحفا فقالت له: إذا انتهيت إلى حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى فآذني فآذنتها! فقالت: اكتب والصلاة الوسطى وصلاة العصر وقوموا لله قانتين" ( تحفة الأحوذي، الصلاة، الصلاة الوسطى ).
وعلى ذلك يعلّق المنتقى في شرح موطأ مالك: " أمرت حفصة بإثبات هذه الزيادة في المصحف وإن لم تذكر أنها سمعتها من النبي (ص) ويحتمل أن تكون سمعتها منه وإن لم تذكر ذلك ويحتمل أن تكون سمعتها من عائشة أو غيرها فأرادت إثباتها على أحد الوجوه المذكورة ".
إضافة إلى هذا النص الشهير المتعلق بالآية من سورة البقرة، وجدنا في بعض أمهات الكتب الإسلامية ما يؤكّد قراءات جفري المتعلّق بمصحف حفصة. نقدّم هنا بعض ما وجدناه:
في سمط العوالي للعصامي؛ يقال: " وكان في مصحف حفصة: فأنزل الله سكينته عليهما" ( 147 ).
في الروض الآنف للسهيلي نقرأ نصاً مشابهاً: " وكان في مصحف حفصة: فأنزل الله سكينته عليهما، وقيل: إن حزن أبي بكر كان عند ما رأى بعض الكفار يبول عند الغار، فأشفق أن يكونوا قد رأوهما، فقال له النبي (ص): لا تحزن، فإنهم لو رأونا لم يستقبلونا بفروجهم عند البول، ولا تشاغلوا بشيء عن أخذنا، والله أعلم " ( 229 ).
في تفسير القرطبي بضع قراءات قليلة تتعلق بمصحف حفصة:
" وفي مصحف حفصة (رض) "ما هذا ببشر" ذكره الغزنوي " ( 1813).
" وفي مصحف حفصة "عصبة أربعة" " ( 2408 ).
" وفي مصحف حفصة "أو الأطفال" على الجمع " ( 2426 ).