فلسفة القدر عند الشّيخ محمّد الطّاهر بن عاشور (2/1)

فكرة هذا البحث في أصلها تفاعل مع تعليق وجّه إليّ في شكل سؤال، على هامش مقالي الذي نشرته في موقع الأوان عن حكم الإعدام في التصوّر الإسلامي بتاريخ 4/11/2008، ونصّ السّؤال الممضى باسم سلوى هو:

هناك إشكالية تؤرقني بخصوص حكم الإعدام في الإسلام وهي الآتية: إذا كانت الحياة والموت بيد الله وقراره لماذا يعدم القاتل؟ هل هو الذي قتل حقاً أم أن تنفيذ القضاء والقدر كتب أن يكون على يديه حين حانت ساعة موت الهالك؟

وقد يسال سائل مستنكراً ما جدوى أن نخوض من جديد في مسائل تنتمي إلى المناظرات والجدالات الكلاميّة العقيمة للإجابة عن سؤال إن كان الإنسان مسيّراً أو مخيّراً!!! والحال أنّ البشريّة، بعد ثوراتها المعرفيّة والتكنولوجيّة الكبرى، أثبت طاقات الإنسان الخارقة وقدراته الذّاتيّة المتميّزة والخلاّقة على قيادة نفسه وقيادة العالم والسّيطرة على الطّبيعة وتطويعها لمصالحه وحاجاته؟

كما أنّ من أهمّ قيم التّنوير “روح الحداثة” استعادة الفرد لمكانته المهدورة في ظلّ المنظومة الثّقافيّة الدّينيّة للقرون الوسطى… فكانت فلسفة الذّات انعتاقاً للذّات، وأنتجت هذه الفلسفة العقلانيّة والوجوديّة اللتين أعلتا من مفهوم الإرادة والحريّة والاختيار والوعي الذّاتي والمسؤوليّة… فبأيّ مسوّغ معرفي ابستمولوجيّ نعيد إنتاج معرفة متقادمة تعكس وعياً شقيّاً عن الذّات؟؟؟

للجواب عن هذا السّؤال نورد فقط أنّ للتّنوير بيداغوجيا تقتضي أنّ الإصلاح والتّجديد الذي يروم أن يكون له قدم راسخة في الواقع يحتاج أن يفعّل الأنماط الثّقافيّة للمجموعة التي يتوجّه إليها ليطوّع وليوائم بين الثّقافة المحليّة والقيم الكونيّة، ولا نقصد بالمواءمة هنا التّوفيق والتّلفيق والتّرميق bricolage بل ما أطلقت عليه الكنيسة الكاثوليكيّة إبّان المجمع الفاتيكاني الثّاني الشّهير سنة 1965 Aggiornamento وترجمتها الحرفيّة المياومة “نسبة لليوم”. بمعنى جعل قيم الكنيسة وعقائدها راهنة ومحيّنة ويوميّة… وهو نوع من انتهاء الكنيسة إلى قناعة مفادها أنّ الحداثة قدر لا مهرب منه، وأنّ الكثلكة لا بدّ أن تلحق بركب البروتستانتيّة التي كانت نتاج الثّورة اللوثريّة والكالفينيّة اللتين كانتا الإرهاصات الأولى للحداثة في الغرب.

ويتطلّب ذلك في سياقنا العربي الإسلامي لا فقط النقد الجذري لعوائق التّحديث في تراثنا بل البحث فيه عن القيم التي يمكن أن تساهم في التّنوير والتّحديث ونفض الغبار عنها، وهذا في تقديرنا هو المعنى الحقيقي لعلمنة المعرفة والاجتماع البشري لا بفصلهما عن محيطهما الثّقافي ولكن بنزع القداسة عنهما والتواصل الحرّ مع منتجاتهما وتفعيل ما يفيد في ترسيخ قيم الحداثة والتّنوير.

ولعلّ إشكاليّة القدر في علاقتها بإرادة الإنسان والشّعوب وقدرتهم على التّغيير والفعل في الواقع من القضايا التي لا يزال الوعي الإسلاميّ العامي يتخبّط فيها لالتباسها على نخبه، أوفي أدنى الأحوال لأنّها مسألة خلافيّة بل هي من القضايا التي اضطربت فيها العقول واختلطت فيها الأفهام وأثارت الكثير من الجدل بين عامّة المسلمين وخاصّتهم، إذ ثار الخلاف حولأفعال الإنسان إن كان كانت صادرة عن مشيئة خالصة تعبّر عن اختياره الحرّ وقدرته الذّاتيّة وإرادته المستقلّة أم تتوقّف على المشيئة الإلهية المقدّرة سلفاً… وقد ترجمت مدوّنة علم الكلام هذه الهواجس وصاغتها بشكل نظري حجاجيّ.

وإذا كانت المسألة عند القدامي تتعلّق بإشكاليّة الفعل البشري بين الجبر والاختيار، وعلاقة ذلك بإرادة الله وقدرته وعدله، فإنّها اليوم تتجاوز مكانة الإنسان في الوجود إلى مكانة الشّعوب وموقعها من الفعل ضمن معركة التّحرير والتّنوير والنّهوض.

وقد اخترنا تفاعلاً مع المعلّقة المحترمة “سلوى” جواباً على سؤالها المذكور أعلاه أن نستنطق نصّاً تفسيريّاً حديثاً لأحد مشائخ الزّيتونة “الشّيخ محمّد الطّاهر بن عاشور”، وهو من المنتمين إلى الأرستقراطيّة الدّينيّة في عصره، وقد أثارت نصوصه ومواقفه ولا تزال الكثير من الجدل والحيرة لتقلّبه بين تصوّرات ومواقف تجديديّة تنويريّة وأخرى هي امتداد للمنظومة التّقليديّة.

فكيف تمثّل صاحب تفسير “تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد” هذه القضيّة الشّائكة؟

1{{- مفهوم القـــــدر}}

أورد الشّيخ تعريفاً للقدر على هامش تفسير الآية 38 من سورة الأحزاب (ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله له سنة الله في الذين خلوا من قبل وكان أمر الله قدرا مقدورا) وهو “إيجاد الأشياء على صفة مقصودة وهو مشتق من القدْر بسكون الدال وهو الكمية المحددة المضبوطة”1 كما أورد في سياق الآيتين (فسالت أودية بقدرها) في سورة الرّعد و(وما ننزله إلا بقدر معلوم) في سورة الحجر “ولما كان من لوازم هذا المعنى أن يكون مضبوطاً محكماً كثرت الكناية بالقدَر عن الإتقان والصّدور عن العلم”2

أمّا في اصطلاح المتكلّمين فالقدَر اسم “للإرادة الأزلية المتعلقة بالأشياء على ما هي عليه ويطلقونه على الشيء الذي تعلق به القدر وهو المقدور”3 وأضاف على هامش الآية 49 من سورة القمر(إنّا كل شيء خلقناه بقدر) أنّ القدَر”بتحريك الدّال مرادف القدْر بسكونها وهو تحديد الأمور وضبطها والمراد أنّ خلق الله الأشياء مصاحب لقوانين جارية على الحكمة”4

ومما يقتضيه معنى القدر وفق هذا التّعريف “أنّ كلّ شيء مخلوق هو جار على وفق علم الله وإرادته لأنه خالق أصول الأشياء وجاعل القوى فيها لتنبعث عنها آثارها ومتولداتها فهو عالم بذلك ومريد لوقوعه. وهذا قد سمي بالقدر في اصطلاح الشريعة كما جاء في حديث جبريل الصحيح في ذكر ما يقع به الإيمان”وتؤمن بالقدر خيره وشره”5

فالآية إذن تدلّ صراحة حسب الشّيخ على أنّ “كلّ ما خلقه الله كان بضبط جاريا على حكمته”6

ويقرّ الشّيخ أنّ حقيقة القدر الاصطلاحي خفية إذ “مقدار تأثّر الكائنات بتصرفات الله تعالى وبتسبب أسبابها ونهوض موانعها لم يبلغ علمُ الإنسان إلى كشف غوامضه”7 وتقتضي الأدلة الشرعية والعقلية “أن الأعمال الصالحة والأعمال السيئة سواء في التأثر لإرادة الله تعالى، وتعلق قدرته إذا تعلقت بشيء فليست نسبة آثار الخير إلى الله دون نسبة أثار الشرّ إليه إلا أدبا مع الخالق لقّنه الله عبيده. ولولا أنها منسوبة في التأثر لإرادة الله تعالى لكانت التفرقة بين أفعال الخير وأفعال الشر في النسبة إلى الله ملحقة باعتقاد المجوس بأن للخير إلها وللشر إلها وذلك باطل لقول النبي صلى الله عليه وسلم “وتؤمنوا بالقدر خيره وشره” وقوله “القدرية مجوس هذه الأمة8″9

