
في مثل هذه الأيام قبل عامٍ تماماً غصّت صالة الفيحاء الرياضية في العاصمة السورية دمشق بآلاف الأشخاص، الذين احتشدوا في المكان لحضور حفلٍ غنائي موسيقي للفنان اللبناني مرسيل خليفة ضمن الفعاليات التي أقامتها الأمانة العامة لاحتفالية "دمشق عاصمة الثقافة العربية 2008". معظم الحضور كانوا شباباً من الجنسين، وقد حمل البعض منهم شعارات ورايات تمثل عدداً من الأحزاب السياسية ـ اليسارية بشكل خاص ـ ورفع بعضٌ آخر الكوفية والأعلام الفلسطينية، وكما نعلم فقد كانت الحرب القذرة بين الاحتلال الإسرائيلي وحركة حماس في قطاع غزّة في أوج استعارها في ذلك الحين ونزيف دماء الشعب الفلسطيني في ازدياد.
المشهد ذاته تقريباً تكرّر في مدنٍ سوريّةٍ أخرى (اللاذقية وحمص)، حيث أقيمت فيها حفلات لخليفة في المناسبة. وقبل شهرٍ تقريباً من الآن تجمّع الألوف من الشيوعيين المتحزّبين والمتعاطفين معهم في صالة الجلاء الرياضية في مدينة دمشق، والمناسبة هي احتفالٌ جماهيري مشترك أقامه الشيوعيون السوريون واللبنانيون إحياءً لـ "ذكرى تأسيس الحزب الشيوعي" الذي كان في غابر الأيام حزباً واحداً. وغطّت الرايات الحمراء المكان ورُدّدت الهتافات الحماسية والأناشيد "الثورية".
احتشاد الجمهور "المناضل" ليس فقط لسماع الخطابات السياسية التي ألقاها قادة "الأحزاب" المحتفلة بتأسيس الحزب؛ بل بشكلٍ أساسي لحضور الشاعر المصري "النجم" أحمد فؤاد نجم والفنان اللبناني "الملتزم" خالد الهبر، واللذان كانت لكلّ منهما مشاركة فعّالة في الحفل (أقلّها لأنهما سببٌ وحيد لمجيء عدد كبير من الشبّان والشّابات كما علمنا لاحقاً).
سنترك قليلاً أجواء الاحتفالات والمهرجانات وصخبها دون أن نبتعد عن موضوعنا، ونذكر بعضاً ممّا يُخبرنا به من كانوا شبّاناً و"مناضلين يساريين" في سوريا قبل حوالي ربع قرن من الزمن.
يروي لنا أولئك أنّ حيازة أو تداول أشرطة كاسيت لأغاني مرسيل خليفة أو أشعار أحمد فؤاد نجم وأغاني رفيق دربه الراحل الشيخ إمام، كانت تعدّ دليلَ إدانةٍ كافٍ آنذاك لاعتبار شخصٍ ما مشبوهاً أو متّهماً بالانتماء إلى أحد التنظيمات اليسارية المعارِضة الملاحقَة من قبل السلطات السورية (الحزب الشيوعي السوري ـ جناح رياض الترك أو حزب العمل الشيوعي مثلاً)، بما ترتّبه تلك "التهمة" و"الأدلة" المرافقة من تبعات الاعتقال والتعذيب والإذلال الذي قد يطال كلّ من له صلة بالمتهم، إلى أن يعترف المعتقَل بجريمته أو تثبت.. إدانته.
في زمن كانت القبضة الأمنية للسلطة تكاد تمسك بخناق كل مواطن ومواطنة، حيث الجميع يخافُ من الجميع. لم يكفّ أولئك ـ الذين كانوا شباباً ومناضلين ـ مع كلّ ذلك عن ترديد تلك الأغنيات "التُّهم" وحفظها وتهريب أشرطة الكاسيت وتوزيعها وكأنها بيانات حزبيّة وسياسيّة، في تحدٍّ للحظر ولشعورهم بما تمثّل وتعني تلك الإبداعات ومبدعوها من رمزية وتحريض وتعبير لقضايا الحرية والعدالة وفلسطين والإنسان في كلّ مكان.
منعاً للالتباس تجدر الإشارة إلى أن الأحزاب المحظورة التي ذكرنا ما زالت على وضعها كسائر القوى المعارِضة، أما الاحتفال المذكور بتأسيس الحزب الشيوعي فهو يخص الأحزاب الشيوعية المنضوية ضمن تحالف السلطة في سوريا والمعروف باسم "الجبهة الوطنية التقدمية" وملحقاتها.
