
في “الحثّ على الفلسفة” وهو كتابٌ منسوبٌ إلى أرسطو عُرف قديما بعنوان “بروتريبتكوس”، وضع أرسطو أعداء الفلسفة أمام خيارين: إمّا أن يتفلسفوا أو لا يتفلسفوا، فإن قالوا يجب التفلسف، تفلسفوا، وإن قالوا لا يجب التفلسف، فعليهم أن يعطوا البراهين والحجج لعدم التفلسف، والبراهين والحجج هي من جوهر الفلسفة، ولذلك وجب عليهم التفلسف دائما. الفلسفة، حسب أرسطو، هي مسألة حياة أو موت. ولقد وصلت به حدّة الوعي بضرورة تعاطي الفلسفة إلى القول: “ينبغي على الإنسان إمّا أن يتفلسف أو يُودّع الحياة ويمضي من هنا، إذ يبدو أن كل ما عدا ذلك إنما هو ثرثرة حمقاء ولَغو فارغ(1)”.
ويبدو أنّ الفيلسوف العربيّ “الكندي”، وجد نفسه أمام تهجّمات على الفلسفة من هذا القبيل، أو أكثر حدّة، لأنّ إدانتها جاءت من الفقهاء وحماة الدين، الذين هم في حقيقة الأمر يذبّون “عن كراسيهم المزوّرة التي نصبوها عن غير استحقاق، بل للترؤّس والتجارة بالدين(2)”. الكندي يردّ على معارضي الفلسفة في العالم الإسلامي بنفس الحجة التي ردّ بها أرسطو على منتقديها. قال: “باضطرار يجب على ألسنة المضادّين لها اقتناؤها وذلك أنهم لا يخلون من أن يقولوا: إن اقتناءها يجب أو لا يجب. فإن قالوا يجب، وجب طلبها عليهم، وإن قالوا إنها لا تجب وجب عليهم أن يُحضروا علّة ذلك، وأن يُعطوا على ذلك برهانا. وإعطاء العلة والبرهان من قُنية علم الأشياء بحقائقها. فواجب إذن طلب هذه القُنية بألسنتهم، والتمسّك بها اضطرار عليهم(3)”.
إنّ ضرورة الفلسفة تنبع من أنّ تعاطيها ينزع على الإنسان مشاعر العدوانية وسلطة القوّة، ذلك أنه “كلّما اقترن الجهل بالقوّة والسلطة تولّد عن ذلك الجنون” أي جنون العظمة. فالذين ساءت نفوسهم، يقول أرسطو، إن عُدِموا الحكمة والتبصّر «فلن ينفعهم الثراء ولا القوّة ولا الجمال شيئا، بل كلّما توافرت هذه الأمور ازداد ضررها على صاحبها(4)». فتصريف شؤون الحياة، والمعاملات الإنسانية تصبح ذات صبغة أخرى حينما نتفلسف، وفعلا، في هذه الحال يصل أرسطو أفكاره بالخيار الأفلاطوني من ضرورة جعل أصحاب السلطة فلاسفة، أي بلغتنا المعاصرة، أن يكون لديهم زاد معرفيّ مرموق، ولا يسبحون في الجهل كما هي حال معظم الحكّام الآن. «يجب علينا أن نصبح فلاسفة إذا أردنا أن نصرّف شؤون الدولة بصورة صحيحة، ونُشكّل حياتنا الخاصة بطريقة نافعة». الفلسفة هي المعرفة الوحيدة التي تهتمّ بالبحث عن المبادئ الأولى، فهي علم غير إنتاجيّ، بل تأسيسيّ، وبها يستطيع الإنسان التوصّل للحُكم الصحيح واستخدام العقل بحيث يضع الخير نصب عينيه. ثم إن الفلسفة في جوهرها هي مطلب إنساني، لأنها تعتني بتهذيب أرقى الملكات الإنسانية، أي العقل وهو الغاية الأخيرة التي من أجلها نشأنا «وإذا صحّ القول أننا وُجدنا وفقا للطبيعة، فقد اتضح أننا نعيش أيضا لكي نفكّر في شيء ولكي نتعلّم(5)». لقد قال فيثاغورس عندما سئل عن الغاية من وجوده «لكي أتأمّل السماء. وقد تعوّد أن يصف نفسه بأنه إنسان يتأمل السماء وأنه إنما جاء إلى الحياة من أجل هذا الغرض»، وبالمثل فإنّ أنكساغوراس حينما سئل هو أيضا عن الهدف الذي يمكن أن يبتغيه الإنسان من مولده وحياته، أجاب “لكي يتأمّل السماء والنجوم والقمر والشمس، وكأنّ كل ما عدا ذلك لا يستحقّ عناء الجهد”(6).
الفلسفة إذن هي مطلب إنسانيّ معرفيّ تثقيفيّ من جهة، وعمليّ سياسيّ من جهة أخرى، تعود على المجموعة والفرد بالخير. أرسطو يقول بأن من يريد أن يكون سعيدا فلا بدّ له من أن يتفلسف(7). فبسبب أن أرقى ملكات الإنسان هي العقل، وبما أن فاعلية العقل هي التفكير والتأمّل في نظام الكون، فكل مسعى للإنسان لا بدّ أن يتخذ كهدف تلك الفاعلية لذاتها دون غايات خارجة عنها. فالتفكير المحض، يقول أرسطو هو «أشرف وأرقى من التفكير الذي يكون (مجرّد) خادم (يُتوسّل به) لبلوغ شيء آخر. إن التفكير الخالص يَستمدّ شرفه من ذاته، وحكمة (العقل) هي الشيء الذي يستحق (من الإنسان) أن يسعى لطلبه منه، كما أن الفطنة العملية في الحياة جديرة بالسعي إليها من أجل الفعل (أو السلوك). وإذا، فالخير والشرف ملازمان للتفكير الفلسفي قبل كل شيء آخر(8)». الفلسفة تقي الإنسان من التسرع في اتخاذ القرارات، أو الوقوع تحت وطأة الاتفاق والصدفة، فالحياة العقلية، يؤكّد أرسطو، هي الوحيدة التي لا يمكن فصلها عن الخير، بل هي متضمنة في تصوّر الخير ذاته «ولذلك فإن الرجل الفاضل الذي يحيا هذا النوع من الحياة، لا يقع ضحية للصدفة، بل يعرف أكثر من غيره من الناس كيف يحرّر نفسه من قبضتها(9)».
وقد يتذرّع، مَن لا يرغب في تعاطي الفلسفة، بصعوبتها وبعدم جدواها في الحياة العملية، لكنّ أرسطو يرى على العكس من ذلك أن صناعة الفلسفة يسيرة ونافعة. أما أن تحصيل المعرفة الفلسفية أهون على النفس من تحصيل أي شيء آخر، هو أن الذين يَهبون حياتهم للفلسفة لا يتلقون من الناس أجرا يمكن أن يحفزهم على مثل هذا الجهد. ثم إن جميع الناس يأنسون للفلسفة ويريدون عن طيب خاطر أن يتفرّغوا لها ويتركوا كل ما عداها، وهذا حسب أرسطو لهو «دليل لا يُستهان به على أن الاشتغال بها متعة، ولو كانت مجرد جهد وعناء لما فكّر أحد أن يُشقي نفسه بها وقتا طويلا(10)». إن سهولة تعاطي الفلسفة يكمن أيضا في أنها هي النشاط الوحيد الذي «لا يحتاج المرء في ممارسته إلى أي أدوات أو أمكنة خاصة، بل حيثما وجد على الأرض إنسان يهتمّ بالتفكير، فقد وجدت لديه كذلك القدرة على الإمساك بالحقيقة كأنها حاضرة بين يديه(11)».
أما بخصوص نفعية الفلسفة (نفعية غير مباشرة)، فإن الشكّ في كونها مجرّد خطاب كلّي بعيدا عن الجزئيات من أفعال وأحداث، يتبدّد إن علمنا بأن المعرفة الحقَّ لها أسس ومبادئ أولى تُردّ إليها. فالمرء لا يقدر فهم معاني الجزئيات لو لم يُدرك مسبقا مبادءها الأولى: لا يستطيع أحدنا مثلا (المثال لأرسطو) أن يفهم الكلمات المنطوقة إذا كان لا يعرف المقاطع، ولا يتسنى له أن يفهم المقاطع إذا كان لا يعرف شيئا عن الحروف، ولذلك فإن امتلاك معرفة بالمبادئ الأولى هو أساس العلم النظري الذي يسمح بالانتفاع بها في المصالح العملية الجزئية. إن امتلاك هذه المبادئ الكلية الأولى، وتفعيل طاقتنا الذهنية بدراية وحكمة، ستعود علينا حتما بالمنفعة: «فما من شيء [جزئيّ] (يمكن أن) يبدو لنا خيرا إن لم تتحقق الغاية منه عن طريق التدبّر والنشاط العاقل الحكيم، وسواء أكانت الحياة السعيدة تكمن في البهجة والهناء أم في الفضيلة أم في التعقل، فلا بدّ للإنسان في كل هذه الأحوال من أن يتفلسف، لأننا لا نتوصّل إلى الرأي الواضح في كلّ هذه الأمور إلاّ عن طريق التفلسف». لكن الفلسفة، على كل حال، تعلو على النظرة النفعية المباشرة التي يُروّج لها الخطباء مثل أيزوقراطس أو بعض السفسطائيين، ذلك لأن حسب أرسطو «مَن يبحث في كل علم عن نتيجة مختلفة عنه ويتطلّب من كل معرفة أن تكون نافعة إنما يجهل تمام الجهل مدى الفارق الأساسي بين ما هو خير وما هو ضروري(12)». لا أحد ينكر ضرورة تلبية الحاجيات الطبيعية، ولكن لا يمكننا أن نبقى منهمكين باستمرار في البحث عن تلبية رغباتنا الحياتية العملية دون الالتفات إلى الجانب النظري، الفكري، وأن نعرض عن أهم ما يخصنا كبشرية عاقلة. ولهذا، يقول أرسطو: «لا ينبغي علينا أن نبتئس إذا بدا لنا أن التفلسف غير نافع أو مفيد، لأننا لا نؤكّد أنه مفيد وإنما أنه خير، وأن ليس على الإنسان أن يختاره من أجل شيء آخر، بل عليه أن يختاره لذاته(13)».
