في شُروطِ كَوْنيّةٍ مفتوحةٍ على التعدّد – ألان رونو

عاد إلى الواجهة، داخل الفلسفة المعاصرة، حوارٌ واسع حول الكونيّة. فمن وجهة النظر التاريخانيّة والنسبيّة التي سادت سنوات 1960 – 1970 وخاصة في فرنسا، عٌلّقَ على نقد الميتافيزيقا مهمّةُ الحفر في جينيالوجيا الوهم الذي يمكن أن يوجد حول القيم أو المبادئ الكلّية. وكان مدارُ تلك الشبهة، مع ذلك، على أهمّية بالغة.

فمن جهة، يهدف هذا النوع من الجينيالوجيا إلى وضع فكرة الإنسانيّة كتذاوت intersubjectivité موضعَ المساءلة. وضمن هذا المنظور، لا يبدو التحاور بهدف الوصول إلى معايير قابلة لأنْ تكون مشتركةً بين الجميع مجرّدَ حوار حرّ بين ذوات مسؤولة عمّا تقول بقدر ما يبدو تصعيدًا لميزان القوى حيث يفرض البعض على البعض الآخر وجهاتِ نظره الخصوصيّةَ على أنّها قيمٌ أو مراجع كونيّة.

ومن جهة أخرى، تقود التاريخانيّة النسبيّة التي تتوسّل بها الممارسة الجينيالوجيّة إلى التساؤل عن وجاهة التسليم بوحدة تكوينيّة للبشريّة وهمًا ميتافيزيقيًّا. ومادام إخضاعُ كلّ مضامين الأفكار إلى محكّ التاريخانيّة يعدّ مدخلاً لكيْ نضع حدّا لوهم الكلّي الذي ميّز خطاب عصور التنوير، فينبغي، إذن، الاعتراف بوجود قطيعة جوهريّة بين العصور أو بين أشكال الأفكار: في هذه الحالة، إذا كانت هذه القطيعة ( كتلك التي تفصل القدامى عن المحدثين ) متلبّسة بالتاريخ فكيف نتصوّر الاحتفاظ بمعنى لفكرة وحدة الجنس البشريّ؟

في مواجهة هذه المآخذ المصوّبة ضدّ الكونيّة، ينبغي أنْ لا يتمّ اللّجوء، في عجلة، إلى حشد الحُجج. وضمن هذا السعي، ثمّة ملاحظتان تلحّان على كلّ تفكير حريص على الحذر والرزانة.

في البداية، ينبغي أنْ يقع تنسيب جِدَّةِ الحوار: إنّ نقد الكونيّة كان، في الواقع، مدارًا مشتركا للفلسفة منذ قرنيْن. لقد ظهر (هذا النقد)، على أقلّ تقدير، في نهاية القرن الثامنَ عشر بمناسبة ” الخصومة حول النيتشريّة ” querelle du panthéisme، كما تواصل عبر فكر الثورة المضادّة الألمانيّ في شكل نقد حادّ للإنسانويّة المجرّدة المحايثة لإعلان حقوق الانسان ( والمواطن لسنة 1789م ). وامتدّت بذرة تلك الخصومة امتدادا واسعا مع الرومنطيقيّة، ثمّ اتّسع اتّهامُ الكونيّة فلسفيًّا واشتدّ وخاصّة مع نيتشه وهيدغير.

ومن المناسب، بعد ذلك، أنْ نفحص عمّا يمكن أنْ تحويه هذه الدعاوى ضدّ الإنسانويّة من لَبْس. فلو كان الهدف من هذه الدعاوى هو نقد الدوغمائيّة الأخلاقيّة ( من إرهاب اليعاقبة –إبان الثورة الفرنسية- إلى الأشكال الأكثر حذرا للضبط الاجتماعيّ )، فإنّ الأمر، بلا ريب، خليقٌ بذلك.

