
الخطاب الديني والعقلانية ضدان لا يجتمعان ولا يمكن بأي حال أن يسيرا جنباً إلى جنب. نعم يمكن أن يتعايشا ضمن أطر تنظيمية تعايشية مؤقتة، لكن أن تتم البرهنة على عقلانية الخطاب الديني كما يحدث الآن على أيادي رجال الكهنوت الإسلاموي، فهذا لا يتم عادة إلا في سياق تلفيقي ولوي عنق النص التراثي للخطاب الديني وعكفه، وذلك بما يستجيب مرحلياً للضغوط التاريخية على واقع الخطاب الديني وتخلفه. وما أقصده بالضبط بالتضاد بين العقلانية والخطاب الديني هو التضاد بأنّ لكل منهما نظيمة معرفية وأداة (أي العقل) تمنهج سلوك وفكر كل منهما بما فيه الأدلوجات وغيرها. إذن التضاد ليس ببعض الأفكار بقدر ما هو تضاد في العمق، وتضاد في آلية ومنهج إنتاج الخطاب الخرافي للديني الذي يباين ويناقض طرائق إنتاج المعرفة في الفكر العقلاني. بكلمات أخرى :
هناك سبب جوهري في الأساس لعدم إمكانية اجتماع الخطاب الديني مع العقلانية، وهو أنّ النظم المعرفية والقواعد الإبستيمية الناظمة التي تتحكم في إنتاج نظريات المعرفة والأدلوجات وغيرها، تستمد مرجعيتها -في العقلانية- من أطر عقلية تراكمية تتباين أشد التباين مع المرجعية التي يستند إليها الخطاب الديني والمرتهنة بالأصل لحدود النص التراثي. وهكذا سيغدو من الصحيح القول أنه مهما حاول الخطاب الديني أن يتعقلن، فإنه سيبقى إلى نهاية الخط أسيراً لحدود النص اللاهوتية. بمعنى هناك خطوط لا يمكن للخطاب الديني أن يتجاوزها، وإن راوغ على السطح بأنه عقلاني. إن الأداة الرئيسية التي تحركه وتمنهج رؤيته هي الوحي والجن والأبالسة والله…الخ، بخلاف الأداة الرئيسية الناظمة التي تصوغ الفكر العقلاني.
فالمرجعيات التي تؤسس للفكر العقلاني تقف على النقيض من المرجعيات التي تؤسس لفكر الخطاب الديني. هذا الكلام لا يحتاج إلى برهان. ذلك أنه لا جدال أن الأسس التي يقوم عليها الخطاب الديني، أو بالأحرى المنطلقات التي ينطلق منها هي منطلقات دينية (ربما يصح وصفها بأنها معوقات إيديولوجية تمنع أن يغدو فكراً عقلانياً). هذه المنطلقات فرضتها مجموعة من النظم المعرفية التي أنتجت ما نطلق عليه "التراث". ولم يكن ذلك ليتم إلا عن طريق اللغة المتفصحة التي يدعونا الآن العربي المحافظ ورجل الدين للتقيد بها، والتي تكفل بحفظها رب الإسلاميين. وهذا ما يدعوانا إلى القول أن الخطاب الديني هو بالأساس مرتهن لحدود النص التراثي وأطره المعرفية. نعم، جسده هنا، لكن عقله وفكره يبقى معلقاً هناك، أي معلقاً بحبال غابر الأزمان، بمحمد والثلة كلها.
إن العقلانية ابنة تاريخ طويل، وكذا أيضاً الخطاب الديني له مقومات في التاريخ وركائز يرتكز عليها في صوغ خطابه وفكره. فإذا كانت العقلانية تنطلق من أرض الواقع المعاصر وتتطلع إلى الأمام، فإن الخطاب الديني ينطلق بعملية معكوسة من النص إلى الواقع، ويتطلع في صوغ الحلول إلى الخلف إلى أحضان الأبالسة والشياطين؛ أي يبقى الرجل الديني سجيناً لنصه وللأطر الإبستيمية التي يفرضها عليه. هذا التباين في المرجعيات هو ما سيخلق عند الخطاب الديني تشوهاً في قراءة وتفهم العقلانية، وحتى استيعابها، هذا إن لم نقل تشويهها من قبل بعض الكهنة الإسلامويين أمام الإسلام الشعبي.