أرسطو يُعطي مثالا لإيضاح هذه الفكرة، وهو أن أحدنا يتحمّل عناء السفر إلى أوليمبيا لمشاهدة التمثيل، حتى ولو أنه لا يحصل على أي مكسب مادي، وكذلك فإننا لا نتفرّج على الاحتفالات المسرحية في الأعياد الديونيزية لكي نأخذ شيئا من الممثلين ـ فنحن في الواقع ننفق عليها من مالنا ـ وكما أننا نقدّر الكثير من المشاهد التمثيلية الأخرى تقديرا يفوق ثروة وفيرة، فسوف يقدّر المرء تأمل الكون تقديرا يفوق (في قيمته) كل تلك الأشياء التي تُعَدّ في نظر الرأي العام أشياء نافعة. النتيجة هي أن «التفلسف خير وأنه إذا أُخذ في ذاته جدير بالشرف والتكريم، حتى ولو لم يترتّب عليه شيء نافع في الحياة العملية(14)». ومع ذلك فإن أرسطو لا يسد الباب أمام الانتفاع بالنظرية في الممارسة والدليل على ذلك أنه إن شبّهنا التعقل بفعل الإبصار فسنرى أنه يساعدنا على تصريف أعمالنا بطريقة جيدة: «فكما أن قوّة الإبصار لا تخلق شيئا ولا تُوجد شيئا، لأن مهمّتها الوحيدة هي تمييز كل شيء من الأشياء المرئية على حدة وتوضيحه، وإن كانت تمكننا من عمل كل شيء وتساعدنا عند العمل أكبر مساعدة (إذ لولاها لأصبحنا عاجزين كل العجز عن الحركة)، فإن من الواضح أيضا أننا نستطيع عن طريق هذه المعرفة، رغم أنها نظرية، تحقيق حدٍّ لا يحصى من الأعمال، كما نستعين بها في تقرير الأخذ بشيء أو تجنب شيء آخر، وعلى الجملة فنحن نكتسب عن طريق هذه المعرفة كل ما هو خير(15)».
ولكن أكثر النفع الذي تعود به الفلسفة على الفرد يكمن في سعادة الحياة واستقامتها، فالذي يفكّر تفكيرا صحيحا، يقول أرسطو «يحيا أقْوَم حياة، والذي يبذل أقصى جهده من أجل الحقيقة هو الذي يتفرّد من دون الناس بأفضل حياة ممكنة، وهذا ما يفعله الإنسان الذي يفكّر ويتفلسف وفق أدق معرفة ممكنة. وتتوفّر الحياة الكاملة لأولئك الذين يمتلكون المعرفة الفلسفية عندما يتفلسفون(16)». إن تعاطي الفلسفة بجدّية هو أمر مفرح أيضا، وهو في أعلى مراتب الفرح، بحيث أنها تفوق البهجة التي نشعر بها في الأكل والشرب والمشي والجلوس. فالفرح الذي يصدر عن التفكير الفلسفي هو وحده، حسب أرسطو «الفرح بالحياة. هكذا تكون الحياة في فرح ويكون الإحساس الحقيقي بالفرح أمرا يختصّ به الفلاسفة وحدهم أو يتعلّق بهم على وجه التفضيل». ذلك أن فاعلية أصدق أفكارنا ـ يواصل أرسطو ـ التي تتغذّى على أسمى مبادئ الموجود وتُصرّ دائما على الاحتفاظ بالكمال الملازم لها، «هذه الفاعلية هي التي تتفوّق على كل ما عداها من الفعاليات في خلق الفرح بالحياة». وإذا كان ذلك كذلك، فلا مهرب للعقلاء «من أن يتفلسفوا لكي يستمتعوا بالأفراح الحقيقية الطيّبة(17)».
{{1 ـ فاتيمو ـ هايدغر ونهاية الفلسفة}}
الفلسفة، أي فعل التفكير النظري العقلاني، مرادفة للسعادة، للحياة البهيجة لحبّ الحقيقة، وبالتالي مطابقة لطبيعة الإنسان، ولذلك وجب التفلسف لأن القضية هي قضية حقيقة أو خطأ، فضيلة أو رذيلة، سعادة أو تعاسة، وبالجملة حياة أو موت. هذا ما قاله أرسطو منذ 2500 سنة تقريبا. ولكن مع مفكري العصر الحديث، وعلى رأسهم مارتن هايدغر، علينا أن ننسى كلّ هذا. الفلسفة بكل ما تحمله من شغف المعرفة وفضول نظري، وانعكاساتها الإيجابية على حياة الإنسان من حيث توفيرها حسن البقاء وتحصيل السعادة، والحياة البهيجة، والفضيلة العملية، وحبّ الحقيقة، ليس لها أي معنى، وهي مجرّد مخلفات رديئة للفكر التقني (الأفلاطوني الأرسطي) الذي نسي الوجود وانشغل بالموجود العيني.
الملفت للنظر أن فكرة نهاية الفلسفة التي تبدو ناشزة، أو بالأحرى كارثية، أصبحت رائجة في الساحة الثقافية الغربية وحتى العربية منذ الثمانينات من القرن المنصرم. “حنا آرندت” أصرّت في حوار تلفزي أنها ليست بفيلسوفة، والكل يعلم أنها تعلمت الفلسفة عن هايدغر، ودرّستها في الجامعات وكتبت فيها. “فوكو” يكرّر في غير ما موضع، وبشيء من الاستفزاز ، سواء في كتاباته أو في حواراته أنه ليس بفيلسوف، ولا يشتغل على الفلسفة، رغم أن جميع كتبه هي فلسفية ومعروف عند مثقفي العالم بكونه فيلسوفا، وليس كيميائيا، أو عالم ذرة، أو مؤرّخا محترفا، أو سوسيولوجيا.
كيف يمكن تفسير هذه الظاهرة؟ كيف نعلّل هذه الرهبة، أو حتى الخجل من أن يُطلق على أحدهم لقب فيلسوف؟ ثم ما الداعي إلى نكران الفلسفة أصلا من طرف من يتعاطاها أو يكتب فيها؟ وأخيرا مَن المستحدث لهذه البدعة؟
الفيلسوف الذي دعا إلى نهاية الفلسفة هو هايدغر، وهو الذي أدخل هذه البدعة (آخذ كلمة بدعة بمعناها الحرفي دون معناها الديني)، ولم يفعل أتباعه إلاّ أن روّجوها إلى حدّ أنها أصبحت شعارا يرفع من حين لآخر. لكن من وجهة نظر تاريخية الخطاب الذي يرى وجوب الخروج من الفلسفة أو تركها، أو منع الاشتغال بها هو الخطاب الديني. فالدين لا يقبل بوجود منظومة نظرية إنسانية، أي ابتدعها الإنسان بمحض ملكاته وباستقلال تام، تُفسّر الكون وتعطي معنى للحياة. ينبغي إذن أن تكون هناك منظومة واحدة، وفكر واحد، وخلاص واحد وهو ما يُزعم بأنه أوحى به الله إلى أنبيائه. لكن هذه بالنسبة للفيلسوف أسطورة، ولا يمكن أن يحملها على محمل الجدّ وإلاّ فقدَ عقله.
لكن الأمر المحيّر، كما قلتُ أعلاه، هو أن من دعا إلى الخروج من الفلسفة هو فيلسوف، وهو حسب أتباعه، من أعظم فلاسفة القرن العشرين. والأكثر حيرة أنه تكلّم في بعض الأحيان بخطاب شبيه بخطاب المؤمنين الذي يكرهون الفلسفة، لا من جهة تكفير من يتعاطاها، أو فساد منتحليها كما زعم ابن خلدون، بل من حيث نظرته التشاؤمية للإنسان، وتأملاته الخطيرة حول النهائية والموت، ثم، بعد أن سدّت كل المنافذ طفق يطلب العون من إله ما.
سنتناول في هذا المقال، وهو الجزء الثالث والأخير من سلسلة مقالات بعنوان “في نقد فلسفة هايدغر” إشكالية نهاية الفلسفة التي “بشّر” بها هايدغر، ونحاول الرجوع إلى نصوصه مباشرة، قراءتها وتحليلها، ثم إبداء رأينا الشخصي فيها. ولكن قبل الفحص عن محتواها ومناقشتها أودّ التعريج على أطروحات أحد أتباع هايدغر، الفيلسوف الإيطالي جانّي فاتيمو، الذي هو بدوره افتتن بهذه الفكرة وحاول إضفاء نوع من المشروعية عليها في وقتنا الراهن.
وأنطَلق بالتحديد من مقال له قرأه في الملتقى العالمي للفلسفة بإسطنبول بعنوان “هايدغر فيلسوف الديمقراطية”، عنوان استفزازي (provocatorio) كما أقرّ فاتيمو نفسه(18). ذلك لأن هايدغر كما يشير صراحة « لا يَبدو، طبعا، مفكرا ميّالا إلى الديمقراطية(19)».
نهاية الفلسفة، حسب قراءة فاتيمو لهايدغر، هي نتيجة حتمية لنهاية اليقينيات، لتجاوز النظرة الميتافيزيقية التي ترى أن الوجود هو نظام مُعطى موضوعيّا مرّة واحدة وكفى. «إذا كان الوجود هو بنية معطاة نهائيا، فإنه لا يمكن تصوّر أيّ انفتاح للتاريخ وأيّة حرّيّة(20)». ولكن انفتاح الإنسان على ديناميكية الوجود وامتلاكه لحرية الفعل، يُثبتان أن الفلسفة قد انتهت، أي أن تلك المنظومة التي تُقنن وتشرّع، وترغب في المسك بجوهر الأشياء الثابتة واستقصاء العلل الأولى، لم يعد لها مبرّرا للوجود.
فاتيمو يقول بأن هناك أحداثا راهنة تبيّن صدق أطروحة هايدغر، وأن خطابه حول نهاية الفلسفة ليس هو بالخطاب المجرّد. فهَجْر الفلسفة ـ يعني موتها ـ يؤيده الإحصائيات الراهنة وما يحصل في الجامعات. وهو كأستاذ جامعي قد عاين بنفسه هذه المتغيرات حيث إن عدد الطلبة المرَسّمين في قسم الفلسفة يتضاءل من سنة إلى أخرى، بالإضافة إلى النقصان الفادح في الاعتمادات التي تخصصها الدولة للدراسات الفلسفية، وهو دليل إضافي على الاضمحلال المستمر للفلسفة(21). هذا الذي يصفه فاتيمو هو إيذان بكارثة محققة، كارثة تمس الفلسفة ومستقبلها، وهو مدعاة للأسف لمدرسيها وطلبتها على حدّ سواء. كان عليه، كفيلسوف وأستاذ جامعي يُدرّس تلك المادّة، أن يُدين هذا المنعرج الخطير ويستنكره، لكن فاتيمو متماشيا مع هايدغر، وربما متشبثا بصدقية أطروحته تلك، يبرّر هذه الهجمة ضد الفلسفة قائلا بأن « كل هذا صائب ولا يمكن تفاديه، على الرغم من أنه مدعاة للأسف عند الكثير منا وبالخصوص طلبتنا. على كل حال هذا الأمر هو مَشهد ملموس جدّا لنهاية الفلسفة، التي تبدو أنها لا علاقة لها بالديمقراطية(22)».
نهاية الفلسفة تترك فراغا كبيرا، وهذا الفراغ لا يُمكن أن يُعَبّأ إلاّ بالجهل والعنف، كما توقّع فاتيمو نفسه حينما أعرب عن تخوفاته من أن سلطة الفيلسوف قد تُعَوَّض بسلطة أخطر وغير قابلة للضبط، أي سلطة التقنيّين وأصحاب الاختصاص في مختلف مجالات الحياة الاجتماعية.
