إن الأصوليات، كيف ما كانت طبيعتها، ومن كل الأنواع، قديمة وحديثة، دينية وعلمانية، تعمل دائما على مقاومة الواقع الجديد لا بهدف إعادة بنائه، بل بالعمل على نفيه. غير أن ردات الفعل التي تتم على المستوى العالمي تثبت ما تحاول نفيه، أي إنه لا مجال بعد للتمترس وراء الهويات المغلقة، لأن ذلك يحيل صاحب الهوية إلى ناشط إرهابي أو إلى مخرب، بقدر ما يصنع هوية كاريكاتورية، فقيرة، عدوانية، كما تشهد على ذلك حروب الكتب والنصوص المقدسة.
إن مشكلتنا الحقيقية لا تكمن في اللباس وطرائقه وتقليعاته، ولا في الحجاب وستر الشعر، وإنما نحن أمام تحديات حضارية تدعونا إلى ترك مثل هذه الأوهام، والانكباب بجدية على الكشف عن كل ما أقمنا بيننا وبينه حجابا، وينبغي أن نجلِّيه ونكشف عن مهاويه. فالقضية لا تكمن في الحجاب، بقدر ما هي مسألة مواجهة زحف الفقر والتفقير الفكريين اللذين يتهدداننا، وهو قضية التعصب والانكفاء على الذات وتضخيمها، كما أن الخلل يكمن في العطالة والحاجة وضعف مؤشر النمو واتساع الفجوات الرقمية والحضارية بكل أبعادها إلى جانب اللاتوازن والجهل المركب.
كل هذا يدفعنا إلى أن نتساءل حول مصدر التعصب في العالم الإسلامي، وما هي خلفياته، ومن يغذيه. هل الخطأ في العقل العربي الإسلامي أم في الإسلام من حيث هو دين وفكر؟
إن الإسلام دين جاء عن طريق الوحي، الذي تجسد في القرآن. ومن ثم فهو المصدر الأوحد الذي انطلق منه التشريع. ثم جاءت الأحاديث والسنن. ولهذا أمكن اعتبار النبي أول مجتهد في تاريخ الإسلام، وقد كانت اجتهاداته تنم عن الانفتاح والحوار والاستدلال والاحتكام إلى العقل والبرهان، وإلى الواقع ومراعاة سياق الأحداث. لذلك من أين ابتلي العقل العربي بهذه العودة اللاتاريخانية إلى الماضي والعيش فيه؟ وما السبب الذي جعل نمطا من الوعي الخرافي المتقاعس والخنوع هو السائد؟ في حين أن القرون الثلاثة الأولى من العصر الإسلامي عرفت جدلا وحوارا (رغم ما صاحبته من انتكاسات) معرفيا عميقا، كان له الفضل في تأسيس حضارة قوية متكاملة. فما السبب في التوقف عن الاجتهاد وهو توقف يشمل كل مجالات المعرفة. والحال أن المرحلة التاريخية التي عاش فيها الرسول هي من الغموض بحيث تتداخل فيها الأحداث والأساطير، ويصعب التمييز بين الحقيقة والأسطورة، كما يصعب عزل بعضها عن الآخر. وهو ما ينبغي أن يعاد ترتيبه وتعاد كتابته انطلاقا من فكر ووعي تاريخيين.
فمن يجرؤ على كتابة الفترة الأولى من تاريخ الإسلام بشكل تاريخي محكوم بالحس الموضوعي من أجل البحث عن صورة تقريبية لواقع الأحداث قبل أن تتشكل الصورة الإسقاطية التي أتت فيما بعد؟ ومن يجرؤ على وصف الكيفية التي انبثقت بها التجربة التأسيسية فعلا؟ ومن يستطيع أن يدرس تاريخيا الكيفية التي حصلت بها الانشقاقات في الفترة الأولى من تاريخنا الإسلامي وكيفية تشكل الأحزاب اللاهوتية-السياسية أو الأرثوذكسيات الكبرى التي تحكم مساحة كبرى من العقل العربي: السنية، فالشيعية، فالخارجية؟ ومن يستطيع أن يفرز العناصر الأسطورية عن العناصر التاريخية في تشكيل الشخصيات الكبرى المهيمنة علىالوعي الإسلامي؟1
إن عمليات الحفر في الطبقات المعرفية التي تشكل وعينا ولاوعينا، وتسليط الضوء عليها سيكشف لا محالة ماضيا مغايرا لما نحن نعرفه، كما سيكشف عن أوهام ظلت العقليات تتداولها كحقائق مطلقة، وهذه الأوهام ليست بمعزل عنا، بقدر ما تشكل مكونا بنيويا ونسقيا في حياة الفرد العربي. وهو ما سيؤدي إلى تحجيم العديد من الرموز التي ألبست بلباس التهويل والأساطير. وهذا لا ينفي العاطفة الدينية، بقدر ما يهدف إلى شحنها وتغذيتها بمقومات تساهم في بلورة الدعائم المعرفية التي تؤسسها، ومن ثم تضمن الإنتاج والتطور.
