مصادر القرآن الكريم: قصة إبراهيم(1/2)

مقدمة:

إذا كان اللاهوتيّون والأركيولوجيون متفقين عموماً على أنّ الإصحاحات الأولى من سفر التكوين ذات صبغة ميثولوجية فحسب ـ فقصص الخليقة والطوفان، كما هو مثبت من الموازيات الميثولوجية السورية من خارج التوراة، ليست أكثر من تنويعات عبرانيّة على أساطير بابل وآشور وأوغاريت وغيرها ـ فإنّ قصص الآباء، أي أبراهام – أو إبراهيم – وسلالته ما تزال تجد من يدافع عن بذرة تاريخيّة لتفاصيلها الميثولوجيّة البحتة. بكلمات أخرى، نجدهم يقولون، إنها أسطرة تاريخ لا تاريخ أساطير. بل إنّ هنالك بين المسيحيين الليبراليين من يدافع عن شيء من الصحّة التاريخيّة لأساطير من هذا النوع. ويرتكز هؤلاء بشكل خاصّ على أحداث أو أماكن أو أشخاص توحي للوهلة الأولى أنها تاريخيّة: لكننا في بحثنا التالي سوف نحاول أن نثبت أنها، حتى الآن، لا تعدو كونها أساطير. ألبست الصبغة التاريخيّة لأهداف كثيرة، أهمّها خلق ماض للشعب العبراني في دعاويه القوميّة. ورغم أننا من أنصار دعاة الحدّ الأدنى لاهوتيّاً، أي أولئك الذين يرفضون مقاربة التوراة من منظور تاريخيّ لأنها ليست كذلك، خاصة أعمال الباحث الدانمركي الهامّ توماس تومبسون، وأركيولوجياً من أنصار تيّار ما بعد اليهوديّة، خاصّة الباحث الإسرائيلي البارز يسرائيل فنكلستاين، فنحن لا ندعو إلى نهاية مقفلة في مقاربة التوراة نقديّاً، لأنّ أيّ اكتشاف جديد كقمران، يمكن أن يعيد المسألة إلى نقطة البداية، كما قال ييغال يادين ذات يوم.

لقد أقرّ الباحثون منذ زمن طويل أنّ قصة أبراهام لا تشكّل وحدة متماسكة، لكنها تجميع لأعمال أكثر من مؤلّف. والتحليل الأدبيّ للتوراة، الذي وضع أسسه يوليوس فلهاوزن وآخرون غيره في القرن التاسع عشر، تقرّ بوجود ثلاثة تقاليد traditions للقصة. يعود تاريخ أقدم هذه التقاليد، المعروف باليهووي – اسم الإله فيه يهوه – إلى ما يفترض أنّه زمن المملكة المتحدة ( 950 ق. م. تقريبا) ويصوّر بأنه يستخدم تقليد أبراهام لدعم مزاعم الإمبراطوريّة الداووديّة. أمّا التقليد الإيلوهيمي – اسم الإله فيه إيلوهيم – الموجود في سفر التكوين (الإصحاحات 20 -22، فيرجع بحسب مدرسة فلهاوزن أيضاً إلى ما يسمّى بزمن الأنبياء (القرن الثامن ق.م. تقريباً). من ناحية أخرى، فالمصدر الكهنوتي هو من حقبة ما بعد السبي ( 400 ق.م. تقريباً )، ويمكن أن نجده في آيات من تكوين 17 و23 وفي مقاطع كرونولوجيّة أخرى. مع ذلك، فالنقديّة الكتابيّة المصدريّة عرفت تطوراً متلاحقاً حيث احتدم الجدل حول دقة التواريخ المعطاة للتقاليد آنفة الذكر؛ كما أنّ العلاقة بين تقليد وآخر بدأت تفهم على نحو مختلف. من هنا، فإنّ بعضاً من القصص اليهوويّة الأولى وما يسمّى بالتقليد الإيلوهيمي قد تمّ استخدامها من قبل المؤلّف اليهووي إضافة إلى مادّته الخاصّة لتشكيل قصّة أبراهام الكتابيّة باعتبارها تقليداً قوميّاً بارزاً في حقبة السبي. وكاتب النصّ الكهنوتي قام ببعض الإضافات في حقبة ما بعد السبي؛ في حين أنّ قصة ملوك الشرق، التي سنتناولها بشيء من التفصيل لاحقاً، والتي ترد في تكوين 14، هي الإضافة الأخيرة والتي ترجع إلى الزمن الهلنستي.

