في الحرية والمساواة وحقوق الفرد

يمكن أن يفترض المرء، بكثير من الثقة، أن الحرية والمساواة والعدالة من القيم الإنسانية العامّة، التي تنطوي عليها ثقافات سائر الأمم والشعوب، بصيغ مختلفة، قبل الثورة الفرنسية وبعدها، وإن لم تندرج في الحياة الواقعية وفي العلاقات الاجتماعية والسياسية، إلا لدى الأمم الحديثة، التي تمكّنت من إقامة نظم ديمقراطية. فالإنسان هو الإنسان في كلّ مكان وزمان، ولكنّه ابن شروطه الطبيعية والتاريخية: الاجتماعية الاقتصادية والثقافية والسياسية والأخلاقية، وصانع هذه الشروط. وليس لهذه القيم الكونية العامّة من أساس واقعيّ سوى عنصر العمومية في المجتمعات البشرية وفي أفرادها، على السواء، وإلا لما كانت قيماً إنسانية عامّة. فلولا عنصر العمومية الكامن في الخصائص النوعية للأفراد لما كان اجتماع بشريّ ولما كانت حياة عامّة.

ولعلّ كون هذه القيم قيماً إنسانية عامّة هو ما يجعلها قابلة للتحقق والاندراج في حياة هذه الأمّة أو تلك، عندما تتوافر لها الشروط الذاتية والموضوعية المناسبة، وعندما تشرع الأمّة في تحديث حياتها العامة وتجديد بنيانها بعزم وتصميم. ولنقل، بشيء من الثقة، أيضاً: إن ما هو عامّ ومشترك بين البشر هو الأكثر قابلية للتحقق في الحياة العامّة، مما يشكّل الأطر الاجتماعية والثقافية لثراء الحيوات الفردية والتجارب الشخصية وتنوّعها وغناها، ويضع لها المبادئ العملية والمعايير الأخلاقية، التي تولِّد التوتّر والتعارض بين ما هو فرديّ وما هو اجتماعيّ، وبين ما هو اجتماعيّ خاصّ وما هو إنسانيّ أو كونيّ عامّ. ولذلك، رأينا، على سبيل المثال، أنّ الإنسانية هي أساس الوطنية ورافعتها، وأنّ حرية الفرد وحقوق الإنسان هي أساس المواطنة ورافعتها، وأنّ الوعي الكونيّ شرط لازم لأيّ نهضة.

كثيراً ما نردّد، نحن العرب، قولة عمر بن الخطاب: “متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً؟1“، فندّعي أنّنا أوّل من رفع راية الحرية والمساواة والعدالة، ونتجاهل أنّ تاريخنا، في الجملة، تاريخ استبداد واستعباد ومظالم، حتى يومنا وساعتنا. فإنّ رفع القيم الإنسانية إلى يوتوبيا وإدماجها في أيديولوجية خلاصية، دينية أو دنيوية، ولا فرق، إلا في الصفة، من أهمّ العوامل، التي تحول دون تحقّقها في الواقع، لأنها تصير جزءاً من نسيج أيديولوجية تبرير وتسويغ منقطعة عن الواقع، ويصير تحقيقها أو العمل في سبيله ومشروطاً بالخلاص، والتاريخ شاهد صدق على ذلك (الحرية والعدالة والمساواة، كانت في بلادنا ولا تزال، مشروطة باستعادة الخلافة الإسلامية أو بإقامة دكتاتورية البروليتاريا أو بالوحدة العربية وتحرير فلسطين ودحر الإمبريالية والصهيونية والقضاء على الرجعية). لذلك سأدّعي أنّ الحرية والمساواة والعدالة، عندنا، ليست بعد موضوعات للتفكير ولا مبادئ للفكر والعمل، فضلاً عما يشوبها من تلفيقات والتباسات أيديولوجية، كتلك التي حفلت بها أيديولوجية “التحرر الوطني” أو “القومي” و”الديمقراطية الشعبية”، وقد أعادت إنتاج مبدأ احتكار الحقيقة، الذي وسم جميع المذاهب الدينية، وأقامت مبادئ الحقّ والأخلاق ومبادئ الحرية والمساواة والعدالة على أساس الاقتناع الذاتي لهذه الجماعة المذهبية أو تلك، ولهذا الحزب العقائدي أو ذاك.

