مصادر القرآن الكريم – ميثات خلق العالم من خلق السماء إلى العرش الإلهي (2/2)

مصادر القرآن الكريم 2 :

ميثات خلق العالم

من خلق السماء إلى العرش الإلهي

مما لا شك فيه أن ميثات السماء وحواشيها هي الأكثر تغلغلاً في الأسطوريّة، إن في الكتاب المقدّس بعهديه، أو في القرآن الكريم. فالصورة القديمة للسماء كسقف للأرض متماسك مزين بالأنوار حيث يسكن الإله، فقدت كل مدلولاتها مع دخول الإنسان عالم الفضاء واكتشافه بالمطلق أن الأزرق الذي نراه حين ننظر إلى الأعلى ليس سماء بل تكاثف طبقات جويّة يعطي انطباعاً مزيفاً بأنه سقف. مع ذلك، يمكن للمؤمن أن يستريح تماماً حين لا يأخذ المفهوم ” سماء ” بحرفيته القديمة، معتبراً إياه تعبيراً عن لا نهائيّة الذات الإلهيّة، التي تمتد في الكون مترامي الأطراف. رغم ما سبق، لا يمكن إلا أن نتساءل: من أين جاء النبي محمد بهذه الكتلة الكبيرة من التصورات الميثولوجيّة المتعلقة بالسماء ومنظومتها؟ الإجابة ستأتي ربما في النص المختصر التالي؛ بل نلاحظ أحياناً أن ثقافة النبي محمد، التي لا يمكن غير الانحناء أمامها، وصلت إلى التوراة السامريّة، حين أخذ منهم فكرة أن الإله يرفع السماء بغير عمد. نقول أخذ منهم، لأنه يمكن لشخصين الوصول إلى نتيجة علميّة مجرّدة في زمنين أو مكانين مختلفين، مثل قانون الجاذبيّة. لكن تطابق نصين ميثولوجيين من زمنين مختلفين أو مكانين مختلفين لا يعني غير أن الأحدث أخذ عن الأقدم.

الميثة السابعة:

خلق السماء

«ثم استوى (الله) إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعاً أو كرهاً قالتا أتينا طائعين. فقضاهن سبع سماوات في يومين وأوحى في كل سماء أمرها وزيّنا السماء الدنيا بمصابيح وحفظاً» (41: 11 ـ 12) (3مك). قارن (2: 29) (مد)؛ (23: 17، 86) (2مك)؛ (65: 12) (2مك). في (78: 12) (2مك) توصف السماء بأنها «سبعاً شداداً» وفي (23: 17) «سبع طرائق». كذلك فقد خُلِقت السموات واحدة فوق الأخرى: «الذي خلق سبع سموات طباقاً» (67: 3)؛ أنظر أيضاً: (71: 15) (2مك).

1) عن طريق الفرس(6) أو الغنوص(37) ، وصلت الكواكب الإلهية البابلية السبعة، الممثلة رمزياً في أبواب المعبد(38)، إلى اليهود والمسيحيين، كتصوّر لسماوات سبع. وتتقاطع الميثات البابلية مع القرآن الكريم في مفهوم السبع سموات طباقاً، الذي يبدو مشابهاً لمفهوم «طوبوقاتي» (39) البابلي. مع ذلك يظهر أن تصوّر السموات السبع وصل إلى اليهود في زمن قديم(40) . فالتلمود يعرفه، لأنه ربما وجد دعماً لهذا التصوّر في مصطلح éقظ éقظف شمي شميم(41) (سماء السموات أو السماء السابعة)، أو لأنه رأى في المترادفات الكتابية العديدة برهاناً على المعلومة الشعبية القديمة(42).

من آراء التلمود في هذا السياق، ما تقوله حاغيغاه (12 ب): èَ ـٌ ذقè éرâشً صذـشكأ ٌـصك، èçâ، é×çظف ، ضرصـ، قâصك، قغصك، âèرصêً ٌـصك ذظàص قéقé غـصف، ذـذ àغàل é×èظê ٌصوذ âèرظê صق×سé رغـ ظصف قâéش رèذéظêًًً èçظâ éرص ×قش صـرàش، غصغرظف صقضـصê çرصâظفًًً é×çظف éرص è×ٍف âصقسصê صطص×àصê قك ـوسظçظفًًًضرصـ éرص ظèصéـظف صرظê شقçسéًًًقâصك éرص غêصê éـ قـذغظ شéèê éذصقèصê éèظشًًًâèرصêًًً éف ذنàظف صéèنظف ص×ظصف شçسé صقـذغظ شéèê صغلذ شغرصسً قـع ذـ ×ظ èف صàéذ éصغك âـظشف رâèرصêأ «قال ح ليفي: توجد سبع (سموات)، وهذه [السموات] هي: فيلون (= فيلوم)، رقعيا، شحقيم، زبول، معون، مكون، عربوت. لا تفيد فيلون في شيء، فهي تدخل في الصباح وتخرج في المساء وتجدّد كل يوم عمل الخلق… في رقعيا تُثبت الشمس، القمر، النجوم، والكواكب… في شحقيم توجد الطواحين التي تطحن المن للأبرار.. في معون توجد مجموعات الملائكة الخدم، الذين يسبّحون بحمد الله في الليل.. في عربوت يوجد الأوفانيم، السرافيم والأرواح المقدسة والملائكة الخدم والعرش الإلهي، أما في عربوت فيجلس الملك القدير الجليل على العرش». قارن:من المدراش، تثنية راباه (2: 23)(43).