لقد قام فاتيمو بمعادلة غريبة وناشزة، ثم على أساسها أخلص إلى استنتاج أكثر غرابة. في البداية قام بتحوير لعنوان محاضرة هايدغر فأصبح: « نهاية الفلسفة في المجتمعات الديمقراطية والمهمّة (السياسية) للفكر» هذه هي المقدمة، والنتيجة هي التالية: « لقد انتهى الدور المَلَكِي للفيلسوف لأن الملوك انتهوا(23)».
ماذا تبقى للمثقفين من دور نظري وعملي في المجتمع الحديث إذا انقرضت علومهم وانتهت مهامهم السياسية؟ يُجيب فاتيمو بأنه يجب العودة إلى ما نظّر إليه هايدغر، والقيام بمحاولة “تمدين ولايته”، على حدّ تعبير غادامير وهابرماز، وهذا التمدين يفرض تحرير هايدغر من تَصوّفه العميق. لقد أشار هايدغر، في محاضرته “نشأة العمل الفني” (1936)، إلى أن مِن بين الطرق المؤدية للحقيقة، الفنّ والدين، والأخلاق والسياسة والفكر الجوهري. لكن هذه الإشارات لم تجد لها تطويرا في فكره اللاحق، وعلى كلّ حال لا يمكن البحث عن حدث الوجود (l’evento dell’essere) بالعودة إلى تلك اللحظات المفضلة التي أولاها أهمية خاصة: الأعمال الشعرية الكبرى، كلام أنكسيمندر أو شعر بارمنيدس، أو قصائد هولدرلن.
إذا استبعدنا هذه العناصر المحورية من فلسفة هايدغر فما البديل إذن؟ وما المجال الذي ينبغي أن ينصبّ عليه الفكر الجديد؟ المجال عند فاتيمو هو أوسع من حدث الوجود، وعلى أية حال فهو يبقى غير محدّد المعالم، ربّما يكون أقرب إلى السياسة منه إلى الفلسفة. المصطلح الوحيد الذي وجده أمامه لوصف الفكر الجديد هو عبارة لفوكو استعادها فاتيمو بتصرّف: أنطولوجيا الحاضر. لا المستقبل ولا الماضي، ولا الشمولية، بل الحدث الوجودي الذي يتلمّح رويدا رويدا في التجربة الجماعية. المثقف الجديد، بعد تشتت العلوم واختصاصها، وبعد انتهاء الفلسفة كعلم شامل، هو شخص يشبه إلى حدّ بعيد القسّ أو الفنان (al prete o all’artista)، لكنه قسّ دون هَرَمية، وربّما فنان الطريق العام(24).
{{2 ـ تكهنات مستقبلية حول مصير الفلسفة:}}
دون أن نُحوّر عنوان محاضرة هايدغر، نتركه كما هو أعني “نهاية الفلسفة ومهمة الفكر”، ونحاول تتبّع نصه عن كثب متفادين القيام بأي تأويل تعسفي كالذي فعله فاتيمو. وأنبه القارئ، منذ البداية، أننا إن تجنّبنا التأويل التعسفي فإننا من الديمقراطية التي عزاها الفيلسوف الإيطالي لهايدغر لن نعثر على ذرة منها في هذا النص.
المحاضرة التي نحن بصددها يصفها هايدغر بأنها محاولة تأمّل في إشكالية معاصرة، تبقى في العمق مجرد تساؤل. الأسئلة هي أصناف من الطرق التي تؤدي إلى إجابة ممكنة، وفي حالة وجود إجابة فإن الهدف منها هو تغيير الفكر. خطاب نهاية الفلسفة يُموقعه هايدغر ضمن همومه منذ سنة 1930 وهو سؤال ما فتئ يتجدّد باستمرار، لكونه استعادة جذرية لمساءلة “الوجود والزمان”، ومحاولة القيام بنقد محايث(25). وكما رأينا عند مؤوّله الإيطالي فاتيمو، فإن خطاب هايدغر لا يخرج عن صنف خطابات نذيري الشرّ، الذين يُبشرون بنهاية العالم وبالطوفان ويوم القيامة. سؤالان مطروحان على الساحة، الأوّل: كيف دخلت الفلسفة، في الحقبة الراهنة، إلى مرحلتها الأخيرة؟ والثاني: ما المهمّة المخصصة للفكر بعد نهاية الفلسفة؟
المفكرون الذين يزعمون الانتساب إلى الفلسفة ويواصلون الكتابة فيها أو تدريسها يَخجَلون من القول بأن استشرافَهم لموتِ الفلسفة يعنون به الفلسفة بالذات، ولذلك فإنهم يُحاولون التقليل من حدّة هذه النبوءات الكارثية، ويختزلون الاشكالية في الميتافيزيقا فقط، كما فعل هايدغر هنا في نصه حينما يقول: «الفلسفة تعني الميتافيزيقا(26)». وما هي خاصيات الميتافيزيقا؟ خاصيتها المميزة هي التفكير في الموجود بكليته، بالنظر إلى الوجود. وهذا التفكير هو في جوهره بحث عن الأساس، ومحاولة لإدراكه، ومسكه وترويضه. الأساس هو الحضور، أو حسب كلمات هايدغر: «الأساس يتمظهر كحالة حضور الموجود(27)». بعبارة أخرى كل عمل التأسيس الفكري هو سيرورة تبدي إرادة القوّة التي تقيم المعايير.
وكما هو معلوم، فإنّ هايدغر لا يتحدّث هنا عن الفلسفة بل عن الميتافيزيقا، من حيث أن خاصيتها الأساسية هي الحفر في الأعماق والذهاب نحو الأسس المكوّنة. الفكر الميتافيزيقي ينطلق من الكائن الحاضر، يتمثله في حضوره، ويعرضه في أساسه من حيث هو مؤسَّس. لكن ما علاقة هذا بالفلسفة؟ وما معنى نهايتها؟ هذه الجملة التقريرية معناها لا يخرج من حيز الكلمات: النهاية تعني الانقطاع والانفصال على عكس الدوام والاتّصال. لكن الأمر ليس بهذه البساطة، لأن نهاية الفلسفة عند هايدغر مفادها “اكتمال الميتافيزيقا” وهذا الاكتمال لا يعني بحدّ ذاته كمالا ما، كأن يزعم أحدهم بأن الفلسفة في حالتها الأخيرة، حققت كمالها الأخير. فغياب الإطار المرجعيّ الثابت يمنعنا من الحكم على عصر ميتافيزيقي ما بأنه أرقى أو أفضل من آخر. لا مفاضلة إذن بين فكر أفلاطون ومن سبقه، أو بين فلسفة هيجل وفلسفة كانط. يجب أن نعترف بأن كل فلسفة هي ما هي، لا أكثر ولا أقلّ، دون أن نُفضّل أو نُعلِي من شأن واحدة على أخرى.
البعد التصوّفيّ الذي ذكره فاتيمو سابقا، والذي تَمَعّض منه لأنه يُحدث نوعا من البلبة والعتمة، يطفو على السطح في كل نصوص هايدغر. والتقنية هي ذاتها: إما السياحة والخروج عن الموضوع، أو تحليل الكلمات والعودة بها إلى أصولها الأولى (يونانية أو ألمانية وكفى)، ثم استخراج النتائج من خلال تلك العملية الفيلولوجية المشكوك في صحتها. وفي هذا النص تتنزّل بكثافة تلك العملية التي أصبحت عنده نوعا من الرياضة الفكرية، والتي مَرّت إلى أحبائه من الفلاسفة المعاصرين.
المعنى القديم للكلمة الألمانية “نهاية” (Ende) مرادف لكلمة “مكان” (Ort) فنحن نقول مثلا: “من نهاية إلى أخرى (von einem Ende zum anderen)” أي “من مكان إلى آخر”. وفقط بفضل بسيط هذا التشابه بين العبارتين في اللغة الألمانية القديمة، أخرج هايدغر كلمة نهاية من معناها الأبسط في كلّ اللغات، إلى معنى خاص به وحده، أو على أقص تقدير به وباللغة الألمانية القديمة، أعني من انتهاء الشيء واكتماله إلى “مكان”. ومن هذا التماهي اللفظي، أو “الفيلولوجي”، تنسَكِب الاستنتاجات الاعتباطية الواحدة تلو الأخرى: نهاية الفلسفة هي مكان ـ النقطة التي يتركّز فيها تاريخها بأقصى مدلوله. وهذا هو معنى النهاية كاكتمال: تجميع في مكان واحد. مِن الطرف إلى الطرف الآخر الفلسفة المُحدِّدة هي فلسفة أفلاطون، والميتافيزيقا من رأسها إلى أساسها هي أفلاطونية، ونيتشه نفسه تصوّر فلسفته كقلبٍ للأفلاطونية. لكن هايدغر يُقحم في هذه المعمعة كارل ماركس، الذي هو غائب عن فكره منذ البداية، ويقول بأن «مع قلب الميتافيزيقا، الذي تحقق مع كارل ماركس، فإن الإمكانية القصوى للفلسفة هي المستهدَفة. الفلسفة دخلت في مرحلتها الأخيرة. كل محاولة للتفكير الفلسفي لا يمكن أن تقود اليوم إلاّ إلى لعبة متغيرة من عملية إحياءٍ تقليدية(28)».
النهاية، من حيث أنّها استكمال، تعني تجميع الشيء في إمكانيات قصوى. وما يساعد على التنبؤ بتلك النهاية هو اختلاف العلوم وانصرامها من الفلسفة؛ وهذا الاستقلال الذاتي يُبدي فعلا معالم اكتمالها النهائي. الفلسفة يقول هايدغر «انتهت في عصرنا الحاضر(29)» وبالتالي فإن العلوم والتقنية والسيبرنيتيقا (Cybernétique) هي المآل الحتمي لنهاية الفلسفة، حيث وضَعَ الإنسان التقني بصماته على كوكب الأرض. لكن العلوم والتقنية التي يستخدمها الإنسان الحديث تبقى دائما محصورة في مجال الكينونة، في الظواهر المحسوسة فقط. وكما قد يحدس القارئ فإن هايدغر يستعرض هنا النقاط الأساسية التي يتمحور حولها فكره وبنود نقده للعلم وهذه عادة دائبة تخللت كل كتاباته من أولها إلى آخرها. ولا نستغرب كثيرا ـ لقد عرّجنا عليها في مقالات سابقة ـ حينما يقودنا هايدغر إلى الاكتشاف التالي وهو أن المَوقع الطبيعي لنهاية الفلسفة هو الغرب، وتحديدا أوروبا، ومنها انتشرت لكي تكتسح العالم أجمع: «نهاية الفلسفة تَعني بداية الحضارة الكونية من حيث انطلاقها من الفكر الغربي الأوروبي(30)». إذا آلت الفلسفة إلى هذه النهاية التعيسة فما البديل إذن؟ وهل انتهى التفكير مع موت الفلسفة؟ هل من نقطة أخرى يمكن أن ننطلق منها للاضطلاع بتلك المهمّة الفكرية خارج إطار الفلسفة (= الميتافيزيقا) والعلوم الصحيحة؟ عن هذه الأسئلة الخطابية، يردّ هايدغر بأن هناك مهمة للفكر بقيت مفتوحة ولم تُستَغلّ بعد، وهذه المهمّة، حسب رأيه، لها صفة التهيئة وليس التأسيس. إنها المُمكِن المُهمَل، أي حسب جدليته الغائمة: « يَكفيه [ أي الفكر] أن يستثير استفاقة قابلية الإنسان لإمكان ما، حدوده غامضة، ووقوعه غير مُتَحقَّق منه(31)». لكن علينا أن نحتفظ بهذا الخزّان، أي الممكن المُهمَل، رغم كل الغموض الذي يكتنفه ونلتزم به؛ هذا كل ما يجب أن يتعلّمه الفكر لكي يُغيّر الإنسان من وضعه.
