
إنّ استسهال التنظير والاعتقاد بالقدرة على تكوين التصوّرات والبناء النظري بمعزل عن التراكم المعرفي والبحث العلمي للواقع الملموس، كبحوث ميدانية تنتج المفاهيم النظرية في محاولة تملّكها المعرفيّ لواقعها الخاص في إطار التميّز الكوني، هو الذي لا يزال يأسر الفكر العربي ويجعله سجين العلم الغربي الاستعماري كسوسيولوجيا وانثروبولوجيا ميدانية لواقعنا الخاص، وهي لا تخلو من إيديولوجيا رغم ما فيها من علمية لا يمكن إنكارها. فمن زاوية العودة إلى معطيات الواقع الحيّ يقوم حجازي بنقد الطروحات الغربية، وفي الوقت نفسه يؤسّس أدواته ومفاهيمه النظرية دون السقوط في فخ التبعية المعرفية العلمية المتعالية عن الحياة المادية والنفسية الخاصة بإنسان المجتمعات المقهورة والمتخلفة .
إن المعركة القاسية والصارمة التي يخوضها مصطفى حجازي ضد الذات، وكشف كل عيوبها واختلالاتها النفسية، العقلية، الانفعالية وقصورها النقدي والجدلي، هي معركة من أجل معرفة كيف تشكلت بنيتها الفوقية النفسية في سياق تاريخي اجتماعي، وذلك رغبة في وعي الذات والتحرر من المعوقات النفسية المعرفية والذهنية اللاواعية التي تعرقل التطور والتغيير وتقاومه بنوع من التواطؤ ضد مصلحة الإنسان المتخلف في التحرر والتطور، واستعادة كرامته وقيمته الإنسانية. وهذه المقاربة والرؤية في نقد الذات هي الوجه المكمل والجريء في نقد إيديولوجيا السوسيولوجيا الاستعمارية والدراسات الاستشراقية المتحيزة التي تتنكر لمنهجياتها العلمية ونظرياتها الحديثة أثناء تناولها للمجتمعات المتخلفة، فهي كرست المقاربة اللاتاريخية في النظر إلى قضايا وهموم المجتمعات المتخلفة، و إلى بنيتها الفوقية النفسية الثقافية والرمزية. حيث تعتبرالناس مجرد كائنات بدائية متوحشة ومتجوهرة وثابتة، وذلك لتبرير وشرعنة احتلالها ونهب ثرواتها “كل ما عرضناه إلى الآن من ملامح العقلية المتخلفة…اتخذ شكل الأحكام المجحفة بحق الإنسان المتخلف ونقصد به تلك التفسيرات المتحيزة التي قدمها بعض علماء الغرب لأسباب تخلف الذهنية والنظرة إلى الحياة في بلدان العالم الثالث، وهي على كل حال تفسيرات قديمة نسبيا برزت مع المد الاستعماري كتبرير علمي مزعوم لاستغلال شعوب العالم الثالث”(1)، واستجابة أيضا عند الغرب لعقدة الخوف التاريخية من حضارات، كانت في الماضي قوية وشكلت رعبا بحضورها القوي على الضفة الأخرى من المتوسط “معظم الكتابات الغربية عن التخلف لم تستطع أن ترى منه سوى هذه المرحلة التي تتصف بالعجز والقصور على جميع الأصعدة، وهو أمر يدعو للدهشة حقا نظرا لما يعتره من عمى إدراكي يؤدي فعلا إلى تبخيس مقصود أو لاإرادي لهذه الشعوب ولطاقاتها التغييرية الكامنة “(2).
وحجازي حين يقوم بتعرية الذات وكشف قصورها وتراكماتها النفسية التي تجعل الإنسان عاجزا جامدا وسلفيا ونكوصيا فهو يقصد تحرير الذات، من خلال السيطرة المعرفية على واقعها المادي والنفسي الذي ظل مقصيا تحت ذرائع خطيرة، ساهم المستعمر في ترسيخها بالمبالغة في تفوقه واستعلائه، وبرسم صورة سلبية دونية بدائية حول تاريخ المجتمعات المتخلفة، مما ولد ردود فعل سلبية عملت ما في وسعها للتنكر لأزماتها واختلالاتها وأشكال تخلفها. وحجازي لا يكتفي بنقد الذات بل ينبه أيضا إلى خطورة الانزلاق إلى ا لمواقف الإيديولوجية للسوسيولوجيا الكولونيالية “فقصور التفكير الجدلي واضطراب منهجية التفكير، من التأكيد على أن هذا القصور ليس وليد خلل عضوي أو انحطاط تطوري كما يحلو لبعض المتحيزين من علماء الغرب أن يدّعوا، إنه نتاج البنية الاجتماعية المتخلفة ووليد عوامل القهر والاعتباط التي يخضع لها الإنسان المتخلف. قصور منهجية التفكير يتناسب بشدة مع درجة القهر المفروض وجمود البنية الاجتماعية “(3).