من هنا يمكن أن نفهم كون السمة الأساسيّة للتقليد الأبراهامي هي احتواؤه عدداً من القصص القصيرة والتي ينقصها الترابط لتكوين رواية مستمرة. وهذا يدعم الرأي القائل إنها تعكس مرحلة تقليد شفوي قبل أن تجمع في عمل أدبي. أكثر من ذلك، فالواقع القائل إنّ عدداً من القصص يظهر مزدوج الرواية يوحي بأن التنويعات على التقليد وجدت طريقها إلى مصادر أدبيّة مختلفة. لكن الروايات المزدوجة هي تعديلات أدبيّة تمّ تأليفها بحرص فعلاً القصد منها تقديم وجهة نظر المؤلّف واهتماماته الدينيّة.

أمثلة توضيحيّة:

هنالك قصتان تتناولان مسألة كيف يقدّم أبراهام زوجه على أنها أخته ليحمي نفسه في بلد غريب. الأولى ( تك 12: 10-20 ) لا تعدو كونها ببساطة حكاية فولكلوريّة مسليّة حيث يظهر أبراهام كرجل يخدع المصريين ويعود منهم بزوجة وبالثروة. النسخة الثانية للرواية تحاول تنقية أبراهام من أية شوائب أخلاقيّة (تك 20 ). مع ذلك، ثمة نسخة ثالثة من الرواية نجدها في تقليد إسحق ( تك 26: 1-11)، والتي تستخدم عناصر من النسختين الأقدم، مع التركيز هنا على هداية الله ومعونته.

رواية هروب هاجر ( تك 16 ) وطردها لاحقاً مع إسمعيل (تك 21: 8-21) هي أيضاً ازدواجيّة. الأولى هي إيتيولوجيا إثنيّة ذات علاقة بأصل الإسماعيليين وطبيعتهم؛ أما الثانية فتنحصر في تحويل هذه المقولة إلى سمة لوعد إلهي لأبراهام، كون إسمعيل من نسله أيضاً. نلاحظ، بالمناسبة، أن النسخة السبعينيّة من التوراة تضيف على النص العبراني مقولة أنّ سارة كانت حزينة حين رأت إسمعيل ” يلعب مع ابنها إسحق “.

قبل الدخول في مقاربة نقد-كتابيّة لنص إبراهيم في سفر التكوين، نجد من المفيد تقديم جدول يركّز، بطريقة منظمة، على المراحل الأهمّ في حياة إبراهيم المفترضة، كما تظهر لنا في سفر التكوين؛ الأمر الذي يساعد في تنظيم آليّة الدين المقارن حين سننتقل من التوراة إلى القرآن:

