لوثر والضمير المعذب

لماذا دخل لوثر إلى الدير؟ لماذا أدار ظهره للعالم بعد أن كان العالم مقبلا عليه؟ لتصفية حساباته مع نفسه يقول البعض. لتطهير روحه والتخلّص من عقده وأوجاعه يقول البعض الآخر. كل ذلك قد يجوز، بل هو جائز حتما. ذلك أنّ لوثر شخص عنده مشكلة، بل ومشكلة كبيرة: فإما أن تحلّه وإمّا أن يحلّها!..هذه هي حقيقة الوضع في المحصلة الأخيرة. كان بحاجة في الواقع إلى هدنة كافية، أي فترة زمنية معينة، لمواجهة انهياراته الداخلية التي لا يعرف سرّها ولا مصدرها. وهل هناك أفضل من الدير وجدرانه العازلة لتحقيق ذلك؟ لقد أدار لوثر ظهره للعالم لأنه لم يكن قادراً على مواجهته آنذاك. هذه هي الحقيقة بكلّ بساطة. لماذا كان محمد يختلي في غار حراء، ومطولا؟

فيما يخص مارتن لوثر كانت موازين القوى مختلّة تماما ولا تسمح له بالنجاح إذا ما أراد الانخراط في العالم فورا. لذلك كان بحاجة إلى هذه الهدنة الطويلة، والتأمّل العميق الذي يشبه الاستبطان الداخلي. فالرجل كان مهموماً ومصاباً نفسياً بحسب اعترافات كل معاصريه، وكلّ الشهادات الموثوقة التي وصلتنا عنه. بل واعترف هو شخصياً بذلك. فقد كان من الأمانة والصدق والجرأة بحيث أنه كان قادرا على أن يعترف بعقده النفسية التي تؤرقه. الشيء المعروف عنه بشكل مؤكّد هو ما يلي: كان الإحساس بالخطيئة والذنب يلاحقه باستمرار أينما حلّ وارتحل. ولذلك كان يلجأ للاعتراف الكهنوتي أكثر من مرّة في الأسبوع، بل حتى في اليوم الواحد. ومعلوم أنّ الاعتراف بالذنوب هو إحدى الشعائر الأساسية في المسيحية. وبعضهم يعتبر التحليل النفسي امتدادا له أو قل علمنة له… ورغم أنه لم يكن قد فعل شيئاً محرّماً ولا ارتكب أيّ جريمة إلا أنه كان يشعر بالخطيئة والذنب بشكل حادّ جدا. كان يعتقد أنه هالك لا محالة وهو مذنب، ولن يستحقّ عفو الله ومغفرته، وأنّ مصيره جهنم وبئس المصير… كان ميله للاعتراف بأشياء لم يفعلها أو بذنوب لم يقترفها شيئا واضحا لديه. كان ميّالاً لاتهام نفسه باستمرار، لجلد الذات، لمحاسبة الذات حساباً عسيراً رغم أنه معزول في دير: لم يقتل، ولم يسرق، ولم يؤذ أحداً. ومع ذلك فإنّه كان يتّهم نفسه بأبشع الأخطاء والذنوب. وقد تحوّل ذلك لديه إلى حالة نفسية مرضية لم يعد يعرف كيف يخرج منها.

