
{{الأزهر ( بداية القرن العشرين)}}
في العام 1947 قدّم محمد أحمد خلف الله رسالة لنيل شهادة الدكتوراه تحت عنوان :”الفنّ القصصيّ في القرآن الكريم”، وذلك تحت إشراف الشيخ أمين الخولي. على غرار ما أصاب كتاب علي عبد الرازق “ألإسلام وأصول الحكم” الصادر عام 1925، وكتاب طه حسين “في الشعر الجاهلي” عام 1926، واجه خلف الله وكتابه موجة من الرفض والاستنكار قادتها المؤسسة الدينية الممثلة بالأزهر، وانضمّ إليها الوسط الثقافي المتزمت، وتوجت بتحريض الجمهورالشعبي الذي عُبّئ بتحريض على الرسالة وصاحبها لكون ما ورد فيها يمسّ الذات الإلهية وينال من سمعة الدين الإسلامي وكتابه ونبيّه. كان تحريض جبهة العلماء المسلمين ألأقسى بحيث وصفت الرسالة بأنّها “أشدّ شناعة من وباء الكوليرا”، كما جرى تجنيد وسائل الإعلام للحطّ من قدر الرسالة واستخدام النعوت “السوقية” في وصفها، بحيث ابتعدت هذه الوسائل ومعها أوساط ثقافية عن إبداء رأي علميّ وموضوعيّ في الرسالة، بل استجابت لضغوط “الغوغاء” وصخبهم، مما أجبر الكاتب على إيقاف نشر الرسالة وإبقائها حبيسة أدراج الأزهر.
لم تكتف الأوساط الثقافية المعادية للرسالة من تحريض الجمهور المصريّ ضدّها، بل عمدت إلى تحريف نصوصها ومضمون ما قالت به إمعانا في التحريض على الكاتب. وعلى غرار ما جرى لعلي عبد الرازق وطه حسين من تصدّي بعض الزعامات الوطنية للكاتبين وعلى الأخصّ سعد زغلول لأسباب تتّصل بالتزلّف للجمهور المصري، واجه خلف الله تقريرا معاديا من كلّ من الكاتب المصري أحمد أمين ومن عميد كلّية الاداب عبد الوهاب عزام اللذين رفعا تقريراّ ضدّ الرسالة وصفته بعض الصحف المصرية بأنه تقرير بُني على معطيات سياسية وليس على المقاييس العلمية، وهو تقرير كان له الأثر الأكبر في رفض الرسالة، كما أتى يصبّ في السياق نفسه الهادف الى إرضاء الجمهور ومعه المؤسسة الدينية.
هكذا سجّل الإسلام السياسيّ الأصوليّ نجاحا جديدا في وجه الاجتهاد في النص الديني ونزع التفسيرات البعيدة عن المنطق والعقل، بل في إبقاء الجمهور أسير الخرافات والأساطير في قراءة هذا النص. رغم نشر الرسالة عام 1951، إلا أنّ سياسة التعتيم عليها ومنع انتشارها ظلّت سائدة طيلة حياة كاتبها. اليوم وفي ظل الصراع المفتوح من أجل “تشذيب” ما ألصق من قراءات ظاهرية وأسطورية بالنص الديني الأوّل لدى المسلمين أي القرآن، خصوصا في ما يتعلّق بالقصص التي وردت فيه ودلالاتها وكيفية فهمها، يكتسب كتاب محمد أحمد خلف الله أهمية كبيرة لكونه يقع في القلب من هذه المعركة، ويضيء الكثير من الجوانب العقلانية في فهم النص الديني وتخليصه من الأبعاد غير الدينية التي لا تزال مؤسسة الفقهاء ورجال الدين تصر عليها، والتي يستند إليها الإسلاميون الأصوليون في قراءة للقرآن تتوافق وأهدافهم السياسية وليس بما أتى به النص من قيم روحية وإنسانية وأخلاقية.
