
حصل الإتنولوجي الكبير كلود ليفي-ستروس في ماي 2005 على الجائزة الدولية لكاتالونيا ذات الصيت المعروف، وقد مثّل الحفل بالنسبة له فرصة للتأمّل حول الإنسان والعالم فقدّم المداخلة التالية التي لم تنشر على نطاق واسع.
لقد ولدت في السنوات الأولى للقرن العشرين وكنت حتى نهايته أحد شهوده وهو ما يجعلني في أغلب الأحيان مدعوّا لأن أقدّم رأيي حوله، ويبدو من غير اللائق أن يقع تحويلي إلى حكم على الأحداث المؤلمة التي طبعته لأنّ هذه المهمة هي من مشمولات أولئك الذين عاشوها بكيفية فظيعة في حين حماني الحظّ بصفة متتالية من ذلك حتى وإن تأثّر مساري المهنيّ والعلميّ بشكل كبير من جرّائها.
إنّ الأتنولوجيا التي يمكن أن نتساءل إن كانت في المنطلق علما أو فنّا ( أو ربّما بالأحرى كلا الأمرين) تلقي بجذورها في جانب في حقبة قديمة وفي جانب آخر في حقبة مستجدة ألم يكن الناس في نهاية العصر الوسيط وفي النهضة حين اكتشفوا التاريخ القديم الإغريقيّ – الروماني يمارسون أوّل شكل للأتنولوجيا تماما كما كان الأمر للإنجيليين وهم يجعلون من اليونانية واللاتينية قاعدة تعليمهم؟
إننا نقرّ بأنّه لا يمكن لأيّ حضارة أن تفكر حول ذاتها إذا لم تتوفّر لها حضارات أخرى تستعملها للمقارنة؟ لقد وجدت النهضة في الأدب القديم وسيلة لوضع ثقافتها في الأفق من خلال مواجهة المفاهيم المعاصرة بتلك التي تنتمي إلى أزمنة أخرى وأمكنة أخرى.
إنّ الفارق الوحيد بين الثقافة الكلاسيكية والثقافة الأتنولوجية يتمثّل في أبعاد العالم المعروف في عصر كلّ واحدة منهما ذلك أنّ الكون الإنسانيّ كان محدّدا في بداية النهضة بحدود الحوض المتوسطيّ أمّا بقية الأجزاء فلم نكن نفعل أكثر من التشكّك في وجودها وتوسّعت الإنسانية في القرن الثامن عشر والتاسع عشر بتقدم الاكتشافات والبعثات الجغرافية وأضيفت الصين والهند إلى المشهد والقائمة، وتعترف مصطلحاتنا الجامعية التي تعيّن دراستها تحت اسم الفيلولوجيا غير الكلاسيكية، من خلال عجزها خلق لفظ متفرّد، أنّ الأمر يتعلّق بوضوح بنفس الحركة الإنسية التي تمتدّ إلى أرض جديدة، ومن خلال الاهتمام بآخر الحضارات التي ظلت عرضة للاحتقار والتبخيس- المجتمعات التي يقال إنّها بدائية-يقحم الإتنولوجيّ الإنسانية في مرحلتها الثالثة.
إنّ أنماط معرفة الإتنولوجيّ هي في الآن نفسه أكثر خارجية وأكثر داخلية من أولئك الذين سبقوه، لأنّ معرفته مجبرة حين تريد اقتحام المجتمعات ذات النفاذ شديد الصعوبة إلى أن تضع نفسها بعيدا جدا ( الأنتروبولوجيا الطبيعية / ما قبل التاريخ، التكنولوجيا) وأيضا أن تكون في الداخل بشكل كبير وذلك عبر تماهي الإتنولوجي مع المجموعة التي يقاسمها العيش والأهمية القصوى التي يتعيّن عليه أن يوليها للحياة الطبيعية للأهالي، والإتنولوجي هو دائما دون الإنسانوية التقليدية وأبعد منها في آن، وهو ما يجعله يتجاوزها في كل الاتجاهات. إنّ ميدان عمله يضمّ الأرض المسكونة في كلّيتها، في حين أنّ منهجه يجمع كل أنواع التمشي التي تعود إلى كلّ أشكال المعرفة من علوم إنسانية وعلوم طبيعية.