إنّ لبّ المسألة هو، إذن، في معرفة ما إذا لم يصرْ الثمن الذي سبّبته الريبة المحمولة على الكونيّة باهظًا. باختصار، فإنّ ما نحمله، في الغالب، على أنّه أزمة معاصرة للكونيّ يطرح مشكلات مخيفة أمام ثقافتنا السياسيّة: إلى أيّ حدّ يمكن أنْ نتحمّلَ عواقب تدمير محتمل لما هو كلّيّ ؟ لو شئنا أنْ نقارب عمليّة وضع الكونيّة موضعَ المساءلة في شتّى امتداداتها، إذنْ، لوجب أنْ نُوليَ عنايةً مخصوصةً لخطر الكلّيةِ ( Universalite ) التي تمثّل، ضمن مذهب الحقّ الطبيعيّ الحديثJusnaturalisme، جزءا لا يتجزّأ من مفهوم حقوق الإنسان نفسه. فأنْ تُسْتَخلصَ حقوق الإنسان من طبيعةٍ منظور إليها على أنّها منتمية جوهريّا إلى كلّ إنسان كإنسان وفق تحديد عقلانيّ، فذلك يبدو مشكليّا في مستوى صنفيْن من مقتضيات التفكير المعاصر.

المقتضى الأوّل هو مقتضى تاريخانيّة مضامين الفكر جميعا. هاهنا، يُطْرح اسم ميشال فوكو لكيْ يمثّل هذا الضرب الأوّل من المناهضة المرتكز على الفحص في كلّ مجال عن مختلف التغيّرات والتحوّلات التي خضعت لها المفاهيم في التاريخ ومن عصر إلى عصر. ولمّا كان الخاضع للتاريخ خاضعًا للقطائع، فإنّ مفهوم الحقّ، مثلا، ليس إلاّ مفهوما كلّيا مجرّدا ينبغي، جينيالوجيّا، تفكيك بداهته الزائفة. وإذا كان مفهوم الحقّ قابلاً للاختزال في المنظومات القانونيّة القائمة وفي تنوّعها، فإنّ الإحالة إلى حقوق للإنسان مزعومة تبدو، هي نفسها، عنصرا ضمن تجربة قانونيّة وضعيّة تقابل التصوّر الكلاسيكيّ لمفهوم الحقّ كما يجليه مذهب “الحقّ الطبيعيّ”. ينضاف إلى نقد الكونيّ القانونيّ نقدٌ ثان قائم على إبراز أنّ الكونيّة تمثّل تشكيلاً للفكر لم يتجاوزه الزمن، وحسبُ، بل وخطير أيضا: إنّ الاحتماء بمبدإ كونيّ كمبدإ حقوق الإنسان أو بالإيتيقا من خلال الواجب الأخلاقيّيؤدّي إلى فرض سيطرة قيمٍ هي، كسائر القيم، خصوصيّة وتحيل على مصالح خصوصيّة. هذا النقد تطوّر، منذ ماركس الشابّ في كتابه “عن المسألة اليهوديّة”، ولكنّه اتّخذ أشكالاً متعدّدة وأحيانا أكثر إحراجا في بعض النقاشات المعاصرة حول حقوق الإنسان كما هو لدى حنّه أراندت.

