ما العقلانيّة، أيّ عقلانيّة؟ (11)

– ليست العقلانية الباشلاردية من قبيل تلك الفلسفات المرتكنة إلى تخصصات لا  تخرج من بوتقتها بفعل منطق العلم الحديث الذي يفرض التخصص شرطا للتميز ولمعرفة صادقة لما نحن إزاء التحدث بشأنه. وهي ليست عقلانية الدعوة  للابيستيمولوجيا كحل أخير لما تبقى للفلاسفة الذين تحولوا إلى شعراء يعاني شعرهم من وفرة انطولوجية لا قبل له على احتمالها. وقد يتبادر لذهن أي مطلع على تاريخ العلوم عن إحراج صامت  لتواصل واستمرارية للعقلانية الباشلاردية في الفلسفة المعاصرة للقرن الحادي والعشرين. إذ في صفوف أكبر الابيستيمولوجيين في الأزمنة الحديثة من باتوا يسمون أنفسهم بالباشلارديين من الابيستيمولوجين انطلاقا من دومينيك لو كور وصولا إلى النقاد الادبيين كجون بيار ريشارد.



ان الانسان كما يصوره باشلار لا يمكن ان يحيا افقيا وكفى، هكذا تعتبر استراحته  ونومه سقوطا ذالك ان العقلانية الباشلاردية تعلمنا ضروب تجديل الحقيقة لانها ببساطة شوكة في حلق كل خطاب شمولي. فإذا  ابتغى شخصان التآلف، فيحتاجان أولا إلى التعارض، لأن الحقيقة بنت للجدال وليس التوافق. اننا اذن ازاء منوال من التفكير يحثنا للاقرار بان العقلانية هي فلسفة مفتوحة بامتياز.



ففوكو هو الأخر حين يستشهد بباشلار يشير في معنى حديثه عن مرتبة لا يمكن تجاوزها، من حيث ان باشلار يلعب بثقافته ضد ثقافته. او هو يحاول تفخيخ ثقافته.  وخروجا من فوكو نجد بكل مشروعية منطقا ديالكتيكيا في "فلسفة اللا " كعقلانية مشروعة متنزلة في جوهر الفلسفة المفتوحة التي من المشروع الاستشهاد بها داخل المنطق العلمي والمنطق التاويلي على حد سواء. انها العقلانية التي استطاع الفكر الغربي من خلالها التحرر من طغيان كل نفس وضعي وحتمي سرعانما ضرب وتمت الاطاحة به بعنف مع أزمة الأسس العلمية في موفى القرن التاسع عشرة. وهذا طبعا لم يكن تبرئة للغرب من الانجازات التي قدمها للإنسانية والتي قامت عليها الأسس الحداثية في العلم. ونحن نتحدث عن الثورة الغاليليو كوبرنيكية gallileo-copernicienne التي أفهمتنا الكانطية عقلانيتها من خلال رسم حدود العقل، وصولا إلى نظريات مثل النسبية المقيدة لاينشتين ونظرية الشك والتردد لهيزنبرغ   الآلية التموجية للويس دو بروي  Louis de Broglie والتي استطاعت الباشلاردية بناء عقلانية جديدة من خلالها، عقلانية مفتوحة على أخطائنا، على أساس أنها الحلول الوحيدة التي تسمح للإنسان بالمضي قدما. وعلى هذا  فان الباشلاردية راهنة ليس من حيث أنها نقد ضمني لمركزية اللوغوس الغربي، بل هي عقلانية نفي لمفهوم العلم في مطلقه كما تورده النصوص المقدسة وتفرخه  العقول الأصولية وسماسرة اللاهوت الى المتبجحين باحتواء النصوص المقدسة لحقائق علمية.



ان الديالكتيك إذن الذي يصنع العقلانية بالمنطق الباشلاردي ليس هو الديالكتيك الذي تقصده الأفلاطونية في الجدل الصاعد او الديالكتيك الهيغلي بل هو بناء متواصل لا يتوقف بين التجريبية والعقلانية وبين ما تنتجه من نتائج تنسجم وطبيعة العلم الحديث، وهذه النتاج تقوم مباشرة على المحاسبة، بل والى رفضها كحقيقة نهائية والتسليم بها على أنها حقائق مؤقتة يجب إعادة إخضاعها الى ديالكتيك الأحكام البعدية A posteriori    " ففلسفة اللا" لا علاقة لها بديالكتيك الأحكام القبلية"(1) .