التاريخ المفترض الحدث العمر تفاصيل الحوادث
2166 ولادة أبرام 0-75 ولادة أبرام في أور الكلدانيين؛ زواجه من ساراي وهجرته إلى حرّان مع ابن أخيه لوط وأبيه تارح. تارح يموت في حرّان ( تك 11 ).
2091 ترك أبرام حرّان وصوله إلى كنعان 75-85 الربّ يأمر أبرام بمغادرة حرّان والرحيل إلى كنعان. عند وصوله هناك يمضي حتى وسط البلاد في شكيم حيث يوعد أن الأرض كلّها ستكون له. من شكيم يذهب إلى بيت لإيل حيث يبني مذبحاً ثانياً. بسبب المجاعة يأخذ عائلته وينزل باتجاه مصر. يخدع أبرام فرعون بزعمه أن زوجه هي أخته ونتيجة لذلك يثرى أبرام. حين تنكشف اللعبة يبعد فرعون أبرام (تك 12). يعود أبرام إلى كنعان متنقلاُ من النقب في الجنوب إلى بيت إيل. هناك يفترق أبرام عن لوط، فيتحرّك لوط مع قطعانه إلى وادي الأردن في حين يظل أبرام في منطقة الهضاب. بعد رحيل لوط يجدد الرب وعده لأبرام بالأرض وينقل أبرام مخيمه إلى الخليل حيث يبني مذبحاً ثالثاً (تك 13). أما لوط، الذي ينتقل إلى سدوم، فتأسره قوى لملوك أربعة غزاة وترحل به. يجمع أبرام عائلته وبعض حلفائه المحليين ويطارد الملوك الأربعة ويستردّ لوطاً منهم. عند عودته، يلتقي ملكيصادق، ملك أورشليم، الذي يباركه باسم الله العلي. يقبل أبرام البركة ويعطي ملكيصادق عشر ما بحوزته. بعد ذلك يأتي ملك سدوم لتحيّة أبرام، لكن أبرام يرفض أن يأخذ شيئاً مما يعطيه إياه ملك سدوم (تك 14). يعيد الربّ تأكيده لأبرام بأن وعوده التي قطعها له سوف تنجز عبر طقس عهد ( تك 15).
2081 أبرام يتزوج من هاجر 85-86 تقترح ساراي على أبرام أن يأخذ جاريتها هاجر وينجب منها أطفالاً. تحبل هاجر فتغار منها ساراي. عند هرب هاجر من معاملة ساراي السيئة تلتقي ملاك الرب عند بئر ماء في الصحراء فيحثّها على العودة، ويعدها أنها ستنجب ابناً اسمه إسمعيل والذي سيكون أبّاً لإحدى الأمم ( تك 16 ).
2080 ولادة إسمعيل 86-99 يصمت الكتاب المقدّس عن الحوادث في السنوات الثلاث عشرة التي أعقبت ولادة إسمعيل. حين يكون أبرام في التاسعة والتسعين من العمر يمنحه الربّ عهد الختان ويبدّل اسمه من أبرام (الأب رفيع الشأن) إلى إبراهيم (أبو كثيرين). الآن صارت ساراي تعرف باسم سارة وسوف تنجب لأبراهام ابناً ووريثاً ( تك 17).
2067 تدمير سدوم وعمورة 99-100 يزور الربّ وملكان أبراهام ويخبرونه أنّ سارة سوف تنجب ولداً في السنة التي ستلي. كذلك يُخبر ابراهام أنّ سدوم ومدن السهل الأخرى على وشك أن تعاقب بسبب آثامها. يتشفّع أبراهام لسدوم فيعده الربّ أنه سيصفح عنها إذا كان فيها صالحون عشرة ( تك 18 ). ينزل الملكان في سدوم ويدعوهما لوط إلى المبيت في بيته. وأثناء الليل يأتي رجال سدوم ويطالبون لوطاً بإعادة الملكين إليهم. يعمي الملكان أعين المهاجمين ويخرجان لوطاً وزوجته وابنتيه من المدينة قبل أن يدمّرها الرب مباشرة. كان لوط الصالح الوحيد في المدينة (تك 19). ينقل أبراهام مخيمه إلى منطقة أبيملك، ملك جرار، ومن جديد يزعم أنّ سارة أخته. يأخذ أبيملك سارة زوجاً له لكن حلماً يمنعه من اقتراف الزنا معها. يجتمع أبيملك مع أبراهام وبعد تلقيه تفسيراً منه لسلوكه يعطيه أموالاً وأغناماً وماشية أخرى ويعيد سارة إليه ( تك 20 ).
2066 ولادة إسحق 100-137 بعد ولادة إسحق تطرد سارة هاجر وإسمعيل. يعد الربّ أبراهام أنه سيهتمّ بهما وسيجعل من إسمعيل أمّة كبيرة. يلتقي أبراهام وأبيملك ويتوصّلان إلى حلّ لنزاع بين الإثنين على بئر ماء كان رجال أبيملك قد وضعوا أيديهم عليها ويختم الرجلان اتفاقهما بعهد (تك 21). يختبر الربّ أبراهام عبر أمره بأن يضحي بابنه على جبل مورياه. يطيع إبراهام الأمر وفي اللحظة الأخيرة يتدخّل الربّ مقدّماً قربانه الخاص بدل إسحق. وردّاً على طاعة أبراهام وإيمانه يكرّر الربّ وعده المتعلّق بالعدد الكبير من الذين سيأتون من صلبه ( تك 22).
2029 موت سارة

وزواج إسحق من رفقة
137-140 تموت سارة وعمرها 127 عاماً ويشتري لها أبراهام قبراً من عفرون الحثّي (تك 24). يرسل أبراهام أحد خدمه ليأتي بإحدى قريباته من منطقة شمال غرب ما بين النهرين لأنه لم يكن راغباً بالسماح لابنه بالزواج من امرأة كنعانيّة. يقود الربّ خطى الخادم الذي يرجع برفقة، ابنة بتوئيل، ابن ملكة، التي كانت زوجة ناحور، شقيق أبراهام ( تك 24).
2026 زواجه من قطورة 140-160 يأخذ أبراهام امرأة أخرى هي قطورة، التي تنجب له ستة أبناء آخرين: زمران، يقشان، مدان، مدين، يشباق، وشوحا ( تك 25 ).
2006 ولادة يعقوب وعيسو 160-175
1991 موت أبراهام يموت أبراهام ويدفن في مغارة المكفيلة ( تك 25 ).

بعد هذا الجدول الافتراضي، يمكننا التوقف الآن عند بعض المقربات النقد-كتابيّة المبسّطة، خاصة وأننا موجودون في مكان – كما أشرنا غير مرّة – حيث العلوم اللاهوتيّة الفعليّة، وتحديداً النقديّة الكتابيّة، مثلها أيضاً مثل علوم اللغات القديمة والأركيولوجيا، في أدنى مراحلها معرفيّاً.