فالعقل العربي مليء بمرجعيات ما قبل الإسلام، ويبدو ذلك واضحا من خلال عدد لا يحصى من القيم والسلوكات وأنواع العلاقات المنظمة. وذلك أيضا بفعل الخطاب الشرعي الذي أنتج على أسس ثقافية وسياقات ثقافية ساهمت فيه إلى حد كبير، والذي لم يكن في النهاية سوى قراءة من بين القراءات الممكنة للمصدر الشرعي الأول وهو القرآن. الأمر الذي يجعل “الشريعة كما تم فهمها وتطبيقها تاريخيا، تتعارض مع الفكرة المعاصرة حول حقوق الإنسان، وخاصة فيما يتعلق بالوضع الدستوري للنساء ولغير المسلمين”. وهذا ما جعل الفهم الخاطئ للدين ينتج أربعة مجالات للتعارض بين الشريعة والمعايير العامة المعاصرة المتصلة بحقوق الإنـسان، وهي: الرق، “إنما الولاءلمن أعتق” أخرجه البخاري ومسلم. روى مسلم في صحيحه أن رسول الله ص قال: “إذا أبِقَ العبد لم تقبل له صلاة” وقال ص: “أيما عبد أبق فقد برئت منه الذمة” وروى ابن خزيمة في صحيحه من حديث جابر قال، قال رسول الله ص: “ثلاثة لا يقبل الله لهم صلاة ولا يصعد لهم إلى السماء حسنة: العبد الآبق حتى يرجع إلى مولاه، والمرأة الساخط عليها زوجها حتى يرضى، والسكران حتى يصحو”. وعن فضالة بن عبيد مرفوعا: ثلاثة لا يسأل عنهم: رجل فارق الجماعة وعصى إمامه وعبد أبق ومات عاصيا، وامرأة غاب عنها زوجها وقد كفاها المؤونه فتبرجت بعده -أي أظهرت محاسنها كما يفعل أهل الجاهلية وهمما بين عيسى ومحمد ص. كذا ذكره الواحدي رحمه الله” (الإمام الحافظ: محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي؛ الكبائر. دار الكتب العلمية. – ص.227).
إلى جانب هذا المكون هناك الردة، ووضع غير المسلمين (وهنا لا ينبغي الخلط بين التسامح والمساواة)، والمرأة. فما معنى أن يجعل من الرجل/الذكر يرث بالتعصيب مطلقا والبنت تبقى نافذة لدخول من له صلة بالأب؟ أليس حطا من قيمة البنت التي تكون من صلب الأب الذي أنجب الذكر؟ ولماذا الحط من قيمتها حين تكون زوجة بمنحها الثمن أو الربع أو التسع وهي تساهم في تنمية ثروة ومال شريكها، ثم ما المانع من أن تحجب الزوجة أو البنت (إن وجدتا لوحدهما) الكل من التدخل؟ أليس هذا تكريسا لمركزية الذكورة/ الفحولة ومن ثم العقلية القبلية التي كانت تهيمن على ثقافة المجتمع الجاهلي؟
تعدد الزوجات مسموح به للرجال فقط. الطلاق بإفصاحه عن رغبة من جانب واحد.
قيمة الدية في حال قتل المرأة أقل منها في حال قتل الرجل.
شهادة المرأة غير مقبولة في القضايا الجنائية الخاصة بالحدود والقصاص.
للزوج حق عام في ممارسة القوامة والسيطرة على الزوجة حتى إذا تطلب الأمر تأديبها بمختلف الطرق.
المرأة المسلمة ممنوعة من الزواج من رجل غير مسلم، بينما العكس بالنسبة للرجال.
للمرأة الحق في الإرث بنصف الرجل بالنسبة لنفس درجة القرابة.
واضح تاريخيا، أن الرق لم يكن من صنيع الشريعة، حيث كان سائدا في كل العالم، لكن الشريعة اعترفت بالرق كمؤسسة، وعملت على تقييد مصادر اقتناء العبيد، وتحسين ظروفهم، والتشجيع على إعتاقهم، لكن الرق يعد قانونيا في ظل الشريعة إلى يوم الناس هذا، ويعود إلغاؤه بالأساس إلى القانون العلماني وليس إلى الشريعة.
