
من البديهي أن يتمّ الاهتمام بالمعالجة الدرامية لشخصية المحقّق، أو عون البوليس، باعتبار دوره المركزي في السرد الدرامي البوليسي، إلا أنه، وخلافاً لبقية الشخصيات، يبقى محروماً كما نزعم من المعالجة الدرامية التي تتمتع بها بقية الشخصيات، وذلك في الإنتاج الدرامي التونسي، رغم المساحة التي يشغلها بحضوره، حين يقوم بدور البطولة. ومن مستويات المعالجة الدرامية المفقودة أننا لا نكاد نعرف عنه شيئا سوى طبيعة عمله، فهو محروم من أن تكون له علاقات من خارج وظيفته المهنية (أعرافه أو أعوانه)، لا نعرف شيئاً عن عائلته ومحيطه الاجتماعي أو حالته العاطفية والنفسية، بمعنى آخر هو محروم من كلّ ما يمكن أن يمنحه صفة الشخصية الإنسانية بتناقضاتها وتردّداتها، ومن ثمّة فهو محكوم عليه بأن يبقى معلّقا بين صورة الشخصية المتسلّطة الظالمة حين يتقمّص دور شرطي الحكومة الاستعمارية مثلاً، أو صورة الشخصية الحازمة والحريصة على تحقيق الأمن والعدل في معظم الإنتاجات التونسية، ولا نحتاج إلى تنبيه القارئ النبيه إلى دلالات هذه الاختيارات لشدّة وضوحها.
إن قلة انتشار الدراما البوليسية (المكتوبة أو المفلمنة أو الممسرحة) يعود حسب رأي بعض الباحثين العرب إلى عدّة عوامل، منها أن المجتمع العربي ما يزال تقليدياً في بنائه الاجتماعي والأخلاقي، يميل سكانه إلى قيم التسامح والتضامن معتبرين أنفسهم أخوة ورعايا، لا مواطنين بالمعنى الحديث للكلمة. وهذه القيم والمبادئ تتعارض، كما يقال، وتختلف مع قيم المدينة الحديثة في أنموذجها الغربي التي تقدّس فردية الإنسان، وتؤمن باحترام خصوصية الآخر، هذا فضلاً عمّا يميز المجتمعات الحديثة من تمايز واضح في وظائف أجهزة الدولة (التشريعية والتنفيذية والسياسية) بحيث يمكن للمحقّق أن يوجّه الاتهام لأي مواطن مهما كانت صفته حتّى وإن كان رئيس الدولة المنتخب ديمقراطياً، وهو ما يعتبر في محيطنا العربي والإسلامي أمراً لا يمكن التفكير فيه أصلاً، مع أنه يحدث عند العدو الأول للعرب والمسلمين كما يقال عادة وهي إسرائيل.
ويقال أيضا إن عدم الثقة بعلاقة المواطن العربي بجهاز الأمن تجعله غير قادر نفسياً على تقبل إمكانية وجود آلية تحقيق نزيه، وتتمتع بمصداقية كافية لتكون في خدمة العدالة، هذا مع أن الرّواية البوليسية لا تفترض بالضرورة أن يكون المحقق نزيهاً، بدليل السينما الأمريكية مثلاً التي أمتعتنا بعديد الأفلام المقتبسة عن روايات بوليسية عالمية، وكشفت أشكالاً معقدة ومتشابكة من الفساد الذي يتورط فيه المحققون وأعوان الشرطة بنفس القدر الذي يتورط فيه وزراء ومحامون وقضاة ومديرو مصالح أمنية واستخباراتية مختلفة.
إن محدودية الإقبال على الرواية البوليسية المقروءة ليست معزولة عن ظاهرة العزوف عن المطالعة لدى قراء العربية عموماً، وهو عزوف يقابله إقبال هائل على الدراما التلفزيونية وعلى السينما التجارية في مختلف الأقطار العربية، ولا تخلو هذه الأنماط الرائجة من توظيف لمكونات الرواية البوليسية (الجريمة، التحقيق، مطاردة المتهمين وكل ما يتصل بذلك من أشكال التشويق والإثارة). بقي أن المعالجة الدرامية فيها غالباً ما تكون ضعيفة وسطحية إلى حدّ الابتذال غالباً.