  

  وهذا ما يشير للتوّ بانّ العقلانية الباشلاردية تاريخانية بامتياز من حيث قراءتها للمفاهيم. ذالك ان العلم لا يتطور الا من خلال سيكولوجية عقل منفتح يقر بتواضعه مع كل مكسب كما ان الديالكتيك هنا لا يصنع و لا يحاك في تقوقع تام اي في مقولة العود الى الذات و السعي نحو التطابق الداخلي كما يحدث على الشاكلة الأفلاطونية بل ان ديالكتيك العقلانية الباشلاردية تسليم تام بالتوافقيconventionnel   بما هو احد شروط الموضوعية و بحث عن حقيقة مشتركة و عن الآخر اللامفكر فيه كنقصان حتمي لا بد من وجوده في مكان ما و بهذا تحدثنا العقلانية الباشلاردية عن   "خروج من التأمل الذاتي بحثا عن الآخر"(2).



ان العقلانية محكومة ضروريا بالنقد وليست كما يقال "حمارا يحمل أسفارا" او ضربا من التلقينية التي تفوح إلى اليوم من مدارسنا وجامعاتنا إزاء العلوم التي يتلقاها الجميع وقد يحدث ان يتساءل البعض بإبهام عن غياب الحس النقدي والإبداع  متناسين صنوف آليات التلقين التي يتعرض إليها الطفل في الكتاتيب وفي بوتقة المدارس التي لا تعطي قيمة لإثارة الفكر و الإحراج بالسؤال. ذالك انّ النقد بالمنطق العلمي او التأويلي يحتاج إلى منطق الكشف، فهذا العقل المتجدد إذا والذي تدعو إليه الباشلاردية محكوم بنقد وسيكولوجية لا فكاك منها ومن ضمنها كان يجب ان لا ندرس القوانين بل نكتشفها كما يقول باشلار.



ان معركة الإنسان مع العالم ليست استفزاز العالم للإنسان كما يتبادر إلى ذهن القوى الرجعية اليوم بل العكس تماما. ولكي نتحلى قليلا بالروح الهيغلية سيتيسر القول من جهة الإنسان بانّ التاريخ الكلي ليس موضع هناء، والتقدم ليس سوى نتاج لتفاعل أنماط الوعي، وأبطال التاريخ هم الانفعاليون وأصحاب المشاريع المحدثة المكتنزة بالمعاني الجديدة وهذه هي عقلانية العقل الجديد.

 كما ان الصفعات التي تلقاها الإنسان في بعده اللاهوتي من جراء الكشوفات العلمية التي جرحت نرجسيته اي من الثورة الكوبرنيكية إلى الداروينية التي أخذت البراهين العلمية في الوقت الحالي تضعف من قيمتها كفرضية، زد على ذالك الرجة التي قام بها التحليل النفسي الفرويدي، إنما لا تستطيع ان تفهم الا داخل عقلانية مفتوحة  وفلسفة ايدونية. بل سيتيسر لنا مع باشلار الحديث عن سيكولوجية تطرح نفسها لرصد علاقة الإنسان بالمعرفة العلمية.  



ومن المشروع القول بأنها  الفرويدية ليست هي التي  أسست التحليل النفسي للعلم. إذ أن الروح العلمية التي تقف بين التجريبية والعقلانية جديرة برصد سيكولوجي. فاللاوعي العلمي حاضر بصفة لا يمكن إنكارها، ولعلها تبدو مخفية ومبطنة أكثر من الشاكلة التي يرصد بها التحليل النفسي الهفوات اللاإرادية actes manqué  و هو" ما يجب تدميره ومداواته" على حد تعبير باشلار.



 كما أن هذه السيكولوجية تستلزم تفهما مخصوصا للواقعية ذالك ان هذه الأخيرة تحتل ضمن الأرشيف الباشلاردي فهما ودلالة مخصوصة. فالواقعي هو من يتحلى بروح فلسفة ايدونية  Hédoniste مفتوحة. وحيث ان الصيرورة والتاريخ يتضمن ابيستيميات لا تنفك عن تجاوز كل ما هو سابق قديم، فان الواقعي من هذه الزاوية يقتضي وعيا ملازما لهذا الواقع. وضمن هذه العقلانية هنالك مجال ما لنفيه حالما ندرك انه قابل للتجاوز بحكم النقائص التي يحتويها كل واقع. فبالمنطق الباشلاردي "الواقعي هو من يستوعب الواقع من جانبه اللاواقعي". تبعا لذالك نفهم الواقعي من حيث الإدراك بمثابة نقد ملازم للواقع، وهي الصيغة المحايثة للروح العلمية. ولعله " بدون هذه السيكولوجية للفكر المستفيق لن تكون هنالك ثقافة علمية "(3).