{{السياق السياسي والفكري لصدور رسالة خلف الله}}
تعتبر المعركة التي فتحت ضدّ كتاب “الفن القصصيّ في القرآن الكريم” اِمتدادا للصراع الفكري الثقافي التي كانت تشهده مصر منذ عشرينات القرن الماضي بين تيارات ليبرالية تسعى إلى إقرار إصلاحات سياسية وعلمية على مستوى الدولة والمؤسسات الرئيسية ومنها نظام التعليم الذي كان الأزهر يهيمن عليه. في هذا السياق تندرج أطروحات محمد عبده والافغاني وغيرهم من رواد النهضة الأوائل، والتي اِستكملها في ما بعد علي عبد الرازق وطه حسين وسلامة موسى وغيرهم من الذين تشبعوا من الفكر الليبرالي وسعوا إلى أن يكون له موقع في الحياتين السياسية والثقافية في مصر. في السياق نفسه يندرج أيضا سعي المؤسسة السياسية التي يرمز إليها بالبلاط الملكي المتحالف مع الإستعمارالبريطاني لمصر، والمتوافق مع توجّهات المؤسسة الدينية في هيمنة القوى المحافظة في السياسة والفكر بما يسمح للملك بفرض سيطرته الكاملة خصوصا أن الصراع الحزبي على السلطة وفي وجه البريطانيين اختلطت فيه تيارات سياسية ليبرالية كانت ترغب حقا في إصلاحات جذرية في السياسة المصرية.
رغم أنّ خلف الله كان يسدي خدمة جليلة للنص الديني وللرسول عبر تبنيه الأساس الأدبيّ واللغويّ والبلاغيّ في قراءة القرآن، إلا أن الرفض والهجوم على طروحاته أظهرت مرة ثانية ضعف قوى التغيير والتجديد القادرة على الذهاب بفكرها أبعد من الطرح النظري، بل تكريسه تشريعات وقوانين بما يعدل من الوجهة السائدة، وأظهر مدى قدرة القوى الظلامية على إجهاض أي قراءة للنص الديني تحمل اجتهادا لصالح النص نفسه، لكنه يقع خارج تصورات هذه القوى ومفهومها للدين ونصوصه. لقد كتب الشيخ أمين الخولي في تقديمه للطبعة الثالثة من الكتاب :”أستطيع أن أقول إنّ رسالة الفن القصصي قد أدت تلك الضريبة في سنتي 1946-1948 وتقاضتها منها عامية فاسدة الفطرة في ظن من ظنّ لهم خطأ وخداعا أنهم أصحاب وعي. واليوم صارت الرسالة وفكرتها كسبا غنيا ووجها من الإعجاز القرآني عند أصحاب الدين والأدب”(من تقديم خليل عبد الكريم للكتاب ص7). بذلك اِنهزم مشروع خلف الله، مؤقتا، في تقديم أفكار وطروحات تغني القرآن وتنزع عنه قراءات تشوه الكثير من المعاني والأهداف التي أتى بها. فما هي طروحات خلف الله في قراءة القرآن؟
{{في قراءة القرآن}}
اِنطلق خلف الله في مشروعه القائم على دراسة القصة في القرآن من تعيين توجّه مركزيّ يهدف إلى قراءة غير تقليدية للقصة وتقديم تفسير للمعاني التي تبغي إيصالها والكشف عن القيم والمعاني الدينية والتاريخية والإجتماعية والنفسية لهذا الكمّ الكبير من القصص التي لم تخل سورة من سور القرآن تقريبا إلا وأتت على التمثل بها. اِنطلق خلف الله من القرآن نفسه الذي صرح في أكثر من مكان على أنّ “أخبار المرسلين أو أقاصيصهم لم ترد في القرآن إلا على أساس أنها من الأمثال:”واضرب لهم مثلا أصحاب القرية اذ جاءها المرسلون”(يس:13)،”ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط”(التحريم:10)”(ص23). وللتأكيد على صحة توجّهه في هذا المجال اِستشهد خلف الله بما أشار إليه الرازي في تفسيره للآيتين:”إن هذا لهو القصص الحق (آل عمران:62)، وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك وجاءك في هذه الحق وموعظة وذكرى للمؤمنين( هود:20)”. حيث يقول الرازي تعليقا على الآيتين :”والقصص هو مجموع الكلام المشتمل على ما يهدي إلى الدين ويرشد إلى الحق وأمر بطلب النجاة..أما الحق فهو إشارة الى البراهين الدالة على العدل والنبوة”(ص24). كما يستشهد خلف الله بقول للإمام محمد عبده إطمئنانا منه على صحة الوجهة التي يسير فيها، يقول عبده:”بينا غير مرة أن القصص جاءت في القرآن لأجل الموعظة والإعتبار لا لبيان التاريخ ولا لحمل على الإعتقاد بجزئيات الأخبار عند الغابرين، وأنه ليحكى من عقائدهم الحق والباطل ومن تقاليدهم الصادق والكاذب ومن عاداتهم النافع والضار، لأجل الموعظة والإعتبار. فحكاية القرآن لا تعدو موضع العبرة ولا تتجاوز مواطن الهداية ولا بد أن يأتي في العبارة أو السياق وأسلوب النظم ما يدل على إستحسان الحسن وإستهجان القبيح”(ص28).