ماذا يمكن أنْ نقول عن هذا النقد المزدوج الموجّه نحو الكونيّة؟ في الواقع، يبدو أنّ مساءلاتِ الكونيّ هذه تصطدم بنوعين من الصعوبات. الصعوبة الأولى من صميم النسبيّة وتحيل إلى تناقض منطقيّ كلاسيكيّ. أمّا الصعوبة الثانية فتتّصل بالالتباس الذي يركن إليه، في الغالب، نقد الكونيّة من قبيل تثمين الاختلاف أيِّ اختلاف، أو لنقلْ نزعة الاختلاف Différentialisme. أمّا في ما يخصّ النقد الذي وجّهته النسبيّة فإنّي أودّ أنْ أذكّر، ببساطة، أنّه يضعنا في مواجهة مشكل تقييم عدالة أو عدم عدالة القوانين الوضعيّة. إنّ مبادئ الإنسانويّة القانونيّة، محمولةً على أنّها مبادئ كونيّة، تصبو إلى تصوّر مقاييس ميتا-وضعيّة يقاس عليها الحقّ الوضعيّ. فإذا كان تقييمٌ مثلُ هذا، في زمن يُفْتَرَض فيه أنّ الكونيّ مأزوم، لا يمكن أنْ يُنجز، فما هي البيّنات التي بالقياس إليها يمكن أنْ تُشَرعن، مثلا، المناقشة حول نظام مّا؟ إنّ الفحص عن التباسات مذهب الاختلاف يبدو لي أنّه يؤكّد هذه الملاحظة. كانت أراندت، لتجنّب فِخاخ الكونيّة المجرّدة، اقترحت، من جهتها، إعادة تقييم فكرة الحقوق القوميّة المهدّدة بالإفلاس من تأثير كونيّةِ إعلانات حقوق الإنسان. تشرح أراندت ذلك بقولها: إذا كانت اللاّإنسانيّة الكبرى هي السائدة حين “يصبح شخصٌ مّا كائنا بشريّا في العموم”، ” بلا مواطنة ” وبلا أيّ شيء يؤكّد “هويّته وخصوصيّته”، فكيف لا يمرّ إحلالُ الكرامة من خلال إعادة تجذير شعبٍ مّا في تقاليده الخصوصيّة وعقد ما انحلّ بينه وبين تاريخه؟ ورغم ذلك، فإنّ إعادة الاعتبار للحقوق القوميّة والتقاليد المميّزة لمجموعة مّا، بالأساس، ليست بمنجاة عن التباس نلمسه في تعبيرات شتّى.

يمكن أنْ يُعَبَّر عن إعادة الاعتبار هذه في اتّجاه الإلحاح على تلازم حقوق الإنسان مع حقوق المواطن. ضمن هذا المنظور، يجدر أن نلاحظ أنّ الناس يرون، بحقّ، أنّ كرامتهم مرعيّةٌ ومحفوظة، فقط حين يكون الواحد منهم عضوا في جماعة سياسيّة مخصوصة وحين يشارك في حياة هذه الجماعة. إنّ حقوق الإنسان تعني حقوق المواطن. ذلك ضربٌ من التمفصل الذي لا بدّ منه فعلا، وهو يندرج في إطار ما استطاعت التقاليد الجمهوريّة أنْ تنجزه وحيث لا يدخل الإلحاح على الحقوق المدنيّة، إطلاقا، في تناقض مع كونيّةِ خطابِ حقوق الإنسان. على أنّ فكرة أنْ تكون كرامة الإنسان مشروطة بعضويّته داخل مجموعة تعترف بعضويّته تلك يمكن أنْ يُعَبَّرَ عنها بطريقة مختلفة كلّيا كأنْ يقع الاتّجاه إلى مناهضةٍ كونيّةٍ يُؤخَذُ عليها النزوع إلى إهمال الخصوصيّات الملازمة لمختلف المجموعات داخل مجتمع واحد ناهيك بمختلف ثقافات الإنسانيّة. فباسم فكرة الاختلاف نفسها أو بالأحرى باسم الحقّ في الاختلاف، نعيد الاعتبار، إذن، لحقوق موروثة خاصّة بجماعة بشريّة مّا مع الاعتقاد الراسخ أنّ إعادة إظهار الفروق بين الثقافات أو بين التقاليد في صلب الفكرة المجرّدة للإنسانيّة، تعني إعادة فتح أفقٍ للتضامن بين أعضاء جماعة واحدة محدّدة بالإرث ذاته.