هل يولد الناس أحراراً ومتساوين حقاً؟ لنسائل البدهيات؛ فليس لنا اليوم، نحن العرب، أفضل من مساءلة البدهيات أو ما نعدّه كذلك، لكي لا نريح رؤوسنا على مخدّات اليقين.

يولد الناس أفراداً مختلفين في كل شيء؛ هذا لا يحتاج إلى برهان أكثر من برهان الواقع، الذي تدركه الحواسّ؛ وكلّ اختلاف ينفي المساواة، منطقياً وواقعياً. ويولدون ضعفاء محتاجين، يعتمد كلّ منهم على أبويه وغيرهما، وعلى الطبيعة قبل ذلك وبعده، والتابع والمعتمد على غيره ليس حرّاً. إذاً، الناس لا يولدون أحراراً ولا متساوين. فليست الحرية والمساواة من هبات الطبيعة ولا من هبات السماء، إذ ليس بوسع هذه الأخيرة أن تهب شيئاً أكثر أو أقلّ مما تهبه الطبيعة؛ ففيم يتساوى الناس إذاً؟ وكيف يكونون أحراراً؟

في البداية، الطبيعة وهبتنا الحياة والموت، فنحن، الأفراد، متساوون في كوننا كائنات حيّة، أي إنّنا متساوون في الحياة التي هي هبة طبيعية أو “حقّ طبيعيّ” لجميع الكائنات الحيّة، بلا استثناء، ومتساوون في الموت (الموت الطبيعي هبة سنيّة من هبات الطبيعة لأفراد هذه الكائنات، فإنّ “موت الفرد هو حياة النوع”، إلا إذا قضت الطبيعة بإفناء نوع من الأنواع أو جنس من الأجناس، لأسباب تقرّرها هي وحدها. أما إماتة البشر خاصة وتمويتهم وقتلهم، لأيّ سبب من الأسباب، فاعتداء على الطبيعة واعتداء على الحياة الإنسانية وانتهاك لقدسيتها).

ولكنها، أي الطبيعة، وهبتنا حياة نوعية مختلفة عن حياة سائر الكائنات الحيّة الأخرى، على أننا ذروة تطوّرها وارتقائها، وزودتنا بقوى تفوق قواها جميعاً، فنحن متساوون في الحياة الإنسانية وفي الكرامة الإنسانية فحسب. ومن تحصيل الحاصل أن الحياة وهبتنا الفردية مع الاختلاف، في إطار النوع، فإنّ الواقع العياني للنوع الإنساني هو الأفراد من الجنسين، وعلاقة الفرد بالنوع علاقة ضرورية، من قبيل علاقة الخاص بالعامّ والشكل بالمضمون. الفرد، من الجنسين، هو الشكل الطبيعي للنوع، والنوع هو مضمونه أو ماهيته: (سقراط إنسان)، وحياة الفرد أحد التجليات الواقعية لحياة النوع، بل إنّ تاريخ حياة الفرد يلخّص تاريخ النوع. وأوّل ملكية طبيعية ثابتة وغير قابلة للتنازع هي “ملكية” الفرد لنفسه، والملكية، في هذا المحل وفي غيره، هي “تعيُّن الإرادة”؛ وحقّ التصرّف بها هو الحرية الموضوعية، لتمييزهما من الإرادة الذاتية والحرية الذاتية.

الحرية، في الطبيعة والمجتمع، هي اللاتعيُّن أو اللاتشكُّل، وهي العشوائية والفوضى؛ والتعيُّن أو التشكُّل، في المكان والزمان، هو الضرورة، وكذلك الانتظام والقانون. الحرية هي الأصل؛ فلولا الحرية ما وجدت الضرورة؛ الضرورة شكل الحرية وتعيُّنها؛ وجدل الحرية والضرورة هو جدل الشكل والمضمون، وهو منطق الحياة الاجتماعية، ومنطق التاريخ (التاريخ تنويعة على الأشكال، سمفونية متموّجة على لحن الشكل ومبدأ التشكل، وتحقّق أو توقيع ممكنات على حساب ممكنات أخرى، بتعبير الياس مرقص، أو تحوّل ما هو موجود بالقوّة إلى موجود بالفعل). والاجتماع البشري، الذي يحمل الحرية والضرورة معاً، في كلية عينية، هو ابن التاريخ، لا ابن الطبيعة. الضرورة، مرة أخرى، هي الحرية الموضوعية، لأنها بنت الاحتمال والمصادفة والإمكان، لا بنت الحتمية؛ فليس من حتمي سوى ما تعيَّن بالفعل، واكتملت تعييناته.