من المعلوم أنّه عندما يدخل شابّ ما إلى الدير لأوّل مرّة، فإنّهم كانوا يجبرونه على القيام باعتراف عامّ وشامل أمام أحد رؤسائه من الكهنة. إنّه نوع من جرد الحسابات أو التعرّف على شخصية المنتسب الجديد لسلك الكهنوت. وهذا ما فعله لوثر عن طيبة خاطر، وبكل سعادة. ولكنه أراد تكرار نفس العملية أكثر من مرّة فنهره الكاهن المسؤول عنه وقال له: شيء جيد أن يكون لديك ضمير وأن تحاسب ضميرك، ولكن لا ينبغي أن تبالغ في ذلك. ولكنّ لوثر لم يكن يشبع من الاعتراف بخطاياه الوهمية أو بالذنوب التي تثقل كاهله رغم أنّه لم يقترفها! وربّما كانت ذنوباً صغيرة لا تستحقّ حتى مجرّد الذِّكر أو الاعتراف. فمثلا ما إن ينتهي من الاعتراف أمام أحد الكهنة، ثم يمشي بضع خطوات في الرواق ويقع على كاهن آخر حتى يطلب منه أيضاً أن يعترف على يديه، وهكذا دواليك. كان يستطيع أن يعترف ويعترف طيلة النهار دون أيّ كلل أو ملل ودون أن يشبع.. وهذا دليل على عمق الأزمة النفسية التي كانت تنخر فيه من الداخل. ويبدو أن الكاهن المسؤول عنه والأرفع مرتبة في الدير أدرك بعدئذ عذاب روحه وأنه يعاني من شيء غير طبيعي. فحاول أن يهدّئ من روعه قائلاً: “لماذا لا تثق بالله يا مارتن؟ فالله يدعونا للثقة به والتفاؤل بقضائه وقدره والإيمان بعدالته…”. وعندئذ كان يهدأ لفترة قصيرة، ثم يعود إليه قلقه من جديد. كان يتساءل: صحيح أنّ الله يأمرنا بالأمل والتفاؤل بمرضاته، ولكن ماذا نفعل إذا كنا عاجزين عن الأمل؟ لقد كان الشك ينهش قلب لوثر ولا يترك له أيّ بصيص نور أو مخرج. لنستمع إليه يصف حالته تلك:

“أنا أيضاً كنت أريد أن أصبح راهباً تقياً وباراً بالله. وكنت أحضّر نفسي بكل ورع للقداس والصلاة. ولكن رغم كلّ ورعي وخشوعي فإن الشك كان ينهشني من الداخل. فعندما كنت أقترب من الهيكل كنت رجلاً ينهشه الشك، وعندما كنت أعود منه كنت أيضاً رجلاً ينهشه الشك. وعندما ألفظ كلمات التوبة والندم فإنّ الشك كان ينهشني، وعندما كنت أنسى الصلاة فإن الشك كان يلازمني. مهما فعلت كنت ممزقاً من قبل الشك…”. في تلك المرحلة من حياته لم يكن لوثر قد وعى بنفسه ورسالته بعد، ولم يكن قد وضع على محك التساؤل والشك جملة كاملة من العقائد المسيحية. كان لا يزال يبحث عن نفسه، عن مخرج من مأزقه الخانق. كان لا يزال يدور في حلقة مفرغة. هذا الرجل الذي ينهش قلبه الشك فلا يترك له مجالاً للارتياح، هذا الرجل المعذب نفسياً حدّ الإنهاك، هذا الرجل المحبط من كل الجهات، هذا الرجل الذي يقف على حافة الانهيار، هو الذي سوف يحسم لاحقا مصير المسيحية الأوروبية. من يصدق ذلك؟

طبيب يداوي الناس وهو عليل؟

بدون شك. بشكل من الأشكال. بالطبع. ولكن بعد أن انتصر على المرض لا قبله، بعد أن ذاق طعم الوحي وعرف لحظة الكشف الأعظم.

كيف حصل ذلك؟ في الواقع لم يتجرأ لوثر على التحدث عن صراعاته الداخلية، عن أزمته القاتلة، إلا بعد أن اجتازها ونجا منها. وهذا أمر طبيعي. فالمصابون نفسياً بمرض ما أو بعقدة مزمنة ومتأصلة يتحاشون عادة التحدث عنها ما داموا واقعين تحت تأثيرها. بل ويحاولون إخفاءها عن الآخرين بشتى الوسائل الممكنة (كيلا يشك الناس في صحة عقولهم، لئلا يتهموا بالجنون، لئلا تنقص قيمتهم في أعين الناس…). ولكن ما إن يشعروا بأنهم قد نجوا أو أوشكوا على النجاة حتى تنطلق ألسنتهم ويتجرؤون على الاعتراف. وهذا ما حصل للوثر. كان ينبغي أن يجتاز مرحلة الخطر كي يتجرأ ويتحدث عنه، أو لكي يعي حجم الخلخلة التي تعرض لها وكادت تودي به. كان ينبغي أن يصل إلى شاطئ الأمان، أن يضع رجله على الأرض اليابسة، الأرض الصلبة، لكي يفتح فمه لأول مرة. كان ينبغي أن يصبح واثقاً من نفسه كل الثقة، لكي يدرك عمق الحفرة (أو الهوّة) التي حاذاها طويلا والتي كاد أن يسقط فيها ثم نجا في آخر لحظة.. فالذي يشرف على الغرق مثلاً لا يدرك حجم الخطر الذي تعرض له في اللحظة التي يكون فيها يتخبَّط داخل الماء ويحاول النجاة بنفسه. فقط بعد لحظات قلائل، بعد أن ينجو ويخرج من الماء، يستطيع أن يقيس حجم الخطر الذي تعرض له.