لكنّ ولادة الإتنولوجي ترتبط أيضا باعتبارات أكثر تأخّرا من حيث السياق الزمنيّ تنتمي إلى نظام آخر ذلك أنّ الغرب قد امتلك خلال القرن الثامن عشر اقتناعا بأن التوسع المتواصل والسريع لحضارته قد أضحى أمرا مفروغا منه ولا يمكن التراجع عنه، وأنّ هذه الحضارة تهدّد وجود آلاف المجتمعات الأكثر بساطة والأشدّ هشاشة، والتي تعتبر لغاتها ومعتقداتها وفنونها ومؤسساتها رغم هذه البساطة والهشاشة شهادات لا يمكن تعويضها عن ثراء المخلوقات الإنسانية وتنوّعها. وإذا كنا نأمل أن نعرف ذات يوم ما هو الإنسان فإنّه من المهمّ ـ ما دام ذلك متيسّراـ تجميع كلّ حقائقه الثقافية التي لا تدين في شيء لإضافات الغرب وإكراهاته. وهذه المهمّة تكتسي صبغة استعجالية لأنّ هذه المجتمعات التي لا تعرف الكتابة لا توفّر وثائق مكتوبة ولا توفّر كذلك بالنسبة لجلّها معالم مجسّدة.
ولكن قبل أن يقع تقدّم كاف في هذه المهمة فإنّ هذا كلّه هو بصدد التلاشي أو على الأقلّ بصدد الخضوع لتغييرات عميقة. إنّ الشعوب الصغيرة، التي كنّا نسمّيها أهلية، تنال حاليا اهتمام منظمة الأمم المتحدة وتعي هذه الشعوب، من خلال دعوتها للاجتماعات الدولية، بوجودها وبوجود شعوب تشابهها ويكتشف الهنود الأمريكيون وموارا زيلاندا الجديدة والأبوريجان أنهم قد عرفوا مصائر متشابهة وأنّ لهم مصالح مشتركة، وينبثق بذلك وعي جماعيّ يتجاوز الخصوصيات التي كانت تمنح لكلّ ثقافة ذاتيتها، وفي ذات الوقت فإنّ كلّ المناهج والتقنيات وقيم الغرب تخترق هذه الثقافات. وبكلّ تأكيد فإنّ هذا التنميط لن يكون أبدا كاملا وهناك فوارق تبرز تدريجيا مانحة مادّة جديدة للبحث الإتنولوجيّ، ولكنّ هذه الاختلافات والفوارق، ستكون في إنسانية أصبحت متضامنة وذات طبيعة أخرى لأنها لن تكون خارجية بالنسبة للحضارة الغربية، بل داخلها حسب الأشكال المهجّنة عبر امتداد هذه الحضارة على كامل الكرة الأرضية.
لقد كان عدد سكان العالم حين ولدت مليارا ونصف المليار وحين دخلت معترك الحياة النشيطة سنة 1930، ارتفع هذا العدد إلى مليارين. ويبلغ عدد سكان العالم اليوم ستة مليارات نسمة وسيبلغ التسعة خلال بضعة عقود، إذا ما سلّمنا بتوقعات الديمغرافيين ويخبرنا الديمغرافيّون أيضا أنّ هذا الرقم سيمثّل أقصى ما ستبلغة الإنسانية التي سـتأخذ إثر ذلك في التراجع وبشكل سريع حسب بعضهم، إلى الحدّ الذي يحمل، خلال بعض قرون، تهديدا لبقاء النوع البشريّ، وفي كلّ الأحوال فإنّ هذا التراجع لن يأتي على التنوّع الثقافيّ فقط بل كذلك على التنوّع البيولوجيّ من خلال القضاء على كمّية من الأنواع الحيوانية والنباتية وإذا كان الإنسان هو، بكلّ تأكيد وبلا أدنى شك، المسؤول عن هذا التلاشي وهو الذي قام به فإنّ آثاره تنقلب عليه وتعمل ضده. ويمكن القول إنّه ضمن كلّ المآسي الكبرى المعاصرة، لا يوجد واحد منها لا تعود أسبابه المباشرة أو غير المباشرة في الصعوبة المتنامية للعيش معا، والتي تشعر بها بطريقة لا واعية إنسانية يتهددها الانفجار الديمغرافيّ ويجعلها تشبه ديدان الحبوب التي تختنق عن بعد داخل الكيس الذي يحويها قبل أن يأخذ الغذاء في النقصان، فتأخذ في كره ذاتها لأنّ لها “علما مسبقا سرّيّا” يحذّرها أنها قد أصبحت كثيرة العدد إلى الحدّ الذي يوجد صعوبات أمام التمتّع الحرّ لكلّ واحد من أفرادها بالخيرات الأساسية: الفضاء الحرّ والماء النقيّ والهواء غير الملوّث.
