
ما العقلانية؟
سؤال مثل هذا، على بساطته، ينطوي على مشاكل ومفارقات لا حصر لها، فإذا كانت الأسئلة في الفكر ليست معطاة بذاتها ولا بديهية، بل هي نفسها موضوع مساءلة؛ فإنه يكون علينا، وفاء للعقل، ألا نقبل هذا السؤال على بداهته الظاهرة، بل يكون من اللازم علينا أن نرتقي لنحفر في افتراضاته الضمنية، و مسلماته القبلية التي تجعله ممكنا كسؤال.
أول الافتراضات المطوية في هذا السؤال هي القول بإمكان وجود "ماهية" ما إسمها العقلانية، ماهية ثابتة متقومة بذاتها، يكون مطلوبا منا نحن أن نعيّنها، غير أن المشكلة هنا هي أن العقلانية تحديدا ليست كيانا و لا ذاتا ولا ماهية، بل هي "فاعلية"، أي هي صيرورة و تاريخ؛ هي فعل وحركة و ما ذلك إلا لأن العقل الذي اشتقت منه صفتها ليس "جوهرا" كما تصوره القدماء منذ المعلم الأول، بل هو "فعل"، بل لعله محض "انفعال" على ما يقول علماء الدماغ و الأعصاب، فلا وعي ولا إرادة و لا إدراك ولا تذكر و لا تفكيرو بالتالي فلا تعقّل، إلا بالدماغ وفيه؛ والدماغ عندهم، كما هو معلوم، محض تفاعلات كيميائية و تواصلات كهربائية.
على أننا إذا ما أردنا الابتعاد عن هذه الإشكالات التي يطرحها التحديد الماهوي للعقلانية ونحونا تجاه استعمالها الأكثر رواجا، أي نحو استعمالها بمعنى وصفي، فإن مشاكل أخرى ستطرح نفسها بالضرورة. فقد جرى العرف على استعمال العقلانية باعتبارها صفة لاختيار فكري و سلوكي و هذا ما نلاقيه في الاستعمال السياسي والإيديولوجي للمفهوم، فالعقلانية عند أصحابها هي السلوك الذي يتقوم بالعقل، و"العقلاني" هو من يدافع عن تصور عقلاني عن الواقع، بل هو في التداول صفة من يسعى لأن "يعقلن" الواقع و المجتمع، ضدا على "لاعقلانية" مفترضة تسكن هذا المجتمع و الواقع.
فهم كهذا في الحقيقة لا يقل إشكالية عن سابقه، لأنه يفترض مبدئيا، حين يستعمل بغاية السجال، أن نقيضه السياسي و الإيديولوجي "غير عقلاني" وهذا غير مسلم به، إذ إن كنا نقصد بالعقلانية الضبط والتنظيم وحسن التدبير، فإن "الحركات" الموسومة باللاعقلانية ليست في الواقع أقل تنظيما و لا دهاء و لا قدرة على التوسل بآليات التواصل و الإقناع و الحنكة في تدبير "اللعبة السياسة" و قضايا الشأن العام من خصمها الذي يسم نفسه بالعقلاني، بل لعلها تتفوق عليه في ذلك؛ و الشواهد أوضح من أن تعرض.
