
من وحي الحوارات “الفيسبوكيّة” الكثيرة، ومن وحي يوميّاتي “الدّونخوانيّة”، بل من وحي الأريكة الواقعيّة والافتراضيّة، التي أهدتني إيّاها قراءة فرويد، لاكان والتّوحيدي، فأبسطها لكلّ شهرزاد جرّها الفضول الأنثوي نحوي، تنهال عليّ الأسئلة فتقضّ مضجعي، ثمّ يسألونك عن الزّواج فتقول: “شرّ لا بدّ منه” أو “هو سنّة رسول الله” أو “نصف الدّين” أو “هو الجحيم بعينه”… كلّها لافتات متعاكسة، ودروب لا تفضي إلى أيّ قرار… قل “ما هو الزّواج؟”
قبل أن تجادل ما نزل في القرآن، في قوله عز وجل:
” مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ… أو مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ “*
وقبل أن تتدافع مع “الخطب الجندريّة” وحقوق المرأة أيضا، قبل أن تراجع المدوّنات العائليّة، وقانون الأسرة.
تتّجه يمينا إلى الرّجال، فتأنف “مركزيّة الذّكور”، كنرجسيّة مكلومة بحدود العالم الرّأسمالي: لا الدّخل الشّهري، ولا “الميترات” المربّعة للشقّة، تستعيد لنا مجدا إيروتيكيا ضاع من عصر هارون الرّشيد، وفي أقصى اليمين أيضا، ثمّة من يحي سنة مهجورة، بوسائل ما بعد حديثة (الواقي، حبوب منع الحمل، الفياغرا، وأدوات الشّبق المهرّبة من أمستردام…)، وتصهر الغريزة كلّ امرأة مسلمة فتصيح:
يا ألله كلّ ما فيك جميل، إلا تعسّف آيتك هاته… “أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض”،*
يجيبها من يدافع عن آخر قلاعه منذ سقوط غرناطة.
تتّجه يسارا، فيصعقك صراخ المتحمّسات لجوليا كريستيفا ونوال السّعدواي:
“يا للرجعيّة” !! ومنذ متى كان الزّواج مؤسّسة تقدّميّة؟ أجيبهنّ…
وفي أقصى اليسار أيضا ثمّة من يحاجج أنّ المجتمع الغربي نجح في حماية الزّوجة من ضرائرها الثلاث، ومن ملك اليمين، فأقول:
“لكن يحق للرّجل الغربي ما لا يحقّ لغيره من خليلات وحريّة جنسيّة يقمعها مجتمعنا، ويحرّمها على الرّجل والمرأة معا… فهلاّ اخترت بين الزّبدة وثمنها؟ أليست الخليلات والمومسات ملكا ليمين عصرنا؟ ألا يعيش الرّجل الغربي تعدديّة زوجيّة إسلامية؟ الحقّ، مع فارق العقد المدني مع واحدة فقط”.
حسنا لنتفحّص ما يكتب في العقد المدني الغربي: إنّه ليس صفحة واحدة بل كرّاسة، تحدّد وتصف وتدقّق في كلّ شيء، من كيفيّة تقاسم المصاريف والفواتير، إلى دور كلّ طرف في تربية الأطفال، وتبديل الحفّاظات إلى المواريث… سيناريو مسبّق لكلّ الاحتمالات لا يترك مكانا للنيّة أو الحبّ… بسط بيوطيقي لكلّ الإمكانات التي تشكّل مجتمعا، يحاول جاك ديريدا أن يحصي هذه الاحتمالات فيقول:
“بوجود امرأة ورجل نفعل أشياء كثيرة، وبوجود الاختلاف الجنسي (والمثليّة لا تعني اللا اختلاف الجنسي) يمكن تخيل تنويعات عديدة يقال لها “أسريّة” وحتّى داخل ما نعتبره موديلـ”نا” الأكثر استقرارا والأقرب إلى أنفسنا توجد أنواع عديدة متفرّعة عنه.(…) و( يتّجه تفكيري الآن) إلى أسرِ قد تظم أمّين أو ثلاث أمهات، دون حساب عدد الآباء، وإنّما قد تكون أسر مركّبة من “ثلاثة زائد ن قريب”، هذا أصبح موجودا منذ الآن وفي لاشعور أكثر الأسر تعقّلا…”
يعني اللاشعور في لغة ديريدا و”لاكان” برنامج المستقبل البشري، الإمكانيات والاحتمالات النّائمة، حيث المكبوت/المكتوب ينتظر رياح تاريخيّة للخروج إلى “العالم” وقد فرض شرعيته، وأجبر البرلمان على تشريع قانون يكرّسه.
