طريق اللاّعدالة معبّدة باللاّمبالاة. كلّ صوت مجروح نوصد دونه أبواب انتباهنا وكلّ نظرة ألم نشيح عنها بوجوهنا هي أحجارتقيم أسوارا شاهقة بيننا وبين فضاءات العدالة.
هذه الفضاءات هي المكان الذي يتبلور فيه الوعي بانتمائنا، رغم فرادتنا، إلى آخرين والوعي بأنّ لكلّ فرد قيمة متساوية مع كلّ الأفراد، فقيم المواطنة تنتمي على هذا الأساس. وهذه الفضاءات هي كذلك المكان الذي تتفاوض فيه الخصوصيّات من أجل التّقارب واختبارالمشترك.
إنّ البحث عن بناء فضاءات تمارس فيها تجارب العدالة بهذا المعنى هو خروج من عزلة النّسيان واللاّمبالاة، وإقامة دائمة في أعماق الوجود، وإنصات منتبه لما يؤسّس المشترك الإنسانيّ، وكشف نقديّ متواصل عن الجذور العميقة للتّسلّط والتّمييز وامتهان الكرامة. هذا البحث هو الذي يقودنا إلى سبل مواجهة آلة الخديعة التي تصوّر لنا البؤس الصّارخ على أنّه قدرنا في الحياة وتجعل من عنف الفوارق الاجتماعيّة والسّياسيّة والاقتصاديّة والثّقافيّة لغة وحيدة لبقائنا.
وتنبني استراتيجيّة تعميم الفوارق على تعميق اللاّمبالاة بوصفها درجة قصوى للعمى الاجتماعيّ. فما يعانيه الآخر من إذلال لا يعنيني انا بل أحاول جاهدا أن أقصيه من مدار سجن أنانيّتي وتمتّعي الكاذب بحصانة ذاتي من الحاجة. وما يرسله الآخر من رسائل استغاثة من فرط ألم الّتهميش والإقصاء أنكره خوفا من تهديد “جنّات” حياتي المستلبة. إنّها الاستراتيجيّة التي تجمعنا كلّنا في نهاية الأمر في مرتبة وجود هي مرتبة اللاّحياة واللاّموت. مرتبة نتأرجح فيها على حبل اللاّتواصل وهو انتفاء تامّ لإمكانيّة التّعرّف على معاني العدالة.
2. لم تتحقّق في تاريخ مجتمعاتنا لحظة عدالة واحدة توصّل فيها الأفراد بقطع النّظر عن خصوصيّاتهم إلى محو الفوارق سلميّا وتجميع المختلف تحت سقف المواطنة بكلّ ما تعنيه من مغامرة وعقلنة للفضاء السّياسيّ. ولقد اصطدمت كلّ محاولات ارتياد فضاءات العدالة بسيطرة رؤية للسّياسة تعتبر أنّ”الخير” هو مملكة تحتكر مفاتيح أبوابها السّلطة المطلقة. إنّ السّلطة في مختلف تجلّياتها هي التي تمنح الحياة عندما تريد وتحجبها حينما تستشعر خطرا ما. وهي التي توزّع الأدوار الاجتماعيّة والثّروات المعنويّة والماديّة كيفما تريد وحسب قراءتها الخاصّة لموازين القوى القائمة. إنّ هذه النّظرة للعدالة التّي ما زلنا نعيش على آثارها إلى اليوم هي التي تملأ أدبيّات “السّياسة” التّراثيّة والكتابات حول مفهوم العدل.
فالعدل هو المنّة والهبة التّي تمنحها قوّة متعالية عند المقدرة من موقع إيمانها بمطلق الخير واعتقادها الجازم بأنّها مالكة رقاب الرّعايا. فلا غرابة أن يحفل تاريخنا بأمثلة عديدة عن تحوّل مطلق الخير إلى مطلق الشرّ والعكس صحيح في مسار عود على بدء لم يسمح بتدخّل الفرد في هذا القدر المحتوم. ولعلّ هذه النّظرة القدريّة للسّلطة بوصفها محتكرة الخير والشرّ هي التي ستمنع روّاد النّهضة في القرن التّاسع عشر من القيام بمغامرة انزياح كبرى في لغة الخطاب السّياسيّ التّقليديّ ببعثرة بقايا مطلقات هذا الخطاب وإعادة التّفكير في الفضاءات التّي تتأسّس فيها مفاهيم العدالة. وتبدو أزمة هذا التّردّد جليّة عند الكواكبي مثلا، فهو لم يقدر على تمثّل الفرد ككائن سياسيّ جديد له دور في صياغة القاعدة القانونيّة المبنيّة على الحرّية والعدالة والمساواة، لذلك انكفأ على صورة قديمة لسلطة/ خلافة هي التي ترعى مفهوم الخير بواسطة مؤسّسات خيّرة.
