
تغصّ المحاكم المصرية هذه الأيام بقضايا الحسبة التي تستهدف الكتاب والمخرجين والشعراء. وحسب القانون الإسلامي، يستطيع أيّ كان أن يتقدم بدعوة حسبة إذا ظن أنّ الذات الإلهية تمّ التعرض لها. لكنّ البعض يظنّ أنّ المال والشهرة بالإضافة إلى القمع السياسي أمور تلعب دورا هاما في ازدياد عدد قضايا الحسبة.
المخرجة إيناس الدغيدي هي آخر الأسماء التي علقت بها قضايا الحسبة. وأنزل عليها شريطها الأخير “مذكرات مراهقة” غضب محام ينتمي إلى الحزب الوطنيّ الحاكم. وقد كان المحامي المكتوم الهوية ذو الخبرة الواسعة في قضايا الحسبة قد طلب من أعلى هيئة دينية في مصر، أي شيخ الأزهر، أن يعاقب المخرجة بثمانين جلدة للتشهير بسمعة البلد.
قالت مصادر لـ ” منصات ” أنّ المحامي نفسه قد طلب العقاب ذاته لممثّلة مصريّة ظهرت غير محجّبة في فيلم وكان، أيضا، أحد المحامين الذين سعوا السنة الماضية لمحاكمة رئيس تحرير صحيفة الدستور المستقلة إبراهيم عيسى لنشره أخبارا عن صحة الرئيس المصري حسني مبارك البالغ من العمر 81 عاما.
ونشرت ” الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان ” مؤخّرا دراسة حول قضايا الحسبة بعنوان “كابوس الكتّاب والفنّانين”. وجادلت الشبكة أن الازدياد المطّرد لقضايا كهذه لا يمكن أن يمرّ دون “مباركة الحكومة المصرية”. مدير الشبكة جمال عيد قال لمنصّات “هناك ارتفاع ملحوظ في قضايا الحسبة في سنتي 2007 و 2008 ومعظم هذه القضايا كان سياسيا”. وقد طالت حمّى الحسبة المدوّنين أيضا.
كان كريم عامر، البالغ من العمر 21 سنة، وهو طالب في جامعة الأزهر، قد عبّر عن عدم رضاه عن النظام المصري و عن تعاليم جامعته على مدوّنته عندما كتب أوائل العام 2006 أن “الأساتذة والشيوخ في الأزهر الذين يقفون في وجه كلّ صاحب تفكير حرّ، سينتهي بهم الأمر في مزبلة التاريخ “، تمّ طرده من الجامعة و تقدّم أساتذته بشكوى لدى المدّعي العام.
رفضت قضية الحسبة ضد عامر بداية في المحكمة الابتدائية لكن قبلت في محكمة الاستئناف. في شباط 2007 حكم على كريم عامر 4 سنوات سجن “لإهانته الإسلام والرئيس المصري والتحريض على العصيان”. هذه كانت المرّة الأولى التي يحكم فيها على مدوّن بالسجن في مصر.
يمكن تتبع الموجة الأخيرة من قضايا الحسبة إلى بداية التسعينات عندما بدأ عدد من المحامين الإسلاميين ورجال الدين المتشدّدين بالتخصّص في قضايا الحسبة ضدّ المفكّرين والكتّاب. الأشهر بينهم هو، بلا شكّ، رجل الدين المحافظ، الكثير الظهور، الشيخ يوسف البدري. عبر السنوات استهدف البدري عددا لا يحصى من الكتّاب و الشعراء المصريين مدّعيا أنّ أعمالهم ” تؤدي إلى الردّة وفساد الشباب المصري”. في إحدى المناسبات قاضى البدري الشاعر العلماني أحمد عبد المعطي حجازي. الحكم صدر حينها لمصلحة الشيخ البدري. ورفض حجازي دفع الغرامة المالية و قيمتها عشرون ألف جنيه، قائلا إنّه يرفض إعطاء المال لأمثال البدري ” الذي يعارض حرّية الرأي والتعبير”. النتيجة كانت أن أمرت المحكمة ببيع أثاث منزل حجازي في المزاد لتصفية غرامة الدعوى.
قبل قضية حجازي، أطلق البدري قضية حسبة مشؤومة ضد المفكّر الإسلامي البرفسور نصر حامد أبو زيد في العام 1993، الذي يعتبر البعض رؤيته للقرآن مثيرة للجدل. يجادل أبو زيد في كتاباته أنّ الوحي بالقرآن حدث تاريخي و أن تفسيره بالتالي يجب أن يبنى على دراسة السياق التاريخي والاجتماعي الذي ظهر فيه. في نهاية المطاف ربح البدري الدعوى وأعلن أبو زيد مهرطقا من قبل المحكمة و أعلن تطليقه من زوجته د. إبتهال يونس. بعد صدور الحكم غادر أبو زيد مصر إلى هولندا.
قضية مماثلة رفعت منتصف التسعينات ضد المفكّرة والكاتبة المصرية نوال السعداوي إثر تصريحها لإحدى الصحف أنّ ” الطواف حول الكعبة في مكّة هو أثر من ممارسة وثنية”. تلا ذلك دعوة العديد من القادة الدينيين المصريين لإهدار دم السعداوي ورفعت ضدّها قضية حسبة هي الأخرى. بعد الضجة التي أثيرت حول قضية أبو زيد عام 1998، قامت الحكومة المصرية بما فسّر على أنّه محاولة للسيطرة على طوفان قضايا الحسبة حين طلبت من البرلمان تطبيق تشريعات قانونية تحصر قضايا الحسبة بالمدّعي العام فقط، بناء على شكاوى من أفراد. لكن حسب الأرقام الحالية لدعاوى الحسبة في المحاكم المصرية، يبدو أن شكاوى الأفراد قد وصلت إلى أعلى مستويات غير مسبوقة. جمال عيد مدير الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان قال لـ ” منصّات ” إنّ إحدى محاكم القاهرة نظرت في يوم واحد في 20 قضية حسبة مختلفة. وقال إنّ حصول المحامين على الشهرة والأموال نتيجة قضايا الحسبة يلعب دورا في ازدياد هذا النوع من القضايا. نتيجة لهذا، قامت الشبكة بطلب غير اعتيادي من الإعلام بعدم نشر أسماء محامي قضايا الحسبة ” تجنّبا للمساهمة في الترويج لمحامين يسعون خلف الشهرة “.
عن ” منصّات ”