الفرد الإنساني هو الإنسان متعيّناً، في المكان والزمان، هو جملة خصائصه وسماته الفردية وخصائصه النوعية، التي تنشطر حياته بموجبها شطرين: حياة فردية أو شخصية، خاصة، وحياة عامّة، في إطار جماعة أو مجتمع. والحرية هي ماهيته وجوهره، ولكنها مقرونة دوماً بميل ما إلى التبعية والخضوع. فالمسألة المركزية هي علاقة الفرد بالنوع، أي علاقة الشكل بالمضمون، أو علاقة الوجود بالماهية، وهذه، كغيرها من العلاقات، لا تدرك إلا بالعقل. فالشكل، في مغزاه الأكثر عينية، هو العقل، بوصفه معرفة نظرية؛ والمضمون، في مغزاه الأكثر عينية، هو العقل، بوصفه الماهية الجوهرية للواقع، سواء كان واقعاً مادياً أو أخلاقياً، حسب الفيلسوف الألماني هيغل. علاقة الشكل بالمضمون، هنا، هي علاقة الوعي بالوجود وعلاقة الفكر بالواقع.

قولنا إنّ الفرد الإنساني هو الإنسان (النوع) متعيناً، هو نصف الحقيقة، الذي يحيل على تماثل الأفراد في الإنسانية ومساواتهم في استحقاق الحرية؛ ولكن لا تماثل أو تشابه بلا اختلاف؛ اختلاف الأفراد، في وجودهم العياني وسماتهم وخصائصهم الفردية هو نصفها الآخر. الاختلاف، هنا، يضع الفردية والأنوية (نسبة إلى الأنا) ويضع الذاتية، التي تعني الاستقلال والحرية. وهنا يكمن ثراء الحياة الإنسانية وتنوّعها وغناها ولا محدوديتها، ويميّزها من سائر أشكال الحياة الأخرى. الاختلاف هو الأساس الوجودي (الأنطولوجي) المكين الذي تقوم عليه حرية الفرد.

الأفراد متماثلون في الإنسانية، ومتساوون في كونهم كائنات إنسانية عاقلة وأخلاقية، ومختلفون في كلّ شيء آخر؛ الأفراد أحرار لأنهم مختلفون؛ كلّ فرد هو الحرية متعيِّنةً في جسد، في شكل، هو “أنا” و”ذات” و”شخصية”؛ لا أحد يريد أن يكون سوى ذاته وأناه. كلّ شخص له نفسه ولا يريد أن يكون غيرها، وله شخصيته وذاتيته. الأفراد مختلفون دوماً، الاختلاف هو ما يجعل اجتماعهم ضرورياً، والتماثل أم التساوي، في الإنسانية هو ما يجعله ممكناً. فلا معنى للحرية ولا قيمة لها إن لم تتعين في الحياة الاجتماعية السياسية، العامّة، تعيُّنها في الحياة الشخصية، لأنه لا وجود للفرد والفردية والذاتية إلا في إطار الجماعة أو المجتمع، وفي إطار الجماعة السياسية، أعني الدولة الحديثة. الاجتماع البشري ضرورةٌ، هي الحرية وقد غدت موضوعية، لا لشيء إلا لأنه من إنتاج الإنسان نفسه.

