
«القضيّة العادلة والكبيرة لا يجوز أن ندافع عنها بأساليب تجعلها غير عادلة وغير كبيرة». أدونيس.
هنالك كتّاب ومفكّرون وشعراء يبقون متجدّدين، لا تفتأ أسماؤهم تُستذكر في كلّ محفل، لا يخبو بريقهم بمرور الزمن، ولا يُستغنَى عن أفكارهم وطروحاتهم، ولا تتوقّف صدى آرائهم عند حدّ، بل تراهم في أخذٍ وردٍّ. وليس من شكّ أنّ أمثال هؤلاء قلائل في تاريخ الفكر والأدب والفنّ، فكَم من السنين تمضي حتّى يأتي واحد من هؤلاء ليعلن ثورة التجديد، يتمرّد على التقاليد التي تقيّد، يحرّر أدبه وفكره من إرثٍ مربكٍ مكبّلٍ.. ومن تلك الشخصيّات التي تركت وتترك بصمتها في تاريخ الشعر العربيّ، أحمد علي سعيد؛ أدونيس، الذي عُرف بصِداميّته، وآرائه الجريئة المجدّدة، ولا يني يعلن تجديده الدؤوب في حقل الشعر والفكر.. ويطرح لا كشاعر ثائر في وجه الإيديولوجيات والغيبيّات، بل كمفكّر يُغني الشعر بفكرٍ حرٍّ لا ينقاد وراء سياسات تؤطّره وتنظّر لمستقبله.. فنراه مفكّراً في مكان ومغضوباً عليه في مكان آخر، نقرؤه شاعراً ومعلّماً لجيل من الشعراء، اتّخذوه أباً رغماً عنه، وهو الرافض لتلك الأبوّة بحسب ما يكرّر، ويأسف لواقع يعيشه العرب، عندما يقول: «الابن عند العرب يولَد أباً».. يُستَشهد بآرائه في دولة فيُكَفَّر مريدوه، بينما يقدَّس في بقعة أخرى، وهو الذي أغنى المكتبة العربيّة بكتب ستبقى مثار جدال لن ينتهي حولها، مثيرة سجالات بين الحين والآخر، وذلك رغم مرور عقود عليها. منبّهة إلى البحث عن الإجابات ومثيرة رغبة التنقيب عنها..
نقرأ له «محاضرات الإسكندريّة»، كتابه الصادر حديثاً «عن دار التكوين أيلول 2008، والذي يقع في 188 صفحة من القطع الوسط»، وهو عبارة عن أربع محاضرات ألقاها في الإسكندرية (5-15 نوفمبر 2006) بناءً على دعوة من مكتبة الإسكندريّة، ثمّ هناك حوارات أُجريت معه على هامش محاضراته.. يتضمّن فهرس الكتاب محاضراته الأربع متسلسلة: – «الثابت والمتحوّل» بعد أربعين سنة كيف كنت سأكتبه؟ – ديوان الشعر العربيّ – الشعر والفكر – الشعر والهويّة. ثمّ هناك ملحق يتضمّن بعض الحوارات حول محاضرات الإسكندريّة، وقد أجريت معه من قبل نخبة من الكتّاب في مصر، ونُشرت تحت عناوين استفزازيّة منها: ثقافة الأنظمة العربيّة قائمة على التبشير والمدح، مع عماد الغزالي. ومع أيمن عبد الهادي بعنوان: إذا لم يشكُ الإنسان همومه لله فلمن يشكو..؟، وبعدها، العرب انتهوا بالمعنى الحضاريّ لكنّنا لا نعترف بذلك، مع محمد الشاذلي، ثمّ أدونيس والعامّية، حيث يكتب الروائيّ جمال الغيطاني عن موقف أدونيس من العامّية وعن متابعته لها. ثمّ ترد عناوين: كلّ عربيّ يزعم أنّ الحقيقة في جيبه، لا يمكن لشاعر أن يمارس النبوءة مهما كانت شاعريّته، والحوار الأخير بعنوان: دولة عبد الناصر كانت فاسدة..