ولكن ما هو الفيلم البوليسي في النهاية؟
يجيب الناقد والباحث التونسي “خميس الخياطي” بالقول: هو “عقلية ديكارتية توضح المتاهة وتجلي العقدة بحثاً عن مجهول وحفظا للقانون (….) وإذا أمعنا النظر فيها يمكن لهذه النوعية السينمائية أن تكون المخبر (والدّال) عن المستوى الديمقراطي الذي يسود في ثقافة ما، بما أننا يمكن أن نفضح المعيقات التي توضع أمام تطبيق القانون(…) إن أعمال هيتشكوك وويليس وهاوكس وكوكر، باختصار أعمال الكبار في السينما، هي درس بليغ في الديمقراطية..” (اُنظر كتابه: “بحثاً عن الصورة/ وقائع السينما والتلفزيون”.. منشورات سحر عام 2001 بالفرنسية، وقد اعتمدنا الترجمة العربية التي قام بها محمد قاسم لبعض فصول الكتاب، والتي نشرت بالملحق الثقافي “ضاد” الصحافة الصادر بجريدة الصحافة التونسية يوم الخميس 23 أفريل 2009).
قد توحي هذه المقدّمة بأننا نزعم الإحاطة بكل جوانب الموضوع المتعلق بواقع الرواية البوليسية في السينما والمسرح والدراما التلفزية والرواية العربية عموماً. وهو ما لا ندّعيه مطلقاً، لأن الموضوع يحتاج إلى تكامل مساهمات عديدة من مختلف الاختصاصات والمقاربات، وإنما حسبنا أن نثير الانتباه إلى عدد من الأعمال الفنية التونسية التي نقدّر أنها تمكنّت بذكاء وجرأة من إعادة بناء الشخصية البوليسية بصورة جديدة ومختلفة، تجاوزت بها معالجات سطحية وإيديولوجية ظلّت تعيد إنتاج نموذج قار وسطحي لهذه الشخصية.
من التجربة الدرامية التونسية التي تهمنا بشكل أساسي، اخترنا ثلاثة نماذج، نقدّر أنها شكّلت نقلة نوعية في مقاربة الشخصية البوليسية أو الشخصية المنتمية إلى قطاع الأمن عموماً، وهي شريط “الحادثة” لرشيد فرشيو، وفيلم “سيني تشيتا” أو “7 شارع الحبيب بورقيبة” لإبراهيم اللّطيف، ومسرحية “خمسون” للفاضل الجعايبي والتي تحوّلت حديثاً إلى شريط سينمائي، وهذه الأعمال قدّمت في فترات متقاربة زمنياً أي بين سنة 2008 و2009.
{{ “خمسون” لجليلة بكار والفاضل الجعايبي:}}
في مسرحية “خمسون” نص جليلة بكار وإخراج الفاضل الجعايبي، والتي عرضت في تونس وفي عديد البلدان العربية والغربية خلال السنوات الثلاث الماضية (بين سنة2007 وسنة 2009)، نتعرّف على وجوه مختلفة للبوليس السياسي (الذي يحقّق في حادث إرهابي) بعضها له ملامح مشتركة، تتمثّل في استخدامها الجماعي للعنف اللّفظي والمادي خلال التحقيق مع المشتبه بعلاقتهم بشخصية “جودة” (الفتاة التي فجّرت نفسها في ساحة المعهد).
ويلاحظ أن الأعوان الذين يقومون بالتعذيب يشتركون في ملامح معيّنة، منها توتّرهم واحتقانهم المتصاعد أثناء عملية التحقيق، كأن هدفهم دفع المتهمين إلى الاعتراف بما يريده أعرافهم في أقلّ وقت ممكن، بما يؤكّد نجاحهم وجدارتهم بوظائفهم. بالإضافة إلى ذلك يمكن تسجيل محدودية مستواهم التعليمي والثقافي (وهو عنصر هام كما سيتبين في تحليل شخصية “قدور”) بل إن هناك إشارة إلى كون أحدهم ما زال يعاني من عقدة نقص بسبب ذلك، إذ يقول موجّها الكلام إلى إحدى المتهمات (الشواهد باللّهجة المحلّية التونسية)
“يعيش أمك الfrancais لا
ندوان
خرجت مالمكتب على خاطر والدين بوه الfrancais متاعك
أحكي معايا عربي” نصّ المسرحية ص20 من طبعة دار الجنوب الأولى الصادرة في ديسمبر من سنة 2007.
