مائويّة كلود لفي-ستروس (15) ماذا تبقى من دروس ليفي ستراوس؟

من بين أفكار كثيرة، نخرج من قراءة ‘المدارين الحزينين’ بفكرة طريفة هي تلك النظرة إلى الثقافة الأوروبية على أنها ثقافة بين ثقافات أخرى ليس إلا. رغم فاتحة الكتاب التي نعثر فيها على تلك الجملة الشهيرة : “أكره الرحلات والمستكشفين”، إلا أنّ العنوان ذائع الصيت ما هو سوى استكشاف طويل لثقافات بعيدة كلّ البعد عن الثقافة الأوروبية وسفر انفتاح على آخر مغاير واستهجان مغاير آخركما هو الشأن بالنسبة للمسلم.

أطفأ كلود لفي ستراوس شمعته المائة يوم 26 نوفمبر2008 ولم تبخل الأوساط الثقافية الفرنسية والعالمية بذكر إسهاماته الرائدة في علم الإتنولوجيا إذ أصبح دارس الأساطير أسطورة حيّة. فما الذي يجعل هذا الفكر يحتفظ بعنفوانه في سنة 2008 ؟ ما سرّ الشغف به اليوم؟ لماذا تلقى كتب ليفي ستراوس التي تغذّت منها أجيال متعاقبة من القراء إعجاب جيل جديد من الباحثين الشباب؟ هل تحوّل فكره إلى أدب غرائبيّ؟

لئن وجدت فيه الأغلبية عالم الإتنولوجيا الفذّ والكاتب الكبير تتنبّأ أقلية أنّ ما يبقى من ليفي ستروس هو الكاتب الأديب قبل أيّ شيء آخر. فهل يمكن فصل الشكل عن المضمون في حالة مؤلّف “العرق والتاريخ” ذلك النص الآسر بلغته وحبكته المنطقية معا والذي كان بطلب من منظمة اليونسكو سنة 1952؟ إن كان يتحدّث فعلا مثلما يكتب الآخرون، فليست الكتابة لديه سوى الوسيلة التي يحاول عبرها إيصال فكره، ليعرض ملاحظاته وافتراضاته وما اعتقد أنّها براهين دامغة. فهو أوّلا عالم كان مثالا لحياة علمية قوامها نظرية صارمة متجذّرة في الواقع الحيّ ورجل أخلاق ثانيا، يغيظه ما تفعله الإنسانية بالطبيعة من شرور. “الإنسان شريك في الطبيعة لا سيّد عليها”، قال ذات عام ويمكن اعتبار تلك المقولة قاعدة فلسفية لبداية كلّ وعي إيكولوجيّ كونيّ يضمن احترام الطبيعة والحفاظ عليها والتصدّي لجنون تدمير كوكبنا، ألا يمكن أن يكون ذلك هو الدرس الذي ينبغي استخلاصه من دراسة ‘المجتمعات الهامشية’؟

لكن هل ما زال ليفي ستراوس محطّة ضرورية لكلّ مقبل على علم الأنتروبولوجيا، هل ما زالت مقاربته قادرة على الإحاطة بغنى الحياة اليومية وانشطار الواقع؟

لا أحد يستطيع إعادة النظر في شرعية ليفي ستراوس العلمية لكن هل يغلق هذا الاعتراف كلّ نقاش حول فكر الرجل؟ في ‘العرق والتاريخ’ نقف على”النسبية الثقافية’ في أبسط أشكالها ولا يمكن أن نفصل الكتاب عن ظرفه التاريخيّ المتمثّل في سنوات ما بعد الحرب العالمية الثانية الموشومة بالطابع الاستعماري وطغيان الاعتقاد ببدائية عقلية الشعوب التي تعيش على هامش النمط الثقافي الغالب. اعتبر ستراوس تنوّع الطابع التاريخيّ والجغرافيّ والسوسيولوجيّ أصلا للاختلاف بين المجتمعات، مؤكدا على عدم اعتبار الاعتراف بتلك الاختلافات نوعا من التفاضل بينها.

في ‘ العرق والثقافة ‘ يعود ليطوّر فكرته عن نسبية الثقافات مناديا بضرورة المحافظة على بقاء الثقافات ومُنظّرا للمساواة بينها. لا يخفي معارضته للعنصرية التي هي في رأيه مجموع المذاهب التي تفترض وجود مجتمعات ذات ثقافة عليا وأخرى ذات ثقافة دنيا، ولكنّ كلّ هذا لا يمنعه من النظر إيجابيا إلى اللاتسامح والسخط ..ضد الآخر ومضايقاته ..تلك السّلوكات التي تضعها الثقافة الديمقراطية اليوم في سلّة العنصرية، فما هو مبرّر هذا الموقف؟ يعتقد ليفي ستراوس أنّ تلك الميول والسلوكات متجذّرة بشكل من الأشكال في النوع البشريّ وأنه لا يمكن بأي حال من الأحوال نكران دورها الحتمي المثمر الذي تلعبه في التاريخ كما يشير إلى خطورتها في حالة هيجانها. ليس من السهل تغيير الإنسان عن طريق الخطب الجميلة، يقول العالم، فلا حول ولا قوّة للكلمة مهما كان نبلها من التوفيق بين قضايا متعارضة كالوفاء للذات مثلا والانفتاح على الآخر.