والخطاب الشرعي يميز بين “دار السلام” و “دار الحرب” (حين نقول الخطاب الشرعي، فإننا نقصد مجموع ما أنتج من فتاوى واجتهادات، نعتبرها بمثابة قراءات، يظل القرآن كمصدر بعيدا عنها، أي إنه النص المتعالي الذي يظل منفتحا على المعاني التي يحاول الفقهاء والعلماء الاقتراب من حقيقتها. وهي حقائق إلهية مطلقة لا يمكن للإنسان، مهما علت درجته، أن يلامس جوهرها.). فدار الحرب تتكون من البلاد الخارجة عن السيطرة الإسلامية، وهي مستباحة بالنسبة للمسلمين (هناك قاعدة شرعية يتم من خلاله “تمويت” المرتد، وهو ما يعرف بالموت الحكمي يكون في المرتد الذي يلحق بدار الحرب، فإذا حكم القاضي بلحوقه بها مرتدا، فإنه يعتبر ميتا من حين صدور الحكم وإن كان حيا يرزق بدار الحرب، فتبين زوجته بردته ويقسم ماله بين ورثته، وتعتد زوجته، وذلك من تاريخ الحكم بلحوقه بدار الحرب (الهداية بهامش فتح القدير 6/78)) . وهناك أهل الذمة (الذميون)، وهم يوجدون داخل دار الإسلام، ويلزمون بأداء ضريبة الجزية باعتبارها ضريبة على الرأس، وضريبة الخراج باعتبارها ضريبة على الأرض، وهو تقسيم، ينطلق من إطلاقية الحقيقة الواحدة.
فكيف يمكن القبول، بل التسليم بسلطة تلك القراءات مع أنها مجرد اجتهادات صدرت عن رجال ليست لهم أية امتيازات إلهية، بل وهم أنفسهم لم يزعموا امتلاكم للحقيقة. إذ المذاهب الأربعة ليست سوى قراءات للنص القرآني مع الاستعانة بالحديث النبوي، في محاولة لتحيين النص مع مستجدات القضايا والتحولات التاريخية والثقافية. ثم ما هي الموانع التي تحول بيننا وبين النص المصدر “القرآن” الذي يتم التعامل معه كنص للترتيل فقط. ولماذا لا يقرأ (القرآن) إلا انطلاقا من سلطة هذه القراءات التي تحكم وتوجه كل محاولة قرائية تجديدية وتحيينية، ثم كيف يتم التسليم باختراق وعينا وخطاباتنا المعاصرة بتصورات وقراءات لا علاقة لها بالظروف التاريخية الحديثة ومتغيراتها؟ ما سر العجز الذي يعلنه علماءالدين، اليوم، وما معنى عدم أهلية العلماءالمعاصرين لقراءة النص القرآني، وعدم أهليتهم لولوج باب الاجتهاد؟
هل نحن أقل علما وعقلا ممن سبقونا؟ هل الأئمة الذين اجتهدوا كانوا أكثر دراية بعلوم الدين مما نحن عليه اليوم، على الرغم مما نملك من علوم وأدوات ومؤسسات وجامعات ودرجات علمية؟ وهل أهليتهم تقتصر فقط على إصدار ما يتعلق بفتاوى الحجاب، والمرأة، والردة والتكفير؟
إن العودة إلى أصول الشريعة، والتمحيص في هذه القضايا الثلاث التي تشكل عصب ما يدور حوله الخطاب الأصولي الديني الإسلامي، راهنا، تقودنا إلى حقيقة كونها من القضايا التي لم يكن الحديث فيها واضحا، بل إن العلماء لم يجرؤوا على إصدار آراء واضحة بخصوصها، وقبل ذلك، ليس هناك من نص قرآني أو حديث ثبتت صحته، يشكل سندهم ومرجعهم. وقد سبق للحافظ الذهبي أن روى في “تذكرة الحفاظ” قال: “ومن مراسيل ابن أبي مليكة أن الصدّيق جمع الناس بعد وفاة نبيهم فقال إنكم تحدثون عن رسول الله أحاديث تختلفون فيها والناس بعدكم أشد اختلافا فلا تحدثوا عن رسول الله شيئا فمن سألكم فقولوا بيننا وبينكم كتاب الله فاستحلوا حلاله وحرموا حرامه”.