في مستوى ثان أكثر تجريدا، يفترض هذا الاستعمال الوصفي بأن "العقل يريد العقل" و أن الواقع قابل للعقلنة و أن التاريخ و المجتمع قابلان لأن يسبكا على مقاسات قبلية نضعها نحن، أي أنه يفترض وجود "فيليا" أصلية تحكم فعل التفكير، و محبة و تناسبا قبليا بين عجين الواقع و قوالب المادة؛ و هذه كلها أمور تتهاوى و تتداعى كقصور الرمال عند أول نقد، إذ العقل ليس عقلانيا دائما، لا على المستوى السيكولوجي الفردي و لا على المستوى السياسي الجماعي. فمن الناحية النفسية و كما يعلمنا التحليليون، العقل هو فقط ما يطفو من جبل الجليد؛ فالإنسان قبل أن يكون عقلا هو كتلة أهواء و رغبات و انفعالات و غرائز، و كل رغبة في العقلنة التامة لهذه الأهواء و الغرائز واقعيا تنتهي لنفيه و استلابه؛ ثم إن الإنسان قبل أن يكون إرادة سياسية، هو منتوج مجتمع و طبقة و تربية، بل و "نظام غذائي" على ما يعلمنا ماركس و أهل الاجتماع و الوراثة، بل إننا قد نذهب أبعد من ذلك فنقول مع بعض الفلاسفة إن إرادة "العقل" هذه ليست "عقلية" في أساسها، تماما كما أن إرادة "العلم" ليست علمية في منطلقاتها، لأن محركها الدفين هو الرغبة في إيجاد أساس يضمن حقيقة وجود الظواهر كما نراها، ضدا على الشك، كما يقرر بيير دوهيم "sauver les apparences"؛ و نحن لا نعدم الشواهد من تاريخ الفكر على هذا، أولم يكن مشروع ديكارت كله بغرض إثبات صحة هذا العالم بالاستناد على الضمان الإلهي؟ أولم يكن كل مجهود كانط الفكري منصبا على إثبات صحة ظواهر العالم كما ندركها ضدا على ما سماه بشبح الأبيقورية التي أحياها هيوم ؟ أو لم يكن نحته لمفهوم الظهور apparition L’ وتغييره لمعنى النومين مما لا يمكن أن نعرفه ليصير فقط ما يتقدم إلى الحس كما هو، بهذه الغاية ؟ (1) أو ليس مدار كل فكر كانط هو ضمان صحة الأنطوثيولوجيا، على ما يبين قارئه الكبير هايدغر في تحليله الفينومينولوجي ل "نقد العقل الخالص" وفي تحليله لمشكلة الميتافيزيقا ؟ (2) أولم يضحّ بالعقل لإنقاذ الإيمان كما صرح هو ذاته ؟ وماذا تكون هذه كلها غير إرادة و نية سابقة على العقل، تتوسل بالعقل، لإثبات ما لا دليل عليه بالعقل؟
وهل نعدم الشواهد من عندنا و من ثقافتنا العربية نحن اليوم؟ ماذا يكون كل مشروع "طه عبد الرحمان" المنطقي و الفلسفي الذي يتوسل بأعتد المعارف و العلوم المنطقية و اللسانية، إلا رغبة في إثبات أولوية العقل المؤيد الصوفي – باصطلاحه – ضدا على العقل المجرد المنطقي، بوساطة العقل المسدد الفقهي؟ (3)
من ناحية أخرى، ألا تنتهي الرغبة النظرية في عقلنة الواقع و السياسة إلى أقصى أشكال اللاعقل ؟ ما ستكون "عمليا" جمهورية أفلاطون، الذي سعى إلى مدينة منظمة متناغمة على نمط الكوسموس اليوناني، إذا ما سعينا إلى تطبيقها ؟ ماذا ستكون غير مجتمع مغلق قمعي تراتبي قاهر لا يكون لأي فرد فيه حق اختيار حياته أو أسرته أو عمله ؟ ماذا ستكون جمهورية يحكمها الفلاسفة ؟
الجواب يأتينا من تجارب سياسية أكثر منا قربا، تجارب عرفتها روسيا لينين الفيلسوف وستالين الشاعر و صين ماو عاشق الفن و كمبوديا الخمير الحمر، ممن كانوا يصبون الماء الساخن في آذان الموسيقيين ممن لا يمتثل ل "ذوق الثورة" وينشرون "الانحلال الذوقي" البرجوازي غير المحسوبة نتائجه بين أفراد الشعب.
إن ما تعلمنا إياه كل هذه الأمور هو أننا عندما نسعى ل "عقلنة" الواقع و السياسة و سبكهما بحسب إكراهات نظرياتنا "العقلانية" الفوقية، نسقط في أشنع أشكال الديكتاتورية؛ وهذه واحدة من دروس كارل بوبر الأساسية في كتابه "المجتمع المفتوح و أعداؤه".