اسم أبراهام:

حتى الآن لا توجد أدنى إشارة إلى أبراهام التوراتي في أيّ ممّا تمّ اكتشافه من آثار في المنطقة المحيطة بفلسطين. فعلى الرغم من اكتشاف أرشيفات ضخمة، فالفجوات في معارفنا ما تزال هائلة. ومن غير المفاجئ أنّ الإشارات إلى مجموعة عائليّة بعينها، على الرغم من وجود مجموعة كبيرة الحجم، فشلت في أن تستمر. مع ذلك فإنّ تنويعة على أبراهام، هي ” أبوراهانا “، ترد في نصوص مصرية من القرن التاسع عشر قبل الميلاد. بقي أن نشير، بالمناسبة، إلى أنّ اسم إبراهيم القرآني يظهر كإبرهيم حيناً وإبراهيم أحياناً.

أبراهام كمواطن مديني:

لا يخبرنا الكتاب المقدّس أيّ شيء عن حياة أبراهام قبل دخوله أرض كنعان. فسفر التكوين ( 28:11 ) يقول إنّ أبراهام ولد في أور الكلدانيين، وهي مدينة سومرية هامة. لكنّ الإشارة إلى ” الكلدانيين ” على الأرجح خاطئة، لأنّ الكلدانيين لم يحطوا الرحال في آشوريا قبل عام 1000 ق.م. ومن أور، يفترض أنّ تارح قاد عائلته شمالاً إلى حرّان ( تك 31:11 ) حيث استقرّوا لفترة من الوقت. ومع أنّ النص لا يذكر سوى تارح وأبرام وساراي ولوط، فمن المفترض ضمناً أنّ ناحور وملكة انتقلوا إلى الشمال ( قارن سفر التكوين: 22: 20-24؛ 10:24 ). كانت حرّان مركز قوافل هامّ للهجرات العمورية. لكن ما من دليل من النص الكتابي يفيد في ما إذا كان تارح وأسرته قد استقرّوا في أي من المدن التي يفترض أنهم عاشوا فيها في بيوت أم في خيام؛ مع ذلك، يمكن أن نستشفّ من النص ضمناً أنهم عاشوا في بيوت. في موضع آخر من السفر ذاته، يقال إنّ عائلة رفقة كانت تسكن المدينة ( 10:24)، في أحد المنازل ( 23:24)، وذلك بالمقارنة مع عائلة أبرام التي كانت تسكن في الخيام (67:24). ولا شكّ أنّ الرحلة المفترضة من حرّان إلى كنعان أحدثت تبديلاً مدهشاً في نمط حياة أبراهام وعائلته.

البدوي قاطن الخيام:

منذ أن غادر أبراهام حرّان وهو يقطن الخيام (قارن مثلاً: عبرانيين 9:11)، متنقلاً من مكان إلى مكان وبرفقته قطعانه (تك 6:12؛ 13: 3-5). بعد عودته من مصر وانفصاله عن لوط، يفترض أنّ أبراهام أمضى كثيراً من وقته في كنعان مخيماً قرب بلوط ممرا في الخليل (تك 18:13 ؛ 1:18). وذلك قبل أن ينتقل إلى منطقة الفلسطينيين (تك 1:20؛ 1:18). في الخليل يقيم أبراهام تحالفات مع قادة عموريين محليين ( تك 14: 13،21 ) ويتولّى قيادتهم في عمليّة إنقاذ لوط (تك 24:14) كان جيرانه يجلّونه كثيراً (تك 5:23)، مع أنه كان يعتبر نفسه على الدوام قاطناً غريباً ( تك 4:23؛ قارن: عب 9:11 ). كان أبراهام يعتبر رجلاً ماديّاً ( قارن تك 5:12)، ويقال إنّه بعد أن نزل مصر لم يغادر البلد إلا بعد أن صار رجلاً غنيّاً (تك 16:12). حين استدعى الأمر استطاع حشد 318 رجلاً متدرّبين على خوض المعارك ( تك 14:14 ). هذا يعني أن العدد المفترض لأسرته لا بدّ أنه كان على الأقل ضعف هذا الرقم. في مرحلة لاحقة، حين تعامل أبراهام مع أبيملك ملك جرار، نرى أن أبراهام ينظر إليه على أنه مساو في المكانة لأبيملك، وذلك حسبما توحي به المعاهدة التي وقعاها ( 21: 22-31 ).

نقد المراسي التاريخيّة:

إن أكثر ما يلفت النظر في قصص الآباء هو استخدامها ” لمراس ” ذات أبعاد تاريخيّة حقيقية في نصوص أبعد ما تكون عن التاريخ. – الأمر الذي قد يوحي أن هذه القصص تاريخيّة. لكن التوغّل القليل، وربما شبه السطحي، في هذه القصص، يكشف بسهولة أنّ المراسي التاريخيّة لم تستعمل من قبل محرّري التوراة إلا بهدف الإيحاء بصدقيّة ما يكتبون أو ما يحررون.