بعد أن شعر لوثر بأنه قد نفذ بجلده كما يقال، بعد أن أدرك تماماً أنه قد اجتاز مرحلة الخطر الماحق، بعدئذ، وبعدئذ فقط، راح يتجرأ على التحدث عن عذابه النفسي القاتل، هذا العذاب الذي رافقه طيلة خمسة عشر عاماً، والذي انتهى أخيرا بالانفجار الكبير أو بالثورة اللوثرية. بعد أن انتصر لوثر على نفسه، بعد أن صارع التنّين المرعب للعذاب الداخلي وقضى عليه بكلتا يديه، بعدئذ أصبح أقوى رجل في العالم. ذلك أن من مرّ بهذه التجارب الخطرة (أو المهاوي السحيقة) ثم نجا منها بأعجوبة أو بقدرة قادر يتحوّل إلى قوة هائلة لا تقاوم ولا تردّ. وهكذا ينقلب فيه السلب إلى إيجاب، والهبوط إلى صعود، والضعف إلى جبروت. على هذا النحو انطلق مارتن لوثر كالمارد الجبار لكي يحرر المسيحية من أوشاب العصر وتراكمات القرون. قال له أحد أصدقائه مرة بعد أن انتصر على نفسه وعلى أعدائه في آن معا: “أنت محرِّر المسيحية. فأجابه: نعم أنا محرّرها، كنت محرّرها، ولكن كحصان أعمى لا يعرف إلى أين يقوده صاحبه…”1. وربما كان هذا تواضعا منه أو تعبيرا غير مباشر عن الحدس النبوئي الاستشرافي الخلاق الذي يتمتع به العباقرة الذين يبدون ظاهريا وكأنهم يخبطون خبط عشواء. ولكن في الواقع هناك دائما بصيص نور أمام أعينهم حتى في أحلك الظلمات، بصيص نور يجيء من فوق أو من تحت ويضيء لهم الطريق.

لنستمع إليه وهو يتحدث، بشكل مسهب، عن عذابه النفسي القاتل الذي كان يفتك به فتكاً ذريعا من الداخل:

“كنت راهباً تقياً. وقد تقيدت بكل قواعد الرهبنة وأصولها. ولو أن راهباً وصل إلى السماء (إلى الجنة) عن طريق الرهبنة لوصلتها. كل زملائي في الرواق يشهدون على ذلك. ولكن لو أن الرهبنة دامت فترة أطول، لقضيت على نفسي من كثرة الصلوات والتهجُّد والصيام والقيام والقعود وأشياء أخرى…”.

ثم يقول:

“كل حياتي لم تكن إلا صياماً وتهجُّداً وتضرّعاً وعرقاً… ولكن تحت غطاء هذه القداسة والثقة بإيماني كنت دائماً مرتاباً، شكاكاً، أشعر بالخوف من الله وبالرغبة في كرهه وحتى الكفر به!…”.

ثم هذا الكلام:

“لقد قتلت نفسي من كثرة الصلاة والصيام والسهر والبرد. لقد متّ تقريباً من كثرة البرد… عمّ كنت أبحث آنذاك، إن لم يكن عن الله؟ الله وحده يعلم كم تقيّدت بقواعد الدين وكم عشت من حياة خشنة، متقشفة، لا تشوبها شائبة. ومع ذلك فلم أكن أومن آنذاك بالمسيح، وإنما كنت أخشاه وأرى فيه قاضياً صارماً لا يرحم. كنت أشعر بالرعب عندما أراه وهو جالس على قوس قزح كما يصوره الرسامون”.