لهذا التمشّي، وهو خصيصةُ مذهب الاختلاف، خصوبتُه. بل إنّ لا غِنى عنه، اليومَ، لتمثيله عاملَ صدّ في وجه الحركة المزدوجة للعولمة الساعية خلف التجانس، من جهة، والتذرّر الأنانيّ للاجتماعيّ الذي يسمُ عالمنا المعاصر، من جهة أخرى. والحال أنّ أساس المشكل يكمن في بيان ما إذا كانت إعادة تفريد تمييزيّة للمجموعات من خلال مكافحة الكونيّة الصوريّة لحقوق الإنسان بخصوصيّة القيم المميّزة لبعض الثقافات، تحافظ على انسجامها مع تفكيرنا حول الحقّ والديمقراطيّة، ووفق أيّ شروط تحافظ على هذا الانسجام. إذا كانت فكرة “الحقّ في الاختلاف” تعني مجرّد تقرير الحقّ لمجموعة في أنْ تمارس عاداتها بحرّية وفي أنْ تعبّر بنفس القدر عن خصوصيّاتها فإنّ هذا الحقّ يمثّل جزءا أساسيّا من الحقوق التي نادى بها إعلان 1789 على أنّها حقوق متساوية لكلّ الناس. يقرّر هذا الإعلان أنّه ” لا يجوز أنْ يُلاحَق أحدٌ من أجل آرائه ومنها آراؤه الدينيّة شرطَ أنْ لا يُخلّ نشرُ هذه الآراء بالأمن العامّ الذي يحميه القانون. ” ويجعل، أيضا، “من التبادل الحرّ للأفكار والآراء” واحدا من “الحقوق الأكثر علويّة للإنسان”.لقد أسّس إعلانُ الحقوق، في مجال الرأي، حقّا أصيلا في الاختلاف. من هذه الزاوية، يُقدَّم الحقُّ في الاختلاف على أنّه تعميق قانونيّ لضميرنا المعاصر الذي وفقا له مادام الناس كلّهم متشابهين فهم يمتلكون الحقّ نفسه في تنمية ما يرون فيه جزءا من هويّتهم.

باختصار تضمّ روح حقوق الإنسان داخلها الحقَّ في الاختلاف، بل هي تؤسّس له، أيضًا. وبالفعل فباسم حقوق الإنسان يمكن أنْ ندينَ، مثلا، سياسةً عرقيّة ًمخصوصة للمطالبة بحقّ إثنيّة مّا في استثمار والتعبير بحرّية عن الآراء أو القيم التي تحدّد هويّتها. وهذا حقّ مساوٍ تمامًا (كما هو معنى الفكرة الديمقراطيّة) لحقّ سائر الإثنيّات أيْ إنّ هذا الحقّ لا يقبل من “حدود سوى تلك التي تضمن لأعضاء المجتمع الآخرين التمتّع بتلك الحقوق نفسها.” ( مادّة 4 ). وفي حالة غياب تلك الحدود فإنّنا نتّجه، في حقيقة الأمر، نحو تصور آخر للفضاء العموميّ مختلف، تمامًا، عن التصوّر الذي يندرج تحت فكرة المساواة. ولعلّه لهذا السبب يمكن أنْ نقف، أحيانا، على نزعة إلى اختلافيّة متطرّفة. وعوضا عن اعتبار الحقّ في الاختلاف مجرّد مظهر للمساواة في الحقوق يقع الانتصار للاختلاف ضدّ الكونيّة بزعْم أنّها سالبةٌ للخصوصيّات. وباختصار، إذا كان يُقْصَد بالإحالة على حقّ في الاختلاف أنّ كلّ اختلاف، بما هو كذلك، يمتلك قيمة ثابتة ولا يجوز له أنْ يتنازل فيخضع إلى أيّ معيار جماعيّ يكفل الحياة المشتركة، فإنّ ذلك الحقّ في الاختلاف يدخل في تناقض مع روح الكونيّة المعاصرة ذاتها. انحراف خطير، صار يٌنظَر، معه، إلى كلّ اعتراض في مواجهة تقرير الفرادات، على أنّه قمعٌ لا يُحتمل، وهو انحراف قاد إلى مشكلات تخصّ تعايش الميزات الفردانيّة. لذلك، يبدو، اليوم، أنّ الكونيّةُ في نسختها الدوغمائيّة قد تجاوزها الزمن. تلك الكونيّة التي حشدت بمضمون محدّد فكرةَ الكونيّ قيمةً وأقصت من دائرة البشريّ، باسم هذا المحتوى، كلّ اختلاف لا ينضوي تحت هذا المضمون. وبالمثل، فإنّ فلسفة اختلاف تتحوّل، هي أيضا، إلى دوغمائيّة في إطلاقيّتها وإلحاحها على المغايرة مهما تكن تتضمّن خطر الارتداد إلى رؤية رومنطيقيّة للجماعات المنغلقة على نفسها العاجزة عن تجاوز ميزاتها الفرديّة للدخول في تواصل الواحدة مع الأخرى.