من أهم العناصر في قصص الآباء التي تبدو للوهلة الأولى تاريخيّة، الإشارة إلى الجمال المدجّنة أو إلى الشعوب الفعليّة التي كانت تقطن في المنطقة أو إلى بعض المدن المثبتة تاريخيّاً، أو حتى الإشارات إلى طرق القوافل. وكما أشرنا من قبل، فإنّ مؤلفي التوراة أو محرّريها ارتأوا إقحام تلك العناصر التاريخيّة في أساطيرهم لإخراج تلك الأساطير من الخانة الميثولوجيّة إلى خانة الحدث الواقعي. وفي اعتقادنا الذي وقفنا عنده مراراً فإنّ نصوصاً كثيرة من التكوين وغيره التي نظر إليها طويلاً على أنها وقائع لا يرقى الشك إليها، هي الآن لا تخرج بحثيّاً عن دائرة الأساطير: كقصص خلق العالم والعائلة البشريّة الأولى والطوفان وما شابه؛ فما الذي يبعث على الدهشة حين تصل بحوثنا إلى أنّ هذا السفر، التكوين، برمته، لا يخرج عن كونه ميثولوجيا مؤرّخة؟

نقد المرساة الأولى: شكل حياة أبراهام – الفجوة الكبيرة بين حياة النبي والرواية المكتوبة1

نحن بحاجة أوّلاً لأن يكون بحوزتنا تاريخ دقيق لأقدم المصادر الممكنة المتعلّقة بالشخصيّات المذكورة في التوراة. يتضح من التوراة ذاتها أنّ موسى لا يمكن أن يكون مؤلّف كلّ أسفار التوراة، أي الأسفار الخمسة الأولى من الكتاب المقدّس العبراني، كما تدعي اليهوديّة التقليديّة؛ أقلّه أنّ نصّ موت موسى لا يمكن أن يكون قد كتبه النبي المفترض؛ والواقع أنّ هذه الأسفار كتبت بعد موسى المفترض بزمن طويل. ثمة آية في سفر التكوين تكشف لنا التاريخ الأقدم الممكن لتوليف النص “: وهؤلاء الملوك الذين ملكوا في أرض أدوم، قبل أن يملك ملك في بني إسرائيل ” ( 31:36 ). يتضح من الآية السابقة أن المؤلّف كان يكتب حين كان للإٍسرائيليين ملك على الأقل. لكننا نعرف أنّ أوّل ملك مفترض للإسرائيليين كان شاؤول، الذي توّج ملكاً عام 1025 ق.م. تقريباً. وهكذا فإنّ أٌقدم تاريخ ممكن لتوليف التوراة، أو أجزاء منها، هو القرن العاشر ق.م. يختلف الباحثون في تقديراتهم للتاريخ الدقيق لكتابة القسم الأقدم (المسمّى بالوثيقة “اليهووية”) من الوثائق المصدريّة لهذه الأسفار. يرى بعضهم أن الوثيقة كتبت في زمن قديم هو القرن العاشر ق.م. (خلال ما يفترض أنه فترة حكم سليمان، ابن داوود)، في حين يعتقد آخرون أنها كتبت في زمن أحدث من السابق هو القرن السادس ق.م. (خلال السبي البابلي). لكن الخوض في تفاصيل هذه التخمينات غير ذي شأن بالنسبة لتحليلنا الحالي. المسألة الوحيدة التي تستأهل الانتباه هنا هي أن الآية السابقة تعتبر الحدّ الأعلى لتاريخ توليف التوراة.

إذا انطلقنا الآن من أفضل جداول الكرونولوجيا الكتابيّة، نجد أن أبراهام عاش فرضاً في القرن الثاني والعشرين ق.م.( إن أفضل دليل على الشك التاريخي المحيط بهذا التاريخ، هو تواجد تقديرات متباينة عديدة لهذه التواريخ. فالتخمينات تقول إنه عاش في القرن الخامس والعشرين، الحادي والعشرين، والسادس عشر ق.م. على الترتيب؛ أي أن التخمينات تمتد لتشمل حقبة ألف عام). وإذا أخذنا أحدث ما تم تخمينه من تواريخ لهؤلاء الآباء مع أقدم ما تم تخمينه من تاريخ لتوليف الوثيقة اليهوويّة – بكلمات أخرى: سيناريو ” الحالة الفضلى ” للمؤمنين – ستظلّ لدينا فجوة من ستمائة عام بين “أبراهام التاريخي” وقصته في التكوين. والباحث التاريخي روبن لين فوكس (مولود عام 1946) يضع هذا قبالة عينيه وهو يتحدّث عن أثر هذه الفجوة الزمنيّة في التأثير على تاريخيّة التوراة: ” إنّ فرصتها [التوراة] في أن تكون صحيحة هي في حدودها الدنيا، لأنّ أياً من هذه المصادر [وثائق التوراة المصدريّة] لم يكتب من وثائق بيّنة مبدئية، بل إنّ تدوينها استغرق قروناً، ربما ألف عام، بعد الذي يحاولون وصفه. وهنا نتساءل: كيف يمكن لتقليد شفوي الحفاظ على تفاصيله صحيحة خلال فجوة كهذه؟ إن أفضل ما يمكن القيام به هو تذكّر حدثٍ هامٍّ أو رحيلٍ جديدٍ: مثل… خروج الإسرائيليين من مصر…. أما بالنسبة … إلى مآثر يعقوب أو أبراهام، فما من سبب معقول يوجب الاعتقاد بها “.