بيد أن هناك تصورا آخر قد يقدم عن العقلانية، و من التاريخانيين تحديدا هذه المرة، و قوامه أن العقلانية ليست "ماهية" و لا "نظرية" فوقية، بل هي "فترة" و مرحلة في التاريخ، هي عينها ما تجسد في ما يسمى ب "عصر الأنوار" – و لنتأمل مدى البعد الديني في هذه الاستعارة النورانية –؛ عصر الأنوار بهذا المعنى هو مرحلة عاشها غيرنا و ينبغي علينا نحن أن نحياها و نمر منها حتى نلج إلى العالم الحديث، لأن غيرنا مر منها. غير أن هذا الأمر غير مسلم به في الحقيقة، لأن "مرحلة" الأنوار لم تكن ب"النورانية" التي نتصورها، و رواد العقلانية لم يكونوا ب العقلانية "التي نتوهم، تماما، كما أن ما يسمى بالعصور الوسطى لم يكن بالظلامية التي نتصور؛ الدليل ؟
تاريخ القرن السابع عشر و الثامن عشر و التاسع عشر السياسي، مقاصل اليعقوبيين و مذابحهم التي انتهت بهم إلى اعتلاء المقاصل هم أنفسهم؛ دفاع ديكارت، صاحب "مقال في المنهج" المستميت عن الإله اليسوعي، و تفاني فولتير، صاحب "مقال في التسامح‘‘، في الدفاع عن الملكية الاستبدادية، و روسو صاحب "العقد الاجتماعي" عن أكثر أشكال التربية رجعية، و هيغل صاحب "ظاهريات العقل" عن العبودية و دولة بروسيا و المسيحية التي هي عنده كلها اكتمال مسار الروح و تحققها الأخير. فهل فعلا ما نتصوره عن "المرحلة العقلانية" هو ما كان قائما ؟ ألا نسقط في أسطرة الماضي كما تفعل أكثر النزعات الرجعية فجاجة و وثوقية ؟ ثم، حتى إن تجاوزنا هذا الاعتراض و افترضنا، جدلا، أن هذه الفترة كانت حقيقة بالصورة التي تقدم، فهل يكون من المقبول عقلانيا تصور أننا سنتحكم في عجلة التاريخ لنعيد فيه تجربة نريدها نحن ؟ هل من الممكن أن تخضع إرادة التاريخ و حركته لإرادتنا ؟
حتى يحدث القرن السابع عشر الأوربي، كان لا بد من قرن سادس عشر و خامس عشر و رابع عشر… و كل التاريخ السابق عليه، بالشكل عينه الذي كان عليه كل ذلك التاريخ، بكل صدفه الصغيرة و الكبيرة، بكل أحداثه و وقائعه و أشخاصه، إذ التاريخ مسار لا يخضع لأهواء البشر و رغباتهم التحررية، و الزمن لا يعود للوراء؛ التاريخ سيد نفسه؛ التاريخ ليس "تجربة مختبرية" نقيمها و نكررها متى شئنا، و لا قصة جميلة نستعيد سردها؛ التاريخ ليس حكاية، بل هو ضربة نرد كاووسية و نبع يسير إلى حيث يريد بمنطق لا يخضع إلا ل "أثر الفراشة"butterfly effect كما نتعلم من الفيزياء المعاصرة.
و بعد، ماذا تكون العقلانية إذن؟ هل تكون مستحيلة؟ هل تكون وهما عند جماعة من الحالمين ممن لا يزال مسكونا بثنائية الواقع و المثال الأفلاطونية ؟ هل تكون عدما محضا؟
أقول إن العقلانية ليست ذاتا و لا مرحلة و لا مشروعا نظريا متعاليا نسقطه على الواقع، بل هي صيرورة. العقلانية، في الحقيقة، ليست إلا مسار تجاوز العقلانية لأوهامها و تصحيحها لمقدماتها و مراجعتها لمسلماتها؛ العقلانية هي تاريخ أخطاء العقلانية، و العقل هو مسار مراجعة العقل الدائمة لذاته، مسار مفتوح دائما على ما يتجاوزه، و متى ما قلنا في لحظة معينة "هذه هي العقلانية النموذج" انتفت العقلانية و تعطلت.