2{{- مشيئتـــــــان: جدليّة المشيئة}}

كثيرة هي الآيات التي أثبتت للإنسان مشيئة إلى جانب المشيئة الإلهيّة غير أنّ بعض الآيات تجعل مشيئة الإنسان موقوفة على مشيئة الله منوطة بها، ممّا يثير الاستفهام عن حدود مشيئة البشر ووجه توقّفها على مشيئة الله وتبعيّتها لها وقد أورد الشّيخ في معرض تفسيره للآية 30 من سورة الإنسان (وما تشاءون إلا أن يشاء الله إنّ الله كان عليما حكيما) أنّ علل ارتباط حصول مشيئة البشر بمشيئة الله راجع إلى أنّ “الله عليم حكيم أي عليم بوسائل إيجاد مشيئتهم الخير حكيم بدقائق ذلك مما لا تبلغ إلى معرفة دقائقه بالكنه عقول الناس لأن هنالك تصرفات علوية لا يبلغ الناس مبلغ الاطلاع على تفصيلها ولكن حسبهم الاهتداء بآثارها وتزكية أنفسهم للصدّ عن الإعراض عن التدبّر فيها”10 فلا تحصل إذا مشيئة البشر إلا في حال حصول مشيئة الله باعتبار الوسائل التي يتوسّل بها لتحصيل تلك المشيئة” وفي هذا كله إشارة إلى دقة كنه مشيئة العبد تجاه مشيئة الله وهو المعنى الذي جمع الأشعري التعبير عنه بالكسب فقيل فيه “أدق من كسب الأشعري”11وفي الآية حسب الشّيخ لفت انتباه النّاس إلى هذا المعنى الخفيّ لتلازم المشيئتين ليرقبوه في أنفسهم فيجدوا آثاره الدالة عليه قائمة متوافرة.

وفي تفصيله للعلاقة بين المشيئتين يقرّ الشّيخ بأنّ الآية أثبتت المشيئتين- مشيئة العباد ومشيئة الله- فكانت الآية “أصلا للجمع بين متعارض الآيات القرآنية المقتضي بعضها بانفراد نوط التكاليف بمشيئة العباد وثوابهم وعقابهم على الأفعال التي شاءوها لأنفسهم والمقتضي بعضها الآخر مشيئة الله في أفعال عباده”12وتحصل مشيئة العباد حسب الشّيخ “مباشرة بانفعال النفوس لفاعلية الترغيب والترهيب” أمّا المشيئة الإلهية فالمراد بها “آثار المشيئة الإلهية التي إن حصلت فحصلت مشيئة العبد علمنا أن الله شاء لعبده ذلك وتلك الآثار هي مجموع أمور تتظاهر وتتجمع فتحصل منها مشيئة العبد”13

ثمّ يفصّل الشّيخ تلك الآثار التي تتوقّف عليها مشيئة العباد وهي “ما في نظام العالم والبشر من آثار قدرة الله تعالى وخلقه من تأثير الزمان والمكان وتكوين الخلقة وتركيب الجسم والعقل ومدى قابلية التفهم والفهم وتسلط المجتمع والبيئة والدّعاية والتلقين على جميع ذلك مما في ذلك كله من إصابة أو خطأ”14

وفي ضبطه للعلاقة بين المشيئتين في ضوء هذه الآثار يعتبر الشّيخ أنّه “إذا استتبت أسباب قبول الهدى من مجموع تلك الآثار وتلاءم بعضها مع بعض أو رجح خيرها على شرها عرفنا مشيئة الله لأنّ تلك مشيئته من مجموع نظام العالم ولأنه تعالى عالم بأنها تستتبّ لفلان فعلمه بتوفرها مع كونها آثار نظامه في الخلق وهو معنى مشيئته، وإذا تعاكست وتنافر بعضها مع بعض ولم يرجح خيرها على شرها بل رجح شرها على خيرها بالنسبة للفرد من الناس تعطل وصول الخير إلى نفسه فلم يشأه عرفنا أن الله لم يشأ له قبول الخير وعرفنا أن الله عالم بما حف بذلك الفرد فذلك معنى أن الله لم يشأ له الخير أو بعبارة أخرى أنه شاء له أن يشاء الشرّ”15 فالقدر إذا هو ما يحصّله الإنسان بمشيئته من استثمار لآثار قدرة الله في الكون المعبّرة عن مشيئته وذلك ما يفسّر قول الأشعري في معنى الكسب والاستطاعة “إنها سلامة الأسباب والآلات”، وحاصل هذا التّأويل حسب الشّيخ أنّ به “بطل مذهب الجبرية لأن الآية أثبتت مشيئة للناس وجعلت مشيئة الله شرطا فيها لأن الاستثناء في قوة الشرط فللإنسان مشيئته لا محالة وأما مذهب المعتزلة فغير بعيد من قول الأشعري إلا في العبارة بالخلق أو بالكسب وعبارة الأشعري أرشق وأعلق بالأدب مع الله الخالق”16

وأورد الشّيخ في تفسير نفس الآية في سورة التّكوير لطيفة زائدة على مدلول الآية في سورة الإنسان (إن هوإلا ذكر للعالمين [27] لمن شاء منكم أن يستقيم [28] وما تشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين [29]) ولا تختلف هذه الآية عن سابقتها في سورة الإنسان في إثبات مشيئة للإنسان إذ “هذه الآية صريحة في إثبات المشيئة للإنسان العاقل فيما يأتي ويدع وأنه لا عذر له إذا قال: هذا أمر قدر وهذا مكتوب عند الله فإن تلك كلمات يضعونها في غير محالها وبذلك يبطل قول الجبرية ويثبت للعبد كسب أو قدرة على اختلاف التعبير”17

لكنّ الفرق بينهما أن في آية التّكوير التي وصف الله فيها برب العالمين أفادت التّعليل “لارتباط مشيئة من شاء الاستقامة من العالمين لمشيئة الله ذلك لأنه رب العالمين فهو الخالق فيهم دواعي المشيئة وأسباب حصولها المتسلسلة وهو الذي أرشدهم للاستقامة على الحق وبهذا الوصف ظهر مزيد الاتصال بين مشيئة الناس الاستقامة بالقرآن وبين كون القرآن ذكرا للعالمين”18

وأما آية سورة الإنسان فقد ذيلت بوصف الله بأنه (كان عليما حكيما) أي فهو بعلمه وحكمته ينوط مشيئته لهم الاستقامة بمواضع صلاحيتهم لها فيفيد أنّ “من لم يشأ أن يتخذ إلى ربه سبيلا قد حرمه الله تعالى من مشيئته الخير بعلمه وحكمته كناية عن شقائهم”19

ثمّ يجمع معنى الآيتين في خلاصة مفادها عسر تمثّل كنه المناسبة بين مشيئة الله ومشيئة العبد وأسرارها التي تدقّ على الأفهام وحاصل مدلول الآيتين “الإفصاح عن شرف أهل الاستقامة بكونهم بمحل العناية من ربهم إذا شاء لهم الاستقامة وهيأهم لها، وهذه العناية – حسب الشّيخ – بمعنى عظيم تحير أهل العلم في الكشف عنها فمنهم من تطوح به إلى الجبر ومنهم من ارتمى في وهدة القدر ومنهم من اعتدل فجزم بقوة للعباد حادثة يكون بها اختيارهم لسلوك الخير أو الشر فسماها بعض هؤلاء قدرة حادثة وبعضهم سماها كسبا. وحملوا ما خالف ذلك من ظواهر الآيات والأخبار على مقام تعليم الله عباده التأدب مع جلاله”20

وفي الآية 56 من سورة المدّثّر(كلا إنه تذكرة [54] فمن شاء ذكره [55] وما تذكرون إلا أن يشاء الله هو أهل التّقوى وأهل المغفرة [56]) يعبّر عن هذه العناية بالمشيئة العظمى أو التّوفيق وعكسه الخذلان، والتّوفيق حسب الشّيخ هو إقدار العبد على الدّاعية إلى الطّاعة وامتثال الوصايا الربّانيّة.