وأخيرا لا آخرا هذه العبارة:

“أشدّ ما كنت أخشاه هو الغضب الإلهي…”.

يمكن الإكثار من هذه الاستشهادات إلى ما لا نهاية. ولكن ما ذكرناه منها يكفي للدلالة على حجم الأزمة النفسية العارمة التي كان يعاني منها زعيم الإصلاح الديني في أوروبا قبل أن يهتدي إلى طريق الخلاص. فالشيء الطبيعي هو أن يؤنّبك ضميرك عندما تقترف ذنباً ما. بل إنّ هذا شيء صحّي، ولكن من غير الطبيعي أن تشعر بتأنيب الضمير وأنت لم تفعل شيءاً ولم تؤذ أحداً! عندئذ يصبح الأمر مشكلة. من غير الطبيعي أن تتهم نفسك بدون حق وبدون أي مبرر، وأن تجلد ذاتك ليلاً نهاراً بدون أي سبب. وعندما يحصل ذلك فهذا يعني أن مشكلتك قد استفحلت وأنها تتطلب دواء وعلاجاً. ويرى بعض علماء النفس المعاصرين ممن درسوا شخصية لوثر عن كثب أنه كان سينتحر لو لم تنكشف له حقيقته في نهاية المطاف. وهذا ما سنتعرض له فيما بعد. لكن دعونا الآن نتعمق في تفاصيل هذه الأزمة الشخصية التي كانت لها انعكاسات لا تحصى ولا تعدّ. عندما يصل الأمر بشخص ما إلى تعذيب نفسه إلى مثل هذا الحد، فإن هذا يعني أن ضميره مرهف جداً. ولو لم يكن مرهفاً إلى درجة قصوى لما بحث عن الكمال المطلق أو الصفاء المطلق. كان اكتفى كبقية الرهبان براحة الضمير السهلة الناتجة عن الاعتراف الكهنوتي أو تأدية الفرائض والطقوس وانتهى الأمر. والواقع أن الخوف من الخطيئة (أو إغراءات الجسد والشهوات…) كان يلاحق معظم رجال الدين المسيحيين لسبب بسيط: هو أنه ممنوع عليهم ملامسة المرأة. إنهم محكومون بالعزوبية أبد الدهر بدون أي مبرر منطقي مقنع. ولكنهم كانوا يجدون وسيلة ممتازة لمكافحته: ألا وهي كرسي الاعتراف. فما إن تجلس على كرسي الاعتراف في الداخل، داخل القفص، والكاهن الذي تعترف على يديه يقع في الخارج يستمع لك بعناية حتى تنحلّ كل مشاكلك، وتغسل كل ذنوبك دفعة واحدة. وذلك لأن العقيدة الدينية المسيحية تقول بأنه يحق للكاهن الذي تعترف على يديه أن يغسل عنك الذنوب إذا ما كان اعترافك صادقاً. ولكن المشكلة هي أن لوثر لا يرتوي ولا يشبع. ولا يشعر بعد الانتهاء من عملية الاعتراف بأنه قد تحرر من ذنوبه التي تثقل كاهله وتقض عليه مضجعه…بل يشعر بأنها ازدادت تفاقما. كلما اعترف، طلب المزيد. فما العمل؟ هذه حالة مرضية تصيب ذوي النفوس الحساسة أو الضمير المرهف أكثر من اللزوم. سوف نرى فيما بعد أن ثورة لوثر كلها قامت على إعطاء الأولوية للضمير الشخصي الذي لا يعترف بأي وساطة بين الإنسان وخالقه. فالإنسان إذا لم يؤمن عن اقتناع أو إحساس ذاتي داخلي فلا نفع فيه ولا في إيمانه. وحتى لو تعبَّدت لله ألف مرة وقمت وقعدت وأديت الفرائض كلها ولكن بدون إحساس داخلي أو تواصل صادق مع المطلق فإنك لن تنال مرضاة الله. هنا تكمن الميزة الأساسية التي تميز البروتستانتية. الشخصية البروتستانتية ذات نزعة أخلاقية صارمة عموما. وكل هذا موروث عن لوثر وتجربته الشخصية الهائلة ومعاناته المؤثرة جدا. ولهذا السبب كان يقول بأولوية الإيمان الشخصي على العبادات وكل شيء. كان يدعو إلى التواصل الحار مع المطلق، مطلق الله والتعالي الرباني. كان يقول: الإيمان أولاً، الإيمان هو وحده الذي يبرر وجودنا ويؤدي إلى نجاتنا في الدار الآخرة. فإذا كنا مؤمنين حقيقةً فإننا سوف نعمل الأفعال الجيدة، وسوف نؤدي العبادات بصدق. ولكن قد نؤدي كل العبادات وأكثر منها بألف مرة دون أن يكون إيماننا حقيقياً ودون أن تكون أفعالنا بين الناس صحيحة. قد نؤدّيها لكي نعذر أنفسنا أو للمراءاة والتظاهر أو حتى لكي يهابنا الناس ونحقق بعض المكاسب الدنيوية. ويكمن كشف لوثر اللاهوتي الكبير في هاتين الكلمتين البسيطتين: الإيمان وحده هو طريق الخلاص. ولكنه إيمان جديد، إيمان منتفض من تحت الرماد، إيمان دفع ثمنه عدا ونقدا، إيمان لم يتوصل إليه صاحبه إلا بعد جهد جهيد. وبالتالي فلا علاقة له بالإيمان التقليدي التواكلي الموروث، إيمان الرعب والفزع من الله، أو الطمع والجشع بمكافأته، إيمان القرون الوسطى. لا. إنه إيمان مجانيّ حرّ خالص لوجه الله. ولكن قبل أن يتوصل مؤسس البروتستانتية إلى هذا الإيمان الجديد كم لاحق رؤساءه بهذه الحاجة المرضية للاعتراف ومحاسبة الذات! وعندئذ راحوا يشكّون بإيمانه، ومعهم الحقّ، لأنه لم يكن قد توصّل إلى الإيمان بعد: أقصد الإيمان الشخصيّ الحرّ، لا الإيمان الموروث سلفاً أباً عن جدّ، وبشكل كسول، تواكليّ، تقليدي. هذا الإيمان الجديد الذي دشَّنه لوثر على أنقاض الإيمان القروسطي القديم هو الذي حلّ مشكلة المسيحية الأوروبية في القرن السادس عشر. قبل أن يتوصل لوثر إلى الإيمان بقواه الشخصية، قبل أن يتوصل إلى برّ الأمان، ظل مصاباً بهذه الحاجة المرضية للاعتراف. وقد نهره أستاذه في علم اللاهوت (ستوبتيز) قائلاً: “تريد أن تكون بلا خطيئة وهذا شيء رائع جدا ودليل على نبلك النفسي، ولكنك في الواقع لم ترتكب أي خطيئة حقيقية. إن الله غفور رحيم. إنه هو الذي يغفر الذنوب الحقيقية الكبرى: كقتل الأبوين، أو التجديف علناً أو الكفر بالله، أو الزنى، الخ… فأين أنت من هذه الكبائر؟ أنت لم ترتكب ذنباً يذكر يا مارتن، ومع ذلك فلا تزال تلوم نفسك وتقرّعها ليلاً نهاراً. أنت تقتل نفسك قتلا بهذه الملاحقة والمحاسبة.فكفّ يا رجل عن هذه الترّهات، ولا تجعل من كل شاردة أو واردة خطيئة حقيقية…”2.