بين جميع الشخصيات المنتمية إلى جهاز الأمن، تهمّنا في هذا العمل المسرحي/ السينمائي شخصية “قدور”، قام بالدور”جمال المداني” بكفاءة عالية.
عون سابق في سلامة أمن الدولة تعثرت به “مريم” (قامت بالدور جليلة بكار وهي أم “أمل” البنت التي يتمّ التحقيق معها على خلفية صلتها بـ”جودة” الفتاة التي فجرت نفسها في ساحة المعهد) تصرّ مريم على محادثة “قدور” الذي قام بالإشراف على تعذيب زوجها، “يوسف” المناضل اليساري السابق، والذي أقعده المرض بسبب سرطان في الحلق، بالإضافة إلى آثار التعذيب المادي والنفسي التي ما تزال عالقة بذاكرة جسده.
لا يتضح في البداية سبب إصرارها على محادثته بعد أن تراجعت (في لحظة غضب) عن دوسه بسيارتها، ولكن بدايةً من المحادثة الأولى تكشف عن رغبتها في معرفة سيكولوجيا هذا الجلاّد، من خلال محاورة هي أشبه بالتحقيق أو بأسلوب المحلّل النفسي مع مرضاه الذين يريدون التخلّص ممّا يعذّبهم من ذكريات كما يبدو من خلال هذا الشاهد:
“مريم: أمارة سنيك مازالت في زند يوسف
قدور: الكلّهم مرشومين
مريم: نادم على اللّي عملته
قدور: فاش قام
أوامر
مريم: آمروك تهرشم ركبة يوسف بمسطرة حديد، تقدمه من زنده تنحيله لحمة
قدور: اتلهى بيه
نتلهى بيه
من غير ما انّاقش والاّ نخمّم
مريم : ما يسخفوكش
قدّور: لواه
آش لزّهم يناوشو في الحاكم
مريم: يدافعوا على رأي
قدور: مشكلتهم
أنا خديم حاكم اللّي يقولولي أعمل نعمل
مريم: ماعندكش رأي تدافع عليه
قدّور: عمري ما كان عندي رأي لا في السياسة، لا في الفنّ ولا في الطقس كلّ شيء مستوي إلا الخدمة وشادلية مرتي
بعدهم عدم. “خمسون” ص 130
لا تكشف إجابات “قدور” عن شخصيته فحسب، بل عن شخصية الجلاّد كما تصنعه أجهزة الأمن في الأنظمة ذات الطبيعة القمعية، وكلّ نظام في العالم يواجه معارضيه في الرأي والسياسة بأساليب التعذيب المروّعة والمهينة للذات الإنسانية، شخصية شبه أمية بمستوى تعليمي متدن جدّا، تمّ غسل دماغها بطريقة تجعلها إلى الآلة أقرب، مبرمج لتنفيذ الأوامر بشكل أعمى، هكذا تريده أجهزة الأمن في الأنظمة القمعية، حتّى لا تأخذه رأفة بمن يعذبهم، وحتّى يقوم بعمله كوظيفة عادية، ليعود فيما بعد إلى زوجته وأطفاله دون أي شعور بالذنب.
“قدور” ورغم تقاعده من الخدمة وتغير النظام السياسي في تونس، إلا أنّه لا يشعر بأي عقدة ذنب، لقد كان ينفّذ الأوامر، كما يقول مؤكّداً على أنّه مجرّد موظّف، ينفّذ أوامر رؤسائه بإخلاص، وأنّه من ثمّ ليس طرفاً في أي صراع أو خلاف سياسي، فقد قيل له أن هؤلاء هم أعداء الوطن والنظام وأنهم مخربون ولا بدّ من تأديبهم.
تقوم “مريم” مع قدور بما يقوم به عادة المحلّل النفسي مع مريض يريد أن يتطهّر من آلام أو عقد ذنب تعذّب ضميره، فهي تذكّره بمشاهد وأشكال التعذيب التي كان يمارسها مع المعتقلين السياسيين، تذكره بأسمائهم، تذكّره بآثار التعذيب التي ما تزال متبقية على جسد زوجها، تذكره بما قاساه زوجها، وما حرم منه من ملذات الحياة العائلية واليومية. ولا نظنّ الخطاب الذي تصوغه “مريم” في هذا العمل المسرحي موجّه لـ”قدور” عون الأمن المتقاعد الذي كان ينفّذ الأوامر، فهو مجرّد ذريعة، بل إلى كلّ من يفكر اليوم أو يمارس هذا التعذيب في حقّ معارضيه من السياسيين والمثقفين في أي مكان من العالم.