ان هذا اللاوعي المبطن الذي نلجئ اليه داخل عقلانية المعرفة العلمية هو ضرب من اللاموضوعي داخل معرفة تستوجب الدقة والموضوعية، وما يسميه باشلار بالسيكولوجية هنا هي مقتضيات ميتافيزيقية لدى الفرد كامنة في لا شعوره الداخلي. او هي مؤثرات ما، في حين ان العقل العلمي يستوجب تشبثا بالموضوعي. وهنا يستعمل باشلار كلمة طريفة تقصي هذا الحضور السيكولوجي او تطرده ويسميها  اللاسيكولوجية dépsychologisation فيقول بهذا الصدد" المعرفة هي لاسيكولوجية، لكن معرفة اللاسيكولوجية هي معيار المعرفة".



وفي معرض سحب البساط من الديكارتية المجحفة والمتشدقين بالعقلانية الكلية والشمولية والمؤمنين بواحديتها، يشكل باشلار نظريته حول أهمية التجريبية وأهميتها في لعب دور توافقي مع العقلانية. فالاثنان لا يساويان شيئا إذا ما أخذا دون شكل توافقي conventionnelle "فالعقلانية ليست فلسفة ابتداء بل هي فلسفة تعيد الابتداء" (4)ولنقل باقتضاب ههنا ان العقلانية الباشلاردية هي المراقبة العقلية للنفس.

وبهذا الاتجاه، سار باشلار بفلسفة اللا، وهي العقلانية التي تقول، لا لعلم الأمس والطرق المعتادة في التفكير، ولا تأخذ الأفكار البسيطة على أنها بسيطة فعلا، اذ يجب التسليم بها دون مناقشة،  بل إنها تجتهد في نقد هذا البسيط نقدا جدليا لتكشف عما ينطوي داخلها من غموض. وهذا لا يعني ان "فلسفة اللا" سلبية بالأساس، يقول باشلار بهذا الصدد :"والواقع انه من الواجب ان ننبه دوما إلى ان فلسفة النفي، ليست من الناحية السيكولوجية نزعة سلبية، ولا هي تقود إلى تبني العدمية إزاء الطبيعة، فهي بالعكس من ذالك فلسفة بناءة سواء تعلق الامر بنا نحن او بما هو خارج عنا. فلسفة ترى في الفكر عامل تطور عندما يعمل. ان التفكير في الموضوعات الواقعية معناه الاستفادة مما يكتنفها من لبس وغموض قصد تعديل الفكر واغنائه. وتجديل التفكير معناه الرفع من قدرة إنشاء الظواهر الكاملة إنشاء علميا، وعلى إحياء جميع المتغيرات المهملة التي كان العلم، والفكر الساذج، قد أهملهما في الدراسة الأولى"(5).



  هذه هي إذن طبيعة الفلسفة المفتوحة والعقلانية الباشلاردية التي استطاعت ان تعرف نفسها من خلال نقد ذاتي متواصل واضعة نموذجا يمتثل في العقل أمام محكمة العقل ذاته في نزعته التجريبية كما في النزعة العقلانية، وهو السبب الذي دعى باشلار لا يتوانى في القول في نص له بعنوان "العقلانية العلمية او الفلسفة المفتوحة" : "اذا جاز لنا ان نترجم الى اللغة الفلسفية تلك الحركة المزدوجة التي تغذي الفكر العلمي، في الوقت الراهن، فسنقول انها حركة تتأرجح لزوما بين ما هو قبلي وما هو بعدي، حركة ترتبط فيها النزعة التجريبية بالنزعة العقلانية" (6)

 