وأخيراً لا يسعنا إلا أن نطرح هذا السؤال: هل كان لوثر مصاباً بالعُصاب الثقيل؟ ما هي نوعية المرض النفسي الذي كان يصيبه ويطرحه أرضاً؟ إذا ما قصدنا بالصرع تلك الحالة التي تصيب الإنسان وتجعله يدور في حلقة مغلقة أو مفرغة حتى ليكاد يفقد الأمل كلياً وتسودّ الدنيا في عينيه فإنه كان مصاباً به بدون شك. إذا ما قصدنا به تلك الحالة التي تصيبك فجأة وأنت في صحة نفسية طبيعية فتقضّ عليك مضجعك وتجعلك تخرج عن طورك، بل ويتغير لون وجهك وينقبض فجأة، فإنه كان مصاباً به حتماً. كل الدلائل تشير إلى ذلك بما فيها اعترافاته الشخصية. ويكفي أن نذكر هنا شهادة كيركغارد عنه. وهو عبقرية دينية أو -فلسفية- تصل إلى حجم لوثر أو تستطيع أن تفهمه على الأقل. كيركغارد يقول هذه العبارة الشديدة الدلالة والمغزى: “لوثر، هذا المريض الكبير ذو الأهمية الحاسمة بالنسبة للمسيحية” لأنه شفاها من مرض عضال. ينبغي العلم بأنّ كيركيغارد يستخدم كلمة المرض هنا بالمعنى الايجابي القوي للكلمة لا بالمعنى السلبي. إنه يقصد أنّ لوثر كان مهووسا بقضيته ورسالته حدّ المرض. وهذه هي سمة كل العباقرة والقادة التاريخيين. ولولا ذلك لما تجرأ أصلا على تحدي بابا روما وإمبراطور المسيحية! لولا ذلك لما وضع نفسه على حد السكين. أيا يكن من أمر فإنّ كلام لوثر التالي هو أكبر دليل على أنه كان مصاباً ومأزوماً. يقول واصفاً اللحظة التي ينقضّ عليه فيها المرض، أو الشيطان الوسواس الخناس سمه ما شئت :