إذن، الالتزام فقط (دون تحديد أو تعيين)، هذا كل ما ينبغي أن تضطلع به الفلسفة “الميّتة” وأن تتعلّمه، وبتعلمها تهيؤ لتحوّلٍ ذاتي. لكن هذا التحول ليس الغرض منه بناء إنسانية جديدة أو تفادي الحرب الدائمة، أو توزيع الثروات بالعدل بين شعوب العالم، هايدغر بعيد عن هذه الهموم الراهنة. فإشكاليته الوحيدة التي شغلت تفكيره ولاحقته طوال حياته، ثم سرّبها لجميع أتباعه إلى حدّ أنها أصبحت الأفق الذي غطى على جميع الإشكاليات الفلسفية، هي وضعية العلوم الصحيحة واستخداماتها التقنية. الالتزام الفكريّ، بعد نهاية الفلسفة، يتحول إلى تشخيص السبل التي تستطيع الحضارة العالمية الراهنة أن تتجاوز بها أفق التقنية العلمية الصناعية كمقياس أوحد لطريقة عيش الإنسان في هذا العالم. لكنّ الإنسانية، حسب اعتقاد هايدغر، غير قادرة من ذاتها وبقواها الخاصة على تجاوز إشكالاتها الخطيرة: العون يجب أن يأتي من صوت خارجي، من نداء رهيف تتقبّله الإنسانية وتنصت إليه بكل وقار. هذا الفكر الذي عوّض الفلسفة، أعني الفكر الذي تقتصر مهمته على مجرّد التهيئة لتحوّل جديد، لا يتنبّأ بالحال التي سيكون عليها المستقبل ولا يستطيع أن يُجيب عن سؤال: هل ستختفي الحضارة العالمية في وقت ما، أم أنها ستتحسن وتتقوى باستمرار في أشكال منظمة ومتجددة دائما؟ على الرغم من أن الفكر الجديد مُعفى من التنبؤ بالمستقبل أو بتكهّن حالة الوضع الذي ستكون عليه لاحقا فإن إشارات مضيئة، متأتية من تاريخ الغرب، أي من الفلسفة في بدايتها الأولى، قادرة على إنارة الطريق.
{{3 ـ لعبة الفيلولوجيا وانتهاء فلسفة هايدغر:}}
الفلسفة اليونانية (الأولى، فلاسفة ما قبل سقراط تحديدا) هي التي تعطينا الإشارات: ولنا أن نحدس بأنّ الإشارات المُعلَن عليها ستنبع من روح الغرب أي من لُغته. وهايدغر كعادته، ينطلق من ألفاظ بسيطة، ألمانية بحتة (أو يونانية فقط). إنّ طرْح مهمة الفكر المستقبلي يعني، من زاوية فلسفية، تحديد شأن الفكر، أي مسألة الفكر الدائمة ونقطة ارتكازه، وهذا ما يُعبَّر عنه بالألمانية بلفظة “Sache”، شيء. أفلاطون يستعمل في الرسالة السابعة عبارة “طو براغما آوتو” (το πραγμα αυτο) “الشيء ذاته”، والفلسفة الحديثة نادَت بالتفكير في الشيء ذاته (zur Sache selbst) في “شأنها الذاتي”. هذا الاستدعاء، أو النداء يمكن أن نسمعه من خلال النص الذي صدّر به هيجل كتابه لسنة 1807 تحت عنوان “نسق العلم، الفصل الأول: فينومينولوجيا الروح”(32). في النداء “إلى الشيء ذاته” (zur Sache selbst) التأكيد مُركّز على كلمة “ذاته” (selbst)، فالنداء له معنى التحذير، كل ما لا يرتبط بشأن الفلسفة يتمّ إزاحته ودحضه (مثل عرض أهداف الفلسفة، أو التوسع في نتائج الفكر الفلسفي)، لأن الفكر الكلّي للفلسفة لا تمثله هذه الخلاصات الجزئية بل يتمظهر في صيرورته، أي في تقديم نقاط تطوّر ذاك “الشأن”، بحيث أن موضوع البحث ومنهجية العرض تصبحان واحدة. هذه الوحدة أو التماهي، يسميها هيجل “الفكر (der Gedanke)”: انطلاقا منه يبرز شأن الفلسفة مكتملا في ذاته، هذا الشأن في تحديده التاريخي، هو الذات. يقول هيجل بأن ديكارت، عن طريق الأنا أفكر، منح الفلسفة، لأول مرة، طريقا آمنا إذ أصبحت الذات المُفكّرة (ego cogito) هي الموضوع بامتياز. فالأساس المطلق (fundamentum absolutum) الذي توصّل إليه يعني في نهاية المطاف أن الذات أصبحت هي الأساس الموضوعي (υποκειμενον)، وذلك بانتقاله إلى الوعي، أي إلى ما هو حاضر بالفعل، وهذا الحاضر أخذ في لغة الفلسفة القديمة اسما غير مُحدّد: الجوهر(33).
حينما يفسّر هيجل في تصدير الفينمينولوجيا أن «حقيقة الفلسفة ينبغي إدراكها والتعبير عنها ليس كجوهر بل، بكلّ حزم، كذات»، فهو يعني أن وجود الموجود (الكائن) حالة حضور ما هو حاضر، هو إذن ظاهر فقط في اكتماله، حينما تكون حالة الحضور متشخّصة في ذاتها بفضل الفكرة المطلقة. لكن منذ ديكارت “فكرة” تعني أن إدراك صيرورة الوجود في ذاته تتموقع في الجدل العقلي؛ حركة الفكر، المنهج هذا هو إذن “الشأن ذاته” (Sache selbst). النداء “إلى الأشياء ذاتها” يُنبّه، في تطابق مع الشأن، إلى منهج الفلسفة. لكن ـ يواصل هايدغر في هذيانه ـ شأن الفلسفة هو الذي أصيب بالعطالة والتوقف منذ الانطلاقة؛ شأن الفلسفة كميتافيزيقا، هو وجود الموجود، حالته الراهنة في صورة الجوهرية والذاتية.
بعد قرن من الزمن، نداء “إلى الشيء ذاته (zur Sache selbst)”، نسمعه مجدّدا من مقال هوسرل بعنوان “الفلسفة كعلم دقيق” الذي نشره في العدد الأول من مجلة “لوغوس (Logos)” سنة 1910 ـ 1911. وهنالك أيضا فإن النداء له أوّلا معنى التحذير، لكنه يسلك اتجاها مخالفا لهيجل. فالمقصود هو السيكولوجيا الطبيعية التي تزعم أنها المنهجية الصحيحة للفحص في الوعي، وتمنع بالتالي من الولوج في ظاهرات الوعي القصدي. لكن النداء الرّامي إلى الأشياء ذاتها (zur Sache selbst) يحذرنا أيضا من التاريخانية التي تَهِيم في نقاشات حول تعدد وجهات النظر الفلسفية ومختلف أنماط النظرة للعالم. وفي هذا الشأن فإن هوسرل يقول مسطرا أقواله: «ليس من فلسفات، ولكن من حالات أشياء (Sachen) يجب أن ينطلق دافع البحث». عند هذه النقطة، يتساءل هايدغر: ما هو شأن البحث الفلسفي؟ إنه، بالنسبة لهوسرل، كما كان عليه الحال عند هيجل، ذاتيّة الوعي؛ مبدأ كل المبادئ هو أولوية المنهج، وهذا بحد ذاته يفرض الذاتية المطلقة كشأن خاص بالفلسفة. الاختزال المتعالي إلى الذاتية المطلقة يمنح ويضمن إمكانية تأسيس موضوعية كل الأشياء. هذه القناعة جعلت هوسرل، حسب رأي هايدغر، يصل إلى النتيجة التالية وهو أن الذاتية المتعالية هي «الكائن الوحيد ذو القيمة المطلقة»، ويتلازم هذا المبدأ مع شأن آخر يخص الفلسفة ويُميزها، أعني “الاختزال المتعالي” كمنهج للعلم الكُلّي الذي يَضطلع بتكوين وجود الموجود: المنهج هنا هو مفتاح كل شيء(34).
ما مغزى هذه التعريجات التاريخية؟ وماذا تفيد القارئ للمسك بمهمة الفكر المستقبلية بعد نهاية الفلسفة؟ لا تفيد شيئا، ولا تُعِينُنا قَطّ على إدراك “نداء الشأن ذاته”، هكذا يجيب هايدغر؛ لكن لكي نفهم بجدّ ذاك النداء علينا أن نسير في درب اللامفكّر فيه، وهذا ما يُمَكّننا من التفطن إلى أشياء أخرى: حيث تَجعل الفلسفة من شأنها الخاص العلم المطلق والوضوح الأقصى، هناك يُغيَّب ويُقصى شيء آخر. ما الشيء الذي يبقى لامفكرا فيه سواء بخصوص الفلسفة أو منهجها الذاتي؟ الجدلية العقلانية هي ضرب من التفكير يرى أن شأن الفلسفة، يقتصر على البعد الظاهر وبالتالي يُعرَضُ في حاضر ما؛ هذا الظهور يَحدث ضرورة في وضوح معيّن، ومن خلال هذا الوضوح فقط، كلّ ما يظهر يَسمَح برؤيته، أي يتبدّى. لكن الوضوح نفسه له مَكمن في بعد انفتاحي حرّ؛ الوضوح يلعب في المنفتح وهناك تتصارع الأشباح (الظلال).