وهكذا فإنّ الفرصة الوحيدة المتاحة للإنسانية تكمن في اعترافها بأنّها، مع تحوّلها إلى ضحيّة ذاتها، فإنّ هذه الوضعية تضعها على قدم المساواة مع كلّ أشكال الحياة التي سعت وتواصل السعي لتدميرها. ولكن إذا كان الإنسان يمتلك قبل كلّ شيء حقوقا بوصفه كائنا حيّا وينجرّ عن ذلك أنّ هذه الحقوق التي أقرّت للبشرية كنوع تجد حدودها الطبيعية في حقوق الأصناف الأخرى. إنّ حقوق البشرية تقف في اللحظة التي تضع فيها ممارستها موضع خطر وتهديد وجود الأصناف الأخرى.
إنّ حقّ الأصناف الحية الممثلة لحدّ الآن فوق الأرض، في الحياة، وفي التطور الحرّ، يمكن القول إنّه الوحيد الذي لا يدرك بالشكل الكافي وذلك لسبب بسيط يتمثل في أنّ زوال الإنسان يترك فراغا لا يمكن تعويضه في سلّم وفي نسق الخلق، وتبدو هذه الطريقة للنظر للإنسان الطريقة الوحيدة التي يمكن أن تحظى بموافقة كلّ الحضارات، سواء تعلّق الأمر بحضارتنا نحن في البداية، لأنّ التصوّر الذي تولّيت عرضه كان تصوّر الفقهاء القانونيين الرومان الذين اعتبروا، وقد اخترقتهم تأثيرات الرواقيين، القانون الطبيعيّ كمجموع العلاقات العمومية التي تقيمها الطبيعة مع كلّ الكائنات التي تحرّكها رغبتها المشتركة في البقاء والاستمرار. وينسحب الأمر على الحضارات الكبرى للشرق وللشرق الأدنى التي استلهمت من الهندوسية ومن البوذية، وتشمل هذه الطريقة في نهاية المطاف الشعوب التي يقال إنها متخلفة بما في ذلك الشعوب الأكثر بساطة فيها، وهي المجتمعات التي لا تعرف الكتابة التي يدرسها الإتنولوجيون.
فمن خلال تقاليدها وطقوسها الحكيمة التي نخطئ لو ألقينا بها في خانة التطيّر، تحد هذه المجتمعات من استهلاك الإنسان لبقية الكائنات الحيّة من خلال ما تفرضه عليه من ضرورة احترامها المعنويّ، وما تضيف إلى هذا الفرض من قواعد صارمة لضمان حماية هذه الكائنات. وبقدر ما تختلف هذه المجتمعات عن بعضها البعض فإنّها تلتقي لتجعل من الإنسان طرفا فاعلا وليس سيّد الخلق. هذا هو الدرس الذي تعلمه الإتنولوجي من هذه المجتمعات وكلّه أمل أن تحافظ عليه سليما وكاملا عند التحاقها بكوكبة الأمم، وأن نحسن نحن، من خلال هذه المحافظة، الاستلهام منها.
المصدر : مجلّة Le Nouvel Observateur ، عدد 2269، من 1 إلى 7 ماي 2008، ص ص 11-12.