والآية صريحة في إثبات مشيئة التذكّر للإنسان وهي صريحة كذلك في جعلها مشروطة بمشيئة الله أن يتذكر وهي المشيئة العظمى حسب تعبيره إذ “أنّ للناس مشيئةً هي مناط التكاليف الشرعية والجزاء في الدنيا والآخرة وهي المعبّر عنها عند أهل التحقيق من المتكلمين بالكسب كما حققه الأشعري وعند المعتزلة بالقدرة الحادثة وهما – حسب الشّيخ – عبارتان متقاربتان وأن لله تعالى المشيئةَ العظمى التي لا يمانعها مانع ولا يقسرها قاسر فإذا لم يتوجه تعلّقها إلى إرادة أحد عباده لم يحصل له مراد”21

وهذا حاصل ما يتمخّض من الجمع بين أدلة الشريعة المقتضية أن الأمر لله والأدلة التي اقتضت مسؤوليّة الإنسان على ما يجترحه من أفعال استحقّت الثّواب أو العقاب.

3{{- تعلّق إرادة الله بأفعال العباد}}

إذا كانت مشيئة الإنسان متعلّقة بمشيئة الله بواسطة الأسباب فكيف تتعلّق إرادة الله بأفعال العباد؟

لقد تناول الشّيخ هذه المسألة في معرض تفسيره للآية 8 من سورة الزّمر (إن تكفروا فإن الله غني عنكم ولا يرضى لعباده الكفر وإن تشكروا يرضه لكم…) وقد أثارت هذه الآية مسألة كلاميّة متأتّية من كون قوله على وجه العموم غير المخصوص “لا يرضى لعباده الكفر” مثيراً لإشكاليّة تعلق إرادة الله بأفعال العباد. ووجه الإشكاليّة في ذلك أنّ مؤدّى التّعميم ومفاده أنّ كفر الكافر داخل في دائرة إرادة الله وتفصيل ذلك حسب الشّيخ أنّه “من الضروري أنّ من عباد الله كثيرا كافرين وقد أخبر الله تعالى أنه لا يرضى لعباده الكفر وثبت بالدليل أنّ كل واقع هو مراد الله تعالى إذ لا يقع في ملكه إلا ما يريد فأنتج ذلك بطريقة الشكل الثالث أن يقال : كفر الكافر مراد الله تعالى لقوله تعالى (ولو شاء ربك ما فعلوه) ولا شيء من الكفر بمرضي الله تعالى لقوله (ولا يرضى لعباده الكفر) ومؤدّى هذا التّحليل نتيجة قياسيّة مفادها أنّ “بعض ما أراد الله ليس بمرضي له”22 والتّأويل السّليم لهذه الإشكاليّة حسب الشّيخ قائم على التّمييز بين الإرادة والمشيئة من جهة والرّضى والمحبّة من جهة أخرى ويترتّب على ذلك أنّ قوله تعالى (ولا يرضى لعباده الكفر) راجع إلى خطاب التكاليف الشرعية، أمّا قوله (ولو شاء ربك ما فعلوه) فيرجع إلى تعلق الإرادة بالإيجاد والخلق. ويتركّب من مجموع المعنيين الاعتقاد بأن للعباد كسبا في أفعالهم الاختيارية وأن الله تتعلق إرادته بخلق تلك الأفعال الاختيارية عند توجه كسب العبد نحوها فالله خالق لأفعال العبد غير مكتسب لها. والعبد مكتسب غير خالق. فيكون معنى خلق الله للأفعال هو خلق أسبابها ومعنى اكتسابها هو استثمار أسبابها، وبذلك يكون مدلول الكسب الأشعري حسب الشّيخ هو “الاستطاعة المفسّرة عنده بسلامة أسباب الفعل وآلاته” وهي واسطة بين القدرة والجبر، أي هي دون تعلق القدرة وفوق تسخير الجبر، وهي كذلك واسطة بين حركة المرتعش الضّروريّة وحركة الماشي الاختياريّة.

وليس هذا بعيداً عن قول المعتزلة الذين وإن أثبتوا القدرة للعباد على أفعالهم، وأنّ أفعال العباد غير مقدورة لله، فهم “يحملون ما ورد في الكتاب من نسبة أفعال من أفعال العباد إلى الله أو إلى قدرته أنّه على معنى أنه خالق أصولها وأسبابها ويحملون ما ورد من نفي ذلك كما في قوله (ولا يرضى لعباده الكفر) على حقيقته ولذلك أوردوا هذه الآية للاحتجاج بها”23

وقد لفت الشّيخ عديد المرّات إلى أنّ الاختلاف بين الكسب والاختيار غير جوهري وقد فصّل ذلك في معرض تفسيره للآية 2 من سورة التّغابن (هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن والله بما تعملون بصير) إذ “خلق الله الناس وأودع فيهم العقول التي تتوصل بالنظر السليم من التقصير وشوائب الهوى وغشاوات العناد إلى معرفة الله على الوصف اللائق به، وخلق فيهم القدرة على الأعمال الصالحة وغيرها – المسماة عند الأشعري بالكسب وعند المعتزلة بقدرة العبد – والخلاف في التعبير”، وأرشدهم إلى الصّلاح وحذّرهم من الفساد والله عالم بما يكتسبه كل أحد، ولو شاء لصرف مقترف الفساد عن فعله ولكنه أوجد نظما مرتبطا بعضها ببعض ومنتشرة فقضت حكمته بالحفاظ على تلك النظم الكثيرة بأن لا يعوق سيرها في طرائقها ولا يعطّل عملها لأجل إصلاح أشخاص هم جزء من كلّ لأنّ النظم العامة أعم فالحفاظ على اطرادها أصلح وأرجح فلا تتنازل إرادة الله وقدرته إلى التدخل فيما سمي بالكسب على أصولنا أو بالقدرة الحادثة على أصول المعتزلة بل جعل بحكمته بين الخلق والكسب حاجزا هو نظام تكوين الإنسان بما فيه من إرادة وإدراك وقدرة وقد أشار إلى هذا قوله (والله بما تعملون بصير) أي هو بصير به من قبل أن تعملوه وبعد أن عملتموه”24

أمّا الآيات التي تصرّح بالتدخّل الإلهي في شأن تحديد قدر الإنسان، مثل تيسير أمر التّقوى وشرح الصّدر أو جعله ضيّقا حرجا، وربط ذلك بمشيئة الله فقد فصّل ذلك في معرض تفسيره مثلا لآيات سورة الليل (فأمّا من أعطى واتّقى (5) وصدّق بالحسنى (6) فسنيسّره لليسرى (7) وأمّا من بخل واستغنى (8) وكذّب بالحسنى (9) فسنيسّره للعسرى(10) إذ إلقاء التّبعة في ذلك على من صار إلى العسرى بأنّ الله قد أعذره إذ هداه بدعوة الإسلام إلى الخير فأعرض عن الاهتداء باختياره اكتساب السيّئات وليست السيّئات إلاّ “فسادا في ما صنع الله من الأعيان والأنظمة التي أقام عليها فطرة نظام العالم وهدي الإنسان بأن خلقه قابلا للتّمييز بين الصّلاح والفساد”25 وتبعا لذلك يحصل التّيسير لليسرى عند ميل العبد إلى عمل الحسنات والتّيسير لليسرى عند ميله إلى عمل السيّئات “وذلك الميل هو المعبّر عنه بالكسب عند الأشعري وسمّاه المعتزلة قدرة العبد وهو أيضا الذي اشتبه على الجبريّة فسمّوه الجبر”26

فلا معنى إذا لتدخّل الله في أفعال المكلّفين مباشرة بما يشوّش مبدأ التّكليف والابتلاء، ولا معنى لحريّة الإنسان المطلقة ابتداء بمعنى خلقه لأفعاله دون وسائط من الأسباب وإن كان للإنسان القدرة الموضوعيّة والإرادة الكاملة من داخل منطق الأسباب على مناقضة إرادة الله التّشريعيّة التّكليفيّة فلا قدرة له في المقابل على تغيير وجهة تلك الأسباب ومنطقها بشكل جذري أو جزئيّ إلاّ بأسباب أخرى مخلوقة أو بوسائط من صنع البشر ترتبط بأسباب مخلوقة، فلا خروج إذاً عن منطق الأسباب أو ما أسماه الشّيخ بالأمر التّكويني في مقابل الأمر التّشريعيّ إذ “أمور الجزاء الأخروي تجري على ما رتّبه الله وأعلم به عباده وأنّ نظام أمور الدّنيا وترتّب مشيئاته على أسبابه أمر قد وضعه الله تعالى وأمر بالحفاظ عليه وأرشد وهدى فمن فرّط في شيء من ذلك فقد استحقّ ما تسبّب فيه”27

وقد يلتبس الأمر على المؤمنين من منطلق أنّ الله يعلم ما سيكون منهم من أعمال ممّا يُشعر أنّ أمر العباد ومصيرهم مقرّر سلفاً “مكتوب في اللوح المحفوظ” فلا فرار من القدر المحتوم ممّا يزهّد في العمل ويخلّف الإحساس بالجبر وبعبثيّة الأمر والنّهي التّشريعيّن طالما أنّ شقاء الإنسان وسعادته قد كتبا على جبينه منذ ولادته. وفي مناقشته لهذا الإشكال يعتبر الشّيخ أنّ “الفرق بين تعلّق علم الله بأعمال عباده قبل أن يعلموها وبين تعلّق خطابه إيّاهم بشرائعه وأنّ ما يصدر عن النّاس من أعمال ظاهرة وباطنة إلى خاتمة كلّ أحد وموافاته هو عنوان للنّاس على ما كان قد علمه الله ويلتقي المهيعان في أنّ العمل هو وسيلة الحصول على الجنّة أو الوقوع في جهنّم”28

4{{- الحسنة والسيّئة من الله أم من البشر؟}}

أثارت آيات سورة النّساء الكثير من الجدل حول مصدر الخير والشّر أو الحسنة والسيّئة في سياق ما يبدو من مفارقة بين قدر الله الذي يشمل كلّ الأفعال ونهيه الذي يستهدف الفعل السيّئ وإرادته التي اقتضت المعاقبة على ما قدّر من الفعل السيّئ وعدله الذي استدعي تحريم الظّلم على نفسه.