حتى وإن اعتبر أنّ التعبير عن ذلك الفعل الدفاعي يظلّ دائما غير مشروع، ينظر ليفي ستروس إلى ما نسميه اليوم ‘ تمييزا عنصريا ‘على أنه ميل مجتمع ما إلى الدفاع عن ثقافته. فما تسميه الإنسانية الديمقراطية التي تؤمن بالهجانة الثقافية ‘عنصرية’، لا يرى فيه صاحب كتاب ‘ نظرة بعيدة ‘ سوى ‘لاتسامح ثقافي’، ذو وظيفة موجودة في كل المجتمعات هي تلك التي تدافع عن خصوصية،عن هوية. ربما هذا الهيام بالهويات والتمسّك بمفهوم ‘ النسبية الثقافية ‘ الإشكاليّ هو الذي أدّى بالفيلسوف إلى ‘ طَبعَنة ‘ الثقافة، بمعنى النظر إليها على أنها ظاهرة منفصلة عن بقية الجسم المجتمعي، واعتبارها حقيقة كلية تتجاوز الواقع السياسي والاقتصادي. ألا يكون الافتتان بتمايز المجتمعات هو الذي جعل من انتروبولوجيته عاجزة عن تقديم ما يمكن أن نفهم به كيفية تداخل المجتمعات وتغيّرها وإعادة إبداع نفسها ثمّ الوصول إلى تمظهرات جديدة ؟ هل يمكن أن ننظر إلى المجتمعات على أنها متجانسة ونظيفة من الصراعات الاجتماعية الداخلية؟ أين تضع انتروبولوجيا ليفي ستروس الأجانب والمنشقّين الثقافيين والأقليات؟ هل يكفي عذر التقدّم في السنّ لتفسير وقوفه السلبي أمام ثورة مايو 68 الطلابية؟ لماذا رفض الانضمام إلى صفوف المثقفين الفرنسيين المنادين باستقلال الشعوب المستعمرة؟ ألا يحقّ لي كجزائريّ أن أتساءل عن سبب عدم إمضائه على أية عريضة ضدّ الممارسات البربرية التي كانت تمارس على الجزائريين قبل وأثناء سنوات الحرب التحريرية؟

من حسن حظ علم الأنتروبولوجيا أنّ مؤلّف ‘ الطوطمية اليوم ” لم يتحوّل إلى طوطم، أمر يمكن أن يفسر بتحوّلات العلم ذاته إذ أصبحت المعرفة الأنتروبولوجية أكثر تواضعا وتجزئة، وغدا من الصعوبة بمكان أن تحتمل سيطرة منظومة منهجية واحدة. فلا أحد من الإثنولوجيين المعاصرين يعتمد اليوم على ليفي ستراوس كعكّاز نظريّ، بل أصبح يُقرأ كتراث أكثر ممّا يقرأ كعلبة مفاتيح. لكن استفاد كثير من العلماء من تجربته الميدانية وعلى وجه الخصوص تنظيم العلاقة بين ذاتية الباحث وموضوع دراسته من أجل تفادي سقوط محتمل في وحل انتروبولوجيا نرجسية متعالية.

ما يجب الإشارة إليه هو حيرة المتأسلمين أمام صاحب “الإنسان عاريا”. فهو من ناحية يطربهم نظريا، فيمكن أن يجدوا فيه ما يثمّن ‘عقلية ما قبل المنطق’ وما يساوي بين الفكر الميثولوجي والفكر العلميّ وكذا ما يخوّل لهم التقوقع انطلاقا من مبدإ النسبية الثقافية المساوي بين البوركة والميني جيب، بين تعدّد الزوجات والحبّ، بين سروال الجين وورقة التين في ستر العورة..ومن جهة أخرى فهو ينظر إلى الثقافة الإسلامية نظرة نقدية غير مواربة، إن لم يكن من أوائل الغربيين المعاصرين الذين فطنوا مبكرا إلى حتمية ظهور أصولية الإسلام.

في آخر كتاب”المدارين”* يعثر المرء على نصّ يروي فيه ليفي ستروس لقاءه مع عالم من عوالم الإسلام في غاية الدقّة والحدس، يصعب على قارئه الموضوعيّ أن يتّهم صاحبه بأنه يهرف بما لا يعرف، كما يفعل كثير من رافعي سيف ‘ الإسلاموفوبيا ‘ اليوم.

-* أنظر صفحات مترجمة ضمن هذا الملفّ ‘ الإسلام والمسلمون من منظور كلود ليفي ستراوس ‘ للأستاذ العادل خضر.