يبين خلف الله في مطلع دراسته الأسباب التي دفعته الى اِختيار المنهج الأدبي في تفسير القرآن فيقول:”اِستقر في نفسي أن تلك الآراء التي يثبتها المفسرون على أنها متعارضة وتلك المذاهب العديدة التي توزعتها الفرق الدينية المختلفة لعلها قامت على غير أساس. قامت لأن قصد القرآن من اِستعمال الألفاظ لم يفهم تماما. وقامت لأنه اِستقر في ذهن المؤمنين بها أن المطلوب من وراء الألفاظ ليس شيئا غير المعاني.
وقامت لأنّ هذه الفرق قد حدّدت المعنى حيث استقر في ذهن أصحابها من وراثة أو تلقين. وعلى الجملة قامت لأنّ هذه الجماعات كانت تفرض آراءها ومعتقداتها على القرآن، ولم تفهم القرآن فهما سديدا قائما على أسس سليمة من الدرس والفهم والتي من أولها ألا نفرض ثقافتنا وعلمنا وفلسفتنا على النصوص التي أمامنا وإنما نحاول جاهدين الوقوف على ما في هذه النصوص من قيم ومن آراء ومعتقدات ومن أفكار علمية واِجتماعية يدل عليها النص نفسه ويوحي بها ويشير اليها حتى ولو لم تتفق هذه الأفكار وما ندين به” (ص32).
ويمضي خلف الله في تفسير العوامل الدافعة لإختياره القصص القرآني اعتبارا من أن القصص شكلت أهم العوامل النفسية التي لجأ اليها القرآن في تقديم الدعوة سواء من خلال الحوار أو الجدل والإنذار. وقد لفت انتباه خلف الله وجود منهج منحرف في دراسة القصص القرآني بحيث يجري التعاطي معها بوصفها وثائق تاريخية، كما لاحظ “أن الوحدة القصصية في القرآن لا تدور بحال من الأحوال حول شخصيات الرسل والأنبياء وإنما تقوم قبل كل شيء على الموضوعات الدينية والأغراض القصصية من اجتماعية وخلقية…وإن القرآن لم يقصد إلى التاريخ من حيث هو تاريخ إلا في النادر الذي لا حكم له وأنه على العكس من ذلك عمد إلى إبهام مقومات التاريخ من زمان ومكان، ومن هنا تبينت أن القوم قد عكسوا القضية حين شغلوا أنفسهم بالبحث عن مقومات التاريخ وهي غير مقصودة وأهملوا المقاصد الحقيقية للقصص القرآني. ولو أنهم شغلوا أنفسهم بتلك المقاصد الحقة لأراحوا أنفسهم من عناء كبير ولأبرزوا الجوانب الدينية والإجتماعية من القصص القرآني إبرازا ملموسا يثير المشاعر والعواطف ويؤثر في العقول والقلوب، وعند ذلك يمكّّنون للدين وقضاياه ويسيرون وهدى القرآن الكريم”(ص36-37).
