لا تتّهموا الله بما لا تعلمون!



لعلّ الشعيرة الدينية الوحيدة التي لا أتخلّف عن أدائها، هي مراسيم "جنازة رجل" أعرفه، أو "جنازة امرأة" أعرفها. وما أزال أنتظر أن تُتاح لي فرصة المشاركة في جنازة خنثى، حتى ولو كنتُ لا  أعرفه أو لا أعرفها؛ على الأقل لكي أسمع ما الذي سيقوله الإمام : "جنازة رجل" أم "جنازة امرأة"؟ فعساه يتلعثم قليلا قبل أن يبوح بجنس الرّاحل ويذكر أهمّ خصاله.

المهمّ أنّي شاركت في مراسيم جنائز كثيرة تلعثم فيها الإمام جرّاء مفارقات فرضها واقع الحال.

وهذا مثال عن ذلك :

شابّ جمع حوله كلّ مبيقات الدّنيا، من إدمان وعربدة وعقوق، اختار الله أن يقبض روحه صبيحة يوم عرفة، بعد أن أمهله قليلا ليأخذ لنفسه حماماً ساخناً. فكان أن بدا واقع الحال وكـأنه على النحو التالي:

لقد شاء الله لعبده العاصي أن يلقاه طاهراً نقيّا في يوم مقدّس تكون فيه أبواب الجنة مفتوحة على مصراعيها !

ماذا سيقول الإمام؟

أيّة موعظة أو عبرة سيستخلصها أمام الناس؟

تلعثم قليلا قبل يجد لنفسه مخرجاً ويعثر على العبارات التي قد تسدّ ذرائع الرّيبة والارتياب، فقال  من بين ما قاله : ربما أراد الله بهذا الشاب خيراً جليلا؛ ولكي لا يزيد ميزان سيئاته ثقلا، فاستعجل ملاقاته في هذا اليوم المبارك الميمون ومباشرة عقب استحمامه، ليلقاه طاهراً مطهراً طهوراً. وإننا والله لنحسده على هذه الميتة المباركة… !

لعلّ ميتة هذا الشاب محسود عليها من قبل البعض أو الكثيرين. لكن ماذا عن ذلك الشيخ العجوز المعروف في حينا بالخير والصلاح والصلاة، وفي ختام حياته دهسته شاحنة بمجرّد خروجه من باب المسجد بعد أن أدى صلاة الجمعة، فوافته المنية في الحال، لكن بعد أن تهشم رأسه، فتطلب الأمر نصف يوم من العمل الشاق والمضني من طرف المصالح المختصة لأجل تجميع أجزاء الرّأس في كيس بلاستيكي وتنظيف الشارع من آثار الفاجعة المروعة؟

ما الذي سيقوله الإمام المفجوع عن ميتة مروّعة لرجل لا يشكّ أحد بأنّه عبد من عباد الله الصالحين؟

تلعثم الإمام في الكلام وغلبه البكاء ثم أومأ برأسه لأحدهم أن يتقدّم لإمامة صلاة الجنازة. هذا الأخير اكتفى، في كلمته المقتضبة تمهيداً للصلاة، بعبارة واحدة : لقد كان رجلا صالحاً، أحبه الله فأحب ملاقاته في أفضل موعد وهو انقضاء صلاة الجمعة، وفي أعظم خروج وهو الخروج من المسجد.

بحقّ السماء، من ذا الذي يريد أن يُحبّه الله فيسلط عليه من يهشّم رأسه على هذا النحو المفجع؟

بالتأكيد لا أحد منا يتمنى لنفسه ذلك.

أيّها الأئمة الكرام، صلّوا على موتاكم وترحّموا عليهم بسلام. ولا تتّهموا الله في أي شيء.

لا تتّهموا الله بما لا تعلمون.