فالحجاب، مثلا، لم يرد في المصدر الديني (القرآن) بالشكل الذي يتم اليوم الحديث عنه، حيث صار مسيسا، وتم إصباغه بحمولة إيديولوجية، وقد اتخذ الفهم السائد اليوم طابعا إيديولوجيا وتسطيحيا، وهو يرمي إلى تحقير المرأة والحط منها أكثر مما هو دعوة إلى الحشمة والحياء (إن هناك العديد من الدراسات التي ناقشت هذا الموضوع)، ونشير إلى أنه ورد تعريفه على الشكل التالي:
الحجاب: كل ما يستر المطلوب ويمنع من الوصول إليه فهو حجاب، كالستر والبواب والجسم والعجز والمعصية. (الكليات/الكفوي. ص.360).
“الحجاب: اسم ما احتُجب به، وكل ما آل بين شيئين: حجاب، والجمع حُجُب لا غير. وقوله تعالى “ومن بيننا وبينك حجاب، معناه: ومن بيننا وبينك حاجز في النحلة والدين” (لسان العرب. الجزء 1. ص.298).
و”الحجاب في مضمون القرآن ليس نقابا أو حجابا، ولكنه باب أو ستر يحجب من في الداخل ويفرض على الداخل الاستئذان، وهذا هو المعنى الذي جاء في القرآن لكلمة ’حجاب’ وأنها اقترنت بآيات الاستئذان كما أنها لم ترد إلا بصدد الحديث عن زوجات الرسول” (جمال البنا؛ المرأة المسلمة بين تحرير القرآن وتقييد الفقهاء، دار الفكر الإسلامي – القاهرة 19989). ويلاحظ فؤاد زكرياء أن “ارتداء الحجاب يقع عند نقطة التقاء بين إنكار الجسد واتهامه وبين الاهتمام المفرط بالجسد والخطر الذي يمكن أن يلقيه على المرأة نفسها كما على الآخرين.. يفترض لها أن تكون ذات مظهر متقشف، وأن تكون متوجسة وعدوانية إزاء الآخرين وإزاء دوافعهم المحتملة وأن تقلل إلى الحد الأدنى الاختلاط بالرجال. إلا أنها في الوقت ذاته يفترض أن تتصرف كأنثى كاملة جنسيا مع زوجها. ويتوقع من المرأة أن تجمع النقيضين: العفة والنشاط الجنسي الرغائبي. عليها باستمرار أن تعاكس مظهرها المتواضع، بل والكئيب وتثبت لزوجها أنها امرأة مرغوبة”2.
إن الخوض في الحديث حول الحجاب الذي صار قضية كبرى هو من قبيل الاستمناءالمعرفي والفقهي، الذي لا طائل من ورائه، وهو أقرب إلى إلهاء الناس منه إلى الدعوة إلى التشبث بتعاليم الوقار. فإذا كان البعض قد رأى في “الملالي والكلاشنكوف” رمزا للصحوة الإسلامية و “الأصولية”، فإن الحجاب والدعوة إلى إعادة تطبيق الشريعة الإسلامية شكَّلا رمزا آخر قويا لها تحت تأثير الصحوة الإسلامية. فارتدت الكثير من النساء “الزي الإسلامي” وسعين إلى إعادة تعريف هويتهن على نحو يعتبرنه تطويعا أكثر أصالة للحداثة ولمتطلبات ديانتهن وثقافتهن، وكحال الرجال، داخل الحركة الإسلامية، فقد صرن يشكلن نخبة بديلة تتمتعن بتكوين حديث، لكنهن أكثر تأثرا بالإسلام الرسمي مما كان عليه حال جداتهن. وقد صار الهم الأوحد هو إيلاء المزيد من الاهتمام للممارسات الدينية الشكلية كالصلاة والصيام والملبس وقيم العازلية. وهكذا اخترقت هذه الحركات السياق العام والحياة العامة، مما دفع بالحكومات إلى التقرب أكثر من الإسلام لتعزيز شرعيتها بهدف التعبئة، مما زاد من دعمها، فتحدت المنظمات والأحزاب وادعت أن الوضع القـائم الذي يعيش ترديا لا يمكن تجاوزه إلا “بالحل الاسلامي” 3وهذا ما دفعها إلى المناداة بإصلاحات سياسية واجتماعية.
أما المرأة، فقد أخذت النصيب الأوفر من الخطاب الفقهي برمته، إذ لم تترك صغيرة ولا كبيرة، لها صلة بالمرأة جسدا أو كائنا في علاقتها بالرجـل الذي لـم تخلق إلا له من أجل “التلذذ بها” و “الاستمتاع بها”4، إلا واستطرد في الحديث فيها ومناقشتها، وعرض كل الآراء والمذاهب. وهكذا نقرأ جدلا حول ما يجب على الرجل من نفقة علىالمرأة، فترى الشافعية أنه “يفرض على الزوج المعسر لزوجته فجر كل يوم مد من طعام”.. “ويجب عليه الماءاللازم للشرب والنظافة والاغتسال منه. أما الاغتسال بسبب غيره كالحيض والاحتلام فلا يجب عليه”.. “أما الخضاب والزينة فإنها لا تجب عليه”… واختلف الفقهاء بالنسبة لنفقة تجهيز الزوجة، فذهب ابن القاسم من المالكية إلى أنه لاشيء على الزوج، سواء كانت الزوجة غنية أم فقيرة، دخل أو لم يدخل.
