مدخل سياسي إلى العلمانية(2): العرف والشريعة والقانون

ليس ثمة فرد إنساني خارج الجماعة، خارج الاجتماع البشري، ثم خارج المجتمع المدني والدولة. كل فرد إنساني هو فرد / جماعة، أو فرد اجتماعي، ثم سياسي وأخلاقي. وكل جماعة تنظم حياتها الداخلية وعلاقاتها الخارجة على نحو يحافظ على حياة أعضائها ويوفر شروط مناسبة لحفظ النوع؛ أي على نحو يلبي دافع الجوع ودافع الجنس، بحسب فرويد.

على هذا الأساس الأنتروبولوجي تنشأ الحياة الاجتماعية بوجهيها المادي والروحي. أعني بالوجه الروحي العلاقات التي تربط أفراد الجماعة بعضهم ببعض ومحتوى تلك العلاقات، أي الأشكال الاجتماعية والثقافية والسياسية والأخلاقية التي يتشكل وفقها الوجود الاجتماعي المباشر. مبدأ تنظيم حياة الجماعة الطبيعية هو العرف الوضعي ومبدأ تنظيم المجتمعات البطريركية هو الشرع الإلهي؛ ومبدأ تنظيم المجتمعات الحديثة هو القانون الوضعي. ويبدو لي أن هذا مطرِّد في تاريخ سائر الجماعات والمجتمعات، التي كانت تنتقل من الروابط الطبيعية إلى الروابط الدينية ثم إلى الروابط المدنية.

الشرائع الدينية، بلا استثناء، ولا سيما الشرائع التي جاءت بها الأديان التوحيدية، تعبير عن تآكل الأعراف والعادات والتقاليد الوضعية وتفسخها، لعدم قدرتها على مواكبة تطوّر الجماعات المعنية. وقد كان من المستحيل أن تعاود الأولى نهوضها من جديد إلا من خلال القوانين الوضعية الحديثة، فإن توسط الشرائع الدينية بين الأعراف الوضعية القديمة والقوانين الوضعية الحديثة يجعل من الأخيرة أعرافاً مدنية سامية، ذات جذر أخلاقي، تستمد طابعها المجرد والمطلق من الفكر، وتستمد سموها من سمو الله. إعادة إنتاج الأعراف والعادات والتقاليد شرائعَ دينية يختلط فيها الواقعي والأسطوري والمادي والميتافيزيقي ليس سوى تركيب جديد من أعراف وعادات وتقاليد عشائر مختلفة، أو جماعات مختلفة، مرفوع إلى درجة القداسة، وممهور بخاتم إلهي. ذلك لأن أي فرد حرّ لا يطيق أن يكون تابعاً لفرد حرّ مثله، وأيّ جماعة ذات كيان لا تقبل أن تكون تابعة لجماعة مثلها تفرض عليها اتباع أعرافها وتقاليدها، ولا سيما أن لكل عشيرة أو لكلّ جماعة معتقدها الدينيّ، لا تتخلى عنه بسهولة، إلا في حال التحالف مع جماعة أخرى، أو في حال استتباعها قسراً، وفق قاعدة الاقتداء بالغالب.

لعلّه كان من الضروري أن تدخل الأعراف والعادات والتقاليد في مصهر الدين التوحيدي، لكي ينفصل ما في كل منها من عناصر عقلية وأخلاقية عامة هي لحمة الدين التوحيدي وسداه. هذه العناصر العقلية والأخلاقية العامة المشتركة بين جماعات مختلفة لا يمكن وعيها وتعرفها، في صيغتها هذه، إلا بوصفها ذات طابع مقدس، لأن الوعي لا يزال في طفولته، ولم يخرج بعد من قوقعته الفردية، الأنانية، ولأن الأقوى لا يزال قادراً على تحويل قوته إلى حق. فإنّ تعارض تعاليم الدين التوحيدي مع أعراف كل جماعة على حدة هو مهماز تطور هذه الجماعات. ولكن الدين التوحيدي لا يلبث أن يصير غطاء للعسف والظلم والاستبداد وتسويغاً للتفاوت الاجتماعي، ما يحفز المصلحين والمفكرين والفلاسفة وفقهاء القانون على تجريد تلك العناصر العقلية والأخلاقية من القداسة الدينية، لتصير قوانين فوق الجميع وملزمة للجميع، حاكمين ومحكومين (القانون فوق أثينا، فوق المدينة، أثينا، وفوق الإلهة أثينا، حامية المدينة) ولتصير ضامنة للحقوق، التي لن تقوم بعد ذلك على مبدأ “حق الأقوى” بل على مبدأ الاعتراف المتبادل، الذي يمهد لنشوء العقد الاجتماعي، ولكي يجدَّ أصحابها في طلبها، فيصير التفاوت الاجتماعي هذه المرة هو مهماز التقدم، فإنّه من التعسّف ربط ما يسمى الصراع الطبقي، الذي ابتلع الديالكتيك، بظهور الملكية الخاصة.

