محمد عابد الجابري والفكر النّقديّ (1)



أمر واحد ربّما كان المرحوم محمد عابد الجابري يأسف عليه وهو يرحل عنّا، هو أنّه لم يستطع أن يكمل مشروعه. مشروعه هذا لم يكن من السهل، ولا من الممكن، إكماله. لأنّه لم يكن مشروع فرد بعينه، بل كان مشروع جيلين، مشروعـ"نا". ذلك أنّ السي محمّد لم يكن ليميّز خلال حياته الفكرية، بين ما يخصّه وما يخصّـ"نا". هذا هو الانطباع الذي كان يتركه لديّ كلّما سنحت لي فرص اللقاء به. كان يشعرني دوما أنّه يحمل على كتفيه أثقالا أكبر من أن يتحمّلها فرد بعينه. لعلّ ذلك ما كان يدفعه نحو العمل، لا أقول المتواصل، وإنّما اللامحدود. لا يمكنك أن تصادف السي محمّد إلا منشغلا مشتغلا، وسرعان ما تجد نفسك متورّطا في العمل معه وإلى جانبه.

 

عرفت السي محمّد أستاذا منذ أواسط الستينات. الميزة الكبرى التي كانت تميّزه هو أنّه لم يكن ليشعرك على الإطلاق أنّ لديه علما يريد أن ينقله اليك، وإنّما أنّه على استعداد دائم لأن يتعلّم معك. كان يشعرنا أنّ الأرض ما زالت خلاء، وأنّ علينا أن نؤسّس الأمور من جذورها. بهذا المعنى يمكن أن نقول إنّ الفلسفة وتدريسها وتعريبها في المغرب أمور قامت على أكتافه. كان يعلم أنّ الأمور لن تكون أوّل الأمر على ما يرام. لكنّه كان يدرك أتمّ الادراك أنّ التأسيس لا يمكن الا أن يتّصف بالنقص وعدم الاكتمال، وأنّ طريق التأسيس شاقّة وعسيرة. لذا كنت تجده ينقضّ على الفرص كلّما سنحت ليستثمرها من أجل ذلك التأسيس. في هذا الاطارعمل كلّ جهده لأن ينتزع تدريس الفلسفة من الأساتذة والمفتشين الفرنسيين، فقام بتهيىء أولى الكتب المدرسية لتدريسها.

 

هذا الأسلوب نفسه هو ما اتبعه في تدريسه الجامعي وإشرافه على الرسائل والأبحاث. لم ينفكّ الأستاذ الجابري يشعرنا خلال حياتنا الطلابية أنّنا بصدد تأسيس جامعة مغربية، وأنّ الطريق ليست يسيرة، وأن علينا أن نحمل الجامعة، وشعبة الفلسفة بصفة خاصة، على أكتافنا. لذا وجدته متطوّعا لتدريس مواد متنوّعة ربّما لا رابطة تربط بينها، اللهم الروح النضالية لذلك الأستاذ الذي يعرف أنّ عليه أن يتعلّم وهو يعلم، وأنّ مفاهيم التخصص والتبحر آتية فيما بعد. وأنّ الوقت هو وقت زرع البذور. الا أنّ زرع البذور لا يمكن البتّة أن يتمّ من غير جذور ووعي تاريخيّ. لذا وجب  علينا أن ننفتح على التراث، على تراثين: التراث العربي الاسلامي وكذا على التراث الانساني، الا أنّ كلّ تملّك لما يسمّى تراثا انسانيا لا بدّ أن يتمّ عبر خصوصية هي خصوصيتـ"نا".