تسعى “مريم” من خلال حوارها الاستبطاني لشخصية “قدور” ودعوته لجلب المسطرة التي كان يستخدمها في التعذيب، ومقابلته بضحيته يوسف، إلى نوع من التطهير للذاكرة المجروحة والمعذّبة (ذاكرة الحاكم والمحكوم، الظالم والمظلوم) ولكن “يوسف” لا يريد أن يصالح جلاّده، بل أن يعذّبه ولو قليلاً عبر تذكيره بما كان يفعله، فيأخذ في قراءة مذكرات التعذيب وما قاساه من هذا الرجل، بصورة ترتعد لها الأرواح والأبدان.
وتحقّق عمليات الاستبطان والاستفزاز و”التعذيب” النفسي التي يتداول عليها كلّ من “مريم” و”يوسف” هدفها إذ تدفع “قدور” للاعتراف بحقيقة ما يبطنه حين يصرخ:
” مانيش نادم عل اللّي عملته
وكان يعاودوا يعيطولي
مستعدّ نهرسو هوّ (يقصد “يوسف”) وأمثاله وأمثال بنتك
بطرق أشنع وأبشع من الطرق القديمة وأقوى وأعنف من الطرق الجديدة
ما ثمّة أمن وأمان واستقرار كان بالنظام وما ثمّة نظام كان بناس وطنيين كيفنا
وانت مازلت تدور بي
نبعثلك زويز
يهرسولك ركايبك ومرافقك الزوز
ياعاهرة ص 154.
قوة الأعمال الكبيرة مثل مسرحية “خمسون” أنّها لا تدين الشخصية الإنسانية في المطلق، مهما كان فعلها بشعاً كما هو الحال في شخصية “قدور”، ولكنّها تدين ما هو أخطر من ذلك، تدين الجهاز الذي أشرف على صناعة هذه الشخصية على تلك الصورة، تدين نظام التفكير الإقصائي الذي يصنع هذا الجهاز وغيره، والمهم في أي مجتمع من المجتمعات ليس المسارعة إلى إمضاء الاتفاقيات المناهضة للتعذيب فحسب، بل المسارعة إلى ترسيخ مناخ ديمقراطي ينبذ الإقصاء واحتكار السلطة ويضفي على الوجود ما هو جدير به من لطف وخفة.
{{شريط “الحادثة” لرشيد فرشيو:}}
في شريط الحادثة “لرشيد فرشيو” (تمّ عرضه التجاري في القاعات التونسية سنة 2008) وعلى إثر حادث مرور يسلّم “فارس” (قام بالدور محمد علي بن جمعة) نفسه لأحد مراكز الشرطة وذلك بعد نقل المصاب إلى المستشفى، وباعتبار الإجراءات المتبعة في مثل هذه الحالات، فقد تم الإبقاء على مرتكب الحادث حفاظاً على سلامته.
يتوسل “فارس” ضابط الشرطة المكلّف أن يطلق سراحه على أن يعود في الصباح لإتمام الإجراءات (متعلّلا بظرف عائلي طارئ، والحقيقة أنّه ترك صديقة في بيت الزوجية، كان قد تعرّف عليها صدفة مستغلاً غياب زوجته) إلا أن الضابط المكلّف، قام بالدور “يونس الفارحي”، أصرّ على إبقائه، بل أظهر في تعامله معه الكثير من الحزم والغلظة، وتعمّد إهانته، والتشكيك في أخلاقه مشبّهاً إياه في عمله (وهو سائق لسيارة أجرة) بالمومس، وبدا عليه أنه يستمتع بعملية الإهانة، ممّا يرجّح أنه يعاني من خلل نفسي كبير، على اعتبار أن المتابع لوقائع الفيلم لا يجد أي مبرر لهذا السلوك الذي يتناقض مع طبيعة دوره كموظف مهنته حفظ الأمن وتوفير السلامة للمواطنين، (فحادث المرور تم عن غير قصد، ولا يبدو على السائق أنه في حالة سكر مثلا، فهو شخص مهذّب كما تؤكد ملامحه، فضلاً عن كونه متعلّماً، ومتحصّل على شهادات جامعية كما أفاد بذلك) لقد بين المخرج وكاتب النص “رشيد فرشيو” بما لا يدعو إلى الشكّ أن شخصية هذا الضابط تعاني من نزوع مرضي إلى الإفراط في استخدام القوة، دلّ على أنّه يعاني من احتقان نفسي مجهول الأسباب، باستثناء بعض الإشارات الدّالة في الحوار على أن الضابط غير راض عن وظيفته (كان يطمح إلى وظيفة أرفع)، فهو يحاكم سائق التاكسي، قبل التحقيق والتثبت من وجود قصد في الحادث أو إهمال، بل يعامله على أساس أنه قد تعمّد وقوع الحادث دون أن يكون له دليل على ذلك، وقد تبيّن فيما بعد في وقائع الشريط أنّه يفعل ذلك لابتزازه مادياً.