غير أن المثير في هذا الخطاب، هو اهتمامه اللامشروط بالمرأة وما يجب عليها من واجبات تجاه زوجها، لكن من غير أن نجد أي إشارة أو إثارة لقضية، من أخطر القضايا التي كانت تطفو على سطح الحياة السياسية على مر التاريخ العربي الإسلامي، ونقصد الخلافة وشؤون السياسة وتدبير الشؤون العامة (العلاقة بين الراعي والرعية). وهكذا تخلو (أوتكاد) المصنفات من هذا الموضوع، في الوقت الذي تفرد صفحات لدم الحيض والاغتسال من الجنابة، وما يجوز وما لا يجوز في الجماع. ويرى أنصار هذا الخطاب أن الإسلام كرم المرأة ومجدها ووهبها حقوقا لم تكن تتمتع بها، فـ”كيف يمكن أن يكرم الإسلام الإنسان (أي الذكروالأنثى) ويضطهد النساء؟ كيف تنسخ آيات من كلام الله في حياة النبي احتراما لتغير الأحكام بتغير الظروف والأزمان ويوقف الفقهاء عقارب الساعة عند الأحكام الصادرة في صدر الإسلام؟ كيف يعطي القرآن مكانة أولى للعقل والعاقلين ويقتل السلفيون العقل باسم النقل؟ لماذا يحث الإسلام على طلب المعرفة والعلم إن كان “كل شيء موجود والحمد لله”5.
في حين تبقى قضية الردة، هي مصدر الكثير من التشويش والكيل بمكيالين. فإلى جانب غموض المفهوم فإنه بتتبعه عبر تاريخ الإسلام نجد أنه “استعمل” بحمولة سياسية دائما اتخذت سلاحا من لدن “السلطة ومن طرف المتمردين عليها علىالسواء، كل يجد فيها ضالته التي ينشدها، أي ما يبرر دينيا العنف بشكليه، العنف الرسمي والعنف التمردي أو الثوري”6، وهذا ما يكشف عن علاقة “الردة” بعلاقة السلطة بالدين، ومدى توظيفها له في عملية السيطرة أو التحريض، فالإسلام كغيره من الأديان استخدمته الطبقات الحاكمة والأحزاب والجماعات والأفراد لتحقيق مصالحها الخاصة، وقد عززت مواقفها بالنصوص الدينية، مشددة على بعضها، ومهملة لأخرى في عملية انتقائية مغرضة. وإجمالا فإن حكم “الردة” لا يُقبل منطقا وعقلا. إنما هو بلية ولا أثر له في الكتاب (القرآن) على وجه الإطلاق7. وكان طوال تاريخ الإسلام يستعمل كأداة لصد كل من عارض الخطاب الرسمي، سواء تعلق الأمر بالسياسة أم بالفكر. وهو ما يعني أن السلط الحاكمة لم تكن تجد منفذا للتخلص من معارضيها، سوى القذف بالردة، والتكفير، مادام أنها لم تكن تملك من وسائل أخرى ناجعة تتخلص من كل الآراء التي كانت تتناقض وتتعارض مع توجهاتها وخطاباتها الرسمية.
ومسألة اضطهاد وردع الآراء المخالفة من الأمور التي كانت مألوفة في العصور الإسلامية، خصوصا حين كانت تفتقد إلى الحجة، وحين كانت تفتقر إلى الأدوات القانونية الضرورية الكفيلة بتنظيم المجتمع، والتواصل معه ومع الأفكار الرائجة، ولهذا كان التهديد والوعد والوعيد وإشهار السيوف بصرامة وبلا تردد في وجه كل مفكر تجرأ على مخالفة، خصوصا بعد الهيمنة المطلقة للفكر السني اللاعقلاني الذي ظل يجتهد من أجل إقفال كل أبواب الاجتهاد والوقوف في وجه كل اشتغال بالفلسفة والمنطق اللذين كان مآلهما دائما التحريم، واللذين لم تكن تنفع أمامها سوى أساليب التكفير وسلاح الردة. فاستبد الشرع ممثلا في السلطة الحاكمة التي كانت ترى في الفلسفة، وبالتالي العقل والعقلانية، خطرا يتهددها فكانت تلجأ إلى التحالف مع الفقهاء الذين صاروا، مع الوقت، هم الذين يملكون الحقيقة والمعرفة، بل إن لفظ “العالم” لم يعد يطلق إلا عليهم، وهكذا اختفت العلوم الدنيوية المهتمة بقضايا الحياة الإنسانية والفرد، مما حول رجال الدين إلى علماء في الرياضيات والكيمياء والاجتماع والاقتصاد، فسيطرت على هؤلاء فكرة تطويع العلم لأغراض الدين لتتحول إلى مجرد معلومات يتم تداولها من خلال متون عقيمة وضعت لكي تحفظ وتستظهر فقط.