من المفترض أن السموات السبع معروفة أيضاً في العهد الجديد: 2 كو (12: 2)؛ اف (4: 10). أما «أخنوخ السلافي» فقد تجوّل في السموات السبع، بل إنه يستطيع دخول السماء السابعة حيث يجلس الله على العرش(44)، وحيث تلقى ثوباً سماوياً. ونجد أيضاً أشياء مشابهة لما سبق في الأدب الفارسي(45). كذلك فإن «عهد الآباء الاثني عشر»(46) ، الذي يبدو، بحسب معرفتنا، أنه عمل لأحد المسيحيين(47)، يقول: «اسمعوا الآن ما سنقوله عن السموات السبع. السفلى هي الأظلم، لأن هذه تكون مهيأة لكل ظلم بشري. الثانية تحتوي النار، الثلج والجليد، المعدين لأجل يوم يصدر الرب أوامره، يوم القيامة. فيها توجد أرواح كل أولئك الذين يشهدون على الكفار. في الثالثة توجد قوات معسكر الجنود، التي تؤمر يوم القيامة، بالانتقام من أرواح الخاطئين والكذبة. لكن الذين في الرابعة التي فوق هذه مقدّسون. لأن في السماء التي فوق الجميع، توجد العظمة الكبيرة في قدس الأقداس، فهي أعلى من كل قداسة. في التي تتلوها توجد ملائكة وجه الرب، الذين يخدمون الرب ويتضرعون إليه من أجل كل خطأ للأبرار. وهم الذين يحضرون إلى الرب رائحة البخور والهدايا غير الملطخة بالدماء. في ما تحت ذلك يوجد الملائكة، الذين يحضرون لملائكة وجه الرب الإجابات. في التي تعقب ذلك، توجد العروش والقوات، وفيها تقدّم لله أناشيد التسبيح على الدوام»(48).

عن السموات السبع، يتحدّث أيضاً «باروخ الأبوكريفي»(49)، وكذلك «عهد ابراهيم»(50). وإذا ما أردنا أن نستشهد بأحد آباء الكنيسة، يمكننا تقديم ايريناوس للمقارنة(51): «septem quoque coelos fecisse, super quos demiurgum esse dicunt» «سبع سماوات صنعت يقال إن الخالق موجود فوقها».

في كل المواضع المذكورة آنفاً، كما في القرآن الكريم أيضاً (41: 12): «وأوحى في كل سماء أمرها»، يظهر بأن لكل سماء وظيفة. فبحسب تصوّر القرآن الكريم، نجد في السماء الدنيا مصابيح (41: 12): «وزيّنا السماء الدنيا بمصابيح»؛ قارن (37: 6)، (67: 5)، والتي تتطابق مع مفهوم ×ـصàصê (نوافذ) التي تُزَوّد(52) بها رقيعا في «بابا بترا» (74 آ) من التلمود البابلي. وبحسب تعاليم القرآن الكريم (17: 1)، يبدو أن المسجد السماوي الذي أُخِذ إليه محمد ليلاً موجود في السماء العليا، حيث الملائكة يقدّمون خدماتهم (عبادة) لله(53)، والتي توصف في (7: 206) «بالسجود»(54). ( من أجل طوبوغرافيا المسجد الأقصى، يمكن مراجعة كتابنا، حكايا الصعود )؛ أكثر من ذلك، يوصف شكل عبادتهم بأنه «تسبيح» (39: 75)؛ (40: 7)؛ (41: 38)؛ (42: 5). كذلك فالآية (40: 7) تشير إلى الصورة التي يقدّمها القرآن الكريم لما يحيط بالعرش الإلهي، حيث الملائكة المحيطون بالعرش الإلهي، يسبّحون بحمد الله، ويلتمسون الغفران للمؤمنين(55). في الوقت ذاته، السماء مزوّدة بحرس (حفظ). وتخبرنا (37: 6 ـ 10) عن الغاية من هؤلاء الحرس: «إنّا زيّنا السماء الدنيا بزينة الكواكب. وحفظاً من كل شيطان مارد. لا يسمعون إلى الملأ الأعلى ويقذفون من كل جانب دحوراً ولهم عذاب واصب. إلا من خطف الخطفة فاتبعه شهاب ثاقب». قارن: (15: 16 ـ 18)؛ (21: 32)؛ (25: 61)؛ (67: 5)؛ (85: 1). وفي موضع آخر من القرآن الكريم نجد أيضاً التصوّر عن وجود أرواح تسترق السمع. ففي (72: 1 ـ 11) أرادت جماعة من الجن الانصات إلى تلاوة القرآن الكريم. فجلست في السماء، التي كانت ملأى بالحرس والشهب، فطردت بالشهب. وفي (26: 210 ـ 212) يجب أن لا ينزل الشياطين مع الوحي القرآن الكريم، كي لا يستمعوا له. مع ذلك، ففي (26: 221 ـ 223) يسمح لهم باستراق السمع إلى الآثمين. لكن أمية بن أبي الصلت(56) يعرف أيضاً، أن الشياطين ترمى بالشهب(57).