لم يقصد المخرج إعطاء صورة سلبية وقاتمة عن أعوان الأمن وممثلي السلطة التنفيذية، بدليل أن رئيس مركز الأمن (الذي لم يكن له علم بالإيقاف التحفظي) قد سمح لـ”فارس” بالعودة إلى المنزل وعامله بطريقة متحضرة. ولكنّه أراد أن يقدم معالجة مركّبة لشخصية الضابط، فقد تبيّن في نهاية الفيلم أن المرأة التي وجدها سائق التاكسي حزينة وهائمة، (قامت بالدور “سناء كسوس”) مفتقدة للحنان والحب راغبة في رجل يبادلها الاحترام والحب، والتي تجرأت على مرافقته إلى البيت، هي زوجة ذلك الضابط المضطرب والعدواني. مفاجأة ميلودرامية ربّما لكنّها أبرزت بجلاء أن القوة والغطرسة التي مارسها الضابط لا تدلّ سوى عن شخصية هشّة ومضطربة ومريضة، كان من نتائجها مغادرة زوجته البيت بغير هدف، وبحثها عن رجل يعوّضها الحنان والعطف الذي افتقدته مع زوجها المتعجرف.
المقاربة الفيلمية للمخرج دالّة في المحصّلة النهائية على أن السلطة، أي سلطة، سواء كانت على الصعيد الشخصي والعائلي أو المهني، لا تستطيع أن تحقق الأمان لنفسها بالغطرسة والظلم بل إن هذا السلوك هو الذي ينخرها من الداخل، ويجعلها عاجزة وضعيفة ومعرضة للانهيار بسهولة، وهو ما حدث للضابط في الفيلم (حيث يوحي آخر مشهد بأن رصاصة انطلقت من مسدسه دون أن نعرف لمن وجهت) وهو حال الديكتاتوريات في العالم، والتي تتظاهر بالقوة لكنّها سرعان ما تسقط في أيام قليلة ولا تجد من يدافع عنها، وتلك قصة أخرى.
قوة الشريط في أنه لا يتعرض لشخصية رجل الأمن بغاية الإثارة، وإنما لطرح قضية الإفراط في القوة والغطرسة وإهانة كرامة البشر ونتائجها غير المتوقعة، وليدلّ على أن إطلاق العنان لجهاز الأمن دون مراقبة ليمارس القهر في حقّ المواطنين، لا يقوي علاقة المواطن بهذا الجهاز الحيوي من أجهزة الدولة، بل يكرّس حالة من الاحتقان المتبادل، بما يترك المجال مفتوحا لتنامي ظاهرة الارتشاء والغش والتلاعب بالقانون ومجاوزته وغير ذلك من السلوكيات والظواهر التي تملأ عالمنا العربي. وللتذكير فإن هذه الأفكار والهواجس ليست جديدة في تفكير المخرج التونسي “رشيد فرشيو” فقد سبق له أن فضح بقوة فظاعة الاستبداد في عالمنا العربي من خلال شريطه الطويل “كش مات” المنتج سنة 1994 والذي تلاعبت به أيادي الرقيب العربي في أكثر من بلد.
{{
سيني تشيتا لابراهيم لطيف:}}
شريط “سيني تشيتا” لمخرجه إبراهيم اللّطيف (والذي تمّ عرضه في القاعات التجارية بتونس في ربيع سنة 2009) كوميديا بوليسية، تمثّل نمطاً في الكتابة السينمائية لم تعتد عليه السينما التونسية، فثمة سرقة ولصوص “مخرج ومنتج وممثل” (قام بالدور كلّ من عبد المنعم شويات ومحمد علي بن جمعة ومحمد لسعد قريع) ومحققون وأعوان شرطة ومن بينهم محققان ظريفان (قام بالدورين كلّ من جعفر القاسمي وجمال المداني) وثمة مطاردات وتشويق وإثارة وحركة كلّ ذلك في روح كوميدية مرحة وساخرة، تشيع الانطباع بأننا أمام حكاية طريفة لا تصدق.