الأفراد يكيّفون شروط الحياة الطبيعة، ويتكيّفون معها، وينتجون ذواتهم في الواقع، في العالم وفي التاريخ، كلّ بحسب مقدرته، وإذ ينتجون معاشهم وثرواتهم المادية والروحية، ينتجون خصائصهم النوعية والفردية علاقات اجتماعية وسياسية وثقافية وأخلاقية وأنظمة ومؤسّسات، تعيد إنتاجهم ويعيدون إنتاجها باطراد، هذه العلاقات والأنظمة والمؤسسات هي أشكال مختلفة لوجودهم الاجتماعي المباشر. وإذ يفعلون ذلك إنما ينتجون قيوداً وعبوديات يختارونها أو يرثونها، ثم يحطمون الأولى ويتحررون من الثانية، ويعيدون إنتاجهما من جديد، على نحو أفضل وأرقى في كل مرة. ذلكم هو المغزى العميق للتاريخ، على نحو ما وصفناه آنفاً. وليس من قبيل المجاز في شيء قول من قال: إن البشر يصنعون تاريخهم بأنفسهم، ولكن من الضروري، لكي نفهم التاريخ على حقيقته، أن نشير إلى أن الأفراد جميعاً هم من يصنعون التاريخ، لا القادة والزعماء والرؤساء والنابهون … فقط. التاريخ ليس الأعمال العظيمة والجليلة فقط، بل جميع الأعمال، بما فيها الأعمال اليومية الصغيرة التي قد لا نعيرها أي اهتمام. الأعمال اليومية لجميع الأفراد هي التاريخ الحقيقي. لعلّ “توكفيل” كان على حقّ حين لاحظ أنّ تاريخ الأمريكيين مخزون في صحافتهم، التي هي ديوان الأعمال والوقائع اليومية.

هذه العملية | العمليات الضرورية النابعة من طبيعة الإنسان، تشبه، في منطقها الداخلي، المنطق الذي انبثق الإنسان بموجبه من الطبيعة، أعني جدل الحرية والضرورة، الذي يغدو جدل الذات والموضوع، بصيغ مختلفة. ولنلاحظ مباشرة أنّ الذات هي الحرية، وهي هذه المرّة ذات إنسانية عاقلة وأخلاقية مسؤولة عن نتائج أعمالها، وتحاول، بلا كلل، أن تسيطر على هذه النتائج، التي تحمل خصائصها النوعية والفردية. فلا يستقيم أن ننظر إلى الفرد إلا بوصفه منتجاً وخالقاً مبدعاً، بالقوة أو بالفعل. إن اختراع اللغة واختراع الأدوات، من الأدوات الحجرية إلى الحاسوب، فضلاً عن العلاقات والأنظمة والمؤسسات، دليل ساطع على ذلك.

استقلال الإنسان عن الطبيعة وسعيه الدائم إلى معرفتها ومحاولة السيطرة عليها وتغيير أشكالها وتملكها بالفكر والعمل واختراع الأدوات .. هي الخصائص النوعية التي مكنته من وعي الضرورة، وهذه هي الخطوة الأولى الحاسمة على طريق الاجتماع البشري وعلى طريق الحرية. فليس بوسعنا أن ننسب الحرية والمساواة والعدالة إلى الطبيعة، بل إلى الإنسان وخصائصه الإنسانية، النوعية منها والفردية، وفي مقدمها المعرفة والوعي، إذ لا يمكن الحديث عن الحرية والمساواة والعدالة بمعزل عن المعرفة والوعي، معرفة الذات ومعرفة العالم ووعي الذات ووعي العالم، وليس من معرفة ممكنة أو وعي ممكن من دون العمل. العمل أبو المعرفة والطبيعة أمها. العمل وحدة الفكر وموضوعه، وهي وحدة جدلية أو ديالكتية، بحكم قوة الحرية في الفكر وقوة الضرورة في موضوعه، أي بحكم التعارض الدائم بين الذات الفاعلة والمنفعلة والموضوع المنفعل والفاعل، ولولا هذا التعارض لما كان فعل. وقل مثل ذلك في الإرادة وموضوعها.