وهكذا باستثناء ذكريات اجتماعيّة نادرة للغاية لحوادث هامّة أو نقط تحوّل في حياة هذا الشعب، علينا تجاهل كلّ ما تبقّى باعتباره أساطير حظيت بالصدقيّة عبر قرون من التناقل الشفوي. كان لا بدّ أن نلاحظ هنا أننا لا نتجاهل كلّ الباقي باعتباره أساطير دون أيّ دليل. فالواقع أننا في حالات كثيرة حيث تتمّ الإشارة إلى حوادث أو أشياء يمكن التحقق منها تاريخيّاً، نجد أنّ القصص في الكتاب العبراني إمّا مزيّفة أو مشوّشة.

نقد المرساة الثانية: الجمال المدجّنة!

نلاحظ أنّ هنالك إشارتين إلى الجمال المدجّنة في قصّة أبراهام:

” ولمّا دخل أبرام مصر، رأى المصريّون أنّ المرأة جميلة جدّاً، ورآها رؤساء فرعون ومدحوها لدى فرعون فأخذ المرأة إلى بيته. فأحسن إلى أبرام بسببها فصار له غنم وبقر وحمير وخدّام وخادمات وحمائر وجمال ” ( تك 12: 14 – 16 ).

” وأخذ الخادم عشرة جمال من جمال سيّده ومضى، وفي يده من خيرات سيّده كلّها، وقام ومضى إلى آرام النهرين، إلى مدينة ناحور. فأناخ الجمال خارج المدينة، بالقرب من بئر الماء، عند المساء، وقت خروج المسقيّات ” ( تك 24: 10 – 11 )

كما لاحظنا من قبل، فالتخمينات المتعلقة بتاريخ وجود أبراهام تتراوح بين القرن الخامس والعشرين ق.م. والقرن السادس عشر ق.م. والنصّ السابق يوحي ضمناً أنّ الجمل كان مدجّناً بل قيد الاستعمال في ذلك الوقت. لكن بالاعتماد على أدلّة أخرى بين أيدينا، فالجمال المدجّنة ببساطة لم تكن معروفة أيام أبراهام. والنصوص المصريّة من تلك الحقبة لا تذكر شيئاً عنها. بل حتى في ماري، المملكة المجاورة للصحراء، والتي ستبدو الأكثر حاجة لاستخدام الجمال، فإنّ مجموعة وثائقها الضخمة التي هي الآن بين أيدي الأركيولوجيين، لا تذكر مرّة الجمال في ما يفترض أنه كتابات من حقبة معاصرة لأبراهام.

بالمقابل، فالواقع يقول إنّ الإشارات إلى الجمال لم تبدأ في الظهور في النصوص والنقوش المسماريّة إلا في القرن الحادي عشر ق.م.، وبعد هذا التاريخ راحت الإشارات إلى الجمال تتزايد على نحو ملحوظ. هذا يعني ضمناً أنّ تدجين الجمال بدأ حوالي القرن الثاني عشر ق.م. أو قبله بقرن.

إذن، لا يمكن أن تكون هنالك جمال مدجّنة حين كان أبراهام على قيد الحياة؛ ولا بدّ بالتالي أنّ القصص السابقة إضافات متأخّرة على أسطورة أبراهام.

نقد المرساة الثالثة: روايات الملوك الأربعة!