رغم هذا التشديد على الوجهة غير التاريخية للقصص القرآني، نرى خلف الله لا ينكر أن بعض القصص تحوي ما يفيد بانتمائها الى التاريخ، فيعيد ذلك إلى ما كان سائدا خلال عصر البعثة المحمدية حيث كان اليهود، وفي تشكيكهم بنبوة محمد، يصرون أن “لهم الحق في معرفة الصادق والكاذب ممن يدعون النبوة ويذكرون للناس أن الوحي ينزل عليهم من السماء .. وأن التفرقة بين النبي والمتنبي أن النبي يعلم الغيب وأن من علوم الغيب معرفة أخبار السابقين من الرسل والأنبياء ومن خفيت على الناس أمورهم” (ص51).
لذا نجد أن القرآن أورد في سور الأقاصيص ما يفيد بأن الأخبار الواردة فيها هي من أنباء الغيب وقد أوحيت إلى النبي. قال في سورة مريم :”ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم اذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم وما كنت لديهم اذ يختصمون” (آل عمران:44)، كما جاء في سورة القصص :”وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر وما كنت من الشاهدين. ولكنا أنشأنا قرونا فتطاول عليهم العمروما كنت ثاويا في أهل مدين تتلو عليهم آياتنا ولكنا كنا مرسلين. وما كنت بجانب الطور إذ نادينا ولكن رحمة من ربك لتنذر قوما ما آتاهم من نذير من قبلك لعلهم يتذكرون” (القصص:44-46). كما يقول في ختام قصة نوح :”وتلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا فاصبر إن العاقبة للمتقين” (يوسف:111).
{{ألقيم الإجتماعية والنفسية والدينية في القصص القرآني}}
بعد أن فنّد القرآن اِدّعاءات اليهود في شأن نبوة محمد وربطها بالغيبيات ومدى إلمامه بها، أشار إلى أن هذه المعجزات كانت سبيلا إلى الإكراه والإلزام، في المقابل ربط القرآن مسألتي الإيمان والكفر بنواميس ثابتة نفسية واجتماعية. بالنسبة إلى النواميس الاجتماعية، يشير القرآن إلى العوامل المؤثّرة في رقيّ الأمم وحياة الشعوب بحيث جعلها من الثوابت في كلّ العصور، فيشير في سورة البيّنة بالقول :”لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكّين حتى تأتيهم البيّنة. رسول من الله يتلو صحفا مطهرة . فيها كتب قيمة. وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلاّ بعد ما جاءتهم البيّنة” (البيّنة:1-4) (ص96). أراد القرآن من خلال هذه الآيات تبرير وجود الأنبياء بالنظر إلى حاجات الأمم والجماعات إليهم وإلى الأبطال يقودونهم وينيرون لهم السبيل. كما تشير إلى كون هؤلاء القادة، مهما كانت تسميتهم، يظلون مثار فرقة وانشقاق بالنظر إلى خلافات البشر واستعداداتهم للقبول أو الرفض للمبادئ بين مؤمنين وكافرين استنادا إلى ما يحيط بهم وما يواجههم من عواطف وانفعالات كما تشير هذه الآية :”وإن كادوا ليستفزونك من الأرض ليخرجوك منها وإذا لا يلبثون خلافك إلا قليلا. سنّة من قد أرسلنا من قبلك من رسلنا ولا تجد لسنتنا تحويلا”(الإسراء:76-77).
ويشير القرآن إلى ما يعرف من النواميس النفسية المتصلة بالعواطف والإنفعالات المواكبة للسيطرة، وللمبادئ التي تزعزعها الأحداث الجسيمة “وذلك من أمثال العجب الشديد والحرص على المعتقد القديم الباديين في قوله تعالى:”وعجبوا أن جاءهم منذر منهم وقال الكافرون هذا ساحر كذاب. أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب. وانطلق الملأ منهم أن أمشوا واصبروا على آلهتكم إن هذا لشيء يراد(سورة ص:4-6) (ص:97). ومن الدواعي النفسية مسألة الخوف على المعتقد ودعوة الله إلى التخلص من المعارضين “وقال نوح رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا. إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلاّ فاجرا كفارا”(نوح:26-27).