عند هذا الحدّ يعود هايدغر مرة أخرى لكي ينقذ موقفه الغامض ويفصح عن نفسه مفوّضا هذه المهمة إلى مساعده الأوحد، أعني اللغة، وبالتحديد اللغة الألمانية. يقول: نحن نسمّي بالألمانية حالة الانفتاح التي تجعل ممكنا لأي شخص أن يكون في محلّ نظر وقابل للإشارة بـإشعاع (die Lichtung)، وهذه التسمية لها نفس صيغة الكلمات الألمانية القديمة (Waldung) و (Feldung). وُضُوح الغابة (Waldlichtung) يُناقض عتمة/ ثخانة الغابة، التي تسميها الألمانية القديمة (Dickung). الكلمة “إشعاع” (Lichtung) تُحيل إلى الفعل “أشعّ” (Lichten)؛ النعت “مشعّ” (licht) هو مرادف لكلمة “خفيف” (Leicht). (Etwas lichten) يعني جعل شيء ما أخفّ، جعله مفتوحا وحرّا. على سبيل المثال، تنظيف الغابة ونزع أشجارها: المجال الأجرد الذي يظهر إثرها هو “الإشعاع” (Lichtung)(35). وللإيضاح يقول هايدغر فإن النعت (Licht) بمعنى حرّ ومنفتح، لا علاقة له بالنعت (licht) الذي يعني واضح ومُضيء(36). هناك اختلاف بين (licht) و (Lichtung)، لكن هذا الاختلاف لا يمنع من وجود ترابط وثيق بينهما. النور يُمكن، فعلا، أن يُطلّ على الإشعاع (Lichtung) بما لديه من انفتاح، ويسمح بلعبة النور والظلمة. لكن ليس النور هو الذي يخلق انفتاح الاشعاع (Lichtung)، بل العكس، فالنور هو الذي يفترضه. المشعّ ليس هو فقط بِحُرٍّ أمام النور والظلمة، بل أيضا أمام الصوت المُدوّي والذي يذبل صداه مع الزمن. أخيرا يُعرّف هايدغر الإشعاع (Lichtung) بأنه الوضوح للحضور والغياب: فهو بالنسبة لمجال الفكر الظاهرة الأس (Urphänomen)، أو الشيء الأساس (Ur-Sache).
أنا أستغرب كيف حاز هذا الرجل على أتباع كُثر في العالم، وعلى أيّ أساس نبعت شهرته كفيلسوف عظيم؟ انظر إلى هذه الأفكار المتهافتة من كل صوب وحدب، هذه الجمل الهيروغلوفية في غموضها، والعبارات ذات النفح التصوفي التي انقرضت من الفلسفة منذ زمان. لكن مع هايدغر عادت بقوّة محمّلة بمعان جديدة، معان متشابهة يمكن أن تحمل الشيء ونقيضه وأن تُرضي العقلاني واللاعقلاني، المتدين وشبه المتديّن، الماركسي والليبرالي على حد سواء. والغريب كيف أن خطابا من هذا القبيل، خطابا يُنبئ بكارثة أنثربولوجية لو كُتب له التحقق فعلا، أعني ادعاء نهاية الفلسفة، هذا الخطاب أصبح في أعين أتباعه دليلا على أصالة في التفكير لا مثيل لها.
فقط للأمانة العلمية أواصل متابعة خور هايدغر واستيهاماته حول نهاية الفلسفة ومهمة الفكر. «لا يجب علينا أن نُفتش عن شيء وراء الظاهر: “إنها هي ذاتها التعاليم” كما يقول غوته»، ومن بسيط هذه العبارة يستخرج هايدغر المفهوم التالي: وهو أن الظاهر نفسه، في الحالة الراهنة هو “الإشعاع” (Lichtung) الذي يَضعنا أمام مهمّة التعلّم منه ومساءلته؛ يعني يتركنا نقول من خلاله شيئا ما.
نحن لا نفهم شيئا من عباراته التصوفية هذه، لكن هايدغر يُعمّق الهوّة بينه وبين القارئ، ويَلِج مرة أخرى في أجَمَة التحليل الفيلولوجي للكلمات. اللغة التي رشّحها هذه المرّة، كمرجع حامل ومؤيد لاستنتاجاته، هي اليونانية. ولقد أدمجها في هذا الموضع لغاية نقض الفكر العقلاني المنطقي بالفكر الأصيل الذي سماه انفتاحا وإنصاتا، (ولا ندري انفتاحا على ماذا؟ وإنصاتا لمن؟). الفكر العقلاني الجدلي (فكر التنوير والماركسية)، كما الحال بالنسبة للحدس الأصلي ووضوحه (ديكارت وهوسرل)، يبقيان منحصرين في مجال المنفتح ووضوحه. فالبيّن بذاته هو ما يتراءى مباشرة للنظر، وهو مِن مجال الإبصار والمُعاينة. إن عبارة “وضوح” (Evidentia) هي اللفظة التي ترجم بواسطتها شيشرون الكلمة اليونانية (ενεργεια) ونقَلَها إلى عالمه الروماني، وهو العالم الذي أخرجه هايدغر من مجال الفلسفة، وكثيرا ما تهجم عليه بشدّة(37). لكن في لغة اليونان ليس هناك أثر لفعل النظر (videre) اللاتيني، فهو فقط كل ما يشعّ ويلمع. لكن اللمعان لا يحدث إلاّ إذا كان هناك المنفتح. فشُعاع الضوء ليس هو الذي يُولّد المنفتح بعد، بل إنه يكتفي بمَسح الوضوح وقياسه(38). كل ديناميكية التفكير الفلسفي، تلك التي تُجيب ضمنا أو صراحة على نداء “إلى الشيء ذاته”، في مسيرتها وبمسيرتها تلك، مُسلَمَة إلى حرية المنفتح. لكن، يعترض هايدغر، مِن المُنفتح ومن وضوحه، الفلسفة لا تدري شيئا؛ الفلسفة تتكلّم، فعلا، عن نور العقل لكنها لا تنتبه إلى سر وضوح الوجود.
الميتافيزيقا وأعداؤها (الوضعيون) كلهم يتكلمون لغة أفلاطون، لغة تتلخص في هذا المبدأ: المثال (ειδος)، الفكرة (ιδεα)، أي الهيئة الخارجية التي يتبدّى عليها الكائن كما هو، ومن حيث هو ضرب من حالة الحضور. ليس هناك هيئة ماثلة دون شعاع مضيء، لكن ليس هناك شعاع ولا وضوح خارج إيضاح المنفتح.
قلنا سابقا، خطابا تصوّفيا متشابها وغامضا، هنا يُضيف له هايدغر مسحة من الشعر المأساوي « حتى المظلم هو في حاجة له [لإيضاح المنفتح] وإلاّ فكيف يتسنّى لنا الدخول في ظلمة الليل والتّيه فيه؟(39)». لكن هذا الكشف الذي تفطّن إليه هايدغر وعبّر عنه بلغته الخاصة جدّا، لم تفهمه الفلسفة ولم تُدرك معناه أجيال من الفلاسفة ولا حتى فكّرت فيه. فعلا « المنفتح الذي يُهيمن على الوجود ذاته، في حالة الحضور، يبقى كما هو كذلك، لا مُفكّرا فيه(40)». هايدغر قال بأن مسار الفلسفة بأكمله هو هذا اللامُفكّر فيه، ولكنه يستثني البعض؛ ومن الهيّن على القارئ أن يُموقع مجال استثناء هايدغر ويحدس بمفرده مَن مِن الفلاسفة الذين فكّروا في “اللامفكر فيه” واستطاعوا اكتناه غور الانفتاح. علينا أن نختار عالمين لا ثالث لهما: إما اليونان أو الألمان، وفعلا هذه المرة ذهب اختياره إلى العالم اليوناني، ليس الكلّ بل قلة من الأسماء التي لم يبق من أعمالها سوى شذرات ضئيلة. في بداية الفلسفة هناك مَن تكلم عن وضوح الانفتاح «ما هي الأسماء التي أثارته؟ وأين نجد هذه الإثارة؟ الجواب: في قصيدة بارمنيدس الذي كان، بحسب عِلمنا، هو الوحيد الذي تفكّر وجود الموجود والذي هو اليوم، لا أذن تُصغي إليه، يتكلم في العلوم التي ذابت فيها الفلسفة(41)».
لن ألج في تحاليل هايدغر الفيلولوجية والتي أثارت استياء شديدا في أوساط الفلاسفة، واستنكارا من طرف الفيلولوجيين المُختصين(42). لكن ملاحظة لا أودّ السكوت عنها، وهي أن تحاليله لا تقلّ غموضا عن النتائج التي أراد التوصّل إليها؛ وإن فهمنا جيدا مقصده فإن مغزاها، حسب أجمة عباراته، هو هذا: الحقيقة، أو حالة عدم التجلي، يجب التفكّر فيها كمُنفتح الواضح الذي يَترك الوجود والفكر يَحدُثان في حضورهما الواحد للآخر وبالآخر. كلّ هذا الغموض لكي يتفادى ترجمة اللفظ اليوناني (αληθεια) بكلمة “حقيقة”، أو (veritas) باللاتينية. والسبب، حسب رأيه، هو أننا في الوقت الذي نفهم كلمة “حقيقة” بمعنى الشيء الواضح بذاته، الذي هو التطابق، فهو نفسه مُسلّط عليه الضوء في مُستوى الموجود، معرفة الموجود، وحتى عندما نُؤوِّل الحقيقة كيقين معرفي مُنصبّ على الوجود، فإن الـ(αληθεια) حالة الانسحاب وعدم التجلّي، كما هي محمولة من المنفتح، لا يمكن مطابقتها مع مفهوم الحقيقة(43).
كل الفلسفات على مدى تاريخها الطويل، ومنذ أفلاطون، علّقت همّة الفكر فقط في التساؤل عن حقيقة الموجود، ولا واحدة منها اهتمّت بالوجود بما هو وجود(44).
يبدو أنه من الصعب جدّا على القارئ العربي أو حتى الغربي مواصلة قراءة هذا العمل، وجلّ نصوص هايدغر هي هكذا من حيث حملها لشحنة من العنف تضغط على نفسيّة القارئ وتقوده إما إلى الاستسلام أمام هلوسات هذا الرجل أو إلى رفضها بالكامل. لكن وضعية أتباعه من غير الغربيين وفي مقدمتهم العرب هي أسوأ، ذلك لأنهم، حسب قناعاته الشوفينية، هم أوّل المرشحين إلى الإقصاء من حلبتها. فالرجل مكث دائما على فكرته من أن الفلسفة هي حكر على “العالم الغربي” دون سواه.