وهكذا، ففي حين يتقاطع تصوّر السبع سماوات القرآن الكريمي مع مثيله عند اليهود، المسيحيين والغنوص، فإن تصوّر الأرواح التي تسترق السمع لا نجده إلا عند اليهود.ففي الحاغيغاه (16 آ)، نجد أن « éصقâظف قذ×صèظ شنèزصس: الشديم يسترقون السمع خلف الستارة»(58) . وفي مواضع أخرى نجد مسائل مشابهة أيضاً. فعلى سبيل المثال، في براخوت (18 ب) نجد أحد الأتقياء ينصت إلى روحين تتحادثان، فتقول واحدة للأخرى: «تعالَ، يا رفيقي، فنحن نرغب أن نحجل في العالم ونسترق السمع من خلف الستارة، لنعرف أي عقاب سيحلّ بالعالم». وبحسب حاغيغاه (14 ب)، ينشغل ح. يهوشوا وح. يوسي بالتعاليم المتعلقة «بمركبةحزقيال» قâéش قèغر: [صنع المركبة] حيث يحتشد الملائكة لاستراق السمع. وتقول بيراخوت (6 آ)، إن الشديم تحتشد في بيت التعليم(59)، وفي حاغيغاه (15 آ) يتلقى الملاك مططرون 60 سوطاً نارياً كعقاب. وأخبرت نداريم (39 ب)، أن الشمس والقمر أرادا أن يجعلا أنوارهما متوقفة على إعطاء الله لموسى حقه في قضية قورح رذصêش éâش ظصèص رشف ×وظف صêàêصê: عندئذ رموا بالسهام والرماح. هذا في رسائل التلمود.

لكن بركة ح. اليعيزر، الأحدث من سابقاتها، تتفق بأعظم ما يمكن مع الشكل القرآن الكريمي للقصة، تقول في الفصل السابع: صشقـذغظف éàنـص قزسصـêك صققçظف çسéêك قك شéقظفًًًغéشف âصـظف ـéقصâ سرè قذ×صèظ شنèزصس شك قêèسنظك رéرط éـ ذé ص×صضèظف ـذ×صèظشك ـقçصقك: «والملائكة الذين سقطوا من مواضعهم العالية وأماكن قدسيتهم في السماء، حين نزلوا، وراحوا يسترقون السمع من خلف الستارة، طردوا بقضبان نارية فعادوا إلى أماكنهم». لكن لم نصادف عرضاً مماثلاً في الأدب المسيحي. فقط في «الغنيزا، قسم الأخيار»(60)، يُقال إن الملائكة التي تخالف كلمة الله، تحاط بنار متوهجة.

يقول القرآن الكريم (41: 11)، إن السماء قبل أن تأخذ شكلاً كانت دخاناً: «وهي دخان». قارن: اشعيا (51: 6): éقظف غâéك àقـ×ص:[«السماوات كالدخان»]. أما في تك. راباه (4: 9) فتسمى النار عنصر السماء: ٌçèذ ذـشظف ـèçظâ éقظف èر ذقèأ ذé صقظفً èَ ذرذ رôغ ذقè قéصف èرأ àطـ شçرôش ذé صقظظف صنêغك ضشرضش، صقشك àâéص éقظف: « يُسَمّى الله الجَلَد سماء (تك 1: 8). يقول راب: (إن كلمة سماء éقظف: شميم: تعني): نار ذé: اش؛ وماء قظفأ ميم. ويقول رابا بار كهانا باسم راب: أخذ الله النار والماء ومزجهما، ومنهما أقام السماء». قارن: حاغيغاه (2 آ)؛ عدد راباه (12: 4)؛ تكوين راباه (10: 3).

وبرأي الهاغاداه، كان الماء والريح والنار موجودين قبل خلق العالم: (خروج رباه 15 : 22): أ éـé èظصê çسقص ذê شâصـفأ شقظف، شèص×، صشذ: [«ثلاثة خلائق سبقت العالم: الماء، الريح والنار»].

لكن السماء والأرض تُدعيان إلى الله بكلمات: «إئتيا طوعاً أو كرها» (41: 11)، وذلك لإعطائهما هيئة، فتجيبان: «أتينا طائعين» (41: 11). نشير هنا أولاً إلى اش (48: 13)، التي ربما أُسيء فهمها: ذم ظسظ ظلسش ذèه ٌقظàظ طن×ش éقظف çèذ ذàظ âـظشف ظâقسص ظ×سص :[«يدي بسطت الأرض ويميني بسطت السموات، أدعوهن فيقفن جميعاً»]. لكننا نستطيع من الآن فصاعداً أن نتخذ أساساً القصة التالية، والتي تروى في حاغيغاه (12 آ)، والتي تدعي أن العالم حقق مراده بالخلق أيضاً، وأن الله، حتى يضعه في حدوده، صرخ به:رéâش éèرذ شçرôش ذê شâصـف شظش قè×ظر صشصـع غéêظ نçâظصê éـ éêظ âس éزâè رص شçرôش صشâقظسصأ«حين خلق الله العالم، راح يتسع بشكل دائم مثل كبتي نسيج، حتى أتي به الله وأوقفه، كما يبرهن أيوب (26: 11) [«أعمدة السماء تتزعزع، وتفزع من زجره»]». وبحسب ح. ليفي، (المرجع ذاته)، فقد وضع الله البحر في حدوده بالطريقة ذاتها.

بحسب تعاليم القرآن الكريم (15: 6) (2مك)، فقد جمّل الله السماء بمهارة بالغة: «ولقد جعلنا في السماء بروجاً وزيّناها للناظرين». قارن: (37: 6) (2مك)؛ (67: 5) (2مك)؛(79: 29) (1مك)؛ و(85: 1) (1مك). وتحت كلمة «بروج»، يمكن أن نتلمّس صورة النجوم في دائرة البروج Zodiakus(61). لقد جاءت الكلمة من purgoz purkes , burgus، التي لا بد أنها تشير إلى أبواب المعبد القديمة عند البابليين، والتي تظهر في وقت لاحق بمعنى كواكب. في هذا السياق، لا بد أن نذكر عموس أيضاً (9: 6):شرصàش رéقظف قâـصêظص: [«الباني في السماء علياته»].