فلماذا قتل عقل الاجتهاد فينا، واقتصرنا على الاتباع، ثم هل يعقل العيش تحت رحمة اجتهادات رجال هم بشر في البداية والمنتهى؟
إن ما سعينا إليه من خلال عرضنا لهذه القضايا الثلاث، هو تلمس الأسباب التي تكمن وراء استعمال الدين الذي لا يكون هو الهدف في ذاته، وإنما مطية لتحقيق أغراض نفعية ذات صلة بأهداف سياسية بالدرجة الأولى. ولعل ما يغذي هذا المسار ويشحنه ويغذيه، هو طبيعة القراءات التي لا زالت تنتج فيما يخص تفسير النص القرآني والخطاب الفقهي/الشرعي، بحيث “يمكن إبداء ملاحظة أولية مفادها أنه يعسر العثور على الجديد في المستوى المعرفي للتفاسير “المعاصرة” طالما لم يحصل جديد في البناء المنهجي الذي يُحكم العلاقة بين المفسر والنص”، وهذا ما يعني أن كل التفاسير التي أتت بعد عصر الاجتهاد لم تستطع الانزياح عن الإطار العام الذي رسمه من خاضوا في الباب من القدامى. ولذلك فإن سمة “التقديس” هي التي تحكم كل أنواع العلاقات بين “التراثيين العصريين” والنص المقدس، كخطاب مركزي، إلى جانب الخطاب الفقهي والشرعي وما رافقهما من تفاسير وشروح. وهذا الخطاب هو الذي أضحى الوسيط بين الذات القارئة، راهنا، والمقروء. وعلى هذا النحو يتم إدراك وفهم “قدسية النص القرآني. إنها تعني قدسية المصدر وقدسية فهمه والأدوات المستعملة لذلك الفهم ومن ثم قدسية المعرفة والهوية والتاريخ”، في حين “إن التفاسير الموروثة ليست إلا تعبيرا عن أوضاع ذهنية اجتماعية محددة وأنه ينبغي بناء على ذلك إعادة تفسير القرآن على ضوء معطيات العصر أمرا أكيدا وضروريا إذ أن الدين لا يقدم ذاته بذاته بل يتـمثل عـبر درجة وعي معتنقيه ومستوى نموهم”.
يبدو جليا أن أزمة الفهم والقراءة ومن ثم التواصل مع التراث، تأتي من أزمة العقل الذي يتم تكبيله وقمعه. كما أنه نتيجة الحجْر المعرفي الذي يمارس في كل القضايا التي يتم التعامل معه، ولعل أولى شروط الفهم الواعي بالراهن وخصوصيات السياقات الثقافية، هو فك هذا الحجر المعرفي وإنهاء العزلة التي فرضت على الخطاب القرآني، في ذاته، من خلال “النصوص الثانية” التي أنتجت حوله.
والمقصود بالنصوص الثانية، هنا، مجموع ما صدر من تفاسير وشروح، من جهة، ومجموع ما جمع من أحاديث النبي. ولعل من كبرى الإشكاليات التي تطرح، اليوم، هي مسألة الأحاديث النبوية التي يتم التسليم بها بصورة مطلقة دون أي مناقشة أو تبصر. خصوصا إذا وردت في إحدى مدونات الصحاح. فحتى تصنيف الأحاديث، من حيث صحتها وضعفها يظل يحتكم فيه إلى ما صدر عن القدامى. وهنا يتم التغاضي عن النقاشات المعرفية القوية التي واكبت عملية جمع الأحاديث، ومنهم من لا يضع متن الحديث ولكن ربما وضع للمتن الضعيف إسنادا صحيحا مشهورا. ومنهم من يقلب الأسانيد أو يزيد فيها ويتعمد ذلك إما للإعراب عن غيره وإما لرفع الجهالة عن نفسه. ومنهم من يكذب فيدعي سماع ما لم يسمع ولقاء من لم يلق ويحدث بأحاديث الصحيحة عنهم. ومنهم من يعمد إلى كلام الصحابة وغيرهم وحكم العرب والحكماء فينسبها إلى الرسول ص.” (الشيخ محمد الحصري بك؛ تاريخ التشريع الإسلامي؛ نشر دار الفكر- الطبعة السابعة 1981ص.141).