هذه الاستفهامات توجّه بها بنو إسرائيل إلى موسى (فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه) 29 وكفّار قريش إلى النّبي (وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك قل كل من عند الله فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا [78] ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك وأرسلنك للناس رسولا وكفى بالله شهيدا [79])

فكان الجواب القرآني حسب الشّيخ تعليماً للنّبي “وقد علمه الله أن يجيب بأن كلاّ من عند الله لأنه لا معنى لكون شيء من عند الله إلا أنه الذي قدر ذلك وهيأ أسبابه إذ لا يدفعهم إلى الحسنات مباشرة. وإن كان كذلك فكما أن الحسنة من عنده فكذلك السيئة بهذا المعنى بقطع النظر عما أراده بالإحسان والإساءة والتفرقة بينهما من هذه الجهة لا تصدر إلا عن عقل غير منضبط التفكير لأنهم جعلوا الحوادث من الله وبعضها من غير الله”30 فنسبة الحسنات والسيّئات إلى الله إذاً اعتباريّة، بما أنّ الله أقدر النّاس على فعل الخيرات والسيّئات بما وفّره من الأسباب والأدوات الخارجة عن إرادة الإنسان وكسبه. وللحوادث حسب الشّيخ ثلاثة عوامل تتلبّس بها ولا تخلو عنها سواء كانت غير اختيارية أم اختيارية كأفعال العباد وهي:

– المؤثر

– السبب المقارن

– الأدلة التي تنبئ عنها وعن عواقبها.

وتفصيل ذلك على النّحو التّالي :

1{{-القسم الأوّل}}

تقدير الله للمنافع والمضار بعلمه وقدَره وخلق مؤثراتها وأسبابها فهذا الجزء لله وحده لقوله (قل كل من عند الله)

2-{{ القسم الثّاني}}

أقامة الله بالألطاف الموجوداتِ فأوجدها ويسّر لها أسباب البقاء والانتفاع وذلك بما أودع فيها من العقول والإلهامات وحفّها كلّها في سائر أحوالها بألطاف كثيرة لولاها لما بقيت الأنواع، وساق إليها أصول الملاءمة ودفع عنها أسباب الآلام في الغالب فالله لطيف بعباده فهذا الجزء لله وحده لقوله (قل كل من عند الله)

3-{{ القسم الثّالث}}

نصب الله الأدلة للناس على المنافع والمضار التي تكتسب بمختلف الأدلة الضرورية والعقلية والعادية والشرعية وعلّم طرائق الوصول إليها وطرائق الحيدة عنها، وأرشد إلى موانع التأثير لمن شاء أن يمانعها وبعث الرسل وشرع الشرائع فعلمنا بذلك كله أحوال الأشياء ومنافعها ومضارها وعواقب ذلك الظاهرة والخفية في الدنيا والآخرة فأكمل المنّة وأقام الحجة وقطع المعذرة فهدى بذلك وحذر إذ خلق العقول ووسائل المعارف ونماها بالتّفكيرات والإلهامات وخلق البواعث على التعليم والتعلم فهذا الجزء أيضا لله وحده.

4{{- القسم الرّابع}}

هو من مشمولات إرادة الإنسان ومشيئته وهي الأسباب المقارنة للحوادث الحسنة والسيئة حين تصيب الإنسان وتمكّنه من الاهتداء إلى وسائل مصادفة المنافع. فالجهل بتلك الوسائل والإغضاء عن موانع الوقوع فيها في الخير والشر فذلك بمقدار ما يحصله الإنسان من وسائل الرشاد وباختياره الصالح لاجتناء الخير أوبمقدار غلبة الجهل أو الهوى والارتماء في المهالك بدون تبصر وهذا الجزء جعل الله للإنسان حظا فيه ملكه إياه.

وخلاصة هذه المقاربة أنّ الحسنة إذا جاءت أحداً ” فإنّ مجيئها إياه بخلق الله تعالى لا محالة مما لا صنعة للعبد فيه أو بما أرشد الله به العبد حتى علم طريق اجتناء الحسنة أي الشيء الملائم وخلق له استعداده لاختيار الصالح فيما له فيه اختيار من الأفعال النافعة حسبما أرشده الله تعالى فكانت المنة فيها لله وحده إذ لولا لطفه وإرشاده وهديه لكان الإنسان في حيرة. فصح أن الحسنة من الله لأن أعظم الأسباب أو كلها منه أما السيئة فإنها وإن كانت تأتي بتأثير الله تعالى ولكن إصابة معظمها الإنسان يأتي من جهله أو تفريطه أو سوء نظره في العواقب أو تغليب هواه على رشده”.31

ويميّز الشّيخ في هذا السّياق بين السيّئات التي يكتسبها الإنسان بمشيئته من خلال تفعيل الأسباب وتلك التي تأتي من غير تسببه مثل ما أصاب الأمم من خسف وأوبئة، وإن كان بعضها حسب الشّيخ جزاء على سوء فعل. فلا جرم إذاً أنّ السيّئة تصيب الإنسان لتسببه مباشرة أو بواسطة فصحّ أن يسند تسببها إليه لأن الجزء الذي هو لله وحده منها هو الأقل.

ويردّ الشّيخ على أوجه الاستدلال بهذه الآية التي شاع الاستدلال بها “على أن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى على طريقة الشيخ أبي الحسن الأشعري لقوله (قل كلّ من عند الله) كما شاع استدلال المعتزلة بها على أن الله لا يخلق المعصية والشر لقوله (وما أصابك من سيئة فمن نفسك). وقال أبو الحسن شبيب بن حيدرة المالكي في كتاب حزّ الغلاصم: إنّ الاحتجاج بها في كلا الأمرين جهل لابتنائه على توهّم أنّ الحسنة والسيئة هي الطاعة والمعصية وليستا كذلك”32 أمّا الشّيخ فيعتبر أنّ أهل السنة “ما استدلوا بها إلا قولا بموجب استدلال المعتزلة بها على التفرقة بين اكتساب الخير والشر على أن عموم معنى الحسنة والسيئة كما بينته آنفا يجعل الآية صالحة للاستدلال وهو استدلال تقريبي لأن أصول الدين لا يستدل فيها بالظواهر كالعموم”33

وللاستدلال على صحّة تأويله في التّمييز بين الأفعال باعتبار النّسبة الاعتباريّة والنّسبة الحقيقيّة أي صدور الأفعال ابتداء أو بواسطة الأسباب استند الشّيخ إلى قرائن اللغة إذ أورد القرآن في حكاية قولهم (يقولوا هذه من عند الله يقولوا هذه من عندك) كلمة (عند) للدلالة على قوة نسبة الحسنة إلى الله ونسبة السيئة للنبي والجزم بذلك الانتساب، ولما أمر الله رسوله أن يجيبهم قال (قل كل من عند الله) مشاكلة لقولهم وإعرابا عن التقدير الأزلي عند الله، وأما قوله (ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك) فلم يورد فيها القرآن كلمة (عند) إيماء إلى أن ابتداء مجيء الحسنة من الله ومجيء السيئة من نفس المخاطب ابتداء المتسبّب لسبب الفعل وليس ابتداء المؤثر في الأثر.

{{

5- الإيمان والمشيئة الإلهية}}

يفيد ظاهر آي القرآن أنّ مشيئة الإنسان عموما ومشيئته الإيمان خصوصا موقوفة على مشيئة الله ممّا يثير الجدل عن حقيقة الإيمان ومسؤوليّة الإنسان فيه.