إضافة إلى ما سبق، نجد في أيوب (26: 13)، الإشارة إلى الأجرام السماوية كزينة للسماء: رèص×ص éقظف éنèش :[«بنفسه كنس السموات»]؛ وفي سيراخ أيضاً (43: 9): «مجد النجوم بهاء السماء، وهي زينة نيّرة من عُلَى الرب».

في القرآن الكريم يطلق على السماء أيضاً اسم «سبع طرائق» (23: 17) (2مك). قارن: قض (5: 20): [«من السماء قاتلت الكواكب، ومن مدارها قاتلت سيسرا»] ومز (19: 2): [«السموات تحدّث بمجد الله، والجلد يخبر بما صنعت يداه»] أيضاً.وفي بيراخوت (85 ب)، يقدّم لنا المصطلح التلمودي éرظـظ سèçظâ:[سبيلي درقيع] معنى مشابهاً.

لقد رفع الله السماء بغير عمد. أنظر: (13: 2) (3مك): «رفع السموات بغير عمد…». في ذلك يقول أيوب (26: 11): âقصسظ éقظف: «أعمدة السماء». كذلك فالسامريون(62) يصفون خلق السموات بطريقة مشابهة: éصقظش ذلçم رـذ âقصسظف: شميه اسقف بلا عموديم [«سُقفت السماء بلا أعمدة»]. ويقدّم أفراهاط، في الترتيلة 14، تعاليماً مشابهة(63). قارن أيضاً: حاغيغاه (12 ب)، حيث بالإشارة إلى أيوب (8: 6): [«ويزعزع الأرض من مكانها، فترتجف أعمدتها»]، تجري هنالك مناقشة تفيد أن الأرض تستريح على أعمدة. وربما أُسيء فهم هذا النوع من النظريات.

السماء لا تسقط على الأرض فالله يمسكها (22: 65) (1مك): «ويمسك السماء أن تقع على الأرض». لقد رفع الله سقفها (79: 28) (1مك): «رفع سمكها» ووسّعها (51: 47) (1مك): «وإنّا لموسّعون». وتصفها (21: 32) (1مك) بأنها «سقفاً محفوظاً»، أما في (50: 6) (2مك) فتوصف بأنها «مالها من فروج».

الميثة الثامنة

الأنوار في السماء ونظامها

الآية (10: 5) (3مك): «وهو الذي جعل لكم الشمس ضياء والقمر نوراً وقدّره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب (حساب الزمن)». قارن (71: 16) (2مك)، حيث يقال: «جعل الشمس سراجاً». أنظر أيضاً: (78: 12 ـ 13) (1مك): «وبنينا فوقكم سبعاً شداداً. وجعلنا سراجاً وهاجاً».

قارن أيضاً: الآيتين (6: 96 ـ 97) (3مك): «وجعل.. الشمس والقمر حسباناً، ذلك تقدير العزيز العليم. وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر…».

في تك (1: 16)، ثمة فرق بين وصف نور الشمس ووصف نور القمر، حيث يتم الحديث عن «النيّر الأكبر» للشمس، و«النيّر الأصغر» للقمر. لكن الشمس في القرآن الكريم لاتوصف فقط «بالضياء»،بل سراج(64) éèزذ = (سرغا) أيضاً، بعكس القمر الذي هو «نور» ليس إلا. لذلك فهي تمضي لأماكن استقرارها (36: 38): «تجري لمستقر لها». قارن بهذا الصدد: مز (104: 19)، وجا (1: 5). أمّا القمر فقد قُدّر منازل (36: 39 ـ 40)، «حتى عاد كالعرجون القديم»، «لتعلموا عدد السنين والحساب (حساب الزمن)».

ثمة‏ مواضع لاحصر لها في الكتابين‏ المقدّسين اليهودي‏ والمسيحي‏ والتي تتحدث‏ عن نظام أنوار السماء. فمثلاً،في تك (1: 4)،تعرف بأنها ـذêê صـقصâسظف صـظقظف صéàظف:[«علامات للمواسم والأيام والسنين»]. قارن أيضاً: «مزامير سليمان»(65)، (18: 10 ـ 12): «كبير وعظيم إلهنا، الذي يقيم في الأعالي، الذي ينظم الأنوار في مساراتها لحساب الزمن، سنة تأتي وسنة تذهب، ولا تحيد عن طريقها الذي أمرت به لها. في الخوف من الله تبدّل نهاراً بنهار، منذ خلقها الله، وإلى الأبد. وما أخطأت، منذ أن خلقها الله، منذ الزمن الأزلي لم تحد عن دربها، إلا إذا أعطى الله الأمر لعبيده» أنظر أيضاً: تكوين راباه (6: 1): ـقش àرèذê ـرàش؟ ـقصâسظف غسظ ـçسé ر×éرصàش èذéظ ×سéظف صéàظف: «لماذا خُلِق القمر؟ لأجل مواعيد الأعياد. ليقدّس حسابكم لبدايات الأقمار والسنوات». وفي شبّات (75 آ)، يعتبر من الخطأ، أن لا يُجرى حساب الزمن وفق دورات الأجرام السماوية. أما أفراهاط، فيقول في الترتيلة الثالثة والعشرين(66): «الشمس تنير من كلمتك، وبحسب إرادتك تدبر كامل خلقك. القمر يتبدّل بطريقة رائعة، فأنت أقمته من أجل تقسيم الزمن. أنوارك قسمتها إلى أعياد، وهي تزين كل الخلائق». وفي إحدى ملاحم الخلق المكتشفة في إحدى لقى نينوى(67)، يقال: «هو يجعل القمر الجديد يشع، يخضع له الليل، يجعله يعرف كجسد الليل، يجعل الأيام معروفة، وشهرياً يغطيه باستمرار بتيجانه الملكية، قائلاً: حين تشرق عند بدايات الأشهر على الأرض، عليك أن تأمر الأبواق، كي تجعل أيام السنة معروفة(68)» الخ(69) . ويلفت نظرنا نيلسن(70) إلى أنه في علم الفلك البابلي، تسمى دورة النجوم «سيراً» (ألكتو) والمجري «درباً» (حرّانو) ومستقراتها «مانزازو» أو «شوبتو». كذلك نجد هنالك أيضاً «منزلتو» = منازل(71).