ولكن لا الامبراطوريّة العثمانيّة في مرحلة تساؤلات انهيارها ولا الدّول الوطنيّة في أوج قوّتها أوهشاشة انحدارها استطاعت أن تفتح أفقا للعدالة. كما أنّ أغلب حركات المعارضة العربيّة الحديثة قد وضعت الدّولة المدافعة عن البروليتاريا أو عن “الأحلام” الوحدويّة القوميّة او عن صفاء الهويّة الإسلاميّة كقوّة فعل وحيدة لتحقيق الخير للجميع طبقات سواء كانوا أم أمّة. ويمرّ تحقيق هذا الخير عادة بنفي الفرد وخصوصيّاته وقدراته على تأسيس لغة عدالة متحرّرة من المطلقات.
3. إنّ تحويل الحاجة إلى حقّ ندافع عنه بصفته قيمة، ونضع له ما يتناسب من قواعد ملزمة، هو الشّرط الضّروريّ لبناء الوعي بحقوق الإنسان ولتمثّلها في الواقع. فالعدالة الكامنة في أقاصي المنزلة الإنسانيّة، والتي لا تزال تقرع أبواب وجودنا بأشكال متعدّدة جامعة بين الاحتجاج العنيف والمطالبة السّلميّة وأنّات آلام الأفراد والجماعات المكبوتة ستبقى صرخة متواصلة لن تنفع كلّ اللاّمبالاة التي تربّينا عليها في تجاهلها. إنّها تعود إلينا في كوابيس يقظتنا متجسّدة في نظرات أكثر الفقراء فقرا، تلك النظرات المستجدية في حنقها وكراهيّتها، وتعود إلينا في مشهد النّساء الموؤودات في ثقافة ذكوريّة مجرمة، وفي عنف أطفال الشّوارع، وقد أشحنا بوجوهنا عن طفولة عالمنا، وفي أنّات المبدعين الذين تقصيهم آلة المشهد الثّقافيّ /السّياسيّ/التّجاريّ عن القول والفعل. كوابيس يقظة يعمّرها المعلّقون في أقبية التّعذيب الوطنيّة والعابرة للقارات وضحايا سماسرة الأجساد والأرواح واللاّجؤون والمهاجرون الذين نغلق كتاب عذاباتهم على عجلة من أمرنا.
إنّها وضعيّات استحالة العدالة التي لا تترك للفرد سوى الإغراق في اللاّمبالاة كامتناع عن معرفة الوجود أو الهجرة إلى لامبالاة أخرى هي التّضحية بالجسد ونحره بنحر الآخر. فالعمليّات “الاستشهاديّة” هي مطلق اليأس من العدالة كعمليّة فهم للآخر وتواصل معه وتأسيس للمشترك. فعن طريق هذا النّوع من الموت الصّاخب يتمم استدعاء عدالة السّماء من حيث هي تعويض عن كلّ مفاهيم الدّولة التي عجزت عن تقديم إجابة عن أسئلة الخير والعدالة ومن حيث هي تعويض عن عدم القدرة على تحويل الوعود الحداثيّة بحقوق الإنسان إلى تجربة عيش.
في ظلّ هذا العراء ، يبدو أنّ الأفق الوحيد للخروج من هذا الحضيض الدّاهم والظّلمات المرعبة هو بلورة وعي بالمسؤوليّة التّاريخيّة يمكننا من تعريف معنى الفضاءات الذي تتأسّس فيها العدالة.