لقد أثارت هذه المشكلة جدلا عنيفا بين علماء افريقيّة بين قائل أنا مؤمن لا يزيد على ذلك أ وأنا مؤمن إنشاء الله وقائل أنا مؤمن عند الله. وقد أثار هذه المسألة العالم ابن عبدوس الذي كان يقول لمن يسأله عن مذهبه أنا مؤمن. وقد رأى الإمام سحنون في ذلك ضربا من الإرجاء فشنّ عليه حملة شعواء أفضت إلى انقسام النّاس بسبب هذه المسألة إلى فرقتين إحداهما السّحنونيّة نسبة إلى القاضي سحنون والأخرى العبدوسيّة نسبة إلى ابن عبدوس أو الشّكوكيّة حسب تعريض خصومها، ومثار هذه المسألة الخلاف بين من يعتبر أنّ الإيمان مبني على اليقين فلا يجوز للمؤمن أن يلفظ بما يفيد الشكّ، والطّرف المقابل الذي يرى أنّ اليقين لا يثبت إلاّ في اللحظة الحاضرة إذ لا يضمن المؤمن البقاء على الإيمان في قادم أيّامه 34 وقد تعرّض الشّيخ إلى هذه المسألة في معرض تفسيره للآية 89 من سورة الأعراف (قد افترينا على الله كذبا إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا وسع ربنا كل شيء علما على الله توكلنا ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين [89]) إذ اعتبر أنّ قول شعيب (إلا أن يشاء الله ربنا) “تأدب مع الله وتفويض أمر المؤمنين إليه أي: إلا أن يقدر الله لنا العود في ملتكم فإنه لا يسأل عما فعل، فأما عود المؤمنين إلى الكفر فممكن في العقل حصوله وليس في الشرع استحالته والارتداد وقع في طوائف من أمم”35 ولا يعني ذلك إمكان ارتداد النبيّ شعيب فذلك مستحيل شرعا للأنبياء فلو شاء الله سلب العصمة عن أحد منهم غير أنّ تقييد شعيب عدم العود إلى الكفر بمشيئة الله- وهو يستلزم تقييد الدوام على الإيمان بمشيئة الله لأنّ عدم العود إلى الكفر مساو للثبات على الإيمان- هو تقييد مقصود منه التأدب وتفويض العلم بالمستقبل إلى الله والكناية عن سؤال الدوام على الإيمان من الله تعالى كقوله(ربنا لا تزغ قلوبنا بعد أن هديتنا) 36 ومدلول هذه الآية نهض حسب الشّيخ دليلا على قول الأشعري وجماعة محمد بن عبدوس فالمسلم عندما يقول: أنا مؤمن إن شاء الله “لا يعلم ما يختم له بعد ويضعف في المقابل قول الماتريدي وطائفة من علماء القيروان على رأسهم محمد بن سحنون من أنّ المسلم لا يقول: أنا مؤمن إن شاء الله لأنه متحقق أنه مؤمن فلا يقول كلمة تنبئ عن الشك في إيمانه”37

ورغم ذلك يرى الشّيخ وفق ما حقّقه محمّد بن أبي زيد وعياض أنّ الخلاف لفظي “فإن كان يقول: إن شاء الله وسريرته في الإيمان مثل علانيته فلا بأس بذلك وإن كان شكاً فهو شك في الإيمان وليس ذلك ما يريده ابن عبدوس. وقد قال المحققون: أن الخلاف بين الأشعري والماتريدي في هذه المسألة من الخلاف اللفظي كما حققه تاج الدين السبكي في منظومته النونية وتبعه تلميذه نور الدين الشيرازي في شرحه”38 واعتبر أنّ المسألة راجعة إلى اختلاف النظر في حالة عقد القلب مع ما هو في علم الله من خاتمته “وبذلك سهل إرجاع الخلاف إلى الخلاف اللفظي”39 ولتأكيد ذلك الأصل اللفظي للخلاف يعتبر الشّيخ أنّ الخلاف بين الأشاعرة وبين المعتزلة في جواز مشيئة الله تعالى الكفر والمعاصي “ناشئ عن الخلاف في تحقيق معنى المشيئة والإرادة ولكلا الفريقين اصطلاح في ذلك يخالف اصطلاح الآخر والمسألة طفيفة وإن هوّلها الفريقان واصطلاحنا أسعد بالشريعة وأقرب إلى اللغة والمسألة كلها من فروع مسألة التكليف وقدرة المكلف”40

{{6- الختم والطّبع على القلوب}}

تثير صورة الطّبع على القلوب والأسماع والأبصار والختم عليها استفهاماً يتعلّق باستباق الحكم على الإنسان وتقرير مصيره سلفاً والمصادرة على الفعل البشري بقطع أسباب التّوبة من خلال الحؤول دون نفوذ الحقّ إلى العقول، وقد أورد الشّيخ في معرض تفسيره للآية 16 من سورة محمّد (أولئك الذين طبع الله على قلوبهم واتبعوا أهواءهم) أنّه تقرر عند المسلمين أن الذين صمّموا على الكفر قد طبع الله على قلوبهم وأنهم متبعون لأهوائهم. والطّبع على القلب حسب تفسيره “تمثيل لعدم مخالطة الهدى والرشد لعقولهم بحال الكتاب المطبوع عليه أو الإناء المختوم بحيث لا يصل إليه من يحاول الوصول إلى داخله فمعناه أن الله خلق قلوبهم أي عقولهم غير مدركة ومصدقة للحقائق والهدى. وهذا الطبع متفاوت يزول بعضه عن بعض أهله في مدد متفاوتة ويدوم مع بعض إلى الموت… وزواله بانتهاء ما في العقل من غشاوة الضلالة وبتوجه لطف الله بمن شاء بحكمته اللطف به المسمى بالتوفيق الذي فسره الأشعرية بخلق القدرة والدّاعية إلى الطاعة وبأنه ما يقع عنده صلاح العبد آخرة. وفسر المعتزلة اللطف بإيصال المنافع إلى العبد من وجه يدق إدراكه وتمكينه بالقدرة والآلات”41 واعتبر في سياق تفسير الآية 7 من سورة البقرة “ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة” أنّ الختم في اصطلاح الشّرع هو استمرار الضّلالة في نفس الضّال والتّشنيع على من ختم الله على قلوبهم وأغشى أبصارهم وأضلّهم يكون باعتبار ما لهم من الميل والكسب والمقدرة على الفعل والتّرك وهي ملكات دون الخلق وإن كان الله خلق في النّاس القدرة على فعلها وتركها وأوجد الأسباب المؤدّية إلى الفعل أو التّرك أمّا إسناد الختم والطّبع إلى الله فهو من قبيل المجاز الذي يفيد على الحقيقة التّصميم على الكفر بالإمساك عن التأمّل في الأدلّة فالختم باعتباره كسبا بشريّا هو تعبير مجازيّ لعدم نفوذ الحقّ لعقول المشمولين بالطّبع بما اكتسبوا من إعراض ومكابرة وإسناده إلى الله نظير لإسناد غيره من نتائج الكسب البشري إسنادا اعتباريّا مجازيّا باعتبار ما أسلفنا ذكره من الإقدار على الفعل وتيسير أسبابه ويضيف الشّيخ لطيفة أخرى بلاغيّة لدلالة معنى إسناد الختم المستعمل مجازا إلى الله وذلك “للدلالة على تمكّن معنى الختم من قلوبهم وأن لا يرجى زواله كما يقال خلقة في فلان والوصف الذي أودعه الله في فلان أو أعطاه فلانا وفرق بين هذا الإسناد وبين الإسناد في المجاز العقلي لأنّ هذا أريد منه لازم المعنى والمجاز العقلي إنما أسند فيه فعل لغير فاعله لملابسة والغالب صحة فرض الاعتبارين فيما صلح لأحدهما وإنما يرتكب ما يكون أصلح بالمقام”42 وتحقيق ذلك حسب الشّيخ أن لا تناقض بين القدر أي التّقدير والعلم والتّكليف إذ الختم مسبّب لا محالة عن إعراضهم ومكابرتهم وأسند ذلك الوصف إلى الله تعالى لأنه المقدّر له على طريقة إسناد نظائر مثل هذا الوصف في غير ما آية من القرآن نحو قوله (أولئك الذين طبع الله على قلوبهم) وقوله (ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا) وذلك كلّه من كسب الإنسان فالطّبع والختم والإغفال إذن لا تعني سلب الإنسان إرادته إذ “التحقيق أنها واردة على اعتبار أن كل واقع هو بقدر الله تعالى وأن الله هدى ووفق بعضا وأضل وخذل بعضا في التقدير والتكوين فلا ينافي ذلك ورود الآية ونظائرها في معنى النعي على الموصوفين بذلك والتشنيع بحالهم لأن ذلك باعتبار ما لهم من الميل والاكتساب وبالتحقيق القدرة على الفعل والترك التي هي دون الخلق فالله تعالى قدر الشرور وأوجد في الناس القدرة على فعلها ولكنه نهاهم عنها لأنه أوجد في الناس القدرة على تركها أيضا فلا تعارض بين القدر والتكليف”43ويردّ الشّيخ على المعتزلة الذين توهّموا على حدّ عبارته عدم تعلق قدرة الله تعالى بأفعال المكلفين، باعتبار أنّ هذه الأفعال غير مخلوقة لله وإنما المخلوق له ذوات المكلّفين وآلات أفعالهم فأنكروا صحة إسناد هذه الأفعال إلى الله تعالى تنزيها له عن إيجاد الفساد واعتبر “أن ذلك لم يغن عنهم شيئا لأنهم قائلون بعلمه تعالى بأنهم سيفعلون وهو قادر على سلب القدرة منهم فبتركه إياهم على تلك القدرة إمهال لهم على فعل القبيح وهو قبيح”44