وهكذا يمكن أن نجري تقاطعاً بين تصوّر القرآن الكريم لأنوار السماء والتصور اليهودي أو المسيحي لها.

بحسب تعاليم القرآن الكريم، فقد كتب الله، أن يراعي كل كوكب دورته، ويعلق (أصلاً: يسبح) في فضائه. أنظر: «كل في فلك يسبحون» (21: 33) (2مك). أنظر أيضاً: ( 40:36) (2مك)(72).

الميثة التاسعة:

النهار والليل

الآية (17: 12): «وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة لتبتغوا فضلاً من ربكم لتعلموا عدد السنين والحساب (حساب الزمن) وكل شيء فصّلناه تفصيلاً». قارن (25: 47) (2مك)؛ (28: 73) (3مك)؛ (6: 96) (3مك).

تذكّرنا بداية الآية المستشهد بها آنفاً قليلاً بالجملة الختامية في أيام الخلق الكتابية: «كان مساء، وكان صباح». لكن الوظيفة التي تضفى على «الأنوار» في السماء، بحسب التكوين (1: 14): ، لجعل حساب الزمن ممكناً، تأخذ بحسبانها هنا النهار والليل، بيد أن القرآن الكريم يضفي هذه الوظيفة على «أنوار» السماء أيضاً (أنظر 10: 5) (3مك)؛ (78: 13) (1مك)..

لكن الليل والنهار مقرر لهما، أن يتناوبا أبد الدهر (25: 62) (2مك): «جعل الليل والنهار خلفةً». أنظر أيضاً: ((2: 164) مد)(73) . قارن أيضاً : ( 29:31 ؛ 3 مك ) ؛ قارن: ( 35:13؛ 3مك )، ( 37:36؛ 2مك) أو أيضاً5: 39) ؛ 3مك)؛ و(27:3) مد )) .

يسبح اشعيا بحمد الله (45: 7) بوصفه خالقاً للنور والظلمة. قارن أيضاً: مز (104: 19)؛ مز (136: 8 ـ 9)؛ أي (38: 12).

وتقدّم الليتورجيا اليهودية من جديد هذه الأفكار بوضوح في صلاة المغرب: àصــ ذصè قنàظ ×éع ص×éع قنàظ ذصè صقâرظè ظصف صقرظذ ـظـ× صقرسظـ رظك ظصف صرظك ـظـ×: « يولج النور دون انقطاع في الظلام والظلام في النور. وهو الذي يجعل النهار يمر ويأتي بالليل، ويفرّق بين النهار والليل. « لكن مصدر هذه العبارة في الصلاة هو براخوت 11 ب.

كذلك نجد عبارات مشابهة في الأدب المسيحي، مثل أقليمنضس الأول (24: 3)، فلكس، أوكتافيوس (34)(74)، حيث يُشار إلى تعاقب الليل والنهار بجانب الإشارة إلى تعاقب الفناء والخلق في حياة الطبيعة. يقول أفراهاط في الترتيلة الثانية والعشرين موضحاً أيضاً»: تنهي الشمس دورتها من الشرق إلى الغرب في اثنتي عشرة ساعة. وحين تنهي دورتها، يحجب الليل نورها.. (75)«

أما الشاعر السرياني يعقوب السروجي فقد كرّس أحد الميمرات mëmr لتعاقب الليل والنهار(76).

إذن: إن التصور القرآني عن تعاقب الليل والنهار موجود أيضاً عند اليهود والمسيحيين.

لكن الليل، بحسب القرآن الكريم، مخلوق للراحة، والنهار للبصر. أنظر: ( 67:10؛ 3 مك ) :» وهو الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصراً. « قارن:( 6 : 96 – 97 )؛ (3 مك): » وجعل الليل سكناً والشمس والقمر حسباناً… وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر «؛ (88:27)؛ (2مك) » ألم يروا أنّا جعلنا الليل ليسكنوا فيه والنهار مبصراً«؛(61:40) ؛ (3 مك): » الله الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصراً. « قارن: عروبين 65 آ : ـذ ذظرèظ ـظـش ذـذ ـéظàêذ: لم يخلق الله الليل إلا من أجل السكينة.

الميثة العاشرة

الأشــهر

( الآية 36:9)؛ (مد): » إن عدّة الشهور عند الله إثنا عشر شهراً في كتاب الله يوم خلق السموات والأرض « . يتضح مما سبق أن هنالك رغبة بالقول، إن الله حدّد عدد الشهور عند الخلق(77).