فالتحليل العميق الذي قدمه حجازي حول عجز ودونية وقصور التحليل العقلاني النقدي والجدلي عند المجتمعات المتخلفة إلى درجة استسلامها للظروف وانسحابها من الفعل التاريخي في نوع من القدرية، هذا التحليل يفضح مزاعم بعض الغربيين الذين يستغلون هذه الخصائص التاريخية لنسج صورة خرافية وأسطورية متخيلة وزائفة وتضليلية، باعتمادهم منهجيات لاتاريخية ولا علمية بل عنصرية تمس وتهدر قيمة الإنسان. “مازال الرأي العام الغربي إلى اليوم يتصرف انطلاقا منها ويؤسس نظرته لذاته وللآخرين بناء على معطياتها، فالانجليزي مثلا له ألف ملاحظة على نظامه اللبرالي إلا أنها تتلاشى إذا ما قيست بملاحظاته المليون حيال الأنظمة غير اللبرالية، أو قل إن الملاحظة تجاه الآخر تقتضي أولا الاعتراف به كأخر متكافئ بوجوده مع الأنا الغربية لا أن يكون على مسافة شاسعة إلى الحد الذي تحتجب فيه رؤية هلامية تجعله خيالا، أو شبحا مفزعا في مواصفاته شبه الإنسانية بالنسبة لاناهم. فالثقافة الغربية جمعت بين نقائض لا تتآزر إلا بوشائج امبرياليتها الساعية دوما إلى ردم الهوة بين حسنات الفلسفة التنويرية وسيئات النظرة الاستشراقية. “(4).
فإيديولوجية بعض الغربيين تستغل واقع التخلف التاريخي، لتجعل منه واقعا أسطوريا لا يمكن تغييره ولا تطويره. تقصي البعد التاريخي الاجتماعي لتحط من قيمة الإنسان، مبررة استغلاله والاعتداء عليه أو الوصاية عليه بزعم بدائيته وطفولته الحضارية. “يأخذ الغربيون على الإنسان العربي خصوصا والشرقي عموما قدريته واستسلامه للظروف دون أن يحاول التأثير فيها، كما يلومونه على تخاذله وسلبيته اللذين يعتبرونهما عيبا خلقيا حضاريا، ولم ينتبه هؤلاء إلى أن الإنسان لم يتراجع إلى هذه المواقع القدرية الاستسلامية إلا بعد عصور طويلة من القهر الداخلي والخارجي”(5).
كما أن قراءتهم لمظاهر العنف والعدوانية التي نجدها في واقع المجتمعات المتخلفة، على المستوى النفسي الانفعالي بسبب شدة القلق والتوترات التي ينتجها القهر والتسلط والهدر، أو على مستوى العلاقات الاجتماعية المشحونة بالتعصب والعداء إلى درجة القتل المجاني، تحت ضغط العدوانية المتراكمة، هي قراءة متسرعة ومتحيزة تدل على الشكل السياسي الإيديولوجي الذي لا يخلو من عدوانية وعنف في حق القيم الإنسانية الكونية وحق المجتمعات المتخلفة في الحرية والتمتع بتلك القيم. “ولاشك في أن بعض العلماء الغربيين الذين انزلقوا عن قصد أو غير قصد لخدمة أغراض استعمارية استغلالية قد ابرزوا بشدة الصفة الدموية العدوانية في بعض المجتمعات المتخلفة التي احتكوا بها، ولاحظوها، ولا شك في أنهم مالوا انطلاقا من تحيزات وأحكام مسبقة إلى تعميم هذه الصفة على سكان تلك المجتمعات حتى وصلوا حدّ الزعم باعتبارها خاصية أناسية عند الأقل شططا بينهم وخاصية إحيائية تطورية عند الأشد شططا في تحيزهم”(6).