مسألتنا الأولى دوماً هي مسألة الفرد، زيد أو عمرو أو ما شئت من الأسماء، قبل مسألة المجتمع والدولة ومن أجلهما، على افتراض أن غايتهما هي تحسين نوعية الحياة المادية والأخلاقية لجميع أفرادهما. مسألتنا الأولى هي مسألة الفرد، بوصفه تعيُّناً للنوع، أي بوصفه شكلاً ومضموناً. لا بوصفه جسداً وروحاً أو جسداً ونفساً، فـ “الجسد كثيف النفس والنفس لطيف الجسد”، بتعبير أبو حيان التوحيدي. جسدي هو أنا؛ أجل، الفرد شكل ومضمون؛ الشكل يدرك بالحواس، أما المضمون فلا يدرك إلا بالعقل؛ إذاً، مسألتنا المركزية هي مسألة العقل شكلاً ومضموناً، مسألة المعرفة والوعي، لكي نتوصل إلى الماهية الإنسانية للفرد، وإلى تساوي الأفراد جميعاً في الكرامة الإنسانية وفي استحقاق الحرية، وإلى حقيقة أن الفرد، من الجنسين، هو ملك نفسه فقط، وليس موضوعاً لأي إرادة غير إرادته ولا لأي سلطة غير سلطته على نفسه. إذا كان الأمر كذلك، فالحرية والمساواة والعدالة من هبات العقل، لا من هبات الطبيعة، التي لا تعرف الحرية والمساواة والعدالة.

ومن الضروري أن نشير إلى أن العلاقة بين الفرد والنوع، أو بين الوجود والماهية، كانت ولا تزال علاقة موسطة بمفهوم “الجماعة”، التي يستمد منها الفرد هوية ما، فمن دون هذه الوساطة لا نستطيع معرفة الفرد، ومن دون معرفة الفرد لا نصل إلى معرفة النوع، ولا إلى معرفة المجتمع والدولة بوصفها الإنسان مموضعاً، بتعبير كارل ماركس. ولطالما وقفت الجماعة | الهوية، أو الجماعة المغلقة، بما تمارسه من وصاية وحجر على عقل الفرد وضميره، حاجزاً بين الفرد والنوع، بين وجود الفرد العياني ووجوده الماهوي، بين حياته الشخصية الخاصة وحياته الإنسانية العامة وبين حياته المادية وحياته الأخلاقية. هذا الحاجز هو أساس الانشقاق بين الجنسين، الذي لم تستطع البشرية تجاوزه حتى يومنا، وهو أساس انشطار شخصية الفرد أو انقسامها على ذاتها، وسبب ما تعانيه من عصابات واضطرابات نفيسة وأزمات روحية.

ولا تزال الجماعات | الهويات، في بلادنا، عقبة كأداء تحول دون تشكّل مجتمعات مدنية حديثة ودولٍ حديثة أساسها حرية الفرد وحقوق الإنسان والمواطن. ولا يزال عالمنا “الخاصّ”، عالم كلّ فرد منا، ضيّقاً مقفراً وفقيراً ومحدوداً بحدود “جماعتنا” وحدود ثقافتها، ولا يمتّ إلى عالم الإنسان والثقافة الإنسانية إلا بصلات واهية، لأننا لسنا أفراداً مكتملي الفردية بعد، إذا لم نقل إننا لا نزال “أفراداً” إمّا في جماعات نمطية مغلقة وإمّا في قطعان بشرية، بعد عقود متواصلة من “حيونة الإنسان”، بتعبير الراحل ممدوح عدوان. النمطية سمة الحياة الخاصة لكلّ منا، والقطيعية سمة حياتنا العامة.

لا تعجبوا! فالظاهرة الاجتماعية السياسية الأبرز عندنا، منذ أواخر ستينات القرن الماضي، هي الظاهرة الجماهيرية أو القطيعية، ولا فرق، الظاهرة التي أنتجها الوعي القطيعي، وتجلت في الأحزاب العقائدية والجماعات التي تسمّي نفسها مقاومة إسلامية، وما أبدعته هذه وتلك من مسيرات مليونية واندفاعات غريزية وهيجانات عصابية وما اقترفته، في مجتمعاتها، من جرائم موصوفة باسم العروبة أو باسم الاشتراكية أو باسم الإسلام أو باسم مقاومة الاحتلال، وليست سوى وجهه الآخر.

سياسة القطيع لا تحتاج إلا إلى راع وحمار وكلب ومزمار.

هامش:

1 – تتضمن الحادثة التي قيلت فيها هذه العبارة قيم الحرية والمساواة والعدالة، ما يدعو إلى الاعتقاد بأن التطلع إلى هذه القيم موغل في القدم ومتواتر في مختلف الثقافات، على الرغم من تواصل الظلم والاستعباد والاستبداد لدى كثرة من الأمم والشعوب..