إن خطّ التطور، الذي نقترحه ذو إيقاع ثلاثي: وضعي – ديني – وضعي. الوضعي الأخير، أعني القانون، هو مركب جدلي من الحدّين الأولين يجمع ما هو جوهري في كل منهما: العناصر العقلية (العلمانية) في الأوّل والعناصر الأخلاقية (الإنسانيّة) في الثاني. لهذا السبب يوصف القانون بأنه روح الشعب وماهية الدولة، لأنه تعبير عما هو عام ومشترك بين جميع أفراد الشعب، أعضاء الدولة، ولذلك ترتبط العلمانية بالعقلانية والإنسانية ارتباطاً وثيقاً لا تنفك معه إحداهما عن الأخريَيْن، وترتبط بالديمقراطية، لأنها الصفة الجوهرية للقانون.

الطابع الأخلاقي الأصيل لسلوك الأفراد، في أي مجتمع، لا يتأتى إلا من المشاركة في الشؤون العامة وفي حياة الدولة، ومن التزام القانون واحترامه، ومن التزام القانون الأخلاقي، غير المكتوب، الذي تقوم عليه العلاقات الاجتماعية. ونعني بالطابع الأخلاقي الأصيل للسلوك الاجتماعي، السلوك المؤسّس على الحرية والمعبّر عن الروح الإنساني، لا السلوك المؤسس على الخوف والرهبة والمسكنة والنفاق، ولا على ” قوة الأسد ومكر الثعلب “.

البنى المجتمعية المتيبسة: العشائرية والقبلية والدينية / المذهبية لا تزال تتجاور لديها الأعراف التقليدية والشرائع الدينية، من دون أن تتأثر إحداهما بالأخرى تأثراً جذرياً، إن لم نقل إن الأولى استمدت من الثانية طابع القداسة والإطلاق. ويمكن أن نستنتج من ذلك أن مبادئ الدين الإنسانية وقيمه الأخلاقية أقل رسوخاً في حياة المجتمعات البطريركية المتأخّرة من الأعراف والعادات والتقاليد، سواء في البوادي والأرياف، أو في المدن المريَّفة. والتطرف المذهبي الذي تشيعه جماعات الإسلام السياسي، اليوم، يؤكد هذه الواقعة، ولا ينفيها، ولا سيما أن التطرف قرين الجهل، فالجهل بما هو الدين، وعدم تمثل قيمه ومبادئه الأخلاقية، الإنسانية، الكونية بالضرورة، هو أساس التطرف وأساس الأيديولوجيات المذهبية المغلقة، وأساس تحول الدين إلى مجرد شعائر وشكليات ومظاهر، وأساس ارتباطه بالاستبداد السياسي (كثرة المدارس الشرعية ومدارس تحفيظ القرآن وكثرة كليات الشريعة وكثرة “الفقهاء لا تنفي واقعة الجهل، بل تؤكدها).

فبدلاً من أن يكون الإسلام، عندنا، حداً أخلاقياً يتوسط الأعراف القديمة والقوانين الحديثة صار حاجزاً بينهما وعقبة تحول دون نمو ما هو عقلي وأخلاقي في الأعراف القديمة، بفعل ما هو أخلاقي وإنساني في الإسلام، إلى قانون وضعي حديث. ينتج من ذلك أن الأعراف القبلية والعشائرية والشرائع الدينية صارت منظومات مغلقة ومتيبسة ومتخارجة انغلاقَ البنى الاجتماعية، ما قبل الوطنية، وما قبل المدنية، وتيبسًها وتخارجًها. هذه الوضعية تلخص مأزق المجتمعات “الإسلامية”، وتفسر ضعف الروابط الوطنية، في كل منها.