4. لا يمكن ان نختبر قدرتنا على اللاّمبالاة إلأّ حين تواجهنا أوضاع قصوى. سجين سياسيّ سابق كان يذرع فضاءات المنظّمات الحقوقيّة التّونسيّة. لقد ترك التّعذيب وشما دائما على جسده. إعاقة وعاهة تترك في النّفس شعورا ملتبسا يمزج بين الشّفقة ومحاولة الإفلات من إصرار هذا الجسد على الاستمرار في تجربة الألم وحقيقته. إنّ هذه الدّعوة الملحّة للتمعّن في الجسد المعذّب هي في حقيقة الأمر الخطوة الأولى للدّخول الواعي في كشف الأماكن المعتمة التي تذبح فيها العدالة وفي التّفكير في الآليّات التي تصوغ بها السّلطة مسارات هيمنتها. هذه الحركة الكاشفة لإخراج الجسد من سجن الألم واقتراح لغة مشتركة لوصف الألم ونقده هي التي نشيح عنها ونواجهها بالنّسيان من أجل الحفاظ على حياتنا “الطّبيعيّة”. فاللاّمبالاة بوصفها مراكمة لوضعيّات نسيان متواصلة هي التي تقودنا في نهاية الأمر إلى قبول ما لا يمكن قبوله وإلى التّسامح مع ما لا يمكن التّسامح فيه.
إنّ لآلة التّعذيب وإنتاج العذابات بجميع أصنافها عمريْن: عمر تزهو فيه بممارسة طقوسها الوحشيّة على الأجساد والأرواح وعمر تبتكر فيه بلاغة تدريبنا على اللاّمبالاة. وفي كلتا الوضعيّتين نفقد مهارات البحث عن تأسيس فضاءات العدالة وتستوطن ذاكرتنا هيمنة السّلطة كصانع أوحد للخير ومالك مطلق للحقيقة.
وسواء كان المعذّب أو الخاضع لشتّى أصناف الإكراه في المجتمع اسلاميّا أوشيوعيّا أو مدافعا عن الحرّيات أو فردا لا انتماء إيديولوجيّا له، فإنّ الرّسالة التي توجّهها الدّولة إلى المجتمع من خلال عمليّة الإذلال هذه واضحة ومطلقة. فهي تذكّر الجميع بأنّها موجودة في كلّ فضاءات العيش، تمنح تصوّرها عن العدالة عندما تريد وتكبح جماح صبوات الفرد عندما تريد، وتقمع انفلاتاته لحماية “خير” الجماعة والحفاظ على مصالح الأمّة أو الوطن أو الثّورة. فالدّولة عندنا لا تتفاوض مع الأفراد حول حدود سلطتها ولا تترك لهم مجالا لمحاولة خلخلة التّصوّرات والممارسات التي تحكم بها فضاءات السّياسة.
ويزداد الأمر التباسا في مجتمعاتنا عندما نرى إلى الذين يواجهون احتكار الدّولة “للحقيقة” يقترحون هم أنفسهم مشاريع شموليّة قد تتحوّل إلى قوّة دمار هائلة. فلا يمكن مواجهة التّسلّط وغياب العدالة باستعادة ساذجة لمفهوم الخير الذي تحتكره السّلطة تحت مسمّيات جديدة بل يجب الخروج من ثنائيّة الخير والشرّ ونقل الصّراع إلى فضاءات حقوق الإنسان والدّيمقراطيّة بكلّ ما تمنحه من إمكانات للفعل الفرديّ والجماعيّ.