كما ان هذا الارتباط يبدو ضروريا ومتداخلا من الجانبين في الفكر العلمي فالعقلانية الباشلاردية هي عقلانية مزدوجة وهو ما يثبت خصوصيتها واستفرادها بخصوصية مؤسسة لأحد مكونات الصرح الحداثي.  يقول باشلار. "ان النزعة التجريبية في حاجة الى ان تتعقل، والنزعة العقلانية في حاجة إلى أن تطبق"   (7)وبهذا تبنى الجدلية الباشلاردية التي تقاطع البناء داخل كل ما لا يخضع لحقل التجربة، فديالكتيك العقلانية الباشلاردية هي العقلانية الاكثر ديناميكية وعلى هذا فان "العلم الذي يقوم على الجمع بين البراهين والتجارب، وبين القواعد والقوانين، بين البداهة والحوادث هو اذن في حاجة الى فلسفة ذات قطبين، وبعبارة ادق، هو في حاجة الى نمو ديالكتيكي لأن المفهوم لا يتضح الا بالنظر اليه نظرة متكاملة، ومن وجهة نظر فلسفتين مختلفتين"(8).   

     

ان عناصر عقلانية هذا التجاذب الديالكتيكي كما يفهمنا إياها باشلار، كامنة في أن نضع أنفسنا داخل حقل تجاذب بين التجريبية والعقلانية، وهنا كان على باشلار ان يختار ابيستيمولوجيا مثالية تقتضي مسبقا منهجه الذي استنبطه منها وهي بدون اي منازع الابيستيمولوجيا الفيزيائية والتي يقول عنها بكل حماسة :

" فلربما كانت فلسفة العلم الفيزيائي الفلسفة الوحيدة التي تعمل، بواسطة التطبيق وخلاله، على تجاوز مبادئها( تجاوزا ديالكتيكيا). وبكلمة واحدة انها الفلسفة الوحيدة المفتوحة، اما الفلسفات الأخرى فهي كلها تضع مبادئها فوق كل مراجعة وتعتبر حقائقها حقائق كلية ونهائية. انها فلسفات منغلقة تفتخر بهذا الانغلاق. (9)



وعن صعوبة هذه المهمة التي تتكفل بها فلسفة الديالكتيك والنفي بما هي عملية هدم كبيرة ناتجة عن تماسك في صرح الفكر الخرافي لصالح العقلانية يقول باشلار :" قد يحدث في الغالب ان يمنح العالم ثقته لبيداغوجيا جزئية، في حين ان الفكر العلمي يجب ان يسعى إلى إصلاح كلي وشامل للذات. واذا كان كل تقدم فعلي في الفكر العلمي يستلزم تحويلا ما، فان ما حصل من تقدم في الفكر العلمي المعاصر قد احدث تغيرات وتحويلات في المبادئ نفسها، مبادئ المعرفة. (10)



وحين يعرج باشلار على التجريبية المتعالية Transcendance experimentaire  يثبت القطيعة بين التجربة الحسية والمعرفة العلمية. يقول باشلار تبعا لذالك من خلال مثال الترمومتر :" فنحن نرى درجة الحرارة على الترمومتر، أقول نراها ولا أقول نحس بها، وبدون النظرية، لن نتمكن أبدا من معرفة ما إذا كانت درجة الحرارة التي نراها والحرارة التي نحس بها تنطبقان فعلا على نفس الظاهرة" (11).  إن التجربة في حد ذاتها تحمل عناصر تعال وهو ما أراد باشلار التأكيد عليه انطلاقا من مثال الترمومتر فيقول عقب بسطه للمثال "ان التجربة في العلوم الفيزيائية تجربة غير منغلقة على نفسها ". (12)بل وهي تتسم بمرونة العقل بما هي فلسفة مفتوحة  " وبكلمة بسيطة، فبما انه من الضروري جعل الأطر الذهنية مرنة لينة، فان سيكولوجية الفكر العلمي يجب ان ترسي على اسس جديدة. ان الثقافة العلمية مطالبة بإحداث تغيرات عميقة في الفكر" (13)



 وليس بعيدا عن اطر التفكير الباشلاردي يرى بياجي ان الخطأ الذي ارتكبه الفلاسفة عقب الثورة الغاليلوكوبرنيكية، أنهم كانوا ينظرون إليها كواقعة نهائية كاملة، وليس كعملية تطور ونمو ويقصد الوضعية دون شك سواء على شاكلتها الكونتية او على شاكلة حلقة فيينا وهي الظاهرة المعيبة التي سقطت في فخها الرياضيات والطبيعيات والعلوم الإنسانية حيث تتحول القضايا المبدئية المريضة على أنها نهائية لا يجوز الشك فيها او الطعن في صدقها.