“لا يمكن لأي لغة أن تقول، ولا لأي قلم أن يصف ما يتعرض له الإنسان في تلك اللحظات. يكفي أن يدوم ذلك العذاب مدة نصف ساعة أو حتى عُشر الساعة لكي يسحق عظامه سحقا ويحولها إلى رماد. في تلك اللحظات الموحشة، في تلك اللحظات اليائسة القانطة، في تلك اللحظات القاتلة، يبدو الله مرعباً في غضبه الماحق. وكل الخلق، أو كل الخليقة، تبدو على شاكلته مكشّرة في وجهك، حانقة عليك. وعندئذ تصبح مطوّقاً من كل الجهات ولا مهرب، لا منفذ من عقاب الله. ولا يعود أي شيء في هذا العالم يعزّيك أو يبتسم لك، بل كل شيء يتهمك وينظر إليك شزراً…”3.

ولكن أن نقول ذلك شيء، وأن يستغله أعداؤه الكاثوليك لأسباب مذهبية وطائفية شيء آخر. فهم يركزون على المرض النفسي لتشويه سمعته ورسالته ونضاله الذي كشف فضائح بابويتهم وفسادهم آنذاك. يضاف إلى ذلك انه أخذ منهم نصف المسيحية الأوروبية التي أصبحت بروتستانتية وانفصلت عن بابا روما والفاتيكان ولم تعد تعترف بهما. ولكنهم يتناسون أنه شفي من هذا المرض بعد أن نزل عليه الإلهام وحصلت له تجربة الكشف والتجلي. ولولا ذلك لما استطاع أصلا أن يصبح ذلك القائد الديني والمصلح الكبير. وبالتالي فهناك فترة الأزمة وما بعد الأزمة: أي انحلال الأزمة وانطلاق روح لوثر من عقالها كأقوى وأروع ما تكون. وهذا ما لا يذكرونه أبدا. وحدهم الكاثوليك الليبراليون المستنيرون الذين استطاعوا تجاوز العصبية الطائفية ضده أصبحوا يعترفون به وبعظمته الروحية والأخلاقية. ولكن بابا روما يرفض حتى الآن سحب فتوى التكفير عنه حتى بعد خمسة قرون على صدورها! وهذا اكبر دليل على مدى رزوح الحزازات المذهبية وعنادها. فالأحقاد داخل الدين الواحد قد تكون أحيانا أخطر منها بين دينين مختلفين. انظر الصراع بين السنة والشيعة عندنا في العالم العربي مثلا.

