
في حين كان الغرب هو الآخر “الأثير” لدى بقية الشعوب، إلا أن العربي تقاسم صورة الآخر في الأدب الإيراني الحديث مع “الغربي” بسبب من الغزو العربي الإسلامي لإيران في القرن السابع وأسلمتها وإحداث قطيعة هامة مع تراثها الاخميني السابق. وأعلام هذا الأدب الذين استفاقوا على واقع متأخر عن الركب الحضاري الغربي، وبتأثير من أفكاره القومية الناهضة في القرن الثامن عشر والتاسع عشر، وجدوا في تحديد الآخر وتعريفه جزءاً هاماً من تعريف الذات وبذلك دخلوا، شأنهم شأن الكثيرين غيرهم من أدباء ومفكرين من مختلف القوميات، في متاهة العلاقة الشائكة حيناً والزائفة حيناً آخر، بين الذات والآخر ضمن الفهم الغربي الذي أنتجها ونظَّر لها وصدَّرها إلى “آخَرَهِ”.
وبالتالي لن يكون مستغرباً أن نسمع أصواتاً تدعو إلى القطيعة مع الإسلام وتحميله كامل المسؤولية عن التخلف الحاصل في إيران، والالتفات إلى العصر الذهبي، السابق على الإسلام طبعاً، وإعادة إحيائه وتمجيده، وهي وجهة نظر لا يخفى مدى سذاجتها وبساطتها وبُعدها عن الفهم الحقيقي للمسألة بأكملها. وثمة أصوات أخرى أكثر عقلانية وأكثر تفهماً تضع المسألة في إطارها المحلي الإيراني دون أن تجد حاجة إلى استحضار “آخر” مفتعل وشيطنته، بل تدعو إلى تأصيل الوافد الإسلامي كونه يمثل عاملاً محلياً داخلياً لا يمكن نبذه إلى الخارج بالسهولة التي يتخيلها البعض، والالتفات إلى الامبريالية الغربية كونها المساهم الأكبر في “أخرنة” بقية المجتمعات.
وعلى ذلك انقسم الأدباء الإيرانيون إلى الاتجاهين المذكورين وانضوى تحت الاتجاه الأول عدد من الأدباء الرجال، محمد علي جمال زاده وصادق هدايت ومهدي أخافان الأصالي ونادر نادر بور الذين رسموا صورة قاتمة للعربي والاسلام، وحملوا العنصر العربي والدين الإسلامي تبعة التخلف عن الركب الحضاري الغربي الذي هو بالوعي العام المُتغَّرِب، مقياس التقدم على الصعيد الكوني. وكانت رؤيتهم متجانسة ومتقاربة لجهة التركيز على الفروقات العرقية والعامل اللغوي والتاريخ المشترك. ومثَّل صادق هدايت انموذجاً متطرفاً تبنى من خلاله نظرة عنصرية مغالية في تطرفها تجاه الآخر العربي، متأثراً على نحو صريح بالايديولوجية النازية في ألمانيا. وروايته الشهيرة “البومة العمياء” ورغم فنيتها العالية التي لاقت رواجاً كبيراً في أوروبا وعُدَّت عملاً فنياً ناضجاً، مليئة بالصور السلبية عن الاسلام وفيها “لا نرى مفاسد بعينها ارتكبت باسم الاسلام، ولكن الاسلام بحد ذاته هو من يدان بوصفه باعثاً على القرف والفزع… قصة تتحدث عن رهاب الأجانب وعن الخوف وكراهية الآخر العربي”. وأفكاره في هذا الاتجاه يمكن عدها نمطية استقت مادتها من الكتابات الغربية التي تأثر هدايت بآدابها، وتندس في قصصه على شكل تداعي سردي خاص بإيضاح موقف هدايت من العرب والاسلام كما في قصة “أصفهان نصف العالم” مثلاً حين يتحدث هدايت فجأة عن أن “العرب، على وجه الخصوص، الذين كانوا يركضون حفاة خلف السحالي، ليس بإمكان المرء أن يجد في رؤوسهم أي فكر فني، وما يعرف بأنه فنهم يعود في الواقع إلى شعوب أخرى، وينطبق الأمر على أيامنا هذه أيضاً، ففن العمارة العربي هو محاكاة سخيفة لفن العمارة الإيراني”. وبرأي الكاتب إن “من الصعوبة بمكان أن نجد كتابات أكثر تشويهاً أو أكثر عنصرية من كتابات هدايت”.