– يتطرّق أدونيس في محاضرته الأولى إلى بداية ثورته الفكريّة من خلال تجربته التي هزّت أركان الشعر العربيّ، ونظرت إليه من منظور مختلف، حتّى اتُّهم حينها من قبل البعض بأنّ تجديده المزعوم ليس إلاّ تجديفاً.. لكنّه لم يأبه لذلك بل رأى «أنّ التجديد في الشعر والفكر يقوم أوليّاً على أمرين: الأوّل يتمثّل في اكتشاف اللغة التي تتخطّى التقليديّة السائدة فنّيّاً وفكريّاً. ويتمثّل الثاني في افتتاح أفق آخر للكتابة وللفكر وتبعاً لذلك للنقد والبحث والتساؤل».ص7. ويجدّد دعوته بوجوب النظر إلى القرآن ليس كمجرّد نصّ دينيّ بالمعنى الحصريّ للكلمة، بل كنصّ ثقافيّ جامع يحتضن النصوص الدينيّة الوحدانيّة التي تقدّمته إلى جانب النصوص الثقافية – الإنسانيّة التي سبقتها أو عاصرتها، ليخرج عن تأطيره التعليميّ في «الإيمان» و«الكفر»، أو مجرّد مصدر للفتاوى، وهكذا يفصل عن أبعاده الإنسانيّة، وعن آفاقه الحضاريّة، هو الذي يقدّم مناخاً فريداً لنشوء ثقافة عربيّة متنوّعة وفريدة. ومن هنا كان سعي أدونيس إلى تقديم قراءة جديدة ومختلفة للتاريخ الدينيّ – السياسيّ – الثقافيّ، في مؤلّفه «الثابت والمتحوّل».. ويؤكّد أنّه لو أعاد صياغة أفكار كتابه لما تردّد بطرحها بمثل ما طرحها قبل أربعة عقود، لأنّه يرى أنّ المشكّلات الفكريّة هي في حالة انتكاص، عربيّاً، تعاود التجدّد والظهور إلى السطح، ويقول إنّه كان سيعتمد على التشديد على الربط بين قضايا العرب تراثيّاً وقضاياهم الحيّة الراهنة، حياتيّاً، رافضاً الممارسات التي تتمّ باسم الدين والدين منها براء، مستهجناً فكرة الإكراه أو التكفير التي نبذها الدين والتي يمارسها المكفّرون الذين كأنّهم ينقضون ما فعله الخالق نفسه، «لأنّهم يعطون أنفسهم حقوقاً لم يعطها الخالق لنبيّه نفسه، «إنّك لن تهدي مَن أحببت لكنّ الله يهدي مَن يشاء».فكأنّهم يحوّلون الألوهة إلى منظمة فكريّة يبدو الخالق فيها سجين الكلمات، ويبدو الإنسان فيها مجرّد آلة تنقل وتطيع». ص13-14. وكذلك الوقوف طويلاً عند النصّ القرآنيّ والنظر إليه من زوايا عديدة.. منها: «علاقته بوصفه كتاباً إلهيّاً مع الكتب المقدّسة الأخرى، وبخاصّة التوراة والإنجيل، موضّحاً المشترك فيما بينها، وموضحاً الفروقات كذلك». ثمّ «بوصفه نصّاً جامعاً للثقافات قبله إلى جانب كونه نصّاً لا تاريخيّاً. أي مطلقاً»..ص16 لتكون الكتابة ومفهوم الحقيقة في قلب التحليل والتدقيق. وتبعاً لذلك يطرح تساؤلاته: كيف للغة وثنيّة أن ينطق بها وحي إلهيّ جاء نقضاً للوثنيّة؟ وكيف تتحوّل من ثمّ إلى لغة إلهيّة بقواعدها الوثنيّة ذاتها وبقيمها الفنّيّة والموسيقيّة وبعلاقاتها مع العالم والأشياء؟ كيف تحوّلت اللغة التي هي في جوهرها الإبداعيّ، حاضر متحرّك، إلى ماضٍ، محوّلة المعرفة نفسها كذلك إلى ماضٍ بحيث أصبحت المعرفة الدينيّة وراء المتديّن لا أمامه؟. ويعتبر أنّ علاقة اللغة بالشيء، دينيّاً، علاقة ثابتة، أمّا علاقتها بالشيء، شعريّاً، فهي متغيّرة. متحوّلة. أي أنّ المعرفة بالدين تتناقض كلّيّاً وجوهريّاً مع المعرفة بالشعر. إذ يتأكّد ذلك، بحسب ما قول، أنّ تأثير النصّ القرآنيّ في الشعر كأنّه غير موجود، غير أنّه يبدو من حيث علاقته بالسياسة والفقه والشرع خصوصاً أنّه النصّ المهيمن. ص 21. ويقول أدونيس إنّه كان سينظر إلى ما جرى في سقيفة بني ساعدة بوصفه «نقلة» انقلابيّة، سياسيّة، دينيّة، من «النبوّة» إلى «النظام».. حيث تغيّرت في السقيفة العلاقة بين «الدين» و«السياسة». إذ بعد أن كان النبيّ ينظّم بقوّة النبوّة وبفعل «الوحي» الذي يتلقّاه، وتقبله الأمّة كلّها. صار «البشر» هم الذين ينظّمون، باسم الدين، أي باسم «فهمهم»، أو «تأويلهم» للنصّ الدينيّ. فنشأ اختلاف جرّاء الفهم المتعدّد للنصّ الواحد، ثمّ نشأ «صراع» على السلطة، استند فيه كلّ طرف على النص بحسب فهمه وتأويله له.. ويختتم محاضرته الأولى بنقد للرؤية التقليديّة التي لا يزال العرب يتمسّكون بها، وذلك من خلال إيلائهم الأهمّيّة والأولويّة في عنايتهم بالأوّل والماضي والهويّة. أي بمفهومات لا تقوم إلاّ على وهمٍ. ويقول في ذلك: «الواقع نفسه يكاد أن يصبح توهّماً، وفي هذه الحال يتحوّل الوجود إلى فراغٍ، وتصبح الحياة توهّماً. مَن لا يعترف بنهاية يعترف بعجزه عن الوصول إلى غاية. والمشكلة العربيّة الأولى ثقافيّاً، وإنسانيّاً، هي أنّنا لا نعترف بنهاية. لا شيء عندنا ينتهي، الموت نفسه بداية للإقامة في واقع كذلك بلا نهاية. لكن إذا كان هناك شعب لا يعترف بأنّ هناك نهاية فذلك يعني أنّه شعب يحيا دون غاية. ما يكون هذا الشعب، وما يكون معنى الإنسان فيه؟».ص30.
– أمّا في محاضرته الثانية، ديوان الشعر العربيّ، فينطلق ممّا قاله الرسّام الفرنسيّ روسو الملقّب بالجمركيّ لبيكاسّو: «نحن اليوم الرسّامان الأكبران – أنت في الفنّ العصريّ وأنا في الفنّ الحديث».ص33. أحدهما يمزج بين المتضادّات بين القديم والحديث، والآخر يعتمد الكلاسيكيّة، قاصداً باستشهاده ما يعبّر عن وضعه الشعريّ، من ناحية إعادة قراءة الشعر العربيّ منذ أصوله الأولى وحتّى بدايات القرن العشرين، كما كان شعره يمثّل بين أصدقائه مزيجاً بين القديم الحديث، لأنّه لم يكن يريد أن يكتب بمثل ما يكتب شعراء الوزن الكلاسيكيّ، ولا أن يكتب باسم الحداثة ما يكون متشابهاً مع كتابات شعرية بلغات أخرى، بل كان يريد أن يتخطّى ذلك القِدّم وتلك الحداثة، ويكتب شيئاً مختلفاً مزيجاً من القديم والحديث، بحيث يبدو داخل القديم وخارجه في آن، وداخل الحديث وخارجه في آن، معاصراً لنفسه ولحساسيّته، ولرؤيته من جهة، ومعاصراً للتململ والتوثّب والبحث في حياة الشعب الذي ينتمي إليه، ويعيش بوصفه فرداً بين أفراده ومعاصراً لحركة العالم.. أي أنّه، منذ تفتّح الشعريّ على المشكلات التي لأثارتها الحداثة الشعريّة، أراد أن ينفي التضادّ بين القديم والحديث، في الفنّ، في الإبداع، وكانت مجلّة «شعر» ميدانها المتميّز..