إنّ أيديولوجيا الاختلاف المعاصرة المنحدرة جزئيّا عن حركة مضادّة للإمبرياليّة ساندت بقوّة مبدأ المساواة بين الثقافات ضدّ الطموحات الأوروبيّة لتنميط البشريّة، قد انخرطت في مسار تحرّريّ. ولكنْ من المفارقة ومن المؤسف أنْ تنتهي هذه الأيديولوجيا، في خضمّ تساؤلها عن نفسها وعن حدودها الخاصّة، إلى العودة إلى ضديدها وإلى إضعاف الأساس الذي تقوم عليه الفكرة الديمقراطيّة.

لتجنّب مثل هذه الردّة ولتجنّب الإنهاك المخيف حقّا الذي يصاحبها، يُهَيّأ لي أنّ كلّ هذه المناقشة حول الكونيّة (لها أو عليها) يمكن أنْ تربح كثيرا وبجلاء إذا كان من الممكن أنْ نعتبر، بهدوء، أنّ للمحدثين، على مستوى المحاجّة الفلسفيّة، ثلاثة تصوّرات عن الإنسانيّة، وأنّ هذه التصوّرات الثلاثة قادرة على إثراء (الحوار) بين جماعات ثقافيّة وسياسيّة شديدة التميّز.

1- التصوّر الأوّل، زمنيّا، أعود إليه في عجالة، وهو الأكثر شهرةً: إنّه ذلك التصوّر الذي تجسّده بصفة خاصّة كلّ تقاليد نظريّة الحقّ الطبيعيّ، وهو يقابل إنسانويّة أولى تقوم على إيمان بأنّ البشريّة طبيعةٌ أو جوهر. ومن هذه العقيدة سيُستنبط محتوى حقوق الإنسان تحت تسمية: الإنسانويّة الجوهرانيّة. وهي إنسانويّة، من غروتيوس أو بيدونفورف إلى وولف، تعرّف البشريّة عبر امتلاكها، داخل النوع الحيوانيّ، طبيعةً مميّزة (مثل الطبيعة التي تجعل الإنسان حيوانا عاقلا). يبدو الأفق، انطلاقا من هذا التصوّر الأوّل للإنسانيّة، بلا ريب شموليّا بهذا المعنى الذي تقود إليه من وجود طبيعة واحدة مشتركة لكلّ الناس وهي نفسها لدى كلٍّ منهم. غير أنّه يجب الاعتراف، أيضا، أنّ التّبعات يمكن أنْ تكون، بحقّ، خطيرة ضمن منظوريّةِ ديكتاتوريّةِ الكونيّ (يمكن أنْ يمثّل مفهوم الطبيعة البشريّة، بشكل مّا، سرير بروكست لتصنيف الأفراد أو المجموعات الذين لا يستجيبون للمفهوم والمعرّضين، حينئذ، إلى الإقصاء من البشريّة). في المقابل، ثمّة طريقتان للقطع مع تصوّر كهذا ومع تبعاته، طريقتان تمثّلان التصوّريْن الحديثيْن الآخريْن للإنسانيّة.