من ناحية أخرى، نجد أن المدراش أيضاً، يعرف الرأي القائل، إن الله حدّد عدد الشهور عند خلق العالم. أنظر: خروج راباه (15: 12): قéè×è ×çرôش ذê âصـقص çرâ رص èéذظ ×سéظف : حين اختار الله عالمه، حدّد بدايات الشهور والسنوات. قارن: اخنوخ السلافي(78)، الفصل 65 (79).

الميثة الحادية عشرة

تسخير الله الأرض للبشر

الآية (31: 20) (3مك): «ألم ترَ أن الله سخّر لكم ما في السموات وما في الأرض». قارن: (22: 65)؛ (45: 12) (3مك). وهنا لا بد من المقارنة مع تك (1: 28)، ومع مز (9)(80).

الميثة الثانية عشرة:

نهاية الخلق. العرش الإلهي

العرش الإلهي مذكور في اش (6: 1)؛ حز (1: 26)؛ حز (10: 1)، وفي مواضع أخرى من العهد القديم. أما في مز (11: 4) ومز (103: 19)، فيقدّم العرش باعتباره موجوداً في السماء. لكننا في حاغيغاه (12 ب) نجده في السماء العليا حيث يعتبر المظهر الإلهي المكثف. وفي حين أنه، في التلمود، يُخْلق هذا العرش قبل خلق العالم (نيداريم (39 ب)؛ بساحيم (54 آ))، وذلك للتعريف بأنه كان موجوداً قبل الخلق وأثناء الخلق، نجد العرش الإلهي في القرآن الكريم فوق الماء. أنظر (11: 7) (مد): «وهو الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام، وكان عرشه على الماء، ليبلوكم أيكم أحسن عملاً». وهكذا يبدو أن القرآن الكريم يفترض وجوداً للعرش السماوي سابقاً لخلق العالم Prنexistenz.

تعلّمنا آبوت أيضاً (5: 1) أن الله امتلك بالخلق إمكانية فحص العالم المعنوي عينياً: رâéèش قذقèصê àرèذ شâصـف ًصقش êـقصس ـقصè صشـذ رقذقè ذ×س ظغصـ ـشرèذصê؟ ذـذ ـشنèâ قك شèéâظف éقذرسظف ذê شâصـف éàرèش رâéèش قذقèصê صـظêك éغè طصر ـوسظçظف éقçٍقظف ذê âصـف éàرèش رâéèش قذقèصê: «بعشرة أقوال خلق العالم. وماذا نتعلّم من هذا؟ ألم يكن ممكناً خلقه بقول واحد؟ لمعاقبة المجرمين الذين يفسدون العالم المخلوق في عشرة أقوال، ولمكافأة الأخيار الذين يحافظون على العالم المخلوق في عشرة أقوال ليس إلا».

يشير هيرشفيلد(81)، إلى أن تك (1: 2) وأن مز (104: 3) يعكسان صدى كون العرش الإلهي موجوداً على الماء. مع ذلك، لابد أن إحدى الحكايات قالت، إن العرش الإلهي المذكور آنفاً كان موجوداً فعلاً على المياه أثناء عمل الخلق. وهكذا، يفسّر راشي تك (1: 2)(82) ، فيقول: غلذ شغرصس âصقس رذٌè صق×م âـ نàظ شقظفر èèص× نظص éـ شçرôش: «عرش العظمة يقف في الفضاء ويتعلّق على المياه عبر نَفَس الإله». كذلك فإن بركة ح. اليعيزر، الفصل الرابع، تجعل العرش الإلهي معلقاً في الفضاء :êـٌ ـقâـش رذٌè:«معلّق فوق».

إذن: ربما يكون هذا العرض تطويراً لتكوين راباه (2: 6)(83). أو ربما يكون ثمة تأثر بالآيتين من زكريا (14: 8 ـ 9) حيث أسيء فهمهما.

لكن عمل الخلق الذي استغرق ستة أيام لم ينهك الله. أنظر: (50: 38): «ولقد خلقنا السماوات والأرض في ستة أيام وما مسّنا من لغوب». قارن: (46: 33) و(50: 15). كذلك نجد في الهاغاداه تصوّر عمل الخلق الذي لا يُتْعب. أنظر: تكوين راباه (12: 10):èَ رèغظش رéف èَ ظشصس× رè لظقصك ذقèأ رـذ âقـ صرـذ ظزظâش رèذ شçرôش ذê âصـقص :قال ح. بركيا باسم ح. يهودا بن ح. سيمون: بلا تعب ولا كد، خلق الله عالمه». لكن خروج راباه (13: 1)، يفصح عن هذا الرأي بوضوح أكثر: ذقè شçرôشأ ظçèش شظذ رâظàظ رàظ ذسف صèصذظك غذـص ظزظâش شظذ ـنàظ، صذظàش ظزظâش، éàَأ ـذ ٍâم صـص ٍزâ : «قال الله: تبدو (أيها الخلق) صعباً في أعين الناس، فهم يعتقدون أنك كلفتني الكثير من الجهد، لكن ذلك كان دون تعب، كما هو مكتوب في اش (40: 28).