مهما قيل في تعرض القرآن إلى القضايا التاريخية أو إلى المسائل الإجتماعية، فإن الأساس في ما أتى به القرآن وركزت عليه القصص إنما يتصل بالقيم الدينية والاخلاقية، التي هي جوهر الدعوة الدينية. فالتدين في القرآن إنما هو غريزة في الإنسان، وهي من القضايا التي يتصف بها الناس جميعا ألمتحضر منهم أو من أهل البادية، فالتديّن “فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون”(الروم:30).
في هذاالمجال يركز القرآن على مسألة التوحيد وعبادة الإله الواحد، وهو أمر دفعه لشن أعنف الحملات على عبادة الأصنام بوصفها العائق الأساسي في وجه الدعوة النبوية، يشير في هذا الصدد إلى تنوع عبادة الأصنام بين قوم وقوم فيقول:”قالوا أجئتنا لنعبد الله وحده ونذر ما كان يعبد اباؤنا فاتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين. قال قد وقع عليكم من ربكم رجس وغضب أتجادلونني في أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان”(الأعراف:70-71)، وقال في سورة العنكبوت :”إنما تعبدون من دون الله أوثانا وتخلقون إفكا”(العنكبوت:17). كان القرآن يهدف من هذه الآيات إلى تبيان أن هذه الآلهة من الأصنام لا تفيد الإنسان، وأن عبادة الله الواحد هي سبيل خلاصه الوحيد “أعبدوا الله ما لكم من إله غيره”(الأعراف:85).
في تطرقه إلى الجوانب الأخلاقية، يعتمد القرآن طرقا متعددة في تصوير الأشياء الخلقية، “فهو مرة يعمد إلى النهي الصريح وذلك في حالات منها أن يكون المنهي عنه من الأمور العادية التي تركزت في البيئة فأصبحت من العادات الإجتماعية المرذولة..ومنها تلك الأمور التي يقوم بها الناس ترضية لعاطفة أو استجابة لرغبة” (ص142)، ويذكر من ذلك على سبيل المثال “وإلى مدين أخاهم شعيبا قال يا قوم أعبدوا الله ما لكم من إله غيره قد جاءتكم بيّنة من ربكم فأوفوا الكيل والميزان ولا تبخسوا الناس اشياءهم ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها ذلكم خير لكم إن كنتم مؤمنين. ولا تقعدوا بكل صراط توعدون وتصدون عن سبيل الله من آمن به تبغونها عوجا واذكروا إذ كنتم قليلا فكثركم وانظروا كيف كان عاقبة المفسدين” (الأعراف:85-86).
{{في قلب الإصلاح الديني}}
يطرح كتاب خلف الله جملة مسائل يمكن إدراجها في سياق الاصلاح الديني في الإسلام، وإذا كان الكتاب لا يصنف نفسه في هذا الميدان، إلاّ أن ما أثاره من قضايا يصب خارج التقليد الديني السائد في قراءة الدين الإسلامي، بل ليس مبالغة القول أن خلف الله أتى بجديد في كتابه يسمح بتصنيفه ضمن الكتب التجديدية في الإسلام. أول القضايا التي يتناولها الكتاب تركز على الجوهري في الإسلام بما هو دين عبادة وتقوى وهداية للبشر وليس كتاب سياسة أو تاريخ أو أي نوع آخر من أصناف العلوم.