إنّ المادّة المحتواة في الإصحاح الرابع عشر من سفر التكوين هي الجزء الأكثر إثارة للجدل: “14 : 1 و حدث في أيام امرافل ملك شنعار واريوك ملك الاسار وكدرلعومر ملك عيلام وتدعال ملك جوييم.14: 2 أنّ هؤلاء صنعوا حربا مع بارع ملك سدوم وبرشاع ملك عمورة وشناب ملك ادمة وشمئيبر ملك صبوييم وملك بالع التي هي صوغر.14: 3 جميع هؤلاء اجتمعوا متعاهدين إلى عمق السديم الذي هو بحر الملح.14: 4 اثنتي عشرة سنة استعبدوا لكدرلعومر والسنة الثالثة عشرة عصوا عليه.14: 5 وفي السنة الرابعة عشرة أتى كدرلعومر والملوك الذين معه وضربوا الرفائيين في عشتاروث قرنايم والزوزيين في هام والايميين في شوى قريتايم.14: 6 والحوريين في جبلهم سعير إلى بطمة فاران التي عند البرية.14: 7 ثم رجعوا وجاؤوا إلى عين مشفاط التي هي قادش وضربوا كل بلاد العمالقة وأيضا الأموريين الساكنين في حصون تامار.14: 8 فخرج ملك سدوم وملك عمورة وملك ادمة وملك صبوييم وملك بالع التي هي صوغر ونظموا حربا معهم في عمق السديم.14: 9 مع كدرلعومر ملك عيلام وتدعال ملك جوييم وامرافل ملك شنعار واريوك ملك الاسار أربعة ملوك مع خمسة.14: 10 وعمق السديم كان فيه آبار حمر كثيرة فهرب ملكا سدوم وعمورة وسقطا هناك والباقون هربوا إلى الجبل.14: 11 فاخذوا جميع أملاك سدوم وعمورة وجميع أطعمتهم ومضوا.14: 12 وأخذوا لوطا ابن أخي أبرام وأملاكه ومضوا إذ كان ساكنا في سدوم.14: 13 فأتى من نجا وأخبر أبرام العبراني وكان ساكنا عند بلوطات ممرا الأموري أخي أشكول وأخي عانر وكانوا أصحاب عهد مع أبرام.14: 14 فلما سمع أبرام أن أخاه سبي جرّ غلمانه المتمرنين ولدان بيته ثلاث مئة وثمانية عشر وتبعهم إلى دان.14: 15 وانقسم عليهم ليلا هو وعبيده فكسرهم وتبعهم إلى حوبة التي عن شمال دمشق.14: 16 واسترجع كل الأملاك واسترجع لوطا أخاه أيضا وأملاكه والنساء أيضا والشعب “.

إن ذكر شخصيّات وحوادث كثيرة في المقطع السابق والتي كنّا نتوقع أن تظهر في روايات أخرى من خارج الكتاب المقدّس جعلت من هذا المقطع محط اهتمام خاص. والعديد من الباحثين ينظرون إلى هذه الرواية على أنها من زمن متأخّر ولا أساس تاريخيا لها؛ وفي بداية القرن العشرين تمّت محاولات لتحديد هويّة الملوك الأربعة ( أشهر تلك المحاولات المطابقة بين أمرافل وحمورابي، ملك بابل) رفضت الآن عموماً على أسس فيلولوجيّة وتاريخيّة.

من جهة أخرى، فرواية الملوك الأربعة لا علاقة لها بأي مصدر tradition من مصادر سفر التكوين؛ وبرأي اليسوعيين، في هوامشهم على القصة في النص العربي، الرواية مأخوذة عن وثيقة قديمة نقّحت وكيّفت لإبراز دور أبراهام البطولي في الحرب. وكنّا قد أشرنا، أثناء حديثنا عن فلهاوزن، إلى أن هذا النص مضاف من الزمن الهلنستي.

وحتى لو سلّمنا جدلاً بوجود الملوك الأربعة الذين يتحدّث عنهم التكوين، فإنه ما من دليل على الإطلاق يشير إلى تحالف هؤلاء الملوك الأربعة ضد أبراهام المزعوم، هذا إذا كانوا متزامنين أصلاً. كذلك لا يعقل أن يهزم أبراهام، بجيشه المكوّن من 318 شخصاً، كما يقول التكوين، جيوش ملوك أربعة قد يصل تعداد مقاتليها إلى عشرات آلاف البشر!

نقد المرساة الرابعة: الختان!

سوف نتناول الآن مسألة عرف الختان، الواردة في قصة أبراهام، من سفر التكوين: ” وقال الله لإبراهيم: وأنت فاحفظ عهدي، أنت ونسلك من بعدك مدى أجيالهم. هذا هو عهدي الذي تحفظونه بيني وبينكم وبين نسلك من بعدك: يختن كل ذكر منكم. فتختنون في لحم قلفتكم، ويكون ذلك علامة عهد بيني وبينكم ” ( تك 17: 9 – 11).