أما اليوم فان التطور وهذا الوعي العلمي الجديد الذي تتسم به العقلانية الباشلاردية التطوري قائم في ذالك الفصل بين الفلسفة والابيستيمولوجيا وهو ما جعل من بياجي عقب تأسيس ابيستيمولجيته على دراسة العلاقة بين المعرفة والنمو السيكولوجي للمبادئ والمفاهيم الفكرية مثل مبدا السببية ، مبدا عدم التناقض، مفهوم العدد، المكان …) ومن نتائج هذه الدراسة الجديدة قيام نوع جديد من نظرية المعرفة هو "الابيستيمولوجيا التكوينية" التي تهتم بدراسة السيكولوجيا العلمية بوصفها انتقالا من حالة دنيا الى حالة عليا راصدة نمو المفاهيم العقلية.



و تشابه الابيستيمولوجيا التكوينية الى مبدأ إعادة النظر الشاملة للمفاهيم العلمية لدى باشلار سيجعلنا نفهم عن قرب أن مجرد دراسة المراحل الأولية للنمو العضوي عند بياجي  لا يمكنه الكشف عن واقع حي وبالتالي فان هذا الاخير يدرس حركية جميع التحولات فيقول "المبدأ الأساسي الذي تنطلق منه الابيستيمولوجيا التكوينية هو نفس المبدأ الذي تشترك فيه جميع الدراسات التي تتخذ موضوعا لها، النمو العضوي،  وهو انه لا يمكن الكشف عن طبيعة واقع حي، بمجرد دراسة مراحله الأولية وحدها، ولا بدراسة مرحلة أخيرة وحدها، بل بدراسة حركية تحولاته نفسها"(14).



وبياجي هنا هو صاحب المشروعية الأول الذي يجسر الهوة بين مفهومين جوهريين في الفلسفة الباشلاردية هما المعرفة العامية والمعرفة العلمية ويمكننا ان نستشف ذالك بكل هدوء وصفاء حين يقر بياجي انه من الضروري عند دراسة أية عملية معرفية، النظر إليها من خلال نموها وتطورها لدى الطفل وباعتبارها مظهرا من مظاهر علاقة الإنسان بالعالم.   



وهو يميز بين عنصرين متباينين ومرتبطين هما الاستيعاب Assimilation   و التلاؤم Accommodation  اما التكيف فهو حركة دورية تتم بين هذين العنصرين والكائن الحي يتمثل ويستوعب العالم والمحيط على الشاكلة التالية، يتمثله على الصعيد الفيزيولوجي بوصفه عضويا، وعلى صعيد النشاط العملي الحسي بوصفه حيوانا،  وعلى المستوى التطبيقي العقلي باعتباره انسانا.

ومن جهة أخرى اثبت بياجي أن تلك العقلانية الجديدة التي تضمنتها الباشلاردية هي التي تشكل جوهر العقل.



ان ربط بياجي بين المعرفة والنشاط العملي ربطا جدليا تماما كما فعل باشلارد معتمدا على الدراسة العلمية لنمو المفاهيم العقلية لدى الطفل جعل منه يؤدي خدمة لا تقدر ليس لنظرية المعرفة لوحدها بل أيضا للسيكولوجيا وتطبيقاتها، وللعلوم الإنسانية عامة وللباشلادية و"فلسفة اللا" خاصة كنموذج امثل للعقلانية.

الهوامش:

1-    La philosophie du non، essai d’une philosophie du nouvel esprit scientifique، 2e éd ،Paris،PUF ،1949.P

2-    La psychanalyse du feu، Paris، Folio essais، 1958، p 16

  3-  Le rationalisme appliqué، Paris، Quadrige، PUF، 1949، p 101

             4- Le rationalisme appliqué، Paris، Quadrige، PUF، 1949، p 51     

        5-   Gaston Bachelard ; La philosophie du non : Essai d’une philosophie du nouvel esprit                            scientifique. Paris. PUF.1949.p. 17.

        6- Gaston Bachelard ، La philosophie du non : essai d’une philosophie du nouvel esprit scientifique، bibliothèque de la philosophie contemporaine (Paris : Presses universitaires de France، 1949)، pp. 4.

7-  نفس المصدر ص5

8- نفس المصدر ص       5

9- نفس المصدر  ص      6  

10- نفس المصدر ص         8

11-  نفس المصدر ص      10

12- نفس المصدر ص        11

13- نفس المصدر ص        11

14- Jean Piaget ، Introduction à l’épistémologie génétique ; Paris. PUF. 1973، Tome 1 ; pp 18-23.