في هذا المجال تقع قراءته للقصص القرآني بوصفها أدلة وشواهد تطبيقية على الدعوة المحمدية لثني أبناء الجزيرة العربية عن عبادة الأوثان والتوجه إلى الله الواحد الأحد. كما أشار خلف الله أن القصص الواردة هي رموز يقدم الرسول من خلالها أمثولات لقومه بما يساعدهم على عبادة الله والإفادة من الدروس التي تقدمها هذه القصص. في هذا المجال يبدو تجديد خلف الله في نزع السياق الأسطوري والخرافي الذي يتبعه رجال الدين وبعض الفقهاء عبر قراءتهم الحرفية لهذه القصص وإيهام الناس بحقيقة ما ورد فيها، من مثال الجن والشياطين التي يسعى هؤلاء إلى تجسيدها لدى الناس، وهو أمر يدل عليه ما تبثه هذه الأيام المحطات الفضائية في مقابلاتها مع رجال دين، وذلك عندما يسألون عن حقيقة الجن فيجيبون إنها موجودة في مكان ما طالما أن القرآن قد أتى على ذكرها. تصب قراءة خلف الله لدلالات القصص في مجرى تخليص النص الديني من هذه الاساطير واعتماد شيء من العقلانية من خلال إعادتها إلى ميدانها الأدبي وتعيين ما ترمز إليه.
في سياق آخر، يقدم الكتاب قراءة للنص الديني تميز فيه بين ما يتصل بالعلاقة مع الله من تعبد وقيم أخلاقية وإنسانية، وهي قيم تتجاوز المكان والزمان، وبين الإشارة إلى كون القرآن يعكس في جانب منه واقع المجتمع الذي نشأ في بيئته وعبر عن عاداته وتقاليده، فاستعاد قسما غير قليل من تشريعات ذلك المجتمع وأدمجها في أركان الدين الجديد، وهو أمر يطل خلف الله من خلاله على استخدام المنهج التاريخي في قراءة النص الديني بما هو نص له زمان ومكان محددان ويعكس حياة البيئة التي صدر عنها. وهو بذلك يميز أيضا بين ما هو صالح لكل زمان ومكان أي ما يتصل بالقيم الروحية والإنسانية والأخلاقية، وبين ما يتصل بزمن محدد لا يعود صالحا للاستخدام عند تغير هذا الزمن.
النقطة الثانية تتصل بقضية شغلت المسلمين منذ العهود الأولى للدعوة وتتصل بمسألة خلق القرآن، هل هو من “تأليف” الرسول أوحي به إليه لكنه في النهاية كلام بشري يتصل بزمان ومكان محددين، أم هو كلام الله في لوح محفوظ أنزل على الرسول وهو صالح لكل زمان ومكان ولا اجتهاد في نصوصه؟ صحيح أن خلف الله يتجنب الإشارة إلى خلق القرآن مباشرة، لكن سياق طروحاته بما فيها منهجه في القراءة يشير إلى اعتماده العقل في قراءة النص، وهو ما يوصله إلى القول عملياً بخلق القرآن. ففي حديثه عن مصادر القصص القرآني يقول :”ونحن إنما نبحث عن مصادر العناصر القصصية وهي عناصر من الوقائع البشرية التي يمكن معرفتها والوقوف عليها من غير طريق الرسل والانبياء. وإن علينا أن نضع بين يدي الرجعيين والجامدين ومن على شاكلتهم هذه الآية الكريمة التي تشير صراحة الى أن القرآن الكريم كان يردّ بعض تشبيهاته وأمثاله إلى مصادرها الأولى أو إلى التوراة والانجيل:”محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الانجيل كزرع اخرج شطأه فآزره فاستغلط فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار” (الفتح:29). وإن علينا أن ننشد الحقيقة الدينية وأن نضع بين أيدي الناس نظرية سليمة تقوم أول ماتقوم على ملاحظة الظواهر المختلفة الموجودة في القصص القرآني وتفسيرها تفسيرا صحيحا” (ص252). وفي إشارته الى طبيعة إختيار القصص، يشير خلف الله إلى أن القرآن “اختار من هذه الأخبار ما يتفق والدعوة الإسلامية وموقف النبي من قومه ومن هنا لم يكن ذلك التفصيل الموجود في التوراة.