إذا كان الأمر على هذا النحو، عن أي عقلانية يتحدث الخطاب الديني؟
لنرجع قليلاً إلى الوراء. لقد تعرف رجالات النهضة العربية (الطهطاوي الأفغاني، عبده…) على العقلانية كصيغة ناجزة مكتملة، ولم يدركوا أن لهذه العقلانية تاريخا مريرا وطويلا ناضلت أوربا من أجله. لم يدركوا النقطة الأساسية : أن لكل مصطلح غربي تاريخا مفهوميا طويلا، ومن جهة أخرى لم يعوا الثقل الإبستيمي الذي يحمله مصطلح العقلانية بين طياته.
يذهب رجل الدين إلى باريس برعاية أزهرية، فيسمع الأوربيين يتحدثون عن العقلانية، ثم يفتح رجل الدين هذا قرآنه المحمدي، فيقرأ: «لهم قلوب يعقلون بها، لعلهم يعقلون، لعلهم يتفكرون، لعلهم يتدبرون….» ثم يبدأ بالصياح على الأوربي : لقد جاء قرآننا وديننا الحنيف بالعقلانية منذ ألف وثلاثمائة سنة قبل أن تتفوه بها أفواهكم! لقد ورد لفظ العقل بجذره ومشتقاته في القرآن أكثر من مائتي مرة في القرآن، إذن الإسلام هو دين العقلانية! وهذا ما سيدعو أيضاً بعض رجالات هذا الفكر إلى النكوص إلى أحضان المعتزلة وابن رشد وبعض الأعلام والحركات وقراءتهم بشكل تهليلي وبشكل معكوس لكي يجيبوا الغرب بإجابات مشوهة. لذلك لن نستغرب أن عقلانية الخطاب الديني التي يهلل لها الآن، تبقى مرتهنة للمنطق الذهني للتراث وللثنائيات القديمة : العقل هو رسول الله، تعارض العقل والنقل، العقل هو الحق وكذا الوحي، ولا يمكن للحق أن يضاد الحق لأنهما من الحق، وإن حدث تعارض يلزم التأويل…..إلى آخر هذه السفسسطات.
طبعاً لا يخفى أن هذا النمط كان نمطاً اعتذارياً تلفيقياً، فرضته مجموعة من المعطيات التاريخية وانتمى إلى سلسلة من الأزمات التي أحاطت بالرجل التركي والعربي أنذاك. في الواقع لقد وجد العربي نفسه في مواجهة مع النظرية الغربية بشكل عام. الأوربي هو ابن تاريخ الحداثة، بينما العربي هو ابن لتاريخ عفريتي إلاهوي ممزق. هذه المواجهة ستنتج لاحقاً ما عرف بـ "النظرية الإسلامية". وهذه الأخيرة لم تكن لتقوم إلا كاستجابة رغماً على أنوف العرب لتحديات النظرية الغربية ومسائلاتها التاريخية: الغربي يساءل، والمسلم والعربي يفتشان في قرآنهما وتراثهما على جواب ما، لعله ثمة جواب.
أحد الأجوبة المعكوسة والتلفيقية التي سيجدها المسلم في القرآن ولسان العرب والتي ما زالت مسيطرة إلى الآن، نعم يوجد عقلانية في القرآن «لعلهم يعقلون…»، النتيجة هي : عَقَلَ، يَعقلُ، عقالاً، عقلاً …. = عقلانية. نقطة إلى السطر!
حينما كان يحاول الديني أن يقرأ في العقلانية الأوربية، فإن القراءة في الأساس قد بنيت لا من أجل أن يعقلن خطابه بأطر عقلانية الحداثة؛ إنه بالأحرى يقرأ من أجل البرهنة على عقلانية خطاب محمد نفسه، أي خطابه الحالي بنفس الوقت. فالعقلانية عنده منجزة منذ سالف الأزمان على يد محمد، وما عليه هو إلا أن يفتش في نص محمد عنها، ويعيد تأويل أو بالأحرى تلفيق النص، وهذا لكي يقول : إن خطابي الديني هو خطاب عقلاني.
هذا النمط من القراءة قد مارسها بشدة "محمد عبده" كما نعلم، بإعادة قراءة النص التراثي بما يلائم تحدي الآخر الأوربي من جهة، وشجب الجمهور البسيط المسلم لتعلقه بما اعتبره عبده من الخرافات والأساطير، لكن بدون أن ننسى أن الإسلام بنظر "عبده" يبقى مُبرّئا من انحرافات ذلك الجمهور. إن الإسلام سيغدو–بالتأويل والتلفيق- مع "محمد عبده" وشلة الإصلاح الديني بمثابته الأب الروحي للعقلانية؛ لكن بكل بساطة بدون أي معلم عقلاني فيه.