الفلسفة هي أوّلا وقبل كل شيء أمر يخصّ وجود العالم اليوناني « ليس هذا فقط (Nicht nur das) بل إن الفلسفة تُحدّد أيضا الأساس الصميمي لتاريخنا الأوروبي الغربي(45)». لا مجال للشكّ في هذه البديهية، فالتّعبير « فلسفة غربية ـ أوروبية» هو مجرّد تحصيل حاصل. الفلسفة هي بوتقة مغلقة لا يدخل فيها ولا يخرج منها أي شيء: إنها اليونان، أوروبا أي الغرب، وكفى. يجب، على كل حال، الاعتراف بهذه الحقيقة، وهو أن هايدغر حينما يريد تمرير خطابه الشوفيني فهو واضح وضوح الشمس، أما حينما يود التعبير عن أفكاره الفلسفية فهو ينتقى الأغمض والأعسر من الكلمات. لقد اعترف أحد كبار مؤرخي الفلسفة الكلاسيكية، جونثان بارنس (J. Barnes) بأنه ذاق الأمَرّين من مطالعته هايدغر، هذا على الرغم من أن تلك المُطالعة اقتصرت على نصّ قصير جدّا، ألا وهو نظرية أفلاطون في الحقيقة(46). من المفروض أن يمتلك أحدنا عشق أتباعه وهيامهم لكي يَصبر على هذا العنف ويسترسل في الغوص في النصوص التي بين يديه. ولكن مرة أخرى، ولأجل الأمانة العلمية والالتزام الذي قطعته على نفسي، أواصل المسار معه.
الجدير بالذكر أن هايدغر، في الحالات النادرة التي يضع نفسه في موضع قارئه وحينما يلتفت إلى الوراء ويتفكّر نصوصَه، فهو يُبدي وعيا بصعوبة مصطلحاته وتشعّبها، بل هو مستعدّ حتى لذكر الجوانب التصوفية من أفكاره التي وصلت إلى حدّ الهذيان. وهذا اعترافه الشخصي: « كيف! ألا يكون كل ما قِيل إلى حدّ الآن ليس هو على الأكثر إلاّ تصوّفا دون أساس، أو حتى ميثولوجيا رديئة؟ ـ على كل حال هو لاعقلانية قاتلة ونكران للعقل(47)». قد يتبادر لذهن القارئ أن الأمر فعلا على هذه الشاكلة، وليس غريبا أن تكون مجمل هذه الاعتراضات قد استمدّها من نقاده دون ذكر أسمائهم. فأول مَن تفطّن إليها وكشف اللثام عنها وصدع بها أمام الملأ هو أستاذه هوسّرل (Husserl) ثم كارناب (Carnap)، فَكَاوفمان، فيُوليوس كرافت، ثم كارل لوفيث وآخرين. كيف كانت إجابة هايدغر؟ وما السبيل للخروج من هذه المعضلات؟ قد يستبقني القارئ بالإجابة، لأنه تروّض عليها منذ زمان: تحليل الكلمات، أو الفيلولوجيا المتوحّشة، أو تقنية ثالثة وهي السؤال على السؤال: « أنا أسأل بالمقابل: ما معنى عقل (ratio, νους, νοειν)؛ فَهم، فاهمة؟ ماذا يعنى الأساس؟ ما معنى مبدأ، أو حتى “مبدأ كل المبادئ”؟»، عن كل هذه الأسئلة التي أثارها هو نفسه، هايدغر يقول بأن الجواب صعب المنال، ولكن علينا أن نمرّ أولا بالمرحلة اليونانية، وأن نتعقّل الحقيقة بمعناها اليوناني، أي كعدم احتجاب، ثم نتجاوزها لكي نجد أنفسنا في النّفق الذي صنعه هايدغر: أي أن الحقيقة بما هي سطوع، هي انسحاب المنفتح(48).
سبيل هايدغر معروف وقد سطّره وردّده في مجمل كتاباته: العقلانية التقنية العلمية غير مكتفية بذاتها؛ البرهنة، كعَمَلية عقلانية منطقية، لا تنفذ إلى أغوار الحقيقة، ولا تسلك طريق الوجود الحق؛ وبالجملة المآل الذي تردّت إليه العلوم هو فعلا اللاعقل. وهنا، كما قد يتفطّن القارئ، فإنه يلتقي في نقطة موحّدة مع بوبر الذي ادعى أن الموقف العقلاني العلمي هو أشد المواقف لاعقلانية.
أخيرا، إثر هذه الجولة الشائكة وبعد التبشير بموت الفلسفة نود أن نعرف “ما مهمّة الفكر؟” هذا إن كانت هناك مهمّة تُذكر؛ وما مستقبل الإنسانية بعد اختفاء أعظم انجازاتها؟ على حدّ زعم هايدغر، كل شيء مسلّم في يد الوجود، فهو الذي يدعونا للإنصات إليه ويجعلنا أحرارا، وهو الذي يَتخفّى لأننا نصدّه ونُدبر عنه. نحن في دور ولا ندري كيف الخروج؛ ما العمل لكسر أغلالنا وما السبيل للتحرّر النهائي؟ السبيل الوحيد، هو أنه ينبغي علينا الاصغاء إلى نصيحة هايدغر: يجب تَرك/هجران الفكر السائد حتى الآن (الفلسفة، العلم، الميتافيزيقا، التقنية) واتّباع نهجه هو.
أقول: مَن يُنادي بموت الفلسفة ويفعل كل ما بوسعه من مراوغات لُغَويّة كي يصدّنا عن معرفة البديل، فإنه حتما لا تعزّ عليه الفلسفة، ولا حرية الفكر، ولا العقلانية، أو الديمقراطية. وبالتالي فإن الزعم بأن هايدغر هو فيلسوف ديموقراطي، حتى وإن أجرينا على أفكاره شتى أنواع التأويل الرحيم أو، كما اختار فاتيمو “التأويل العنيف”، يبقى مجرد زعم فقط. ونصوص هايدغر إذا سلخناها من شحنة التصوّف، وتركناها تتكلم بنفسها، ستقودنا حتما إلى العكس. وللبرهنة على أقوالي أعطي مثالا واحدا: مطلب الحرية والاستقلال بالرأي الذي ينادي به المثقفون، حسب رأيه لا معنى له، ومن يخرج عن طاعة النظام (النازي طبعا) ويحاول التآمر عليه أو تقويضه من الداخل، فإن القوة العمياء هي الدواء الوحيد لدحره وتكسيره. يقول في “المدخل إلى الميتافيزيقا”: « الآن إذ تمّ اختزال الروح في العقلانية ـ وهذا الاختزال قد أوصلته الماركسية إلى مداه الأقصى ـ فمن الصواب جدّا القول، لكي يُقاوَم هذا الأمر في خضمّ القوى الفاعلة للكائن الإنساني، أن نجعل الروح، أي العقلانية، تابعة للفعل للقوة الجسدية والطبع(49)»، وهنا يُعلّق لوسوردو (Losurdo) أحد دارسيه الفطنين الذي يبدو أكثر حزما من فاتيمو، بأن هذا الكلام يعني تبرير مشروعية قهر المثقفين اليساريين وتحييدهم بالقوّة(50). في الوقت الذي اعتبر فيه پوپر المثقفين اليساريين أشرارا، وعدّهم كارثة تُهدّد واحة السلام والرخاء التي هي الغرب، ناكرا عليهم حقهم في التكلّم أو حتي في نقد الغرب السّعيد، فإن هايدغر قد سبقه بزمان على هذا النهج ولكن تنظيره لم يبق في سماء التجريد بل تكفّل النظام الذي كثيرا ما أثنى عليه، بتطبيق نصيحته (تنبيهه) على أرض الواقع: المعتقلات النازية، الأشغال الشاقة ثم الإبادة الجماعية.
الحرية الأصيلة عند هايدغر هي تلك التي كانت سائدة في القرون الوسطي، والمتمثلة في نظامها الهرمي، والطاعة العمياء ووحدة المصير؛ أما الحرية الحديثة، من انتخابات عامة وتعدّدية سياسية وبرلمان ومؤسسات حكومية وحريات دينية، فهذه كلها يقذفها في مزبلة التاريخ، ويتّهمها بالابتعاد عن الجذور الأولى للغرب والتخلّي عن الأصالة.
وليس من التعسف في شيء أن يُدمِج بعض الدارسين فكر هايدغر السياسي في إطار النزعة البراغماتية المصلحية على الشكل الأمريكي، والخالية من أي مطلب حقوقي أو أخلاقي. فالمعاهدات الدولية، والقوانين المُجمع عليها من طرف الأمم التي تمثل ضمانات موضوعية تقيهم شرّ المظالم والحروب، هي في نظره (وفي نظر البراغماتيين) غير ملزمة بتاتا. القانون والمبدأ الأعلى هو المصلحة، والآلة للحفاظ على تلك المصلحة هي القوة، وإن أدى ذلك إلى تمزيق المعاهدات، واستخدام أبشع وسائل التعذيب والقهر.
بعد هزيمة فرنسا، قام الجيش الإنجليزي بتدمير الأسطول الحربي الفرنسي كي لا يقع في أيدي الألمان. هايدغر الذي كان يتابع الأحداث عن كثب وفي أدق دقائقها، مُدمجا آراءه السياسية ونشوة الإنتصار في دروسه الفلسفية قال معلّقا على هذا الحدث: « حينما يعمد الإنجليز الآن إلى دكّ وحدات البحرية الفرنسية الرّاسية في مرفئ هوران، هذا شيء “صائب” من وجهة نظر “إرادة قوّتهم”؛ “عادل/صواب” هو فعلا كل ما يصلح لتنمية القوّة… فكل قوّة، إذا تُصُوِّرت ميتافيزيقيا، لها حقها (Recht) وفقط عن طريق الضعف/العجز تسقط في اللاحق (Unrecht)… الآن تصرّفات العدوّ تُقيّم، على العكس من ذلك، طبقا لأخلاق إنسانية كونية، والتي لها مجرد قيمة دعائية(51)».