ثم إن القرآن الكريم لم يعمد إلى الزمن فيجعله العامل الأساسي في ترتيب هذه القصص كما عمدت التوراة. إن كل ذلك إنما يدل على الفارق الأكبر بين قصص القرآن وبين قصص التوراة وهو أنها قصدت إلى التاريخ أما هو فلم يقصد إلاّ إلى العظة والعبرة وإلى البشارة والإنذار وإلى الهداية والإرشاد وإلى شرح مبادئ الدعوة الإسلامية والرد على المعارضة وإلى تثبيت قلب النبي عليه السلام ومن اتبعه وزلزلة نفوس المشركين والكفرة وإلى غير ذلك من مقاصد وأغراض ليس منها التاريخ على كل حال” (ص253-254).
القضية الثالثة التي يثيرها كتاب خلف الله تتصل بالعلاقة المتواصلة بين الأديان التوحيدية الثلاثة وكون كل واحد أتى ليكمل ما كان بدأه الآخر. تندرج هذه النقطة في سياق رفض الاصطفائية التي يقول بها كل دين بأنه الدين الحق وأنه خاتم الأديان ورسوله هوالرسول المصطفى، مما يوصل إلى رفضها لبعضها والاحتراب بين أبنائها على احتكار الحقيقة. فقد ورد في القرآن :”شرع لكم من الدين ما وصّى به نوحا والذي أوحينا إليك به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما تدعوهم إليه الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب” (الشورى:13). فخلافا لما يذهب إليه بعض الاسلاميين والفقهاء بأن الدين الإسلامي أتى يقطع مع كل ما سبقه و”إن الدين عند الله الإسلام”، يؤكد خلف الله في كتابه على أن الإسلام امتداد للأديان الأخرى يتميز عنها بقضايا تتصل بواقع البيئة التي نشأ فيها والزمان الذي أتى خلاله، فيما لا يتميز عن سائرالأديان من المسيحية واليهودية في الدعوة إلى عبادة الله الواحد الأحد والإيمان باليوم الآخر، إضافة إلى القيم الأخلاقية والروحية والإنسانية التي تشترك الأديان في الدعوة إليها. يشير خلف الله إلى “تلك الصلة التي تكون دائما بين الجديد والقديم من الأديان اذ تجعل الجديد غير غريب على البيئة وأهلها، وهذا هو المعنى الذي اكده القرآن حين شرع لمحمد ما وصى به نوحا “وشرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما تدعوهم إليه” (الشورى:13) (ص119)
القضية الرابعة والأخيرة تتصل بما يثار دائما حول الإعجاز في القرآن حيث يرى بعض الفقهاء أن القرآن حوى كلّ العلوم ودلّ على النظريات العلمية الحديثة مما جعله كتابا شاملا كل شيء. ليس هناك أكثر إساءة للقرآن من تحميله مثل هذه النظريات، وهي أمور تدل على جهل من القائلين بها عما قصده القرآن في قصصه وأمثولاته التي ضربها على سبيل هداية البشر. لو كان القرآن يحوي كما يحلو للذين ينسبون اليه “إعجازا علميا”، يصير السؤال مشروعا عن الأسباب التي منعت العرب والمسلمين التوصل إلى الاختراعات والاكتشافات العلمية والتكنولوجية وسائر النظريات الاقتصادية وغيرها، بدل أن يدّعوا تنسيبها إليهم بعدما توصل إليها الغرب ووضعها موضع التطبيق وأفادت منها البشرية جميعها ومنهم العرب والمسلمون إلى هذا الحد أو ذاك.
لا يجاري خلف الله القائلين بمسألة الاعجاز متعدد الميادين في القرآن، فالكتاب في نظره يحمل إعجازا محددا يتصل بكيفية تقديمه للقصص الواردة فيه “اذ هو يبين مذهب القرآن الكريم في بناء القصة وألوانها: تاريخية وتمثيلية وأسطورية، ويوضح كيف فهم القدماء كل لون وكيف فسروه وإلى أين انتهى بهم الفهم والتفسير.. وفي توزيع العناصر القصصية، وعن مذهب القرآن في رسم الأشخاص والأحداث وإدارة الحوار، وكيف جعل عنصرا واحدا من الأحداث والأشخاص محورا دارت حوله أكثر القصص..” (ص495). هكذا يشدد خلف الله على أن الإعجاز الحقيقي للقرآن هو في ما تضمنه من هداية وقيم وأخلاق ومثل، وليس بما حواه من نظريات هندسية وطبية..على ما يدعي إسلاميو هذا العصر الذين أغرقوا المكتبات بعناوين لا علاقة لها بالإسلام ومبادئه الدينية، على غرار الطب الإسلامي، الأقتصاد الإسلامي، الإسلام وعلوم الذرة، علم البيئة الإسلامي..وغيرها من العناوين التي جرى إقحام الإسلام بها من دون وجه حق.