إذ بالعودة إلى عصور تدوين هذا الخطاب نجد العديد من الآراء، بحيث لم يتوقف الخلفاءالراشدون عن النهي عن جمع الحديث في أيامهم، خشية أن يقع خلط بينه وبين الخطاب القرآني. قال الحافظ روى شعبة وغيره عن بيان عن الشعبي عن قرظة ابن كعب قال لما سيرنا عمر إلى العراق مشى معنا عمر وقال أتدرون لم شيعتكم؟ قالوا:نعم مكرمة لنا، قال: ومع ذلك فإنكم تأتون أهل قرية لهم دوي بالقرآن كدوي النحل فلا تصدوهم بالأحاديث فتشغلوهم جردوا القرآن وأقلوا الرواية عن رسول الله وأنا شريككم، فلما قدم قرظة قالوا حدثنا فقال نهانا عمر.
–روى عن الدراوردي عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة وقلت له أكنت تحدث في زمان عمر هكذا فقال لو كنت أحدث في زمان عمر مثل ما أحدثكم لضربني بمخفقته.
–روى عن معن بن عيسى قال أنبأنا مالك عن عبد الله بن إدريس عن شعبة عن سعيد بن إبراهيم عن أبيه أن عمر حبس ثلاثة، ابن مسعود وأبا الدرداء وأبا مسعود الأنصاري، فقال قد أكثرتهم الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ـ ذكر في ترجمة عبد الله بن مسعود أنه كان يقل من الرواية للحديث ويتورع في الألفاظ (ولعل هذا من آثار عمر) وروى عن أبي عمرو الشيباني قال كنت أجلس إلى بن مسعود حولا لا يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم استقلته الرعدة وقال هكذا أو نحو ذا أو قريب من ذا أو أو.. ” وروى الحافظ الذهبي في “تذكرة الحفاظ” قال: ومن مراسيل ابن أبي مليكة أن الصدّيق جميع الناس بعد وفاة نبيهم فقال إنكم تحدثون عن رسول الله ص أحاديث تختلفون فيها والناس بعدكم أشد اختلافا فلا تحدثوا عن رسول الله شيئا فمن سألكم فقولوا بيننا وبينكم كتاب الله فاستحلوا حلاله وحرموا حرامه. (الشيخ محمد الحضري بك؛ تاريخ التشريع الإسلامي؛ نشر دار الفكر- الطبعة السابعة 1981ص.108-109).
ثم أثير الجدل حول مدى أهمية تدوين الحديث، وهل من المصلحة جمع الحديث وتدوينه أولا؟ ثم ذهب هذا الخلاف واستقر الرأي على تدوينه، وحين أقبل منتصف القرن الثاني بدأ التأليف في الحديث وانتشرت هذه النزعة في باقي الأمصار وفي عصور متقاربة.ثم تكرر النقاش حول مفهوم الصحة، حين أقدم البخاريعلى تدوين صحيحهالذي سيتحول إلى بنية ثابتة في الخطاب الفقهي، وليصير سلطة رمزية ودينية دائمة ومطلقة لا يمكن مناقشتها ولا الخوض في تفاصيل مكوناتها، بحيث صار ما تضمنه هذا الصحيح من البدهيات التي لا تقبل الرد. وصارت معه عملية التواصل مع المصدر الديني لا تتم إلا عبر هذه الصحاح التي قيلت فيها الكلمة الأخيرة. وقد سبق لابن خلدون أن ميز ” ما لا يقل عن ثمانية أنواع من الحديث، وقد صنفها طبقات تتدرج من الصحيح إلى الموضوع. أما أحمد بن حنبل (وهو من أكثر أئمة الفقه تمسكا بالتقليد والنقل) فقد أقر خمسين ألف حديث، في حين أن أبا حنيفة (وهو مؤسس مدرسة لا تقل عراقة عن مذهب ابن حنبل، لكنه من أكثر العلماء تفتحا وتحررا) لم يستبقِ من الأحاديث النبوية المروية سوى سبعة عشر حديثا.