وفي مقابل ذلك اعتبر أنّ التحقيق “ما ذهب إليه الأشاعرة وغيرهم من أهل السنة أن الله هو مقدر أفعال العباد إلا أن فعلها هو من العبد لا من الله… ولا يرد علينا أنه كيف أقدرهم على فعل المعاصي؟ لأنه يرد على المعتزلة أيضا أنه كيف علم بعد أن أقدرهم بأنهم شارعون في المعاصي ولم يسلب عنهم القدرة؟ فكان مذهب الأشاعرة أسعد بالتحقيق وأجرى على طريق الجمع بين ما طفح به الكتاب والسنة من الأدلة”45

{{7- الأسباب لا تغني من الله شيئا “حسن التوكّل”}}

بعد أن تعمّق الشّيخ في تفصيل الأسباب وتوسّطها بين الكسب البشري وإرادة الله نجده في معرض تفسيره للآية 67 من سورة يوسف (وقال يا بني لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب متفرقة وما أغني عنكم من الله من شيء إن الحكم إلا لله عليه توكلت وعليه فليتوكل المتوكلون ) 46 يشير إلى أنّ الأسباب لا تغني من الله شيئا إذ يفيد قوله حكاية على يعقوب (وما أغني عنكم من الله من شيء) أنّ ما أمرهم من عدم الدّخول من باب واحدة لا يغني عن الله ابتداء – أي غناء مبتدأ –”بل هو الأدب والوقوف عند ما أمر الله فإن صادف ما قدّره فقد حصلت فائدتان وإن خالف ما قدّره حصلت فائدة امتثال أوامره واقتناع النفس بعدم التفريط … وأراد بهذا تعليمهم الاعتماد على توفيق الله ولطفه مع الأخذ بالأسباب المعتادة الظاهرة تأدبا مع واضع الأسباب ومقدر الألطاف في رعاية الحالين لأنا لا نستطيع أن نطلع على مراد الله في الأعمال فعلينا أن نتعرفها بعلاماتها ولا يكون ذلك إلا بالسعي لها”47 وهذا المعنى حسب الشّيخ هو سر مسألة القدر التي أشار إليها الحديث النبوي “اعملوا فكل ميسر لما خلق له” أو “إذا أراد الله أمرا يسر أسبابه”

ويؤكّد الشّيخ أن “شأن الأسباب أن تحصل عندها مسبباتها. وقد يتخلف ذلك بمعارضة أسباب أخرى مضادة لتلك الأسباب حاصلة في وقت واحد أو لكون السبب الواحد قد يكون سببا لأشياء متضادة باعتبارات فيخطئ تعاطي السبب في مصادفة المسبب المقصود ولولا نظام الأسباب ومراعاتها لصار المجتمع البشري هملا وهمجا”48

فالأسباب التي لا تغني من الله شيئا إذن تعلّقت بها أسباب أخرى لم تكن في حسبان المكتسب ولكنّها داخلة في نظام الكون معبّرة عن إرادة الله ومراده لذلك أوصى يعقوب أبناءه بأخذ أسباب الاحتياط والنصيحة مع علمه بأن ذلك لا يغني عنهم من الله من شيء قدّره لهم لأنّ مراده خاف عنهم فأمروا بسلوك الأسباب المعتادة. فالأسباب الظاهرية إذن لا تدفع أمرا قدّره الله وعلم أنه واقع، ومعنى التوكّل على الله مع الأخذ بالأسباب هو التطلّع إلى تيسير أسباب أخرى.

ولعلّ هذا ما يفسّر جواب عمر بن الخطاب – لما أمر المسلمين بمغادرة أرض أصيبت بالطّاعون- على سؤال أبي عبيدة ابن الجرّاح “أفرارا من قدر الله؟ فقال عمر”رضي الله عنه”: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة. ألسنا نفر من قدر الله إلى قدر الله؟

8{{ – دحض حجّة الجبر}}

في معرض تفسيره للآية 148 من سورة الأنعام “سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون” يردّ الشّيخ على مقالة أهل الجبر ويفنّد حجّتهم “وحاصل هذه الحجة أنهم يحتجون على النبي “عليه الصلاة والسلام” بأن ما هم عليه لو لم يكن برضى الله تعالى لصرفهم عنه ولما يسّره لهم”49 وهي الحجّة التي يختارها أهل الضّلال حسب الشّيخ لإبطال الحكم عليهم بالضلالة وهي قائمة حسب الشّيخ على شبهة عدم التّمييز بين “تصرف الله تعالى بالخلق والتقدير وحفظ قوانين الوجود وهو التصرّف الذي نسميه نحن بالمشيئة وبالإرادة وبين تصرفه بالأمر والنهي وهو الذي نسميه بالرّضى وبالمحبة: فالأول تصرف التكوين والثاني تصرف التكليف 50 ونتائج هذا الخلط بين المشيئة أوالتصرّف التّكوينيّ، وهو جبريّ، والرّضى أو المشيئة التّشريعيّّة، وهي تخييريّة، هي التوهّم أنّ إقدار الله البشر على الفعل بخلق أسباب التمكّن منه وعدم إمساكه لعنان أفعالهم أي إجبارهم عليها دالّ على الرّضي بما يكلّ يفعله أهل الضّلال وإلاّ لأعجزهم عن الفعل بسلب قدرتهم عليه وتمكّنهم منه. وفي معرض ردّه على هذه الحجّة يشير الشّيخ إلى أنّ “سبب هذه الضلالة العارضة لأهل الضلال من الأمم التي تلوح في عقول بعض عوام المسلمين في معاذيرهم للمعاصي والجرائم أن يقولوا: أمر الله أو مكتوب عند الله أو نحو ذلك هو الجهل بأن حكمة الله تعالى في وضع نظام هذا العالم اقتضت أن يجعل حجابا بين تصرفه تعالى في أحوال المخلوقات وبين تصرفهم في أحوالهم بمقتضى إرادتهم وذلك الحجاب هو ناموس ارتباط المسببات بأسبابها وارتباط أحوال الموجودات في هذا العالم بعضها ببعض ومنه ما يسمى بالكسب والاستطاعة عند جمهور الأشاعرة ويسمّى بالقدرة عند المعتزلة وبعض الأشاعرة وذلك هو مورد التكليف الدال على ما يرضاه الله وما لا يرضى به وأن الله وضع نظام هذا العالم بحكمه فجعل قوامه هم تدبير الأشياء أمورها من ذواتها بحسب قوى أودعها في الموجودات لتسعى لما خلقت لأجله وزاد الإنسان مزية بأن وضع له عقلا يمكنه من تغيير أحواله على حسب احتياجه ووضع له في عقله وسائل الاهتداء إلى الخير والشر كما قيض له دعاة إلى الخير تنبهه إليه إن عرته غفلة أوحجبته شهوة فإن هو لم يرعو عن غيه فقد خان بساط عقله بطيّه 51

فمشيئة الله إذاً تتعلّق بتكوين العقول وتكوين نظام الجماعة الذين تتوقّف عليهما مشيئة العباد.

