لم ولن أرى مثلها ما حييت

كانوا ستّة والاغتيال سابعهم. تحدّثوا في كل الجوانب التي يمكن أن تنجح عمليّة الاغتيال. صحيح أنّ أفكارهم مشوّشة، وأهدافهم ومصالحهم مختلفة ومتناقضة، لكن الاغتيال الآن يوحّدهم. كل واحد منهم كان يخفي في نفسه غرضه الحقيقي، والهدف الذي يسعى إليه من وراء إنجاح قتل خصمهم السّياسي. امتدّ النّقاش حول كيفيّة تنفيذ عمليّة الاغتيال، وطال كل الجوانب بما فيها طريقة التخلّص من الشّابين بعد نجاح العمليّة لطمس معالم الجريمة والتحرّر نهائيّا من ثقل المتابعة القانونيّة والقضائيّة، ولم لا والشعبيّة أيضا؟ وفي هذا الكم الهائل من حديث نقاشهم لم يتفوّه أي واحد منهم بأية كلمة دينية… لا بسملة ولا حمدلة ولا ما شاء الله…

وفي لحظة معلومة ومحسوبة بدقّة تربّص الذّئاب للانقضاض على الفريسة دخل شابّان في مقتبل العمر. هنا والآن صمت الجميع وفق تخطيط محكم، وأفسحوا المجال لصاحب اللحية الكثيفة ليرخص عمليّة الذّبح الحلال، ويحفّز همّة الشّابين في أداء الواجب والفريضة الدينيّة. قال الذّئب بصوت الشّيخ بعد البسملة متبوعة بدعاء غامض من سجع الكهان: “إنّ العناية الإلهيّة اصطفتكما لتنفيذ الحدّ في حقّ هذا المرتد الكافر الزنديق”. تعمّد الذئب المقنع في جبّة وعمامة الشيخ الصّمت العميق. ورأى الجميع صورة فؤاد المتعبد في حرم هموم وقضايا الشعب يترنح عند عتبة منزله، بعد أن أفرغ الشاب الرصاص في صدره، وامتطى القاتل درّاجة زميله ليلوذا بالفرار. هل يفرّ “المؤمن المجاهد” من دم أخيه يا شيخنا أم رائحة الدم تثير حواسك يا ذئبنا؟ لم يجل هذا السّؤال بخاطر الشابين، كما لم يعرف طريقه إلى الرّجال الستة المسربلين بثوب دماء غدر الاغتيال. انفرد الرّجل المتفحّم الأعماق بالشّابين وهو يتكلف انشراح وجهه بوضع ابتسامة صفراء على شفتيه. أعاد معهما التّدريب الأخير لخطة العمليّة، مشيرا إلى وجود فؤاد عند منتصف الليل في الطابق السّفلي لمنزله، بعد أن يخلد أبناؤه للنّوم، حيث يوجد مكتبه ليمارس أشغاله، حسب ما تجمع من معلومات التحريات، ومشدّدا على اليقظة التامّة في التركيز والدقّة والمدّة، مؤكّدا على أن رعب المفاجأة وقوّة الصّدمة وسرعة التّنفيذ تغير اتّجاه أيّ طارئ قد يعرقل الفرار من ساحة “الجهاد”.

كلّ الذين واللواتي يعرفن فؤاد، يعرفونه كرجل سياسة بالمعنى الشعبي المتداول. يحلو له أن يكرّر على مسامع أصدقائه بأن الفقير يولد في السّياسة، مهده سياسة، يعيش ويكبر في بيت السّياسة، ويلعب في شارع وحارة السّياسة. وباختصار يقول: قدرنا نحن الفقراء وعامّة الشّعب سياسي لا مفرّ من خوض غماره، من لقمة العيش إلى المشي ميتا حيّا في جنازة السياسة. لكن لا يوجد واحد منهم أو واحدة منهن تعرف أن فؤاد مسكون بالفنّ. يعشق الرسم إلى حد الجنون، إلى درجة تمازحه زوجته بلقب “مجنون اللوحة” قياسا على مجنون ليلى. فهو يخصّص الطّابق السّفلي لعادته السرّية في حرفة الرّسم. ولسبب يجهله هو نفسه أحاط معتقده بطقوس العزلة التامة بعد منتصف كل ليلة للإبحار خشوعا في محراب صلاة الألوان.

حضر الشابان بعد منتصف الليل بدقائق معلومة بإتقان في خطة الجريمة. وفي تلك اللحظة بثوان نادرة في عمر الإنسان كان فؤاد قد عاد من مرسمه تاركا ضوء المصباح ليلقي نظرة على طفلته أمل المريضة التي تنهش الحمى لحمها الحي. أتلف الشاب الحامل للمسدّس الكاتم الصوت قفل الطابق السّفلي بآلة فعالة، دون أن ينجم عن فعله هذا أدنى حركة أو صوت قد يلكز خاصرة الليل المأخوذ بسحر الصمت الحالم. كانت اللوحة الكبيرة التي أنهكت قوى فؤاد، وأخذت الكثير من جهد لياليه، في استقبال القاتل الحذر المتفرس لكل شيء في فضاء المرسم. عند سفح الجبل الأخضر امرأة قرويّة مقوّسة الظهر بفعل حزمة الرّبيع الذي تحمله فوق ظهرها. محيّاها ينضح فرحا وحبورا، ويتدفّق من عينيها شلال حبّ كبير للحياة. وقف الشابّ مندهشا أمام اللوحة، ثمّ بعد أن التفت يمينا ويسارا اقترب من اللوحة بثقة عالية من نفسه، فغطته ابتسامة المرأة من أعلى رأسه إلى أخمص قدميه. جثا على ركبتيه فمدّت يدها تمسح رأسه الثقيل المتعب بترحال جهاد فريضة طعن الإنسان في الظهر. لم يكن ليشك في أنّها أمّه المرحومة، وهي تعيد الآن تشغيل شريط ذاكرته التي سيجها لصوص الليل بسجع الكهان. انفجرت عيناه بدموع بكاء صامت حارق، وموجع للقلب، أخذته لحظة معزولة عن العالم إلى جب نوم عميق، فيما كان فؤاد يراقب الحمى ويعيد وضع الضمّادات الباردة على جبين طفلته أمل. في الوقت الذي لمّ الليل آخر مزقه السوداء المتعفّنة ورحل بعيدا في أدغال الصّحراء منبئا عن انبلاج فجر جديد، اطمأنّ فؤاد على سلامة صحّة أمل بعد أن خفت حرارة الحمّى واستسلمت الصّغيرة لنوم عميق خال من تشنّج رهبة التمزّق إربا إربا على سفوح جبال كوابيسه الوعرة المتعبة والمرهقة للقلب والدّماغ. نزل الرّجل الدرّج بخطى متثاقلة، ودون أن ينتبه لوجود الشاب أدى صلاة الصّبح بخشوع أقرب إلى التوحد الناذر. وفي رمشة عين فوجئ بالشّاب النّائم عند أقدام اللوحة. مدّ يده بهدوء ومسح رأسه بأبوّة مفعمة بانفعال عاطفي جيّاش إلى أبعد الحدود، وبما يتجاوز طاقة الرّجل المنهك بالسّهر والحمّى. فتح الشاب عينيه ونظر إلى الرّجل نظرة قال عنها فؤاد وهو يحكي الحادثة لزوجته “لم ولن أرى مثلها ما حييت”. صعد مع الشاب إلى بيته وشاركه فطور الصباح الذي أعده بنفسه للضيف الغريب، قبل أن يشرع الشاب في الحديث عن فريضة الجهاد التي كلفه بها القتلة…