اعتبر جميع علماءالسنة، منذ قرون عديدة إلى يومنا هذا، أن الأحاديث الواردة في الصحيحين (صحيح البخاري وصحيح مسلم) أحاديث صحيحة، وهم يعتبرون هذين الأثرين مرجعين ثابتين، غير أن بعض الأحاديث التي يتضمنها هذان الأثران اللذان شاع أنهما من أكثر مدونات الحديث صحة، يعسر إسنادها إلى الرسول إسنادا متماشيا مع الصواب . لقد ولد البخاري سنة 194 هـ. وهذا له دلالة، أي إن المسافة الزمنية بينه وبين الخطاب الذي يحقق في صحته مسافة لا يستهان بها، إذا أضفنا إليها المسافة الجغرافية وظروف الواقع الإسلامي وتقنياته المتواضعة، إن لم نقل البدائية.
وقد تعرض الرجل لعدة انتقادات من قبل “حفاظ الحديث في بعض أحاديث بلغت 110، منها 32 حديثا اتفق فيها هو ومسلم، و78 انفرد بها البخاري، ووجه الانتقاد فيها عللا كما يعبر ذلك المحدِّثون،[..] أن بعض الرجال الذين روى لهم غير ثقات. وقد ضعَّف الحُفَّاظ من رجال البخاري نحو الثمانين” (أحمد أمين؛ ضحى الإسلام. ج2.)
وقال الخطيب البغدادي “البخاري قد يقع له الغلط في أهل الشام، وذلك أنه أخذ كتبهم فنظر فيها، فربما ذكره الواحد منهم بكنيته، ويذكره في موضع آخر باسمه، ويتوهم أنهما اثنان، فأما مسلم فقلما يقع له الغلط” (13/102)
وأورد ابن حجر في هدى الساري، ج1. ص.5 قال الحافظ أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد المسملى “انتسخت كتاب البخاري من أصله الذي كان عند صاحبه (أي صاحب البخاري) محمد بن يوسف الفربزي فرأيت فيه أشياء لم تتم وأشياء مبيضة، منها تراجم لم يُثبت بعدها شيئا، ومنها أحاديث لم يترجم لها، فأضفنا بعض ذلك إلى بعض”..
والتساؤل الذي يتبادر إلينا، هو من أين جاءت هذه القداسة، وما مصدرها؟ ثم لماذا؟ وما الذي يجعلها أكثر تضخما واتساعا كلما زادت المسافة الزمنية بينها وبين متلقيها؟ ثم لماذا يتم محو كل السياق الذي جاءت فيه، وتغيب كل جوانبها التاريخية، وبهذا يقع التسليم بأن الأحداث التي تلت وفاة الرسول، هي أحداث دينية وليست أحداثا تاريخية على غرار ما كان يحدث أيام الدعوة. في حين أن ما حدث هو من صميم الصيرورة التاريخية، وإنها أحداث ووقائع من إنتاج البشر، ولا دخل لقوى أخرى في ذلك.
لقد اشتدت النقاشات الفكرية ما بين أنصار التقليدية والمحدثين والتي كانت قد ابتدأت في منتصف القرن السابق بدخول طروحات وتفسيرات جديدة. وازداد الوضع تعقيدا بظهور الحركات الإسلامية ذات النزعة الماضوية التي تشتغل على تقديس الماضي ووضع نمط من الخطاب التراثي في المركز مع استعماله في تدعيم الحجج التي ترمي إليها. ففي الوقت الذي ركز المحدثون جهودهم على إعادة تفسير القضايا الإسلامية بغية تحديث تعاليمه وتقاليده، انهمكت الحركة الإسلامية، في الوقت الراهن، في عملية أسلمة الحداثة.وهو ما جر العقل العربي إلى متاهات تنمي النقيض بحيث صارت الحسابات مختلفة، إذ ما يهم في المرأة هو أن تكون محجبة خارجيا وحرة داخليا، أما العكس فهو المشكل، بحيث ليس المهم هو ماهية الأشياء وإنما الشيء في ذاته ولذاته. ونحن لا نعي أن هذا الموقف هو الذي يصفق له الخصم ويشجعنا على المضي فيه أبدا كما يقول الأستاذ عبد الله العروي.
—
هوامش:
1- هاشم صالح؛ حول مفهوم »الحس التاريخي«. الوحدة. العدد 81. يونيو 1991- ص.13
2- د.إردن أوزبودن؛ التراث الحضاري والتنظيم السياسي؛ ضمن كتاب: حقوق المرأة في الإسلام. ص.165
3- نقلا عن: الإسلام والجنوسة، والتغير الاجتماعي؛ ص.59
4- جون أل.اسبوزيتو؛ النساء في الإسلام وفي المجتمعات المسلمة. الإسلام والجنوسة، والتغيرالاجتماعي. ص.13