فلا مجال للخلط بين قوله حكاية عنهم (ولوشاء الله ما أشركوا) أو(لوشاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا) وقوله من سورة الأنعام “قل فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين 149)

“…أي لو شاء هدايتهم بأكثر من إرسال الرّسول عليه الصلاة والسلام بأن يغير عقولهم فتأتي على خلاف ما هيئت له لكان قد فعل ذلك بوجه عناية خاصة بهم أو خارق عادة لأجلهم إذ لا يعجزه شيء ولكن حكمته قضت أن لا يعمّم عنايته بل يختص بها بعض خاصته وأن لا يعدل عن سنّته في الهداية بوضع العقول وتنبيهها إلى الحق بإرسال الرّسل ونصب الأدلة والدّعاء إلى سبيله بالحكمة والموعظة فالمشيئة المقصودة في قوله: (فلو شاء لهداكم) غير المشيئة المقصودة فيما حكى الله عنهم من قولهم: (لو شاء الله ما أشركنا) وإلا لكان ما أنكر عليهم ما قد أثبت نظيره عقب الإنكار فتتناقض المحاجة 52 والفرق بين المشيئتين أنّ “فالمشيئة المقصودة في الردّ عليهم هي المشيئة الخفية المحجوبة وهي مشيئة التكوين والمشيئة المنكرة عليهم هي ما أرادوه من الاستدلال بالواقع على الرضى والمحبة”53

{{

8- التّفسير الموضوعي للعصمة “العصمة بين الجبر والاكتساب”}}

حرصاً من الشّيخ على التمثّل الموضوعي للمشيئة والقدرة والقدر حاول تمثّل مفهوم العصمة اللازمة للنّبوّة ضمن هذا المسلك وقد أورد في معرض تفسيره للآية 45/46 لسورة ص (واذكر عبادنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب أولي الأيدي والأبصار [45] إنا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار [46] وإنهم عندنا لمن المصطفين الأخيار [47]) أنّ العصمة “قوة يجعلها الله في نفس النبي تصرفه عن فعل ما هو في دينه معصية لله تعالى عمدا أو سهوا وعما هو موجب للنفرة والاستصغار عند أهل العقول الراجحة من أمة عصره “وجعل لها أركانا أربعة :

الأول: خاصية للنفس يخلقها الله تعالى تقتضي ملكة مانعة من العصيان

والثاني: حصول العلم بمثالب المعاصي ومناقب الطاعات

الثالث: تأكيد ذلك العلم بتتابع الوحي والبيان من الله تعالى

الرابع: العتاب من الله على ترك الأولى وعلى النسيان

فرغم قيام العصمة على الاصطفاء الإلهي فإنّ هذا الاصطفاء يتنزّل في سياق موضوعيّ من الأسباب.

إذ يقوم مبدأ العصمة كما تشير الآية (بخالصة ذكرى الدار) على الوحي الإلهي وذلك بما حواه من “تحذير مما لا يرضي الله وتخويف عذاب الآخرة وتحبيب نعيمها فتحدث في نفس النبي صلى الله عليه وسلم شدة الحذر من المعصية وحب الطاعة ثم لا يزال الوحي يتعهده ويوقظه ويجنبه الوقوع فيما نهي عنه فلا يلبث أن تصير العصمة ملكة للنبي يكره بها المعاصي فأصل العصمة هي منتهى التقوى التي هي ثمرة التكليف وبهذا يمكن الجمع بين قول أصحابنا: العصمة عدم خلق المعصية مع بقاء القدرة على المعصية وقول المعتزلة: إنها ملكة تمنع عن إرادة المعاصي فالأولون نظروا إلى المبدأ والأخيرون نظروا إلى الغاية وبه يظهر أيضا أن العصمة لا تنافي التكليف وترتب المدح على الطاعات”

وإسناد الإخلاص إلى الله تعالى لأنه أمر لا يحصل للنفس البشرية إلا بجعل خاص من الله تعالى وعناية لدنية بحيث تنزع من النفس غلبة الهوى في كل حال وتصرف النفس إلى الخير المحض فلا تبقى في النفس إلا نزعات خفيفة تقلع النفس عنها سريعا بمجرد خطورها قال النبي صلى الله عليه وسلم “إني ليُران على قلبي فأستغفر الله في اليوم سبعين مرة”

{{تقويم واستنتاج}}

أردنا أن يكون استنتاجنا تطبيقيّا وذلك بمقاربة بيت الشّاعر التّونسي أبي القاسم الشّابي ونقده في ضوء فلسفة القدر كما بدت في تفسير الشّيخ الطّاهر بن عاشور :

إذا الشّعب يوما أراد الحيــــــاة فلا بدّ أن يستجيب القــــــدر

وقد أثار هذا البيت سخط المحافظين من علماء الزّيتونة واعتبروه تعدّيا على الذّات الإلهيّة

ولعلّ أهمّ ما يمكن ملاحظته في هذا البيت الشّهير :

* أنّ قدر الأفراد والشّعوب هو ما سجّله اللّوح المحفوظ ممّا اكتسبه العباد من أفعال بإراداتهم الحرّة واختيارهم المسؤول.

* كون هذه الأفعال المكتسبة في علم الله سلفا قبل وقوعها وحدوثها في عالم الشّهادة لا يعني بأيّ حال من الأحوال جبريّتها وخضوع الإنسان لها ووقوعه تحت أسرها طالما أنّه هو الذي اكتسبها.

* علم الله سلفا بما يقع لا يدخل ضمن الأمر أو القضائيّ التّكويني الضّروري بل ضمن الأمر التّكليفي التّشريعي، وما حوته التّشريعات يفيد قدرة الإنسان على مغالبة الأسباب التي تعيق الفعل نحو التّمكين بأسباب أخرى.

* الأسباب المؤدّية إلى العجز عن التّمكين لا تمنع وجود أسباب أخرى تعين عليه وما على الإنسان والمجموعات البشريّة “الشّعوب” إلا البحث عنها وجميعها من الله، أوهي مستقاة ومستخرجة ومستنبطة أو مخترعة من أسباب أولى وضعها الله في الطّبيعة.

* تبعا لذلك فإنّ إرادة الشّعوب الحياةَ توجب استجابة القدر بمعنى دفع ما وقع اكتسابه بأسباب في زمن مضى بما وقع اكتسابه بأسباب أخرى في راهن الزّمن، أو بما يجب اكتسابه بأسباب أخرى في مستقبل الزّمن وكلّ ذلك مسجّل في اللوح المحفوظ.

* لا معنى للمصادر على أنّ الواقع الذي نعيشه في راهنيّته هو قدر الله النّهائيّ المحتوم طالما أنّ الله لم يطلعنا علي المستقبل الذي هو من صنع أيدينا.

* إنّ النّظر إلى القدر بما هو “فعل الإنسان في الزّمان والمكان” من زاوية المنظار الإلهي، أي علمه الأزلي القديم الذي يستغرق الزّمان والمكان أي ما كان وسيكون، يوقع في هذا الإحساس العبثي بانقضاء الزّمن الذي لم نعشه بعد أو نحن بصدد عيشه أو بتحدّد الأفعال التي لم نكتسبها بعد أو نحن بصدد اكتسابها… إذا كان الزّمن في منظار الإنسان باعتباره كائنا تاريخيّا خطيّا فإنّه في المنظار الإلهي نقطة أي متطابق superposé بين ماضيه وحاضره ومستقبله.

* إذا كان القدر هو ما نكتسبه من أفعال في راهنيّة عالم الشّهادة فإنّ التصدّي لما في راهن قدرنا من إخفاقات ومظالم ومفاسد بتفعيل أسباب أخرى من خلال مبدأ التّدافع هو كذلك من القدر، أي من قبيل دفع قدر بقدر وكلاهما مسجّل لا محالة في اللوح المحفوظ.

* استجابة القدر للشّعب الذي يريد الحياة هي في جوهرها كناية عن قدرة الإنسان على تغيير قدره الذي اكتسبه بكامل إرادته سلفا أو راهنا بقدر عزم على اكتسابه لاحقا.