وفي ختام هذا الحديث لا بدّ من طرح السؤال التالي: كيف يمكن لإنسان مصاب إلى مثل هذا الحدّ وفي العمق أن يصبح منقذ ألمانيا والمسيحية الأوروبية؟ هل يمكن لشخص مأزوم ومنهار إلى مثل هذه الدرجة أن يكشف الآفاق ويكشح الظلمات؟ نعم يمكن. بعد أن انتصر على ظلماته الداخلية أصبح لوثر أقوى رجل في العالم. أصبح يهز المسيحية الأوروبية كلها هزا. وهذا ما ندعوه بالولادة الثانية التي لا يعرفها إلا العباقرة الكبار: محمد، لوثر، باسكال، ديكارت، جان جاك روسو، الخ.. في الواقع إن مجرد طرحنا لمثل هذه الأسئلة المتلاحقة يدل على أننا نجهل شخصية العباقرة الذين يغيّرون عادة مجرى التاريخ البشري. نحن نتوهم أنهم كانوا أقوياء منذ البداية وعلى طول الخط..نحن نحمل فكرة خاطئة عن العظماء في التاريخ. نحن نجهل أن عظمتهم تكمن بالضبط في أنهم كانوا ضعفاء ثم أصبحوا أقوياء، كانوا مرضى مصابين ثم استطاعوا التغلب على مرضهم، على أزمتهم النفسية والانتصار عليها. فليس لك أي فضل في الانتصار أو التفوق إذا كنت منتصرا أصلا منذ البداية، وإذا لم تدفع ثمن هذا الانتصار باهظا. هنا تكمن العظمة وليس في أيّ مكان آخر. فما معنى تلك العظمة التي وُهبت لهم منذ البداية وحتى النهاية بشكل معجز أو كهدية مجانية ودون أن يكونوا مسؤولين عنها؟ هذا هو تصوّر المؤمنين التقليديين للأنبياء. ما معنى أن ينجحوا بسهولة: أي دون أن يضطروا إلى اقتحام العقبات وتذليل الصعاب؟ ثم إن الإحساس الزائد بالخطيئة والذنب دليل على العظمة لا على عكسها. عندما نرى المجرمين أو الطغاة يرتكبون جرائمهم دون أن يرفّ لهم جفن ودون أن يشعروا بأي تأنيب للضمير ندرك مدى عظمة مارتن لوثر. نعم لقد كان مأزوما قبل أن يتوصل إلى كشفه اللاهوتي الكبير بل وأشرف على الانتحار. هناك تصور خاطئ بل وأسطوري نشكله عن العظماء بعد انتصارهم، أي بعد أن يكون قد ضرب من ضرب وهرب من هرب، وذلك لكي ننفي عنهم أي مظهر ضعف أو خور باعتبار أن هذا عيب ولا يجوز بحسب رأي العامة والأتباع.. النبي محمد أيضا كان يحاسب نفسه محاسبة شديدة إلى درجة انه لقب بالأمين من قبل القرشيين حتى قبل بدء الدعوة وفي الجاهلية. ماذا تعني الأمانة إن لم تكن الصدق ومراقبة الذات في كل شاردة وواردة؟ والنبي نفسه عرف لحظات القلق وعانى منها قبل أن يثق بنفسه ورسالته ويسدد الله خطاه. فمن يشك في عظمة محمد لحظة واحدة؟ والنبي نفسه همّ بإلقاء نفسه من حالق أو من شاهق في إحدى اللحظات الحرجة وبعد أن انقطع عنه الوحي لفترة من الزمن. ثم تجلى له جبريل فجأة لكي يطمئنه فتراجع عما لا تحمد عقباه. والنبي كان بحاجة إلى الدعم النفسي من زوجته الخالدة خديجة بنت خويلد، تلك المرأة العظيمة، أمّنا جميعا. تقول الرواية الجميلة التي لا أملّ قراءتها: “بعد نزول جبريل عليه السلام في غار حراء انقطع لأيام قليلة وكان النبي يرتقب عودته. فلما يئس منها اغتمّ وهمّ بأن يلقي بنفسه من شاهق، أي من أعلى جبل، وفجأة سمع صوتا يناديه. فنظر عن يمينه فلم ير شيئا، ونظر عن شماله فلم ير شيئا، ونظر أمامه فلم ير شيئا، ونظر خلفه فلم ير شيئا، فرفع رأسه إلى السماء فرأى جبريل عليه السلام جالسا على كرسي بين السماء والأرض، فخاف النبي وهوى إلى الأرض. ثم أتى إلى خديجة رضي الله عنها وهو في حالة من الرعب لا توصف وقال: زمّلوني زمّلوني، دثّروني دثّروني، فأنزل الله عليه: يا أيها المدثّر، قم فأنذر، وربّك فكبّر، وثيابك فطهّر، والرجس فاهجر. الخ..وقال لخديجة: لقد خشيت على نفسي. فقالت له: كلا والله ما يخزيك الله أبدا، إنّك لتصل الرحم، وتحمل الكلّ، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحقّ. أبشر يا ابن عمّ أبشر واثبت، فوالذي نفس خديجة بيده إني لأرجو أن تكون نبيّ هذه الأمة.”(انظر الرواية كما هي واردة عند الواقدي أو ابن إسحاق أو البخاري الخ..).