“أسر مركّبة من ثلاثة زائد ن قريب” كلّ هذا يجب تفصيله في عقد الزّواج المدني المستقبلي والذي قد يتحوّل إلى سجّل فردي، “مجلّد” للحالة المدنيّة، يوجد هذا السجلّ الرّمزي في “لاشعور أكثر الأسر تعقّلا”. أي الأسر (المحافظة) مثل أسر مجتمعنا، وآخذ مفهوم المحافظة هنا بمعنى المحافظة على المواقع النرجسيّة للرّجل والمرأة على حدّ سواء، ولعلّه كان ينبغي أيضا موقعة النرجسيّة في هذا “التّقاطع البنائي” الذي يتيح لنا فهم كيف يكون بإمكان الذّات أن تظلّ مثبّتة على صورة ساحرة ومستلبة لها، بل يذهب “جاك لاكان” إلى أن يحاول إلقاء الضّوء على المازوشيّة الأصليّة وغريزة الموت، من خلال مرحلة المرآة.1
(الآن فهمت سرّ المرايا المثبّتة بكثافة في غرف الأزواج الجدد).
تكشف المرايا المثبّتة قبالة “سرير الزّوجين” عن لعبة نرجسيّة تشبه المسرح التّجريبي، تشبه تلك الاحتفاليّة الطقوسيّة التي يقيمها “مصطفى سعيد” بطل “الطيب صالح” في رواية “موسم الهجرة إلى الشّمال” حيث ذاك الليل/الزّنجي/الشّرقي/ يستدرج شقراوات/لندنيات ويسحبهنّ من قمع الحضارة إلى مسارات الرّغبة البويهيميّة، في غرفة كلّ جدرانها مرايا، فيتشتت المسرح الإروتيكي في تعدّد لانهائي للأزواج والألوان، والوضعيات الشبقيّة، ومرّة أخرى يمتزج الشّرق بالغرب في مراق هائل. في مرايا الغرف الزوجيّة، يكشف التعدّد عن اللاشعوري، وفي غفلة من أمر الاثنين، تنكسر المشاهد على المرايا “مثنى وثلاث ورباع”، أوما ملكت أيمانكم”… “هُم في شُغلٍ فاكهون”،* فقيل ما شغلهم يا رسول الله؟ قال: افتضاض الأبكار.
في لعبة المرايا يتمسرح اللاشعور ويكشف عن رغبته في التعدّد، كان فرويد دوما يقول: إذا رأيت اثنين في وضع جنسي، فاعلم أن ثمة أربعة: واقعيّان وخياليّان (لكلاهما حبّه الآخر يسعى لتذكّره واستحضاره في حمأة المشهد). إنّك متعدّد في المرآة منذ تشكّل الأنا وتعرّفها على ذاتها في اعتراف الآخرين، ولا نتعرف على ذواتنا إلا في اعتراف عالم متعدّد، وليس إلا متصوّفا عاشقا للمطلق يكون آخره واحدا، أو مصابا بمرض التوحّد l’autisme ، يكون العدم آخره.
الهوامش:
*الآية: “وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُواْ” (النّساء:3).
*الآية: “ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ” البقرة:85
Ecrits, p 186-187 -1
* الآية: ” إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ ” يس (55)