يعيد طرح آرائه فيما يتعلّق بالتسمية ومشكلة التسمية أو عدم ملاءَمتها لما تسمّيه، إذ أنّه لا يقبل بتسمية الشعر العربيّ في مراحل سابقة بالقديم، قائلاً إذا كان الشعر جمالاً فكيف نصف هذا الجمال بأنّه «قديم»، وما يكون المعيار؟ ليبدأ بعدها العمل على إزالة الالتباس القائم، معتمداً عدم قياس الشعر على الأشياء، وألاّ يربط حداثته أو قدمه بمجرّد الشكل. «خصوصاً أن حياتنا لم تحسم، حتّى الآن، أيّ صراع تخوضه أو يواجهها، لا مع الرؤية الدينيّة للإنسان والعالم، ولا مع البنى الثقافيّة والسياسيّة والاجتماعيّة التي أسّست لها هذه الرؤية. فهي لا تزال تتخبّط وتتعثّر».ص42. مختتماً بالتصريح بإرادته إخراج أو تحرير الشعر العربيّ من القيود التي تخضعه نقداً وتذوّقاً وتقويماً إلى المناسبة، سواء كانت سياسيّة أو اجتماعية، ليطلقه في فضاء القيمة، فنّيّاً وجماليّاً. كما أنّه حاول أن يُنظر إلى الشعر في ذاته، في معزل عن أحداث الخارج، رابطاً إيّاه بالذاتيّة- بالجسد، بالحساسيّة، عاملاً على تغيير النظر إلى معنى الشعر، وإلى مكانه ومكانته في آن.. ص48. ذلك أنّه يعي، كما يكتب، أنّه عندما يتحدّث عن الشعر العربيّ، فإنّه يتحدّث عن الإبداعيّة العربيّة في ذرواتها العليا. «والحديث عن هذه إنّما هو حديث عن اللانهاية». وكذلك لأنّ «الحديث عن الإبداع هو بالنسبة إليّ نوع من الظنّ. أو لنقل: الإبداع هو الإبداع» ص49. ثمّ نراه يوصي بضرورة الإفادة من تاريخ الإبداع، لأنّه ليس هناك فرق في الإبداع بين الطفولة والشيخوخة، بين ما نسمّيه ماضياً وما نسمّيه حاضراً. ذلك أنّه لا تصحّ الحداثة إلاّ بدءاً من الاعتراف بهذا التاريخ القديم الذي فينا وباستئنافه. قائلاً: «نحن القرّاء المبدعين، الحديثين، ابتكرنا القَدامة، وهذه القَدامة هي التي ابتكرت بنا وعبرنا الحداثة. لكي نلتقي بأنفسنا في الحداثة، لكي نجيء إليها لابدّ من أن نمرّ في القدامة، في البدائيّ- الفطريّ».ص52- 51. وداعياً كذلك إلى وجوب أن يقترن السؤال حول الشعر عضويّاً بالسؤال حول القاعدة الثقافيّة الحضاريّة للغة التي تحتضنه. وللكائن الذي يكتبه، أو يقرؤه. من خلال العلاقة بين الذات والآخر، ومن ثمّ من خلال قراءة النصّ القرآنيّ بوصفه نصّاً جامعاً لليهوديّة والمسيحيّة، من جهة، وكثير من العناصر الثقافيّة واللغوية التي تعود إلى الحضارة السابقة على الرؤية الوحدانيّة للإنسان والعالم. يعرّج على مشكلات العالم العربيّ، ويستهجن شيق النظرة والممارسة، ينتقد واقع الكتابة المؤزّمة، التي تدفع إلى السجن داخل أسوار المنزّل، وضرب البنى التحديثيّة التي تحاول النظر إليه من خارجه، متسائلاً: «كيف تقدر الكتابة التي هي أرضيّة وتاريخيّة، أن تحتضن وحياً ليس أرضيّاً ولا تاريخيّاً؟ أو كيف للوحي المطلق أن ينزل ويعيش في كتابة “تسجنه”؟». ص57. ثمّ نراه يصوغ أزمة الكتابة كما يلي: «أن تكتب اليوم في المجتمع العربيّ – الإسلاميّ، هو أوّلاً أن تكبُت. لكن، هل يكتب مَن يكبت؟» ص57. ويتساءل عن مصير العرب كياناً وحضوراً، وعن مصيرهم ثقافيّاً وحضاريّاً، في حال عدم القيام بهذه القراءة النقديّة الأفقيّة والعموديّ للتاريخ، وفي حال عدم امتلاك الصّحّة..؟! يترك الباب مفتوحاً على مصراعيه للإجابات التي بقدر ما تثري فإنّها تحتاج أخرى جديدة..