الآن الخطاب الديني يستعيد هذه القراءة أمام ما تفرضه التحديات المعاصرة. وغالباً ما تتم هذه القراءة في سياق يكون فيه الطرف الآخر (الإسلامي) منهزماً وتكون أدلوجاته مسحوقة؛ لا بل هو ذاته –أي الخطاب الديني- يقرّ أنه في معركة مع الغرب العقلاني، فيقرأ العقلانية ضمن أطر هذه العين. وبكلمة: إنه يقرأ عقلانية أوربا بأطر ونواظم الذهنية التراثية. وأظن أن هذه النقطة جوهرية لا يجب أن تغيب عن ذهننا إذا أردنا أن نفسر لماذا وصلت العقلانية إلى المتلقي المسلم بشكل مشوه ومبتور، ولماذا ترجمها الخطاب الديني لا بحدود المفاهيم والنضالات الأوربية التي أنتجتها، وإنما ترجمها بحدود الذهنية التراثية. هذا إذا أجلنا الحديث عما تمارسه بعض النخب المتدينة الآن (التي تسمي أنفسها متنورة) في إعادة الكرة نفسها التي شاعت أواسط القرن العشرين في إشاعة عناوين مثل الإسلام والإشتراكية، وغيره… الآن تدور العجلة نفسها، فيتم اختراع عنوان مثل: «الإسلام والعقلانية»! (انظر كتاب "الإسلام والعقلانية" لـ جمال البنا، دار الفكر الإسلامي- القاهرة). طبعاً ولا يخفى أن مثل هذه العناوين تشي للوهلة الأولى بمسألة تشوه الأداة الناقدة أي العقل داخل أروقة الخطاب الديني، رغم أنه يحاول أن يبرهن أنه خطاب عقلاني!
من نتائج هزائم الخطاب الديني الآن أمام عقلانية أوربا، وعدم قدرته على استيعابها ما يروج له هذا الخطاب العبثي المفلس من النقد، لعقلانية مضادة لعقلانية أوربا وقيمها الحداثوية. لقد أطلق هذا الخطاب على هذه العقلانية بـ "العقلانية الإسلامية" (محمد عمارة المنظر الإسلاموي مثلاً). أما كيف استقام عند هذا الخطاب تلك التركيبة السحرية، فهذا لا يمكن أن يجيب عنه إلا عفاريت السماء ورجال الكهنوت الديني لأنه من اختصاصهم. حتى جمال البنا جعل للعقلانية الإسلامية هذه (ولا أعلم إذا كان عمارة قد اقتبس من البنا هذا المصطلح أم لا) في كتابه آنف الذكر مقومات تستند إليها (ص61- 108). ولم يقتصر الأمر على تركيبة السحر هذه، أي عقلانية زائداً عليها صفة إسلامية؛ لقد تم إنتاج العقلانية الإسلامية تحديداً في النصف الثاني من القرن الهجري حتى قبل الترجمات اليونانية!! (التحديد لمحمد عمارة، ويطلق عليها أيضاً: العقلانية المؤمنة) (1).
طبعاً لا يخفى أنه من أسباب هذا التشوه في فهم العقلانية وتفهمها واستيعابها هو أزمة العقل الديني نفسه المنتج للخطاب، وذلك في عجزه عن امتصاص منجزات الحداثة الأوربية وصدماتها، وعن استيعاب المنطلقات التراثية. إنه في الواقع عقل انهزامي. فالعقل الديني لا يقرأ التراث الديني من أجل درسه ونقده، بل يقرأه من أجل أن يصبح عضواً فيه إلى الأبد. ولا يقرأ العقلانية إلا من أجل محاولة تشويهها، سواء بالمراوغة على السطح بادعاء أنه عقلاني أو باختراع مضادات سماوية إسلامية لها (كما مرّ آنفاً)، وذلك بعد أن فشل في هضم العقلانية. يعود هذا الخلل داخل العقل الديني بالأساس إلى الخلل الدراماتيكي في كينونته الوجودية من الداخل في الاستجابة لتحديات الفكر العقلاني الحديث، وهكذا ليلجأ بالتالي إلى ممارسة التقيات الفكرية المقنعة والألاعيب الإلهية البهلوانية.
هامش:
1. يقول تحديداً محمد عمارة على الجزيرة (8/11/2009): «العقلانية الإسلامية تبلورت كعلم في النصف الثاني من القرن الهجري الأول». وبإمكان القارئ أيضاً أن يقرأ شيئاً عن هذه العقلانية السحرية عند عمارة:
http://islahonline.net/index.php?option=com_k2&view=item&id=15741:%D9%85&Itemid=5