في الآية (50: 38)، يبدو وكأن القرآن الكريم يطعن بمفهوم السبت اليهودي، ويرفض التصوّر القائل، إن الله استراح، كما هو وارد في تك (2: 2). من ناحية أخرى، فالقرآن الكريم في (16: 124)، يرفض السبت ذاته. لكن غولدتسيهر(84) يرى في الظروف التي أحاطت بالموقف من مفهوم السبت اليهودي، «مثالاً على أثر كامن لأفكار فارسية». فالبارسيون يقدّمون تعاليماً تتحدث عن ست أحقاب خلق، لكنهم لا يعرفون لعمل الخلق نهاية يُستراح فيها ويحاربون بالتالي مفهوم السبت اليهودي. لكن غولدتسيهر ذاته يقدّم رأيا آخر يقول، إن هذه «الوثيقة الهجومية» للفرس بمواقفها المعادية للكتاب المقدس ظهرت لأول مرة في وقت متأخر. مع ذلك فآباء الكنيسة كانوا معادين بشكل صريح للرأي اليهودي القائل، إن الله استراح بعد انتهاء عمل الخلق؛ من هؤلاء، مثلاً، افرام السرياني(85)، الذي يقول: «من أي عمل استراح الله؟ لأنه إذا كانت خليقة اليوم الأول، باستثناء النور، الذي أُخْرِج عبر الكلمة، خُلِقت عبر إشارة، وكل ما أُخْرج بعد ذلك، خلق عبر الكلمة أيضاً، كيف أوجب على الإنسان أن يؤمن إذن، أن الله طلب الراحة، ما دمنا نحن (البشر)، لا يمكن أن ندعى متعبين، لأننا نخرج خلال يوم بأكمله كلمة واحدة… تبعاً لذلك فالله لم يبارك اليوم السابع ولم يقدسه، باعتباره اليوم الذي وجد فيه الراحة؛ أنه لا يخضع لحكم التعب ولا العناء». قارن أيضاً: افراهاط. الترتيلة (13)(86): «هل علينا أن نقول إذن، إن الله استراح في اليوم السابع؟ لكن اسمعوا، أريد أن أعلمكم أن الله لم يتعب أثناء العمل في هذه الأيام الستة وهو بالتالي لم يسترح في اليوم السابع، لأنه لم يتعب. معاذ الله أن نقول، إن الله تَعب..» أما افرام السرياني فيرى أن الإنسان لا يستطيع أن ينسب التعب لله، ويدلّل على ذلك بآيات من الكتاب المقدس، مثل مز (121: 4). كذلك فإن اغسطينوس، «في مدينه الله»، (11: 8)، يجادل بإسهاب رافضاً الرأي اليهودي القائل إن الله استراح في اليوم السابع. قارن أيضاً، الكتاب ذاته (11: 31 وما بعد)(87) . تبعاً لذلك، فالقرآن الكريم حين يذكر عدم قابلية الله للتعب أثناء الخلق، يلتقي مع تصوّر آخر معاد للراي الاعتقادي اليهودي المتعلّق بإله يستريح، وهو تصوّر أقرب إلى التأثير المسيحي(88) منه إلى الفارسي.

لكن بعد انتهاء الخلق، يجلس الله على العرش الإلهي، ومن عليه يتدبّر الأمر (قذقèذ = مامرا). أنظر (10: 3): «إن ربّكم الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يدبر الأمر». قارن (57: 4). لكن الآية التالية (13: 2) (3مك) أكثر وضوحاً: «ثم استوى على العرش وسخّر الشمس والقمر كلّ يجري لأجل مسمى، يدبّر الأمر…». قارن: (20: 4 ـ 6) (2مك)؛ (32: 4 ـ 5) (3مك). وفي (22: 47) يُسمّى هذا اليوم الذي مقداره ألف سنة «يوماً عند ربّك». أما (70: 3 ـ 4) (1مك) فتتحدّث عن «المعارج»، حيث تعرج الملائكة والروح إلى الله، في يوم مقداره 50000 سنة مما نعدّ.

ووفقاً للرأي اليهودي، فإن الله استوى على العرش الإلهي، بعد انتهاء الخلق. ونجد هذا الراي، الذي يشير إليه غولدتسهير(89) أيضاً، في ليتورجيا السبت اليهودية:رظصف شéرظâظ شêâـش ٌéر âـ غلص غرصسص: «في اليوم السابع ارتفع الله وجلس على عرش عزّته». الرأي ذاته معبّر عنه بطريقة أوضح، نجده في مدراش أكثر حداثة:(90): ذقè èَ ظشصسش ذقè èرأ ـذ ظéر شçرôش âـ غلذ غرصسص âس éرذ éرê àêâـش ٌéر âـ غلذصأ« قال ح. يهودا باسم راب: لم يجلس الله على عرش عزته حتى حلّ السبت، عندئذ ارتفع وجلس على عرشه». بعد هذا العرض، دعونا نأخذ أحد البراهين من الأدب المسيحي. يقول: «اخنوخ السلافي» على سبيل المثال(91): «وأنا [الله] جعلت لنفسي عرشاً وجلست عليه».

أما «الأمر» الذي يوجهه الله وهو جالس على عرشه، والذي يذهب من السماء إلى الأرض ثم يعرج إلى الله في زمن مقداره يوم، يساوي ألف سنة مما نعد، فهو يعادل دون ريب قذقèذ في الترغوم. لقد حاول غريمه(92) أن يثبت فعلاً، أن أصل «الأمر» من جنوب الجزيرة العربية. قد لا تكون لهذا «الأمر» علاقة بمفهوم «اللوغوس» المسيحي، لأن هذا يُعَبّر عنه في القرآن الكريم بتعبير «كلمة الله»(93)، كما أن قذقèذ الترغومية، التي تعبّر عن اللوغوس، ليست مألوفة كثيراً في الأدب اليهودي المتأخر. لكننا لن نتحدث عن مدى معرفة البيئة القرآنية باللوغوس المسيحي من مصادره الأصلية. مع ذلك لا بدّ أن [قذقèذ ممرا] الترغومية كانت معروفة بين اليهود زمن محمّد،حيث كان الترغوم يُقْرأ إلى جانب النص العبراني(94)، كما يشير هورفيتس(95).