هذه حتماً إضافة أخرى متأخّرة لأسطورة أبراهام. فنحن نعرف أنّ الختان كان يمارس على نطاق واسع في العصور القديمة في بلاد الهلال الخصيب؛ والمصريّون والكنعانيّون، أي الشعبان اللذان يفترض أنهما الأكثر احتكاكاً مع أبراهام، كانوا يمارسون هذا الطقس. من هنا فالسؤال الذي يطرح نفسه هو: كيف يمكن ” للختان ” أن يكون علامة العهد بين الله وأبراهام إذا كان الجميع يمارسونه؟ فقط أثناء السبي، أي القرن السادس ق.م.، كان باستطاعة هذا العرف أن يميّز بين اليهود وغير اليهود: فالبابليّون لم يكونوا يمارسون هذه الشعيرة. إذن فقصة الختان كعلامة للعهد بين الله وأبراهام هي أيضاً ميثولوجيّة.

نقد المرساة الخامسة: مدينة جرار الفلسطينيّة!

سوف نناقش هنا القرة التالية من سفر التكوين ( 1:26)، المتعلّقة بإسحق، ابن أبراهام: ” وكانت في الأرض مجاعة غير المجاعة الأولى التي كانت في أيام إبراهيم، فمضى إسحق إلى أبيملك، ملك الفلسطينيين في جرار”. نلاحظ الآن أنّ إسحق ولد كما هو مفترض حين كان أبراهام في عامه المئة ( تك 21:5 ). وهكذا فالقصص المرويّة آنفاً عن ملك جرار هذا، لا بدّ أنها حدثت في مكان ما بين القرنين الرابع والعشرين والخامس عشر قبل الميلاد، اعتماداً على التاريخ الذي نراه الأنسب لموضعة أبراهام في الزمن. لكن الأدلّة الأركيولوجيّة الواضحة تظهر أن الفلسطينيين لم يستوطنوا الشريط الساحلي حتى بعد القرن الثالث عشر ق.م. وتظهر الكشوفات الأثريّة في جرار (اسمها الآن تل حرور شمال غرب بئر السبع) أن البلد لم تكن أكثر من قرية صغيرة غير ذات أهمية أثناء الاستيطان الفلسطيني البدئي في العصر الحديدي الأول ( 1150 – 900 ق.م. ). ولم تصبح جرار مدينة ذات أهميّة إلا في القرن السابع ق.م. من هنا يمكن القول إنه لن تكن هنالك جرار ولا ملك للفلسطينيين يمكنه أن يلتقي مع إسحق وقبله أبراهام خلال الفترة الزمنيّة التي يقال إنهما عاشا فيها!

من هنا، يمكن أن نصل مع توماس تومبسن، أستاذ العهد القديم في جامعة كوبنهاغن، إلى النتيجة التي تقول، إنه إذا أظهر أنّ هذه الإشارات النوعيّة في قصص الآباء ليست أكثر من خلط تشويشي، فهي إذن لا تضيف أيّ شيء إلى القصص؛ لكنّ هذه الإشارات بالذات كانت المراسي التاريخيّة التي يفترض أنها هي التي أرست دعائم تلك الحكايا في الموضع الأوّل. ودونها كيف باستطاعتنا التمييز بين هذه الروايات وأية حكايا فولكلوريّة ميثولوجيّة صرفة؟

من أجل مراجع تفصيليّة للنص السابق؛ يمكن مراجعة:

D.J.Wiseman، eds. Essays On The Patriarchal Narratives. Leicester: IVP.

Davis، John J. 1986. “The Camel In Biblical Narratives،” Walter C. Kaiser & Ronald F. Youngblood، eds. A Tribute To Gleason Archer. Chicago، Moody Press.

Harrison، R.K. 1970. An Introduction To The Old Testament. Tyndale Press: London.

Millard، Alan R. 1980. “Methods Of Studying The Patriarchal Narratives As Ancient Texts،” A.R Millard.& D.J.Wiseman، eds. Essays On The Patriarchal Narratives. Leicester: IVP.

Millard، Alan R. 1992. “Abraham،” David Noel Freedman، ed.، The Anchor Bible Dictionary، Vol. 1. New York: Doubleday: 35-41.

Pritchard، J.B. ed. 1969. Ancient Near Eastern Texts Relating to the Old Testament، 3rd edn. Princeton، New Jersey: Princeton Univserity Press.

Seters، John van 1975. Abraham In History And Tradition. New Haven: Yale University Press.

Selman، M.J. 1980. “Comparative Customs and the Patriarchal Age،” Millard، A.R.& Wiseman، D.J.، eds. Essays On The Patriarchal Narratives.، Leicester: IVP: 93-138.

Wenham، Gordon J. 1980. “The Religion of The Patriarchs،” A.R. Millard، & D.J. Wiseman، eds. Essays On The Patriarchal Narratives. Leicester: IVP..

Youngblood، Ronald 1983. “The Abrahamic Covenant: Conditional or Unconditional?” Morris Inch & Ronald Youngblood، eds. The Living and Active Word of God. Winona Lake، Indiana: Eisenbrauns: 31-46.