– ثمّ يناقش في محاضرته الثالثة، «الشعر والفكر»، قاصداً النظر بجِدٍّة وجدّيّة إلى الموضوع، دافعاً الالتباس الحاصل بين ربط الشعر بالشعور والفكر بالعقل، دون أي لقاء بينهما.. سائقاً عدّة أمثلة عن الشعر المنظوم، الذي ينقل أفكاراً متداولة بين الناس، ثمّ تأويلات لبعض الكلمات والأقوال، ممهّداً من وراء ذلك الوصول إلى القول: «إنّ الوجه الأكثر عمقاً للصراع داخل الثقافة العربيّة تمثّل في الصراع بين الدين والشعر، أو على نحو أكثر دقّة، بين البنيّة المعرفيّة الدينيّ والبنية المعرفية الشعريّة».ص. 75. ثمّ مُديناً النظرة الدينيّة التي ترى في الشاعر مارقاً: «إذا كان الشاعر، بوصفه إنساناً، كائناً يفكّر ويعقل، فإنّ هذا التأويل الإيديولوجيّ للدين، يجعل منه مجرّد شيطان يضلّ ويغوي، و”يتبعه الغاوون”. فالشعر معرفيّاً غواية، أو هو الغواية، والدين هو الهداية. هذه الهوّة السحيقة التي حفرها الإسلام بينه وبين الشعر، أثّرت على مفهومات كثيرة، كمثل الجمال، والقبح، والحقّ والخير والشرّ، تمثيلاً لا حصراً. فالجميل ليس ما يراه الشعر جميلاً بل ما يراه الدين.»ص75. بعدها ينظر إلى التاريخ بوصفه سلسلة من التناقضات بين الفكر الدينيّ والفكر الشعريّ، بين الدين والشعر، على مستويات، منها: المستوى المعرفيّ، مستوى الحقيقة، التي بدأ التشديد بها، ثمّ مستوى يتعلّق بمسألة التعبير وكيفيّته، أي بالمجاز اللغويّ الذي يزعزع المعنى ودلالاته وأبعادها. يختم محاضرته الثالثة بالقول: «كما فعل هايدغر مفكّكاً الفلسفة اليونانيّة، وتابعه دريدا مفكّكاً الفلسفة الغربيّة، نحتاج اليوم في عالمنا العربيّة إلى مَن يفكّك البنية الدينيّة – الفكريّة العربيّة بحيث يعاد بناؤها في ضوء الفصل الكامل بين ثقافة التديّن، وثقافة الفنّ والفلسفة والعلم». ص85. ذلك لأنّه سيتيح تحرير الإنسان والعقل، ثمّ إتاحة إعادة القول الشعريّ إلى مكانه الأوّل، وإلى دوره الخلاّق الأوّل.