2-حدثت قطيعة أولى ولّدها تصوّرٌ آخر للإنسانيّة هو التصوّر الذي أنجزته الرومنطيقيّة منذ نهاية القرن الثامنَ عشرَ في ألمانيا ثمّ في فرنسا وأنكلترا. ففي مقابل المنظور الشموليّ المندرج في التصوّر الأوّل، يُطرَح، هنا، أفقٌ مختلفٌ تماما، هو أفق الاختلاف الثقافيّ: نعم. ثمّة طبيعة بشريّة، ولكنّها طبيعةٌ قائمة على الاختلاف أصلاً. فكلّ إنسان منتم، بطبعه، إلى مجموعة بشريّة مخصوصة وفق نمط وجود تحدّده طرائق التفكير والحكم على الأشياء والإحساس والتصرّف الخاصّة بالجماعة الثقافيّة واللّغويّة التي ينتمي إليها، وهي جماعة ثقافيّة ليست دون سائر الجماعات. ضمن هذا المنظور وعلى عكس المنوال السابق الذي عُدّ عاملاً خطيرا من عوامل التجريد من البشريّة واستلاب الإنسان، فإنّنا إزاء تجريد للإنسان من طبيعته (في معنى المسار الذي يعمل على تدمير الانتساب إلى طبيعة مخصوصة)، وهو ما يعبّر عنه الرومنطيقيّون بعبارات الاستئصال ويتّهمون الحداثة عموما بأنّها سبب ذلك باستئصالها الإنسان من روابطه الطبيعيّة عبر إقصائها المنهجيّ لانضوائه الأصليّ داخل جماعة بشريّة مخصوصة. لتجنّب هذه الاعتراضات، يبدو لي من الضروريّ أنْ نؤمن فعلا بوجود تصوّر ثالث للإنسانيّة يُفلت من حالة التشرذم بين إنسانويّة جوهرانيّة وبين نزعة للاختلاف تحت عنوان رومنطيقيّ مناهض للإنسانويّة.

3- هذا التصوّر الثالث للإنسانيّة هو، أيضا، نتاج جهد ينأى بنفسه عن الإنسانويّة الطبيعيّة أو الجوهرانيّة، ولكنّه يبقى، رغم ذلك، على أرض الكونيّة. في تقاليد ما أسمّيه التنوير النقديّ عند روسّو وكانط وفيخته وبشكل ثانويّ عند سارتر، فإنّ الكائن البشريّ هو قبل كلّ شيء الكائن القادر على الاستقلاليّة Autonomie والذي وُهِب ملكةَ التفكير والحكم والتصرّف نفسه بنفسه. إنّ قدرةً على الاستقلاليّة تفترض أنْ لا يكون ذلك الكائن معرّفا بأيّ طبيعة، لا بطبيعة مباشرة (حسّية أو ذهنيّة) ولا بطبيعة معياريّة أو نموذجيّة (مكوّنةً ضربا من المناويل التي يجب اتّباعها أو القوانين المقرّرة سلفا والتي يجب تطبيقها). ضمن هذا المنظور، نعتبر، كما ذكر فيخته في “أساس الحقّ الطبيعيّ” أنّ “في البدء، لم يكن الإنسان شيئا”. فهو، بالطبيعة، لم يكن شيئا. وليس إلاّ من قبيل الوهم فقط، (وهمٌ يسلبه إنسانيّته ويزيد في اغترابه) أن يَعتقد (أو أنْ نعتقد) أنّه معرّف أو محدّد بطبيعةٍ. وهو ما عبّر عنه عصر الأنوار بأنّ الناس “يولدون أحرارا متساوين”، أيْ إنّهم، بصفة خاصّة، بلا تحديد يعكس انتماءهم إلى مجموعة محدّدة ثقافيّا أو جنسيّا أو اجتماعيّا أو إثنيًّا. وفي المقابل، فما أن يسلب الإنسان إنسانيّته بنفسه، من خلال ما يسمّيه سارتر العدول عن الحرّية كنوع من الاستقلاليّة أو أنْ يسلبه إيّاها الغير (أو وضعيّة مّا)، حتّى ينسى اللاّشيء (العدم) الذي كانه ويعليَ أو يجد نفسه مكرها على جعل التبعيّة hétéronomie مبدأً أعلى مُلغيا، اختيارا أو كَرْها، ملكتَه الخاصّة في التفكير والحكم والتصرّف. باختصار، إنّ سلب الإنسانيّة هو ترجيح للطبيعيّة سواء بقَبول طبيعةٍ مّا أو بالجبر عليها. وختاما، وضمن هذا التصوّر الثالث، وهو، طبعا، التصوّر الذي انتهيت إلى الاحتجاج له، أرى أنّ تحرير إنسانيّة الإنسان (سواء بنفسه أو بغيره) يكمن في اقتلاع كلّ نزعة طبيعيّة دون الالتفات إلى أيّ وَسْمٍ يكون له من طبيعة أو من محدّد مخصوص، اقتلاع يضعه أمام استقلاليّته بنفسه، وتلك غايته أو قدره، وفي الوقت نفسه يضعه أمام الكلّية الإنسانيّة الحقّ (وهي ليست كلّية ملأى ولكن بالعكس كلّية جوفاء).