بل لعلّ قسمة الإسلام عقائدَ وعباداتٍ ومعاملاتٍ هي أساس هذا المأزق، إذ العقائد متصلة بضمير الفرد فقط، في حين ترتدي العبادات طابعاً جماعياً أو جمعياً واجتماعياً، وليس بوسع أحد أن يحكم في ما إذا كانت تعبيراً عما في ضمائر الأفراد. أما المعاملات، التي هي التعبير الفعلي عن الضمير، والتي تدل دلالة واضحة على الأسس القانونية والأخلاقية التي يقوم عليها المجتمع، فمتناقضة مع العقائد، ومنفصلة عن العبادات ومستقلة عنها، وذات جذور عرفية خالصة، ما جعل العرف يفوق “الشريعة” قوة ونفوذاً، حتى يومنا. (يعرف أبناء جيلي، على الأقل، أن المنازعات بين الأفراد والجماعات غالباً ما تحل وفق الأعراف والعادات والتقاليد، لا وفق الشرائع الدينية، ولا وفق القانون الوضعي، بل إن اللجوء إلى القضاء كان، ولا يزال، إلى حد بعيد، في منزلة العيب وسبباً للعداوة. ويمكن التحقق من ذلك بدراسة القضاء في البيئات البدوبة والريفية، وحيثما يسود الإنتاج الكفافي، الزراعي أو الحرفي، كما يمكن دراسة دور الوجهاء في فض المنازعات بدلاً من القضاة. وفي أيامنا هذه تقوم الأجهزة الأمنية بوظائف القضاة، وتملي على هؤلاء أحكامهم في كثير من الأحيان، وتحول دون تنفيذها في أحيان أخرى. لقد باتت هذه الأجهزة، في غير مكان، سلطة تشريع وتنفيذ وقضاء).

في البلدان المتأخرة بوجه عام لا ينظر الأفراد إلى القانون على أنّه تجسيد لحرّيتهم الموضوعية، وعلى أنه وضع من أجلهم، إذا لم نقل إنهم هم الذين وضعوه من أجل تنظيم حياتهم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.

كما أن الموقف من الآخر لا يزال محكوماً بمنطق ” ونشرب إن وردنا الماء صفواً، ويشرب غيرنا كدراً وطيناً “، أي بمنطق العشيرة، منطق الغلبة والقهر والاستبعاد والإقصاء، وإقامة مبادئ الحق والأخلاق على الاقتناع الذاتي، لا بمنطق “فلا نزلت علي، ولا بأرضي، سحائب ليس تنتظم البلاد”، الذي يعبر عن إرادة الخير العام، ويكشف عن حقيقة الروح الإنساني، الذي يسري في الدين، ويتحوّل إلى واقع أخلاقي في القانون الوضعيّ.

القانون، في العلوم الوضعيّة، هو المتكرر في الظاهرات. والقانون، بمعناه الحقوقي والأخلاقي، تعبير عمّا هو عام ومشترك بين جميع أفراد المجتمع المعني، وبين جميع مواطني الدولة المعنية، بغض النظر عن اختلاف معتقداتهم وأديانهم ومذاهبهم ولغاتهم وأصولهم العرقية، وبغض النظر عن سائر الاختلافات الأخرى. ذلكم هو ما يجعل القانون الوضعي تجسيداً للحرية الموضوعية، لأن الحرية هي ماهية الإنسان وجوهره. وذلكم هو أساس تساوي جميع المواطنين أمام القانون، أساس المساواة السياسية، التي هي الشرط الضروري والمقدمة اللازمة للعدالة. وذلكم هو مغزى كون القانون الوضعيّ ماهية الدولة السياسية، أعني الدولة الوطنية، وجوهرها.

الدولة لا تفرض ولا يحقّ لها أن تفرض على أحد أن يكون مسلماً أو مسيحياً، متديّناً أو غير متديّن، متعصباً لمذهبه وعقيدته أو متسامحاً. الدولة لا تفرض على مواطنيها شيئاً سوى ما يفرضه المواطنون أنفسهم على أنفسهم حين ينتخبون أعضاء المؤسسة التشريعية ويوكلون إليهم سن القوانين أو تعديل ما يحتاج منها إلى تعديل أو إلغاء ما بات منها معيقاً لنمو المجتمع وتطوره ومقيداً لحرية المواطنين. والدين الذي يعترف بتساوي جميع البشر أمام الله حريّ به أن يعترف بتساوي جميع المواطنين أمام القانون.

الدولة لا تستطيع أن تكون سوى دولة سياسية، بحكم ماهيتها، لا بمقتضى الرغبة والشعور.

للاطّلاع على الجزء الأوّل ينظر: مدخل سياسي إلى العلمانية أو مدخل علماني إلى السياسة (1 )