بهذا المعنى لا تظل العقلانية "شيئا" قبلياA priori ، بل هي ما ينبغي النضال من أجله و ضده في كل لحظة؛ إذ يحدث في أحيان كثيرة أن يصير "العقل هو العدو اللدود للفكر"، على نحو ما انفك يؤكد عليه فيلسوف الغابة السوداء. العقلانية، كما الحداثة، كما الديمقراطية "حركة"؛ بهذا المعنى لا يصير نقد العقلانية مضادا للعقلانية، بل يصير تجذيرا لها و لا يصير ما نسميه ب "ما بعد الحداثة" مضادا للحداثة، بل يصير هو الحداثة "في فعل"، حداثة مضاعفة لا تستكين لأوهامها، و هذا ما وعاه الأدباء قبل الفلاسفة و أولهم بودلير، فالفكر يحيا بموته، و العقل ينمو في التاريخ، كما يبين هيغل، و لكنه ليس نموا داخليا تراكميا يسعى لغاية محددة قبلا، بل هو نمو في الخارج، نمو بالقطائع التي لا تنتهي إلى التوحد في هويات مغلقة أبدا. العقلانية هي الوعي، الدائم و الأبدي، بأن لا شيء مضمون مسبقا، و لا نماذج مكتملة قبلا، و لا ضمان إلهي يضمن توافق الأذهان و الأعيان، و أننا نسير في دروب لا تؤدي إلى أي مكان محدد مسبقا كما يذكر هايدغر. العقلانية هي أن نعي حدود عقلانيتنا و أن نفهم بأن ضربة النرد هي الأصل و أن "الحرب أم الجميع"، كما في الشذرة الهيراقليطية الثالثة والخمسين؛ و أكبر اغتيال يمكن أن يكون للعقلانية هو أن نعتقد بأن العقل يتجاوز شروط إمكانه التي هي التاريخ و الطبيعة، فالدماغ ليس إلا صورة من صور هذا العالم، إذ هو الذي ينتمي إلى الطبيعة والتاريخ و ليست الطبيعة و التاريخ هما المنتميين إليه، وهذه واحدة من الدروس الكبرى لفيلسوف كبير طالما ظلم و غمر، بدعوى نزعته "اللاعقلانية"، أقصد هنري برغسون.
الهوامش:
* نستعمل كلمة "استحالة" في العنوان بدلالتها اللغوية أساسا، أي بمعنى التحول و التغير و الصيرورة كما يبين متن المقال، أما دلالة الامتناع فلا نستحضرها إلا عرضا، حتى و إن اتفقت مع جزء مما يذهب إليه المقال.
1 – أنظر بيان هذا الأمر في نص :
Deleuze, G, Différence et répétition, PUF, 11ème édition, 2003, Paris, pp. 116 -117.
بخصوص مسألة النومين و الفينومين نحيل على ما يورده لوك فيري حول هذا المفهوم في نص :
Kant, Une lecture des trois Critiques, Ed. Grasset, 2006 deuxième partie, la question de la chose en soi, pp. 191-230.
وعلى خلاصة هذا التحليل في :
Kant, l'œuvre philosophique expliquée, un cours particulier de Luc Ferry, Ed. Frémeaux & Associés – La Librairie Sonore. الدرس الرابع عشر
2 – Martin Heidegger, Kant et le problème de la métaphysique, Ed. Gallimard, 1981, Coll. TEL
3 – عبد الرحمان، طه، العمل الديني و تجديد العقل، الرباط، مكتبة بابل، الطبعة الاولى، 1989.