انطلاقا من هذه النقاط المرجعيّة المفهوميّة يمكن أنْ استخلص بعض الاستنتاجات فيما يتعلّق بالفهم الممكن لمنطق حقوق الإنسان أو ما صار يُعرَف، أكثر فأكثر، بالحقوق الإنسانيّة:

1- يبقى هذا التصوّر الثالث للإنسانيّة، بوضوح، في إطار الإنسانويّة، عبر الطريقة التي حافظ بها على منظور الكونيّة (الآخر جنيسٌ موثوق، لأنّه مثلي ليس في شيء ممّا يعرّفه، ولا هو دُونيّ بما يميّزه عنّي في تعريفه).

2-هذا التصوّر (الذي أدافع عنه) نقديّ في علاقته بالإنسانويّة الحديثة الأولى كما هو شأنها مع الرومنطيقيّة، ولكنّه تصوّر من خلال منظور آخر يسمح بتجنيب الإنسانويّة الاعتراضاتِ المذكورةَ. وبالتحديد، بما أنّ الكلّي البشريّ أجوف فلا يمكن الاستناد إليه لاستبعاد أيّ كان خارج الإنسانيّة. بهذا المعنى، فلا محلّ للعنصريّة ولا للاستعمار في إنسانويّة نقديّة كهذه لا تقبل، مبدئيّا، أنْ تكون متواطئة على عكس الكونيّة الكلاسيكيّة التي عدّت الاستعمار خاصّة نتاجا للحداثة بل من صميم الحداثة.