– في المحاضرة الرابعة والتي عنوانها: «الشعر والهويّة»، يلتقي أدونيس في نظرته للهوية في ظلّ العولمة بنظرة أمين معلوف إليها في كتابه «الهويات القاتلة»، وذلك عندما يقول إنّ الهوية ببعدها الإنسانيّ ليست في الاسم بل في الكائن المسمّى، ويقول إنّها لا تتجسّد في الكينونة بل تتمرأى وتقوى في صيرورتها، وينطلق من افتراض الاتّفاق على أنّ البطاقة التي يحملها كلّ منّا ونسمّيها «بطاقة هوية».. «إنّما هي بطاقة تعريف بالانتماء إلى بلدٍ معيّن، وهي إذاً شهادة على هذا الانتماء، وطنيّاً، وحقوقيّاً، وليست هويّتنا الإنسانيّة. فهويّة كلّ منّا بوصفه إنساناً أوسع وأغنى وأعمق من أن تحيط بها أو أن تستنفدها بطاقة كلّ منّا بوصفه مواطناً. فهذه الهوية مجرّد اسم؟»ص89. ثمّ يتساءل عن هويّة مدينة الإسكندريّة، حيث يقول إنّ الأجوبة ستكون متعدّدة تبعاً لتعددّية سكّانها، ونظرتهم إليها، بعضهم سيقول إنّها مصريّة، وبعضهم سيقول إنّها عربيّة، وجواب آخر سيقول إنّها إسلاميّة.. وربّما يقول جواب آخر تلفيقيّ أو توفيقيّ: إنّها مصريّة عربيّة إسلاميّة… ويكون لكلّ جواب ردّ يدحضه، ليصل بعد مناقشة لهيراقليطس القائل: لا نعبر النهر مرّتين. إلى القول بأنّ الهوية لا تحدّد بالانتماء السياسيّ القوميّ، ولا بالدين، ولا باللغة.. أي أنّها لا تحدّد، «لأنّنا لا نستطيع أن نحدّد إلاّ ما يكون ساكناً، مستقرّاً، ومكتملاً. والهوية نقيض لهذا كلّه فهي مشروع مفتوح، إبداع متواصل في أفق مفتوح. فالإنسان يبدع هويّته فيما يبدع عمله وفكره. ذلك أنّ الإنسان يجيء أوّلاً، قبل الوطن، وقبل الدولة، وقبل الدين».ص95. كما يقف في وجه الداعين إلى تحديد الهوية لرغبتهم في التميّز عن الآخر، أي أنّهم ينطلقون من نزوع عنصريّ أو رغبة في المركزيّة، وهي رغبة مدفوعة بالإيديولوجيا.. متسائلاً ومجيباً في الوقت نفسه: «هل الهوية جوهر قائم بذاته، أم هي على العكس، علاقة؟ وإذا كانت الهوية علاقة، فإنّ الشعر، والثقافة بعامّة، مجموعة من العلاقات. إنّ÷ا ليست جوهراً قائماً بذاته، داخل لغتها الخاصّة في معزل كامل عن الآخر». ص96. ولا يغفل عن مناقشة المسوخ السائدة في الثقافة العربيّة اليوم، مُوضحاً أنّ لكلّ صورة نسخة، وتحوّلت تلك النسخة بتقادم الأيّام إلى مسخٍ (النسخ – المسخ).. حتّى تبدأ لصورة – النسخة في الإيصال إلى مفارقة كبرى، حيث يسود الجهل في عصر تسوده المعرفة.. ثمّ تساهم بدور فعّال «في خلق أوهام تزيّف الهويّات القائمة، أو تبتدع هويات لا أصل لها – عدا أنّها تحوّل الثقافة إلى أوهام وأباطيل.»ص105. متوصّلاً بالتالي إلى نتيجة: «لا هويّة خارج الإبداع». ويدين النظرة الضيّقة للهويّة عند العرب المسلمين، حيث ينظرون إليها «كأنّها قالب يُسكَب فيه الإنسان، لكي يتقوْلب ويتّخذ شكلاً لا يتغيّر، بحيث تطمس إنسانيّته..».ص108. ثمّ يناقش فكرة هايدغر في تأليه الآلة وتأليل الإله.. عندما تفقد الآلة معناها لتصبح من خادمة للإنسان إلى قوّة تسيطر عليه، من خادم إلى مخدوم.. ليقول من خلالها، إنّ «مفهوم الله الواحد فَقَد كذلك في الممارسة معناه الأوّل: المحبّة، والحرّيّة، والوحدة بين البشر. وأصبح على العكس، وسيلة لتسويغ العبوديّة والعنف والبطش، وجميع أنواع الطغيان والهيمنة». ص109. وهكذا تكون هويّة الإنسان، شعريّأً، كامنة في كونها سؤالاً وبحثاً، وفي كونها لا تكتمل، وليست معطاة بشكل مسبقٍ. ومن هنا لا تكون الذات في الشعر كمثل ما هي في الدين أو في التقنيّة، أسيرة لمعرفة جاهزة..