4 – كثيرة هي الأساطير المتداولة حول فلاسفة العصر الحديث؛ و هي أساطير تنسج حكايات بعيدة عن منطوق النصوص و حياة أصحابها، و " الأسطرة " كما هو معلوم هي إحدى آليات التفكير الديني، ولكن الملحوظ هو أنها تزحف من دون وعي حتى على تمثلنا لتاريخ العقلانية. و أول من تتم أسطرته في هذا التاريخ الافتراضي هو ديكارت نفسه، فعلى العكس مما هو متداول لم يكن ديكارت يوما ضد الدين المسيحي و لا ممهدا للإلحاد، فنحن لا نجد أثرا لذلك في نصوصه، لكننا في المقابل نجد نصوصا صريحة له في تمجيد الدين المسيحي في صورته الأكثر تقليدية، "مسيحية العجائز" على ما ينقل عنه Adrien Baillet في ترجمته الضخمة الشهيرة "حياة السيد ديكارت". بل نحن نجده يؤسس لهذا الأمر فلسفيا في أهم و أشهر نصوصه "التأملات الميتافيزيقية"، إذ يخصص جزءا كبيرا من الكتاب للدفاع عن وجود الله و عن كونه ليس مجرد "مفهوم عقلي"، بل و يربط و يشرط جوهريا الفلسفة و العلم بالإيمان و التسليم بوجود الله؛ و هذا ما نجد له نموذجا في جوابه عن الاعتراض الثاني في الجزء الأول من الكتاب المذكور حين يقول :
«nous ne pouvons rien savoir certainement, si nous ne connaissons premièrement que dieu existe»
Méditations métaphysiques, Quadrige, PUF, 2ème édition, 1988, pp. 153 à la page 176.
و الأمر لا يقل رجعية عند جان جاك روسو في نصوصه الكثيرة و من بينها نص "إيميل" )الترجمة العربية "إميل أو تربية الطفل من المهد إلى الرشد"، ترجمة نظمي لوقا، الشركة العربية للطباعة و النشر، القاهرة، 1958) إذ نجد في هذا الكتاب مواقف بعيدة عن العقلانية و الأنوار و منها هجومه الشرس على علم الطب و دعوته لعدم التداوي و ترك الأفراد تحت رحمة "فعل الطبيعة" (أنظر صفحات 51 – 53 من الكتاب المذكور ) و منها أيضا موقفه العنصري من كل من ليس أوربيا و على رأسهم الزنوج (ص 37) و هو الموقف نفسه الذي سنجده، بالمناسبة، عند هيغل فيما بعد؛ هذا ناهيك عن التصور التقليدي عن التربية و الدوني عن المرأة الذي تقدمه فصول هذا الكتاب . فيلسوف آخر لم يسلم من الأسطرة وهو فولتير؛ فعكس ما هو متداول كان فولتير رجلا ربوبيا déiste، بل إن هذه المسألة هي واحدة من نقط الخلاف الأساسية التي تباعد بينه و بين بعض الماديين مثل دولباخ؛ كما أن مواقفه السياسية لم تكن "نيرة" دائما، فموقفه من الديمقراطية سلبي في مجمله، أنظر مثلا مقال "الديمقراطية " في ’’المعجم الفلسفي" (صدر أول مرة سنة 1764) حيث يعلن احتقارا واضحا لكل ما هو شعبي؛ و انظر في المقابل إعجابه و تمجيده للملكية الفرنسية مجسدة في هنري الرابع الذي كتب حوله نصla Henriade (صدر سنة 1728)، هذا ناهيك عن علاقات الولاء و الخضوع التي ظل طيلة حياته يدين بها لملوك و أمراء عصره و أولهم ملكي بريطانيا جورج الأول و جورج الثاني.
كانط أيضا لم يكن أقل إيمانا أو محافظة في مواقفه، و لننظر على سبيل المثال في مواقفه السياسية المخزية؛ و لنورد هذا النص الصريح المناهض لكل فكر ثوري مقاوم :
«Toute opposition au pouvoir législatif suprême, toute révolte destinée à traduire en actes le mécontentement des sujets, tout soulèvement qui éclate en rébellion est, dans une république, le crime le plus grave et le plus condamnable »
Théorie et pratique, Vrin, 1980, 2éme partie, p. 42.
على أن مرادنا من إيراد هذه الشواهد كلها ليس التنقيص من قدر هذه الأسماء أو النيل منها برغبة السجال ، بل أن نبين، كما يستنتج المقال أعلاه، أن لا وجود لفكر أو عقلانية تتعالى على شرط التاريخ مهما بلغت من القوة، و الوعي بهذا الأمر هو، كما يبين المقال، شرط من شروط العقلانية.