كلام رائع لا يكاد يصدّق، كلام صادر عن امرأة وليس عن رجل. وهذا أكبر دليل على مدى الدور الكبير الذي لعبته المرأة في بدايات الإسلام. ثم يريدون الآن تحجيبها أو تحجيمها أو عزلها أو قتلها أو خنقها! يريدون التشكيك بها وبإمكانياتها العقلية والفكرية. لقد التجأ النبي إلى امرأة لكي تشدّ من أزره وليس إلى رجل. لقد التجأ إلى زوجته خديجة بنت خويلد التي عرفت برجاحة عقلها وحبها أن تقول له الكلام المناسب والمطمئن الذي هدأ من روعه. لاحظ كم هي فخورة به بعد أن عرفت بحدسها الذي لا يخطئ أن الله اختاره من بين كل البشر نبياً للعرب ، كيف لا؟ وهو الصادق الأمين..

هناك توازيات مدهشة بين شخصية لوثر وشخصية محمد. كلاهما كان مأزوما إلى أقصى حد ممكن قبل أن تنحل الأزمة بوحي صاعق. وكلاهما كان ميالا إلى العزلة والاختلاء لمعرفة سرّ الأزمة الداخلية. وكلاهما بانحلال أزمته الشخصية انحلت أزمة المجتمع ككل وتنفس التاريخ الصعداء. وكلاهما كان مستعدّا لأن يُقتل من أجل رسالته. وكلاهما أسّس لغة وأمّة بأسرها وقومية وأدخل شعبه في التاريخ. فلوثر هو الذي أسس اللغة الألمانية عندما ترجم الكتاب المقدس إليها بعد أن كان يُقرأ فقط باللاتينية. الألمانية كانت تعتبر آنذاك لغة سوقية أو عامية مبتذلة فرفعها إلى مرتبة اللغات المحترمة. ومحمد هو الذي أسس اللغة العربية عن طريق القرآن. ولوثر هو الذي أسس القومية الألمانية مثلما أن محمدا هو الذي أسس القومية العربية رغم أنه كان مرسلا للبشرية كلها لا إلى العرب فقط. وكلاهما عرف تجربة الارتجاج والمخاض العسير.

وهنا قد يتساءل أحدهم: إذن حتى الأنبياء يخافون ويحتاجون إلى من يشدّ عضدهم ويؤازرهم؟ ونجيب: نعم يخافون! لأن وطأة الوحي ثقيلة ومسؤولية النبوة هائلة. سوف أعود إلى هذه النقطة لاحقا عندما أتناول مسألة الوحي من وجهة نظر التحليل النفسي كتجربة ترجّ الأعماق والأقاصي لا من وجهة نظر الروايات القديمة الجميلة المنفتحة على الخيال الخلاق كهذه الرواية . لكن لاحظ هنا مدى تركيز خديجة على أخلاقه العالية الرفيعة وان شخصا مثله لا يمكن أن يمسّه الجنون أو أن يتجلى له الشيطان وإنما الملاك. وقد صدّق القرآن على كلامها إذ قال: وإنك لعلى خلق عظيم.