إلى أي نص ولّينا وجوهنا فإن هايدغر يصدمنا، كما صدم المفكرين المعاصرين له، ببُعده عن الحس الديمقراطي، وبكثافة خطابه الشوفيني القومي. في السّنة التي ألقى فيها “خطاب العِمادة ” وحينما اطّلع عليه الفيلسوف الإيطالي بندتّو كروتشي (Benedetto Croce)، أصيب بخيبة أمل مريرة، واستفزته طريقة هايدغر في الازدراء بحرية واستقلالية الفلسفة، في الوقت الذي يدافع فيه اللاهوتي كارل بارث، بكل شجاعة، عن استقلالية اللاهوت. وقد كتب مراجعة شخّص فيها بدقة فائقة مفارقات الخطاب الهايدغاري واستتباعاته الايديولوجية قائلا: « الأستاذ هايدغر لا يريد أن تكون الفلسفة والعلم شيئا آخر، للألمان، أكثر من أنهما شأن ألماني، لصالح الشعب الألماني. الطلبة الألمان، حسب كلامه، لهم ثلاثة واجبات، الأول والأساسي منها هو “المجموعة الشعبية (Volksgemeinschaft)”، القومية. ولكن إن راجع بجدّ ضميره الأخلاقي (كل إنسان يملكه إذن هو أيضا يملكه)، فسيقول إن الواجب الأول للأساتذة والطلبة هو مخافة الله (timor Dei) كما هو مكتوب على واجهة جامعة لاسابيانسا (La Sapienza) بروما. [هايدغر] كاتب تَقعّرات عمومية، هوائية على شاكلة بروست (Proust) أكاديمي. هو الذي في كتبه لم يُبدِ إطلاقا أي إشارة إلى أن لديه اهتماما أو معرفة ما بالتاريخ، بعلم الأخلاق، بالسياسة، بالشعر، بالفن، بالحياة الروحية العينية في مختلف أشكالها ـ أيّ انحطاط هذا أمام فلاسفة، فلاسفة بحق، ألمانيين في الماضي، أمام كانط، شلينغ، هيجل! ـ، اليوم يغوص كليا في هاوية التاريخانية الأكثر زيفا، في تلك التي يَنفيها التاريخ، والتي بِحَسَبِها فإن حركة التاريخ تُتصوّر بفظاظة كصراع شعوب وأعراق، كاحتفاء بمآثر ذئاب وثعالب، أسود وضباء، غائب الفاعل الأول والأحق: الإنسانية. فهو يكتب بأسلوبه الجميل الذي تعودنا عليه من كُتبه الفلسفية: ” الإرادة التي تريد جوهر الجامعة الألمانية هي نفس تلك الإرادة التي تريد المعرفة العلمية، مُقدّرَة بدورها كإرادة تريد المهمة التاريخية للشعب الألماني بما هو شعب مغروس في دولته الخاصة. معرفة علمية ومصير ألماني، في إرادة الجوهر، يجب أن يتلاحما معا في القوة”. وهكذا فهو يسارع أو يوفر نفسه لتقديم خدمات فلسفية ـ سياسية: إنها بالتأكيد طريقة في تَعهير الفلسفة (prostituire la filosofia)، دون إضافة أية مساعدة للسياسة الواقعية، لا بل، ولا حتى لتلك الغير واقعية، والتي بهذا الخليط من السكولاتكية الدنيئة لا تدري ماذا تفعل، نظرا لأنها ترتكز وتشتغل بفضل قوى أخرى، خاصة بها.
لكنه مختلف جدا ـ يُضيف كروتشي ـ موقف اللاهوتي كارل بارث، الذي يقول الحقيقة للمسيحيين الألمان، المستعدين للصراخ بأن الكنيسة الإنجيلية يجب أن تخدم مصلحة الشعب الألماني والإمبراطورية الثالثة، المنادين بزعيم مثل البابا، يقودهم بحزم في الحياة الجديدة التي بدأت مع ربيع سنة 1933، وبإقصاء من بين جنبيهم المسيحيين من دم يهودي أو بمعاملتهم كمسيحيين من درجة ثانية، وهكذا دواليك. “نحن ـ يكتب بارث ـ لدينا واجب تبليغ كلمة الله إلى الشعب الألماني؛ ونحن نخطئ ليس فقط أمام الله، بل أيضا أمام هذا الشعب نفسه إذا نشدنا قِيما وغايات أخرى، ليست مما أنيطت بعهدتنا. إن من طبيعة واجبنا ألاّ يكون خاضعا أو ثانويا بالنسبة لأي طلب؛ ومجددا فإننا نخطئ أمام الله وأمام شعبنا، إن تركنا هذا النظام الهرمي يتصدّع ولو لحظة واحدة”. اللاهوتي بارث يُدافع بكل جدارة عن استقلالية اللاهوت، بينما الأستاذ هايدغر سارع بنبذ استقلالية الفلسفة»(52).
أنا أتفهّم المواقف الحرجة التي يجد أتباع هايدغر أنفسهم فيها حينما يُدركون الارتباط الوثيق بين تفكيره الفلسفي، على الأقلّ في فترة ما بين الحربين، وبين مواقفه السياسية الموالية لأكثر النظم دكتاتورية في العالم. ولكنني لا أفهم الرسالة التي يريد أن يبثها فاتيمو إلى قرائه من خلال عنوان محاضرته، وكيف يستطيع أن يتناسى كل الدراسات الموثقة التي أثبتت التزاماته السياسية، وولائه اللامشروط للنظام النازي؛ وهل من المسموح به، بعد كل هذا، أن يعمد إلى تفعيل ذاك الصنف من العنف التأويلي الذي تحدّث عنه، لكي يَمحوَ الشكوك، ويُسوّي المشاكل ثم يطلع على الملأ بعنوان مثير: “هايدغر فيلسوف الديمقراطية”؟
ومع ذلك فإنني لا أصل إلى حدّ التهجّم على فاتيمو كما فعل فيكتور فارياس (V. Farias)، صاحب كتاب “هايدغر والنازية”، في مؤلّفه الأخير “إرث هايدغر”، حيث اتهمه بأنه هايدغاري أعمى، وموالٍ لتشافاز رئيس فينيزويلا، والذي هو عدوّ للسامية، حسب زعمه. لم يكتف بذلك، بل إن فارياس، كما دأب اليمين المتطرّف والمحافظين الجدد، شن حملة على المسلمين، وقال أشياء خاطئة وسطحية جدّا على حساب العرب، ثم أظهر تعاطفا وانبطاحا وولاءا لإسرائيل لا نجده حتى عند بعض المثقفين الإسرائيليين ذاتهم. ولا أضع فارياس على قدم المساواة مع فاتيمو من حيث متانة التفكير الفلسفي وعمقه: فارياس هو مجرد كاتب هاوٍ في الفلسفة، أما فاتيمو فهو مفكر لديه شخصية فلسفية مكتملة. أُفضّل على كل حال أن يُخطئ فاتيمو في تقييمه لفلسفة هايدغر ولكنه يُصيب في تعاطفه ودفاعه عن القضية الفلسطينية، على من أصاب في انتقاداته لهايدغر ولكنه أخطأ في موالاته للدولة الأكثر جبروتا وتنكيلا بالفلسطينيّين في العالم. لم يكن أحد يتوقع أن فارياس هو مفكر يميني صهيوني عدوّ للمسلمين، ولم ينفعه نقده لهايدغر من إدراك البعد الهايدغاري من اليمين اليهودي الذي يقتل ويشرد الفلسطينيين(53). لقط حفظ شيئا وغابت عنه أشياء.
أعود إلى ما كنتُ فيه وأقول: لا أحد يريد أن يَقع في شباك الخلط بين الفكر النظري والحياة الشخصية للمفكّر، الكلّ يبغي الإطلاع على منتوجات العقل الخالص، على المحتوى النظري الكلّي الذي يُفيد الإنسانية جمعاء ولا على ظروف حياة المفكّر أو ميولاته الشخصية وطريقته في العيش. لكن مع هايدغر، لا يمكن أن نُفعّل هذا المبدأ: كلّ كتاباته تقريبا لا تخلو من تلميحات أو إشارات صريحة للوضع السياسي الراهن ولمواقفه ممّا يحدث على الساحة السياسية آنذاك. خُذ مثلا كتاب “مدخل إلى الميتافيزيقا” الذي كتبه في سنة 1935، أي في خضمّ نشوة المنعرج النازي، ليس من المبالغة القول بأن هذا الكتاب (مجموعة من الدروس) مُختَرَق بالهمّ السياسي من أوّله إلى آخره: الإشادة بالثورة النازية وبعظمتها؛ الشعب الألماني كأمّة وسط حاملة لخلاص أوروبا، ميتافيزيقا ألمانية بحتة، علم ألماني، لغة ألمانية صافية ونقية…إلخ، ما دخل كلّ هذا الهوس السياسي القوموي بالميتافيزيقا؟ وما علاقته بأرسطو، بهرقليطس ببارمنيدس، بالوجود؟ لا شيء حقيقة، لا شيء على الإطلاق يربط نظريا هذه التخمينات الشوفينية بالموضوع المزمع الفحص فيه، أعني الميتافيزيقا. ولا يمكن تفسير هذا الخلط البيّن إلاّ بالقول بأن الخطاب الإيديولوجي قد امتزج بلحمه ودمه وما استطاع أن يتخلّص منه أبدا.
أخيرا، لا أودّ أن أبارح القارئ في حالة مرارة وإحباط، فالبدائل عن الهايدغارية موجودة، والوسائل لتحقيقها متوفرة. الوسيلة الأولى والأنجع هي أن نفكّر بأنفسنا (شجاعة التفكير، sapere aude) كما ينصح كانط، وأن لا ننصاع صاغرين إلى فتنة الهرمسية الهايدغارية، وننساق وراء انبهار مُريديه. القارئ عليه أن ينقش في ذاكرته أقوال أرسطو عن الفلسفة وضرورتها لحياة الإنسان وسعادته، وهي أوضح وأعظم وأجمل من كل ما كتبه هايدغر عن الفلسفة والميتافيزيقا. وإن لم يكتف القارئ بذلك فأدعوه لمُقاسمتي مُتعة هذا النشيد الرائع للفلسفة الذي كتبه الفيلسوف الروماني شيشرون منذ ألفي سنة تقريبا. هذا النشيد، الذي يعتبره كاتب هذه السطور، الترياق الأنجع ضدّ هايدغر وأتباعه من أمثال دريدا، دولوز، رورتي، فوكو، فاتيمو وأتباع أتباعهم وصولا إلى عالمنا العربي. وكما سيرى القارئ فكأنّ شيشرون يقصدهم عمدا، فعلا أعداء الفلسفة لا يختلفون في الزمان والمكان، وشيشرون نفسه يصف الحال في عصره قائلا بأن « الفلسفة هي بعيدة الآن عن أن تُحمَد لأجل المنافع التي قدّمتها للإنسانية. فهي مُهمّشة، والكثير يزدرونها حتى». شيشرون يتعجّب من هذا الجحود الأعمى ويتساءل: «أهناك من يتجرأ على سبّ منبع الحياة؟ أن يُلطّخ يديه بجريمة مماثلة ويكون كافرا في جحده، إلى حدّ اتّهام مَن ينبغي عليه أن يُبجّلَها؟ لكن هذا الخطأ وهذا العماء، يقول شيشرون، يُشوّشان عقول الجهلة، لأنهم غير قادرين على الالتفات إلى الوراء لإدراك حقيقة أن الفلاسفة هم الذين اعتنوا بتنظيم الحياة البشرية».
الإنسان جُعِل للحقيقة، والفلسفة هي الدواء الأنجع ضد الرذائل، وهي السبيل الأقوم لنزع حالة الجهل عن الإنسان. هنا ينطلق شيشرون بنشيده: « أيتها الفلسفة، أمّة الحياة، أنتِ التي تقودين إلى الفضيلة وتُبعدين عن الرذيلة. بدونك أنتِ كيف كانت ستكون حياتنا، ليس نحن فقط، بل الإنسانية جمعاء. أنتِ التي أقمتِ المدن، أنت التي استدعيتِ الإنسانية المُشتّتة كي تأتلف، لقد وحّدتِهم بداية في المَسكنِ، ثم بالزاوج، أخيرا باللغة والكتابة؛ أنت التي دوّنتِ القوانين، عَلّمتِ الأخلاق والحضارة. إليك أهود، منك أطلب الغوث، لكِ أهب نفسي خالصة؛ إنّ يوما واحدا مُقضّى على هدي مبادئك أجمل من حياة خالدة مُقضّاة في الخطأ. مَن الذي يُفرّج عنا كروبنا إلاّ أنتِ؛ أنتِ التي مَنحتِنا راحة الحياة وخلّصتِنا من رَهبةِ الموت(54)».