بالعودة إلى ما بدأنا، وإذا تأمّلنا مستوى مطالب و"نضاليّة" من كانوا شبّاناً بالأمس ورموزهم وقارنّاها بواقع الحال، فما أشبه الأمس باليوم.. لولا بعض الفوارق البسيطة حيث نجد:
لا حالة الطوارئ والقبضة الأمنية انتهت، ولا الاعتقال السياسي توقّف، ولا مواثيق حقوق الإنسان الدولية طُبّقت، ولم ننعم بعد لا بتحرير الأرض أو التنمية الشاملة، ولابتحقّق دولة القانون والمواطنة، ولا تزال المعارَضة السياسية جريمة يُعاقَب من يقترفُها، والديمقراطية ترفٌ زائدٌ لا تحتاجه "الخصوصية الوطنية" فلا داعي للحديث عنه.
أما عن الفوارق البسيطة فيمكن القول إنّ من كان مجرد الاستماع إلى أغانيهم أو ترديدها حتى في سهرة عائلية سبباً لمخاطر لا يمكن التكهّن بنتائجها، قد أصبحوا الآنَ ضيوفاً كراماً على الجهات الرسمية وشبه الرسمية، والجمهور العريض الذي يصفّق لهم في المدرّجات جمهورٌ مهذّبٌ و"مدجّنٌ" وغير معنيٍّ على ما يبدو حتّى برفع لافتةٍ رمزيةٍ تحتجّ على الفساد المستشري على مختلف المستويات أو مشكلات البطالة وارتفاع الأسعار وأخيراً وقف الدعم الحكومي لمادة المازوت وانعكاساته على الأغلبية الفقيرة من السكان، على الرغم من أنّه حديث الشارع السوري في نفس فترة الحملة "الإعلانية" التي قام بها الشيوعيون للدعوة إلى احتفالهم الكبير!
أجل لافتة صغيرة فقط لأنّ اعتصاماً أو إضراباً أو مظاهرةً احتجاجية سلميّة، هي أكثر من المسموح لهذه الأحزاب العتيدة وجمهورها الوفي بالقيام به أو حتى الدعوة إليه.
يبقى من نافل القول بعد كل هذا الإشارة لغياب مطالب "مناضلي الأمس" عن أذهان المحتفلين "بذكرى التأسيس".
من ناحيةٍ أخرى يمكن مع القليل من حسنِ النيّة اعتبار أنّ احترام كرم الضيافة هو ما منع "ممنوعي" الأمسِ ضيوفَ اليوم من الحديث بما يغضب المضيف، سواء على المسرح أمام الجمهور أو في وسائل الإعلام.
الدنيا تغيّرت ومقتضيات مرحلتهم هذه تختلف عن الإرث الثوري وعبئه الثقيل، ولون الشال "الأزرق" أكثر راحةً للأعصاب من اللون الأحمر وثوريّته المرهِقة.
لا يبدو أنهم مازالوا معنيين بتغيّر هذا الجزء من العالم نحو الأفضل، كما كان فنّهم وكانوا هم شخصياً يقولون ويدعون أو.. يدّعون، لا فرق في ذلك إلا بتشديد الدال، أما عن الدلالة فتشير إلى ضميرٍ غائبٍ تقديره هو.
لا يحقّ لنا إنكار حق الإنسان بتغيير قناعاته بل لنذهب أبعدَ من ذلك ونقرّ بحقّه في الخطأ، بل وفي التناقض مع ذاته لو أراد، لكن ألا يحقّ لنا مساءلة من يتغيّر أو يخطئ أو يتناقض ومطالبته بإعلان موقفه الصريح بوضوح حتى لا يُصنّفَ في موقعٍ لا ينسجم لا هو ولا الموقع مع بعضهما فيه؟ ولن نتحدّث عن احتمال الادّعاء والمتاجرة، والتلاعب بالعواطف والعقول.
لم تنتهِ القضايا الكبرى لكنّ الشعارات الفارغة اللاعقلانية هي التي انتهت. أمّا الرموز فما زالت مستمرّة لكن مع إعادة تموضع بعضها وإنتاج "أنواعٍ" جديدة منها بما ينسجم مع العصر (سلباً أو إيجاباً).
بعد أن أُفرغت "القضايا" نفسها من مضامينها الحقيقية، لا بأس إذاً على "جمهور القضايا" الذي ضاعت بوصلتُه أن يتمسّك بوهمِ "الرمز" ولا عجبَ إن تمايل طرباً لكلام لا يفهمه، فلربّما كان قائلوا ذلك الكلام أنفسهم ماعادوا لكلامهم فاهمين!.