وفي هذا النقد المزدوج للذات والأخر الذي يقوم به حجازي يكمن عمق التفكيك والحفر النفسي الاجتماعي التاريخي في الطبقات اللاواعية التي تراكمت عبر قرون حتى أخذت صفة الطبيعي كقناع ثقافي رمزي، يخفي التناقضات والصراعات والتصدعات والاختلالات، كما يعزز الأوهام وأساطير قوانين الحياة القدرية والمكتوب المزعوم، بعيدا عن التزام ومسؤولية المتسلط الداخلي والخارجي في تعطيل وتخريب واستلاب ومسخ إنسانية الإنسان ماديا ونفسيا وثقافيا ودينيا وجعله رهينة الموروث. “إن التوتر الوجودي العام وما يصاحبه من تفجر للعنف الدموي وغير الدموي ليس وليد بدائية نفسية كما اعتقد بعض علماء الغرب الذين قالوا بعاطفية وانفعالية إنسان العالم المتخلف أنه وليد وضعية مأزقية تشكل إحدى خصائص بنية القهر التي يتميز بها هذا العالم . الإنسان في المجتمع المتخلف عدواني متوتر يفتقر إلى العقلانية ويعجز عن الحوار المنطقي لأنه يعيش في حالة مزمنة من الإحباط الاعتباطي ومن الإهمال”(7).
لكن الايدولوجيا الاستعمارية إلى جانب الكثير من الكتابات الاستشراقية تستغل معطيات التخلف ونتائجه، دون أن تكلف نفسها عناء البحث العلمي الرصين، لأن منطق الضرورة الكامن في التراكم الرأسمالي الغربي يدفع باتجاه الاستغلال والنهب والاستعمار على حساب القيم الإنسانية والمنهجيات العلمية الحديثة، هذا هو الوجه الآخر للغرب في صورته الدموية حيث حقق تقدمه ولا يزال على أنقاض الشعوب المتخلفة، وفي “هذا المناخ وما يتضمنه من أسلوب متوتر في التفاعل كان بدوره مصدرا استغله المستعمرون والمتسلطون الداخليون حين فسروه بشكل مزوّر على أنه جزء من طبيعة بعض الشعوب التي عانت طويلا من القهر تلك الشعوب اكتسبت شهرة الدموية أو العناد وركوب الرأس أو العدوانية التي فسرت جميعا بأسباب عرقية أو ما شابهها من التفسيرات المجحفة التي لاهدف لها سوى تبرير البطش الذي ينزله المستعمر أو المتسلط الداخلي بها”(8).
إن الكثير من البحوث الميدانية التي أنجزتها السوسيولوجيا الغربية حول مجتمعاتنا كانت ذات طبيعة ظاهرية وصفية ولم تبحث عن الديناميات الحقيقية التي تتجاوز التقاليد والموروث كجوهر أو قدر محتوم. “يتغير دور علم الاجتماع حسب هوية الممارسين له. إذا كان الباحث أجنبيا عن المجتمع المدروس مال بطبعه إلى الوصف واظهر الأوضاع جامدة خاضعة لقوانين قارة، فيقتصر على دراسة الجماعات الطبيعية كالعشائر والعائلات مع إهمال تام للشخصية الفردية، أما إذا كان الباحث من أبناء الوطن، ممن يعنيهم الأمر، فيغلب بالضرورة الجانب الإصلاحي ويبدو له المجتمع حيا متغيرا وتبدو له شخصية الفرد متميزة حتى من خلال القوانين الجماعية المتراكمة، فيعود العلم ذاته وسيلة لتحرير الفرد”(9).
الهوامش:
1- مصطفى حجازي التخلف الاجتماعي ص 75
2- المرجع نفسه ص 41و42
3- المرجع نفسه ص 70
4- د نديم نجدي اثر الاستشراق في الفكر العربي المعاصر دار الفارابي ط 1س 2005ص 167
5- مصطفى حجازي التخلف الاجتماعي ص 162
6- المرجع نفسه ص 166
7- المرجع نفسه ص 178
8- المرجع نفسه ص52
9- عبد الله العروي مفهوم الحرية المركز الثقافي العربي ط4 س 1988ص97و98