5. المؤسّسات ليست لها دموع. تحضرني هذه الكلمات كلّما تذكرت مشاهد جلسات الاستماع التي نظّمتها هيئة الإنصاف والمصالحة في المغرب. عشرات من الضّحايا الذين سامتهم مؤسّسات الدّولة صنوفا من العذاب بوحشيّة ممنهجة ودم بارد يُمنحون فرصة نادرة لقول الألم الذي دمّر ذواتهم حين امتلكتهم الجرأة لمنازعة الدّولة حقّها في احتكار الحقيقة. إنّها المرّة الأولى التي يقام فيها فضاء في بلد عربيّ للبحث في ممارسات الهيمنة وآليّات تدمير العدالة من خلال تدمير الفرد. لقد سهرت لجنة الإنصاف على توثيق وأرشفة أكثر من عشرين ألف ملفّ لضحايا انتهاكات حقوق الإنسان. وتكاد تسمع وأنت تجول في أروقة هذا الأرشيف صيحات استغاثة المعذّبين وتكاد تلمح في ثنايا الملفّات المرصوفة بعناية فائقة نظرات المختطفين المرعوبة وآمال المقبورين المحطّمة. وتتذكّر حين تلفّك غياهب عدم الدّولة أنّ وراء كلّ ملفّ موظّف أو قاض أو جلاّد أرسل ضحاياه إلى جحيم آلة السّلطة بدعوى الواجب وتتذكّر كذلك أنّ آلاف الأفراد الذين تحوّلوا إلى أرقام عديمة الشّأن هم محصلة إنكار العدالة واللاّمبالاة.
ولعلّ ما يلفت الانتباه في التّجربة المغربيّة هو اعتمادها على قرار سياسيّ من أعلى هرم السّلطة وتشريكها لعناصر من فضاء المجتمع المدنيّ . فكأنّنا بالدّولة تبحث عن صياغة لتصوّرها حول آليّات تشكّل الإكراه. وكأنّنا بها تبحث جاهدة عن إطيقا جديدة للسّياسة وشرعيّة تنبني على التخلّص من أوساخها الماضية وشرّها لتستعيد موقعها كراعية للخير. فجلسات الاستماع لم تكن فقط مناسبة لمنح المعذّبين فرصة قول آلامهم وعذاباتهم بل كانت كذلك مناسبة للدّولة للتّطهّر من ثقل ماضيها. ولا يمكن لعمليّة التّطهير أن تؤدّي إلى بناء وعي مجتمعيّ للعدالة ولا يمكنها أن تعيد الرّاحة إلى المسجونين في عذابات أرشيف الألم إذا لم تتجاوز التطهر إلى ممارسات شجاعة تتمثل في محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات وفي اعتذار السّلطة وتعويض الضّحايا والإصلاح المؤسّسي الشّامل.
لا تقتصر غايات العدالة الجنائيّة على تعبير الدّولة عن شعورها بالرّحمة والشّفقة على رعاياها بل هي مغامرة عدالة تعيد للفرد موقعه الخاصّ في بلورة القيم وعيشها كقاعدة ملزمة.
لقد كانت التّجربة المغربيّة فرصة تاريخيّة نادرة لإعادة التّفكير في مفهوم العدالة والتّربية على الوقاية من تجدّد تحطيم مجتمعاتنا، ولكنّ ثقافة اللاّمبالاة السّائدة في بلداننا لم تقدر على اقتناص هذه الفرصة. فلقد اقتصرت مجهودات التّعريف بهذه التّجربة على بعض النّدوات والدّورات التّدريبيّة التي نظّمتها منظّمات حقوق الإنسان. أمّا الإعلام العربيّ فلقد تجاهلها في أغلب الأحيان لخلوّها من “الإثارة” اللاّزمة.
6. تبدو «المصالحة” مفهوما جديرا بالتأمّل حين يحيل على تمثّلاتنا للعدالة. فهل هو تصالح الدّولة مع رؤيتها القديمة لمفهومي الخير والشرّ وسعيها إلى احتكار إقامة التوازن بين نزعتها إلى شرّ الهيمنة وخير توزيع الأدوار والموارد؟. أم هو تصالح تاريخيّ للاعتراف بدور الفرد في صياغة مفهوم مغاير للعدالة تحت سقف المواطنة؟
إنّ الأحداث المتلاحقة التي يشهدها عالمنا اليوم تنبئ بمحاولة الدّولة الخروج من هشاشتها الظّاهريّة ومحاولتها استعادة سيطرتها المطلقة على فضاءات السّياسة. فالدّولة تستغلّ كلّ أنواع الخوف من انعدام الأمن والتّهميش والعنف لاقتراح وصفاتها المطئمنة حول أوليّات الواجب والعمل والأخلاق والامتياز ومحاربة الإرهاب. إنّها الشّعارات/المفاتيح السّحريّة التي تضمن الفوز في انتخابات أكثر الدّول ديمقراطيّة.