أما الاتجاه الآخر الذي اتسم بالعقلانية فسيكون موجوداً، في كتابات النساء، فروغ فرخ زاد وسيمين دانش فشار وطاهرة سفر زاد، وبطبيعة الحال لا تعد مواقفهن متماثلة ومتجانسة تماماً، ولكنها في الجانب العام منها تعد أكثر عقلانية وتفهماً للقضية برمتها وتبدو انشغالات صاحباتهات بعيدة عن التشنج والتعصب الذي ميز كتابات الرجال. فالاسلام في هذا الجانب حين يتم نقده مع فروغ فرخ زاد مثلاً، فإن ذلك يكون باعتباره جزءاً من المؤسسة الدينية الإيرانية المحلية، وليس لكونه وافداً غريباً، وبالنتيجة لا يتحمل العنصر العربي مسؤولية تخلف إيران عن الركب الحضاري وما يستتبعه ذلك من ذنب حُمِّله مع كتابات الرجال، ولن تتوافر أساساً الحاجة إلى الآخر العربي لتعريف الذات الإيرانية. والشاعرة طاهرة سفرد سفر زاد تتخذ اتجاهاً مغايراً برؤيتها إلى الإسلام ديناً كونياً لا يخص شعباً بعينه، الأمر الذي يفسر اهتمامها في شعرها بقضايا تحررية تَنْهَمُ فيها بإيرلندا وفلسطين وغيرها، وتجد في الامبريالية الغربية عدوها الإيديولوجي، وليس في العربي نقيضها العرقي. وقد يستنتج القارئ جراء تقسيم الكاتب إلى أن تعريف الذات ضمن وعي المثقف هو شأن ذكوري بعيد عن الاهتمامات النسوية، على الأقل بصورته القائمة، وهو ما يمكن أن يفسر جزئياً الطبيعة الدموية للحروب البشرية (الرجالية)، والتطرف والمغالاة، والسذاجة أيضاً التي تسم الأفكار العنصرية والعرقية ومعتنقيها.
أما جلال آل أحمد الذي مثَّل اتجاهاً وسطياً وأفرد الناقد له فصلاً خاصاً، فقد وجه نقداً شديداً للعرب وظهر الآخر العربي في بعض قصصه “بوصفه غريبا، بدائيا، غبيا، جشعا، مخادعا، عنيفا، فظا وقذراً”. ولكنه قبلَ بالإسلام الشيعي وعدَّه جزءاً أصيلاً من الثقافة الإيرانية خاصاً بإيران وليس منةً من العرب. ولكن نظرته للعرب ستتغير نوعاً ما بعد هزيمة حزيران، فلن يبقى العربي هو الآخر بل ستحل الإمبريالية الغربية محله وتصبح هي “الآخر”. “يمكننا أن نصف موقع جلال بأنه تسوية صعبة بين النزعة القومية الثقافية الإيرانية الفارسية، التي وضعت مقابل الآخر العربي، وبين الإسلام مقابل الإمبريالية الغربية بوصفها الآخر، وهو موقع استطاع الحفاظ عليه فقط من خلال تجريد الإٍإسلام من عروبته”.
لم يكن الموقف من العرب والاسلام خاصاً بالأدباء الحديثين بل إن له روافد أساسية في التراث الفارسي فكتاب الشاهنامه وسفرنامه وهما من الأعمال الكلاسيكية الهامة في الأدب الفارسي يحتويان على العديد من الصور السلبية للعربي، والتي تنحصر في صورة البدوي الجلف، القادم من الصحراء، آكل الجراد، مقابل الفارسي سليل الساسانيين المتنعم بحضارة متقدمة على عصرها. وهي صورة ربما لم تكن وقتها معادية، كونها لم تكن نمطية، ولكنها استمرت مئات السنوات وحافظت على درجة من التماسك والتجانس مريبة حقاً. ولذلك لن نستغرب أن معاداة العرب في الأدب الفارسي الحديث تنهل مادتها الفكرية من التراث الفارسي القديم الذي تلقى رضة الفتح الإسلامي لبلاد فارس إضافة إلى النظريات القومية الغربية الحديثة والعرقية منها.
في هذا الكتاب نلمس تماماً تأثير الفكرة القومية الوافدة على إيران من الجانب الغربي (بعناصرها الغربية اللغة، التاريخ، العرق) وتأثيرها على الكتاب والأدباء واستجاباتهم المتباينة لها ونجد أن الإعلاء من شأن الذات والبحث المضني والسهل أيضاً عن مقومات وأسس تسويغية داعمة لهذا الإعلاء إنما يندرج حقاً تحت شرط الاستجابة المرضية لرضة نرجسية مزمنة تولد تحت شروط الغزو الخارجي للبلد المستَعمَر، والمفارقة أن هذه الرضة تصيب أيضاً المستعمِر منتجها.
—–
الكتاب: صورة العربي في الأدب الفارسي الحديث
تأليف: جويا بلندل سعد
ترجمة: صخر الحاج حسين
الطبعة الأولى: 2007
إصدار: شركة قدمس للنشر والتوزيع لبنان – بيروت