3- نلاحظ، في الأخير، في أيّ اتّجاه يسمح هذا التصوّر الثالث للإنسانيّة بتدقيق الفهم وبالتالي انتشار بعض الأساسيّات المعاصرة في المجال القانونيّ. إنّي أفكّر، أيضا، في صياغة مفهوم الجريمة ضدّ الإنسانيّة الذي يتنزّل ضمن مفهوم حقّ التدخّل الإنسانيّ مع ما يتّصل به من إجراءات. في الرؤية التي احتججت لها توصّلت إلى أنّ “غير الإنسانيّ” ( لأنّه سلب للإنسانيّة ) هو كلّ عمل يختزل الإنسان (كفرد أو كمجموعة) في طبيعة (عرقيّة أو إثنيّة أو جنسيّة أو اجتماعيّة). كما عنيت بـ”الجريمة ضدّ الإنسانيّة” كلّ فعل غير إنسانيّ. وبالنسبة إلى “حقّ التدخّل الإنسانيّ” فيقال عن كلّ تدخّل فكريّ أو مادّي ويؤدّي إلى تحرير الإنسان. وبالمثل، فكلّ عمليّة إبادة عرقيّة هي، طبعا، جريمة ضدّ الإنسانيّة لا بالنظر إلى دلالتها الكمّية حين تتمّ الإبادة الجماعيّة، ولكن لأسباب مبدئيّة باعتبار أنّ أولئك الذين انتزعوا من الحياة حدثت لهم تلك الإبادة بسببٍ من طبيعتهم “المفترضة”. بالنسبة إلى الوعي المعاصر وابتداء من المحرقة، شُرِع في العودة إلى تاريخنا لتفكيكه والفحص عن لحظاته غير الإنسانيّة. بهذا المعنى، فإنّ المحرقة، في حدّ ذاتها، لا تمثّل منتهى أو ذروة الجريمة ضدّ الإنسانيّة لأنّ توقّف الإدانة على الكمّ الهائل من الرعب والإبادة يوحي بقبول درجة أدنى من الإبادة ويمسّ من كرامة الضحايا بالفعل أو بالقوّة في سائر لحظات اللاّإنسانيّة. ولكنّها (المحرقة) تمثّل نقطة اللاّعودة في مسار تكوين وعي بحقّ التدخّل الإنسانيّ. هي نقطة في تاريخ هذا الوعي تفصل الزمن إلى مرحلتيْن، مرحلة ما قبل أوشفيتس (يشير الكاتب إلى المخيّم الذي أقامه النازيّون لإبادة اليهود وأعدائهم السياسيّين-المترجم) ومرحلة مابعده. وأستعير، مادمنا نعيش ونتفلسف أيضا، عبارة أدورنو ” ما بعد أوشويتس وذلك هو واجبنا أمام المكان نفسه الذي شهد ضحايا الهولوكست، واجبنا في أنْ نخلع هذا الاسم على كلّ ضحايا الجريمة ضدّ الإنسانيّة وعلى كلّ الكوارث الأخرى الماضية منها والحاضرة أو القادمة والتي جرت فيها أو تجري أو ستجري محاولةٌ جنونيّة رعناء لبعض الكائنات البشريّة لإحداث ما يسمّيه أدورنو، مصيبا، “القضاء على غير المتطابق” أو ما قد أسمّيه، مصيبا أو مخطئا، “تهوية المختلف “Identificationdu différent ( ردّ المختلف إلى المؤتلف). هذا التحديد للمختلف يتمثّل، بأشكال عدّة، في اتّخاذ العدم الذي هو الإنسان “شيئا مّا”. من هذه الزاوية، ولأنّنا، بلا شكّ، نعيش بعد المحرقة بنصف قرن، فقد صار، أخيرا، من البديهيّ أنْ نعدّ استرقاق “الزنوج” كما كنّا نسمّيهم، الذي جعل منهم، بنقلهم من إفريقيا إلى جزر الأنتيل، بضاعة في سوق النخاسة أو بحسب ألفاظ “القانون الأسود” “أملاكًا منقولة”، هذا الاسترقاق الذي قد مضى عليه، هو الآخر، قرنان نعدّه جبراً لكائنات بشريّة على منزلة تنسبهم إلى تعريف مّا.

لهذا، من المحزن حقًّا أنّه كان على فرنسا أنْ تنتظر طويلاً لكيْ تعترف، أخيرا، بأنّ “تجارة السود” تمثّل في تاريخها الخاصّ جريمةً ضدّ الإنسانيّة بأتمّ معنى الكلمة.

—-

*ألان رونو ALAIN RENAUT هو أستاذ الفلسفة السياسيّة في جامعة السوربون بباريس. يدير المرصد الأوروبيّ للسّياسات الجامعيّة. صاحب العديد من الكتب. تصدر له (بالاشتراك) في ربيع 2008 موسوعة الثقافة السياسيّة المعاصرة في ثلاثة أجزاء.

والنصّ بحثٌ ألقاه الكاتب في ندوة متخصّصة يوم 5- 4 – 2007 ونشره موقعwww.sens-public.org