يبدو المحققان الظريفان وهما يقومان بعملهما بحرص ودقة مثيرين للضحك، ساذجين لأن رئيسهما في العمل مورّط ضمن الشبكة التي ينتمي إليها المحامي، والمتهمة بنهب ثروة كبيرة.
ولم تكن سرقة فريق الفيلم للبنك سوى تعلّة سردية فحسب لإظهار حجم الفساد المستشري ومدى تورط الإعلام والأمن في كلّ ذلك.
يقترح الفيلم مقاربة مركّبة للشخصيات المنتمية لقطاع الأمن تبيّن أنّهم ليسوا متشابهين، ولا يجسدون نموذجاً واحداً، فبينهم الساذج الذي يقوم بدوره بطريقة كاريكاتورية، ومنهم المتورّط في الفساد إلى درجة تجعله يوظف الأعوان في عملياته غير المشروعة، كلّ هذه القضايا الخطيرة في قالب كوميدي، بحيث تبدو نوعاً من المبالغات المحبّبة.
“سيني تشيتا” يمزح ولا يقول إلا الجدّ كما يقول المثل العربي القديم، فهولا يقصد الترفيه والتسلية وإن نجح فيهما أيّما نجاح، بل ينبه إلى بعض ظواهر الفساد الخطيرة حين يكشف عن تورط أكثر من جهة في قضية الثروة التي جمعها محام فاسد، واختياره الكوميديا البوليسية دالّ على رؤية متفائلة لمجتمع أو نخبة من الفنانين صاروا قادرين على الضحك من ظواهر الفساد، وهو لاشكّ علامة على القوة والثقة، فالشريط ساهم بقوة في تحرير المشاهد من الخوف الذي تمارسه الرقابة والسلطة عموماً على الأقل خلال المشاهدة.
{{ على سبيل الخاتمة:}}
لقد كان من أهداف هذا البحث تثمين هذه الأعمال التي ساهمت مع أعمال عربية قليلة في إعادة شخصية “الشرطي” إلى دائرة الشخصيات الإنسانية، وذلك عبر إيفائها ما تستحق من معالجة درامية مركّبة وعميقة، بحيث يصير من الممكن تفهّم سلوكها، كلّ ذلك من أجل تحطيم تلك الهالة المخيفة التي غالباً ما تحجب خلفها الشخصية البوليسية، لتظلّ في عيون المشاهدين كما هو الحال في الواقع العربي عموماً عنواناً للخوف والرعب (حتّى أنه في بعض المجتمعات العربية ومنها تونس، تخيف الأمهات الأطفال بالغول والشرطي بنفس القدر)
ومن المهم في هذه الخاتمة أن نشير إلى التشبيه الطريف الذي يقوم به الكاتب الإيطالي “أمبرتو إيكو” (معلّقاً على روايته الشهيرة “اسم الوردة”) بين المحقّق البوليسي والرّوائي، فمن الخصال المميّزة للمحقّق أنّه لا يدعي امتلاك الحقيقة أو الوصول إلى الحقيقة النهائية، إنّه فقط يعمل على توفير أكبر قدر ممّكن من الأدلّة والآثار والمعطيات التي يمكن أن تساعد في الوصول إلى حقيقة تظلّ نسبية وغير نهائية دون أن يقلّل ذلك من قيمتها وجدواها، أمّا الإدانة والمحاكمة فليست من اختصاصه. وكذا الروائي والفنان بشكل عام فإنه لا يدين شخصياته، ولا يصادر نواياها وأفكارها، إنه على العكس يسمح لها بالتعبير ويعطيها الحقّ في الكلام، ويسعى إلى أن يكون منصفاً في تقديمها بعيداً عن أي شكل من أشكال التعسف والمصادرة والأحكام الجاهزة، وليس أحقّ علينا بالعدل من الرجل المكلّف بتحقيقه فلعلّنا نجحنا في أن نمنحه حقّه من العدل ليمنحنا حقّنا من العدل والحرية..