رحم الله أبا القاسم الشّابي لقد أدرك بفيض مشاعره بشفافيّة فكره ما دقّ على أفهام الكثير من المتكلّمين وهو نفس المعنى الذي عبّر عنه الشّاعر والفيلسوف الهندي محمّد إقبال حيث صوّر في أحد قصائده موقع إرادة الإنسان من إرادة الله في مناظرة رمزيّة عقدها باسم الإنسان مع الله حيث يقول شعرا:

و الَّليْلُ أَنْتَ خَلَقْتَــــــــــــهُ وأَنَا الذِي اخْتَرَعَ السِّــــــرَاجَ

والطِّينُ أَنْتَ صَنَعْتَـــــــــــهُ فَجَعَلْتُ أَنَا مِنْهُ الزُّجَــــــــاجَ

والبِيدُ والغَابَاتُ صَنْعَتُــــــــكَ والجِبَـالُ الشَّاهِقَــــــــــاتُ

مِنْهَا جَعَلْتُ أَنَا الحَدَائِـــــــــقَ والجِنَانَ الزَّاهِــــــــــرَاتِ

وأََنَا الذِي مِنْ صَخْرِهَـــــــــا صَقَلَ المَرَايَا اللاّمِعَـــــــــاتِ

وجَعَلْتُ مِنْ سُمِّ الأَفَاعِــــــــي الرُّقْشِ أَنْوَاعَ العِـــــــــلاَج 54

{{الهوامش:}}

1- التّحرير و التّنوير ج 22 ص 42

2- ن م س

3- ن م س فكان معنى الآية “كان أمر الله مقدّرا على حكمة أرادها الله تعالى من ذلك الأمر”

4- و يضيف أنّ “هذا المعنى قد تكرر في القرآن كقوله في سورة الرعد (وكل شيء عنده بمقدار) ومما يشمله عموم بكل شيء خلق جهنم للعذاب وقد أشار إلى أن الجزاء من مقتضى الحكمة قوله تعالى (أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون) وقوله (وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق وإن الساعة لآتية فاصفح الصفح الجميل إن ربك هو الخلاق العليم) وقوله (وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين ما خلقناهما إلا بالحق ولكن أكثرهم لا يعلمون إن يوم الفصل ميقاتهم أجمعين) فترى هذه الآيات وأشباهها تعقب ذكر كون الخلق كله لحكمة بذكر الساعة ويوم الجزاء . فهذا وجه تعقيب آيات الإنذار والعقاب المذكورة في هذه السورة بالتذييل بقوله (إنا كل شيء خلقناه بقدر) تح تن ج 27 ص 217

5- تح تن ج 27 ص 218 و في أسباب نزول هذه الآية أورد في نفس الصّفحة”أخرج مسلم والتّرمذي عن أبي هريرة”جاء مشركو قريش يخاصمون رسول الله صلى الله عليه و سلم في القدر فنزلت (يوم يسحبون في النار على وجوههم ذوقوا مس سقر إنا كل شيء خلقناه بقدر) . ولم يذكر راوي الحديث معنى القدر الذي خاصم فيه كفار قريش فبقي مجملا ويظهر أنهم خاصموا جدلا ليدفعوا عن أنفسهم التعنيف بعبادة الأصنام كما قالوا (ولو شاء الرحمن ما عبدناهم) أي جدلا للنبي صلى الله عليه وسلم بموجب ما يقوله من أن كل كائن بقدر الله جهلا منهم بمعاني القدر

– والثالث : بقدر أي نخلقه في وقته أي نقدر له وقتا نخلقه فيه

6- وأما تعيين ما خلقه الله مما ليس مخلوقا له من أفعال العبادة مثلا عند القائلين بخلق العباد أفعالهم كالمعتزلة والقائلين بكسب العبد كالأشعرية فلا حجة بالآية عليهم لاحتمال أن يكون مصب الإخبار هو مضمون (خلقناه) أو مضمون (بقدر) ولاحتمال عموم (كل شيء) للتخصيص ولاحتمال المراد بالشيء ما هو وليس نفي حجية هذه الآية على إثبات القدر الذي هو محل النزاع بين الناس بمبطل

ثبوت القدر من أدلة أخرى

7- تح تن ج 27 ص 218

8- رواه أبو داود بسنده إلى ابن عمر مرفوعا

9- تح تن ج 27 ص 219

10- تح تن ج 29 ص 413

11- ن م س

12- تح تن ج 29 ص 414

13- ن م س

14- ن م س

15- ن م س

16- تح تن ج 29 ص 415

17- تح تن ج 30 ص 167

18- ن م س

19- ن م س

20- تح تن ج 30 ص 168

21- تح تن ج 29 ص 333 وهذه المشيئة هي المعبر عنها بالتوفيق إذا تعلقت بإقدار العبد على الدّاعية إلى الطاعة وامتثال الوصايا الربانية، وبالخذلان إذا تعرضت بتركه في ضلاله الذي أوبقته فيه آراؤه الضالة وشهواته الخبيثة الموبقة له في الإعراض عن شرائع الله ودعوة رسله. وإذا تعلقت بانتشال العبد من أوحال الضلال وبإنارة سبيل الخير لبصيرته سميت لطفا

22- تح تن ج 23 ص 339

23- تح تن ج 23 ص 340

24- تح تن ج 28 ص 263

25- تح تن ج 30 ص 388

26- ن م س

27- تح تن ج 30 ص 389

28- تح تن ج 30 ص 386

29 – كان اليهود يقولون: “لما جاء محمد المدينة قلت الثمار وغلت الأسعار”. فجعلوا كون الرسول بالمدينة هو المؤثر في حدوث السيئات وأنه لولاه لكانت الحوادث كلها جارية على ما يلائمهم ولذلك جيء في حكاية كلامهم بما يدل على أنهم أرادوا هذا المعنى وهو كلمة (عند) في الموضعين : (هذه من عند الله هذه من عندك) إذ العندية هنا عندية التأثير التام بدليل التسوية في التعبير فإذا كان ما جاء من عند الله معناه من تقديره وتأثير قدرته فكذلك مساويه وهو ما جاء من عند الرسول . وفي البخاري عن ابن عباس في قوله تعالى (ومن الناس من يعبد الله على حرف) كان الرجل يقدم المدينة فإن ولدت امرأته غلاما ونتجت خيله قال: هذا دين صالح وإن لم تلد امرأته ولم تنتج خيله قال: هذا دين سوء وهذا يقتضي أن فعل ذلك من مهاجرة العرب: يقولونه إذا أرادوا الارتداد وهم أهل جفاء وغلظة فلعل فيهم من شافه الرسول بمثل قولهم (هذه من عندك) . ومعنى (من عند الله) في اعتقادهم أنه الذي ساقها إليهم وأتحفهم بها لما هو معتاده من الإكرام لهم وخاصة إذا كان قائل ذلك اليهود . ومعنى (من عندك) أي من شؤم قدومك لأن الله لا يعاملهم إلا بالكرامة ولكنه صار يتخولهم بالإساءة لقصد أذى المسلمين فتلحق الإساءة اليهود من جراء المسلمين تح تن ج 5 ص 130

30- تح تن ج 5 ص 131

31- تح تن ج 5 ص 132

32- تح تن ج 5 ص 133

33- تح تن ج 5 صص 133/134

34- راجع ما أثارته هذه المسألة من جدل في كتاب تراجم الأغلبيّة التي استخرجها محمّد الطّالبي من المدارك المطبعة الرّسميّة تونس 1968 صص 185/186. وقد أحال عليها عبد العزيز مجدوب في كتاب الصّراع المذهبي بإفريفيّة إلى قيام الدّولة الزّيريّة الدّار التّونسيّة للنّشر ط 2 / 1985 صص 164 / 169

35- تح تن ج 9 ص 6

36- تح تن ج 9 ص 9

37- وقد تطاير شرر الخلاف بين ابن عبدوس وأصحابه من جهة وابن سحنون وأصحابه من جهة في القيروان زمانا طويلا ورمى كل فريق الفريق الآخر بما لا يليق بهما وكان أصحاب ابن سحنون يدعون ابن عبدوس وأصحابه الشكوكية وتلقفت العامة بالقيروان هذا الخلاف على غير فهم فربما اجترأوا على ابن عبدوس وأصحابه اجتراء وافتراء كما ذكره مفصلا عياض في المدارك في ترجمة محمد ابن سحنون وترجمة ابن النبان

38- تح تن ج 9 ص 10

39- ن م س

40- ن م س صص 10/11

41- تح تن ج 26 صص 101/102

42- تح تن ج 1 صص 256/257

43- تح تن ج 1 ص 257

44- ن م س

45- ن م س و قد أشار الشّيخ إلى رسالة ألّفها في القدر”ولنا فيه تحقيق أعلى من هذا بسطناه في رسالة القدرة والتقدر التي لما تظهر”

وإنما نهاهم أن يدخلوها من باب واحد خشية أن يسترعي عددهم أبصار أهل المدينة وحراسها وأزياؤهم أزياء الغرباء عن أهل المدينة أن يوجسوا منهم خيفة من تجسس أو سرقة فربما سجنوهم أو رصدوا الأعين إليهم فيكون ذلك ضرا لهم وحائلا دون سرعة وصولهم إلى يوسف”عليه السلام”ودون قضاء حاجتهم . وقد قيل في الحكمة : استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان

تح تن ج 15 ص 21

ن م س ص 22

تح تن ج 8 ص 146

تح تن ج 8 ص 146

تح تن ج 8 ص 147

تح تن ج 8 ص 152

ن م س

قصيد نشيد الزّمان من ديوان رسالة الشّرق”1923″ترجمة عبد الوهاب عزّام نشر مجلس إقبال”1951″الباكستان