{{الهوامش:}}
1- أرسطو، دعوة للفلسفة، ترجمة عبد الغفار مكاوي، دار التنوير، بيروت [د. ت]، ص، 73. انظر أيضا الترجمة الإيطالية مع النص اليوناني:
Aristotele, Protreptico. Esortazione alla filosofia, a cura di Enrico Berti, UTET, Torino 2000, p. 65.
2- الكندي، كتاب الكندي إلى المعتصم بالله في الفلسفة الأولى، تح. ج. جوليفي و ر. راشد، ضمن الأعمال العلمية والفلسفية، ج. 2، بريل، هولندا 1998، ص، 13.
3- الكندي، في الفلسفة الأولى، نفس المرجع، ص، 15.
4- أرسطو، دعوة للفلسفة، نفس المرجع (ن. م)، ص، 33.
5- ن. م، ص، 38.
6- ن. م، ص، 39.
7- ن. م، نفس الصفحة (ن. ص).
8- ن. م، صص، 41 ـ 42.
9- ن. م، ص، 43. (مع تحوير، اتبعت النص اليوناني والترجمة الإيطالية أعلاه).
10- ن. م، صص، 54 ـ 55.
11- ن. م، ص، 55.
12- ن. م، صص، 47 ـ 48.
13- ن. م، ص، 49.
14- ن. م، ص، 50.
15- ن. م، ص، 53.
16- ن. م، صص، 64 ـ 65
17- ن. م، ص، 66.
18- G. VATTIMO, Heidegger filosofo della democrazia, in MicroMega 5. Novembre – dicembre 2003. p. 55.
19- Ibid, p. 56
20- جانّي فاتيمو، ن. م، ص، 56.
21- “ Come si può capire, non è per nulla un discorso astratto: quelli fra noi, qui, che insegnano la filosofia nelle scuole e nelle università fanno ogni giorno esperienza di questa progressiva dissoluzione della filosofia. Nelle università dove si istituiscono nuovi corsi di psicologia … le iscrizioni ai corsi di filosofia diminuiscono vistosamente”. Ibid,p. 58.
22- ن. م، ص، 58.
23- “ Proviamo dunque a modificare il titolo della conferenza di Heidegger così: “ La fine della filosofia nelle società democratiche e il compito (politico) del pensiero”. È finito il ruolo sovrano del filosofo, perché sono finiti i sovrani”. Ibid, p. 58.
24- فاتيمو، ن. م، ص، 61.
25- M. HEIDEGGR, La fin de la philosophie et la tâche de la pensée, in M. HEIDEGGER, Questions III et IV, Gallimard, Paris 1990, p. 281.
26- Ibid, p. 282.
27- Ibidem.
28- Ibidem.
29- Ibid, p. 285
30- ن. م، ص، 286.
31- ن. م، ص، 288.
32- ن. م، ص، 289.
33- ن. م، ص، 290.
34- ن. م، ص، 292.
35- انظر: محمد محجوب، هيدڤر ومشكل الميتافيزيقا، دار الجنوب للنشر ـ تونس، 1996، (ط2)، صص، 199 ـ 120. حيث ترجم كلمة ليشتونغ (Lichtung) بـ”خلوة”: « إن المنفتح الذي تعتمل ضمنه كل التأسيسات الميتافيزيقية من غير انتباه هو ما يقبل هيدقر على بلورته ضمن مفهوم الخلوة (Lichtung) الذي يشير ـ ضمن نموذج الغاب الكثيف إلى المنفتح الذي تنفرج فيه هذه الكثافة على نحو يصبح فيه ملعبا للنور والظلام، للصوت ولصدى الصوت».
36- M. HEIDEGGR, La fin de la philosophie et la tâche de la pensée, Ibid, p. 295.
37- انظر مثلا، مدخل إلى الميتافيزيقا، خصوصا الصفحات التي تناول فيها مصطلح “طبيعة” واختلاف تأويله عند اليونان والرومان.
M. HEIDEGGER, Einführung in die Metaphysik, Max Niemeyer Verlag-Tübingen 1998.
38- انظر ترجمة محمد محجوب في المرجع السابق: « ألا إن البريق لا يكون ممكنا إلاّ متى كان ثمّة مُنفتح بعد. فليس شعاع النور هو الذي يبدأ فيُنشىء المنفتح، وإنما شأنه أن يسعى في الخلوة ويقيسها». ص، 120.
39- M. HEIDEGGR, La fin de la philosophie et la tâche de la pensée, Ibid, p. 297.
40- Ibid, p. 298.
41- Ibidem
42- انظر مثلا النقد الذي عرضه كارل ولفيث في كتابه: هايدغر مفكّر في زمن فقير،
K. LÖWITH, Heidegger. Denker in dürftiger Zeit, Vandenhoek & Ruprecht, Göttingen 1960, [trad., it., Saggi su Heidegger, Einaudi 1974], pp. 11-15.
43- M. HEIDEGGR, La fin de la philosophie et la tâche de la pensée, in M. HEIDEGGER, Questions III et IV ; op. cit, p. 300.
44- Ibid, p. 302.
45- M. H HEIDEGGR, Qu’est-ce que la philosophie ?, in M. Heidegger, Questions I et II, Gallimard, Paris 2003, p. 321. [trad., it, Che cos’è la filosofia, a cura di Carlo Angelino, testo originale a fronte, Il Melangolo, Genova 1997]. „die φιλοσοφια bestimmt auch den innersten Grundzug unserer abendländisch-europäischen Geschichte“
46- J. BARNES, Heidegger spéléologue, in « Revue de Métaphysique et de Morale » N° 2 – 1990, pp. 172-195. « Il ne vaut pas la peine (et quant à moi, j’ai souffert) de lire cet essai de Heidegger – sauf peut-être pour s’en servir comme paradigme d’une fausse profondeur et d’une vide fantaisie ». Ibid. , p. 190.
47- M. HEIDEGGR, La fin de la philosophie et la tâche de la pensée, Ibid, p. 304.
48- Ibidem.
49- M. HEIDEGGER, Einführung in die Metaphysik, op. cit, p. 36. „ Verstehen man, wie es der Marxismus in der extremsten Form getan, den Geist als Intelligenz, dann ist es, in der Gegenwehr zu ihm, wöllig richtig zu sagen, daß der Geist, d. h. die Intelligenz, in der Ordnung der wirkenden Kräfte des menschlichen Daseins stets der gesunden leiblichen Tüchtigkeit und dem Charakter nachgeordnet werden muß“.
50- D. LOSURDO, La comunità, la morte, l’Occidente. Heidegger e l’ideologia della guerra. Bollati Boringhieri, Torino 1991, (ristampa 2001), p. 128.
51- M. HEIDEGGER, Beiträge zur Philosophie, Vittorio Klostermann, Frankfurt am Main 1989.
52- بندتو كروشي، مراجعة على خطاب العمادة لهايدغر. التشديد من عندي:
B. CROCE, Ricenzione a Martin Heidegger, Die Selbsthauptung der deutschen Universitäten, Rede gehalten bei der feierlichen Uebernahme des Rektorats der Universität Freiburg i. B. am 27. 5. 1933 – Breslau, Korn, 1933 (8., pp. 22) in “ La Critica. Rivista di letteratura, storia e filosofia”, vol XXXII. Napoli 1934, pp. 69-70. “Il prof. Heidegger non vuole che la filosofia e la scienza siano altro, per i tedeschi, che un vantaggio del popolo tedesco. Gli studenti tedeschi, a suo dire, hanno tre Bildungen, tre obblighi, il primo e fondamentale dei quali è la Volkesgemeinschaft, il nazionalismo. Ma, se egli si ripiegasse davvero sulla sua coscienza morale (l’ha ogni uomo e l’avrà anche lui), direbbe piuttosto che il primo obbligo, di studenti e di professori, è il timor Dei, come sta scritto sul frontone della Sapienza di Roma. Scrittore di generiche sottigliezze, arieggiante a un Proust cattedratico, egli che nei suoi libri non ha dato mai segno di prendere alcun interesse o di avere alcuna conoscenza della storia, dell’etica, della politica, della poesia, dell’arte, della concreta vita spirituale nelle sue varie forme – quale decadenza a fronte dei filosofi, veri filosofi, tedeschi di un tempo, dei Kant, degli Schelling, degli Hegel ! – oggi si sprofonda di colpo nel gorgo del più falso storicismo, per il quale il moto della storia viene rozzamente e materialisticamente concepito come asserzione di etnicismi e di razzismi, come celebrazione della gesta di lupi e volpi, leoni e sciacalli, assente l’unico e vero attore, l’umanità … E così si appresta o si offre a rendere servigi filosofico-politici: che è certamente un modo per prostituire la filosofia, senza con ciò recare nessun sussidio alla soda politica, e, anzi, credo, neppure a quella non soda, che di cotesto ibrido scolasticume non sa che cosa farsi, reggendosi e operando per mezzo di altre forze, che le sono proprie […] Il Barth segnatamente tutela l’indipendenza della filosofia, mentre il prof. Heidegger si è affrettato a far getto di quella della filosofia”.
53- V. FARIAS, L’eredità di Heidegger nel neonazismo, nel neofascismo e nel fondamentalismo islamico, Medusa, Milano 2008, p. 196-198.
54- M. T. CICERO, Tusculanae disputationes, BUR, Milano 1996, pp. 446-448. “O vitae Philosophia dux, o virtutis indagatrix expultrixque vitiorum ! quid non modo nos, sed omnino vita humanum sine te esse potuisset? Tu urbes peperisti, tu dissipatos homines in societatem vitae convocasti, tu eos inter se primo domiciliis, deinde coniugiis, tum litteram et vocum iunxisti, tu inventrix legum, tu magistra morum et disciplinae fuisti. Ad te confugimus, ad te opem petimus, tibi nos, ut antea magna ex parte, sic nunc penitus totosque tradimus. Est autem unus dies bene et ex praeceptis tuis actus peccanti inmortalitati anteponendus. Cuius igitur potius opibus utamur quam tuis, quae et vitae tranquillitatem largita nobis es et terrorem mortis sustulisti ?”
[في نقد فلسفة هايدغر (4/1)->http://www.alawan.org/%D9%81%D9%8A-%D9%86%D9%82%D8%AF-%D9%81%D9%84%D8%B3%D9%81%D8%A9.html]
[في نقد فلسفة هايدغر (4/2)->http://www.alawan.org/%D9%81%D9%8A-%D9%86%D9%82%D8%AF-%D9%81%D9%84%D8%B3%D9%81%D8%A9,6451.html]