{{المؤسسة الدينية في مواجهة التحديث}}
بعد محنتي علي عبد الرازق وطه حسين التي تسببت بهما المؤسسة الدينية الرسمية في عامي 1925 و1926، عاد الأزهر ليتصدى لمحاولة جديدة في قراءة النص الديني إنطلاقا من القصص القرآني وكيفية قراءته وتعيين مقاصده الحقيقية. لم يشفع لخلف الله تأكيد التزامه الدين الإسلامي وسعيه الحثيث في التصدي للمستشرقين الذي حاولوا التشكيك بالقرآن وتقديم قراءات تتنافى مع طبيعته الألوهية، فصنف كتاب خلف الله في الكتب “المارقة” والأقرب الى الهرطقة والزندقة، وشن الأزهر حملة على الكاتب والمشرف على الرسالة.
مرة أخرى يمارس الأزهر دورا سبق لأوروبا أن عايشته زمن محاكم التفتيش وأخضعت بموجبه الفكر والمفكرين والعلماء إلى منظومة مفاهيمها وإضطهاد كل جديد يخالف ما تقول به الكنيسة ، بما فيها ما يكون قد توصل العلم إلى إثباته من نظريات تخالف النصوص الحرفية الواردة في الإنجيل والتوراة. واستطاع الأزهر أن يهيّج الجمهور الشعبي الذي صدم بالتأكيد من خطاب غير مألوف لديه، خصوصا أن هذا الجمهور كان تربى على اعتبار ما ورد من حكايات وأساطير في القرآن بوصفها حقائق ثابتة، فأفاد الأزهر من المناخ الشعبي ليجيّش الناس ضد الكاتب. وهو تاريخ لا يشرّف المؤسسة الدينية التي بدت حامية للجهل والتخلف بدل أن تكون منارة للعلم والتقدم والاجتهاد في قراءة النص الديني بما يتوافق ومواكبة الإسلام للعصر.
ومرة أخرى يتجدد ذلك الحلف غير المقدس بين السلطتين الدينية والسياسية في محاربة رجال الفكر بل وتقديمهم إلى المحاكمة وإبطال كتاباتهم قسرا، وهو تحالف احتاجته كل سلطة خلال التاريخ العربي والإسلامي، لما يضمنه من مصالح مشتركة للطرفين.
{{خاتمة:}}
رغم ما واجهه محمد أحمد خلف الله من ظلم واضطهاد معنوي لدى نشر رسالته، إلاّ أن ما كتبه وما تطرق إليه من جديد في قراءة النص الديني يظل نقطة مضيئة في المعركة المفتوحة حول الإصلاح الديني والمداخل المتعددة التي يطالها. لم يعد بإمكان أي دارس موضوعي للقرآن وخصوصا في الجانب الروائي الذي يتركز في القصص، أن يتجاهل ما قدمه خلف الله في هذا المجال من معطيات وآراء باتت مرجعا لأي دارس. كما يظل الكتاب واحدا من امهات الكتب ذات التأثير المستقبلي في مشروع النهضة المرتجى والذي يشكل فهم الإسلام وتحديث طروحاته واحدا من عناصر هذه النهضة. يحتاج الكتاب إلى قوى اجتماعية تحمله وغيره من الأفكار ذات المضمون المتقدم علميا وفكريا لتتحول هذه الأفكار إلى قوة مادية يمكن عبرها تحقيق الإصلاح المنشود في مجتمعاتنا العربية والإسلامية.