في القرآن الكريم نجد أيضاً لقبين لله يردان في التلمود، هما éغظàش شكينا وظçè يقار، وذلك بصيغتي «سكينة» و«وقار»: (2: 248)؛ (9: 26): [«ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين»]؛ (48: 4)؛ (48: 18)؛ (48: 26)؛ (71: 13).

في «حكمة سليمان»، يقال أيضاً، إن اللوغوس يتنزّل من السماء إلى الأرض: (18: 15). ويقدّم فيلو(96) معان مشابهة أيضاً، فيما يخص القدرة الإلهية.

لكن الإجابة أصعب على السؤال القائل، ما هو مصدر اليوم الذي يساوي ألف سنة، والذي يحتاجه «الأمر»، كي يعرج من السماء إلى الأرض. لقد كشف غايغر(97) وهيرشفيلد(98) أن هذا اليوم الذي يساوي ألف سنة، يتقاطع بأية حال مع الآية في مز (90: 4). من ناحية أخرى، يحتاج واحدنا إلى رأي الهاغاداه، من أجل الطريق من الأرض إلى السماء والتي تستغرق 500 سنة. أنظر: بيراخوت الأورشليمية (9، 1، 56 آ)؛ حاغيغاه (13آ)؛ بساحيم (94 آ)؛ وتثنية راباه (7: 7). وذكرى العدد خمسة موجودة فعلاً في القرآن الكريم (70: 2 ـ 3)، حيث تعرج الملائكة والروح إلى الله في يوم مقداره 50000 سنة.

لكن ربما سُمع أيضاً بأن اللوغوس شارك بعمل خلق العالم: يو( 1: 1، 14) حيث كان واسطة الخلق. قارن: فيلو(99) الذي يسمّي اللوغوس organon(¬) ؛ و4 عزرا (6: 38)(100) : «وكلمتك أتمّت العمل (الخلق)(101)».

عن العدد 1000 وأهميته في يوم القيامة، يتحدّث أغسطينوس في «مدينة الله» (20: 7 وما بعد). كذلك يُقَدّر زمن حياة العالم بستة آلاف سنة، وهو رقم يتناسب مع أيام الخلق الستة. أنظر: سانهدرين (96 آ) وأفراهاط، الترتيلة الثانية(102). وربما أن آراء اعتقادية كهذه وأخرى مشابهة أحدثت مجتمعة تصوّر الدرب التي تستغرق ألف سنة والتي يحتاجها اللوغوس للصعود إلى الآلهة.

لكن العرش الإلهي محاط بالملائكة الذين يسبّحون بحمد الله. أنظر: (40: 7 ـ 9): «الذين يحملون العرش ومن حوله، يسبّحون بحمد ربهم ويؤمنون به، ويستغفرون للذين آمنوا: ربّنا وسعت كل شيء رحمة وعلماً فاغفر للذين تابوا وابتغوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم. ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذريتهم… وقهم السيئات ومن تق السيئات يومئذ فقد رحمته، وذلك هو الفوز العظيم».

إن التصوّر الخاص بالعرش الإلهي، والذي يتحدّث عن إله تحيط به ملائكته يسبّحون بحمده، موجود أيضاً في مواضع كثيرة من الكتابين المقدّسين اليهودي والمسيحي. من تلك المواضع، نذكر بشكل خاص: 1 مل (22: 19)؛ اش (6: 1 وما بعد)؛ ورؤ (4: 1 وما بعد).

في حاغيغاه (13 آ)، نرى أن الأوفانيم، السرافين، الملائكة الخدم والعرش الإلهي موجودون في السماء العليا. لكن من المهم أن نعرف أنّ هذا التصوّر كان موجوداً كمدخل إلى الليتورجيا اليهودية، وقد كان مألوفاً بين اليهود زمن محمد(103). وكالعادة، نجد أيضاً أن الملائكة يستغفرون للمؤمنين. فعلى سبيل المثال، نصادف في «عهد لاوي»(104)، أن «الملائكة يتضرعون للرب كي يسامح الصالحين على آثامهم». ويوضح بوسيت(105) ، أن الحديث عن ميخائيل كشفيع عظيم، موجود غالباً في الكتابين المقدّسين اليهودي والمسيحي. لكن في «سفر طوبيا» يلعب رافائيل دور الشفيع (12: 12، 15). وفي سفر اليوبيل(106) (30: 2)، تذكر ملائكة الرحمة، الذين يرعون الناس أثناء حياتهم.

العرش الإلهي ذاته يُسمّى في القرآن الكريم: «العرش العظيم»(107) (9: 129؛ 23: 86؛ 27: 26)، «العرش الكريم» (23: 116)؛ و«العرش المجيد» (85: 15). أمّا في (2: 255) فيُسمّى العرس الإلهي «بالكرسي». الله ذاته يدعى «ذو العرش» (17: 42؛ 40: 15؛ 81: 20؛ 85: 15)، ويدعى أيضاً «رب العرش» (21: 22؛ 23: 86؛ 27: 26؛ 43: 82). في 1 صم (2: 8) واش (22: 23) نصادف تعبير غلذ غرصس [«عرش المجد»]؛ وفي اش (6: 7)، نصادف تعبير غلذ èف صàéذ [«عرش عال رفيع»]. والتعابير ذاتها موجودة أيضاً في الكتابات اليهودية ما بعد الكتابية؛ أنظر على سبيل المثال: حاغيغاه (12 ب)، لكنها تمر مرور الكرام في الليتورجيا اليهودية.