لا يقف أدونيس عند حدود الاستفزاز بل يكمل ما يقوله، لتكون آراؤه رؤوس أفكار، قد تكون «نوويّة – بالمعنى الفكريّ»، متشظّية الأبعاد، لا تسوّر ولا تكرّر، بل تبحث عن الجديد في مكامنه ومخابئه في بطون التراث، يلغي الهامش ليجعله متناً، ولا يتردّد أو يحابي عند الإدلاء بموقف أو رأي سياسيّ يُطلَب منه.. يثور في محاضراته على مفاهيم بالية يعاد استخدامها وتجييرها لخدمة البعض، ومنها تلك الداعية إلى التكفير، أو العنف، يقف ضدّ تسييس الدين أو تديين الدولة، ويرى كليهما شرّاً ينبغي الاحتراس منه، يردّ على آراء البابا حول العنف في الإسلام، قائلاً: «إذا كانت الغاية من الباب أن ينقد العنف الدينيّ فعليه أن ينقد العنف في الدين، في المسيحيّة، والعنف قبل ذلك في اليهوديّة، خصوصاً أنّ اليهوديّة دين قائم على العنف».. يشدّد على طروحاته السابقة، بل ويتشدّد في التشديد عليها والتمسّك بها.. أي أنّ السنين زادته عناداً في وقوفه إلى جانب العقل ضدّ النقل المأخوذ به والمعتمَد حتّى تاريخه..
محاضرات أدونيس في الإسكندريّة، رغم أنّها لا تخلو من تقريع ذاتيّ، لكنّها تعدّ كشف حساب بالنسبة له، أو محاكمات تثير الكثير من المماحكات التي قد لا تنتهي في وقت قريبٍ، وتطرح الكثير من القضايا التساؤلات. تذكّر بمحاضرات لمفكّرين آخرين ملأت آراؤهم الدنيا وشغلت طروحاتهم الناس، كإدوارد سعيد، في محاضراته المجموعة في كتاب «آلهة تفشل دائماً»، أو بورخيس في كتابه «صنعة الشعر»، أو بول إيكور، أو أمبرتو إيكو.. الذين جدّدوا فيما طرحوه، وظلّت السجالات المثارة حول رؤاهم مستمرّة تثير التساؤل تلو التساؤل.. ومعروف أن ّالتساؤل وحده هو الذي يكشف المناطق المظلمة في الفكر والعقل، يغوص إلى العمق ليكشف الدرر.
ويبقى التساؤل: من أين تتأتّى قيمة محاضرات أدونيس..؟ هل من اسمه وتاريخه فقط..؟ أم أنّها لا تزال تطرح ما طرحته قبل عقود بالروح الثوريّة نفسها، وبتمرّد أشرس..؟ هل تقهقرُ المجتمعات العربيّة ولَوْذُها بالحاضنات الدينيّة التي تؤمّن للائذين بها راحة مؤقّتة من خلال إعماء البصائر، دفعه إلى إعادة طرح رؤاه ثانية، كي تثير نقاشات جديدة عساها تتمخّض عن ولادات بحجم الآلام المَعيشة..؟!
ومن هنا لا غرو أن يحتاط المتألّهون في بلاد العرب، لنشر آراء أدونيس أو تبنّيها لأنّها تؤرّض المقدَّس، وتخرجه من طوره وتضعه على المِحكّ، لتكون التجربة الإنسانيّة خير برهان..
سوريا