مضمون التنوير ( محاولة تركيبيّة )

{{العقل}}.

–ما هو مضمون العقل في فكر التنوير؟ أو بتعبير آخر: ما هو المقصود بعقلانية التنوير ..عقلانية القرن الثامن عشر، مقارنة مع عقلانية القرن السابع عشر ( ديكارت، مالبرانش، سبينوزا، ليبنز..)؟

–عموما ، فالفلسفة قامت –في اليونان- على أساس التفكير بمنطق العقل المتجاوز لمنطق الأسطورة (= التفكير الأسطوري).وكانت هذه هي لحظة اللوغوس (هيراقليطس) أو النوس (بروتاكوراس)…لحظة العقل الكوني أو الكلي (المحايث أو المفارق).وهذا ما حدد مجمل وكلية النظام الثقافي عامة والفكر الفلسفي خاصة في اليونان.

–ومع ديكارت-القرن السابع عشر- ستكسب العقلانية مضمونا جديدا متمحورا حول “فطرية العقل” باعتباره “أعدل الأشياء قسمة بين الناس”، والكوجيطو (=أنا أفكر أنا موجود)، وقواعد التفكير المنهجي الأربعة، وثنائية الوجود الصميمة (= الفكر والامتداد).لكن الرؤية الفكرية القائمة على أساس قابلية الظواهر الطبيعية للاندراج ضمن فهم عقلي كلي موحد بقيت ممتدة ومهيمنة. بل إنها (هذه الرؤية الفكرية) صيغت صياغات تجريدية وشمولية تحولت (بالخصوص لدى سبينوزا وليبنز) إلى بناءات نظرية جامدة تهيمن عليها روح المذهب L’esprit du système أو المذهبية. وعليه، فالعقل هنا –أساسا- هو ذو محتوى تأملي استنباطي يعكس سيطرة الرياضيات كنهج أولي وفلسفي في التفكير لدى عقلانيي القرن السابع عشر. وهذا ما سيتم تجاوزه في سياق تطور نهج البحث الفيزيائي الجديد المستند إلى مبدأي الملاحظة والاستقراء، بالشكل الذي سيكون له عميق التأثير على فلاسفة القرن الثامن عشر التنويريين. وعليه، ستتراجع النزعات المذهبية أو L’esprit du systèmeلصالح L’esprit systémique :”لا يلزم الاستباق بإقرار العقل على شكل معتقد مغلق. لندعه يتطور عن طريق المعرفة المتزايدة بالوقائع، وبالتالي يفرض نفسه تلقائيا بوضوحه وكماله [الذاتيين]. إن المنطق الذي يبحث عنه الجميع معتقدين العثور عليه في طريق العلم ليس لا المنطق السكولائي ولا المنطق المستند إلى مجرد التصور الرياضي الخالص. إنه “منطق الوقائع”. فليستسلم الفكر، إذن، لكل ثراء الظواهر، وليقس نفسه عليها بدون كلل: فبعيدا عن أن يضيع في خضمها، سيتيقن بأنه فيها سيجد حقيقته وقياسه الذاتي. وهكذا سنعيد وضع التبادل الحق والتعالق الحق بين “الذات” و”الموضوع”،بين “الحقيقة” و “الواقع”، وننتج بين هذه الحدود Termesشكل “التطابق” والتناسب الذي هو شرط المعرفة العلمية”1.

–إن مضمون العقل والعقلانية سيتسع في هذا المنحى-منحى فكر التنوير وفلسفته- ليشمل ليس وحسب نهج التفكير الفلسفي الجديد ، ولكن أيضا –وخصوصا- تقديم صورة جديدة للفيلسوف العقلاني –فيلسوف التنوير- الذي تتحدد العقلانية لديه في اكتساب فضائل التفكير الموضوعي السليم والسلوك الاجتماعي القويم ومعاداة نزعات الغلو والتعصب وتجسيد مثال الإنسان الشريف2 L’Honnête Homme.إن التنوير هو إعلان مرحلة خروج الإنسان من قصوره الذاتي و جرأته على استعمال عقله كما كتب كانط لاحقا.

{{2- الحرية:}}

–إن قدرة الإنسان على تجاوز قصوره الذاتي، وجرأته على استعمال عقله بعيدا عن كل خضوع ووصاية، يطرحان مسألة حرية الإنسان في بعديها الفلسفي والسياسي. وبالتالي،فمسألة الحرية ،هنا، مرتبطة بمسألة العدالة. وهذا ما تكشف عنه نصوص التنوير منذ المبحث حول الحكم المدني لجون لوك (1689) إلى العقد الاجتماعي لجان-جاك روسو ( 1762).

— ففي البدء، هناك مفهوم –أو مصطلح- الحقوق الطبيعية الذي يحيل على أفكار أو مثالات الحرية والعدل والخير التي مكمنها ليس عالم مفارق مزعوم (أفلاطون)،ولكن العقل الذي هو “الأعدل توزيعا بين الناس”.وبالتالي، فالإنسان يحمل في ذاته مصدر قيمه ومثله الأخلاقية بعيدا عن أي تدخل سلطوي خارجي (سلطة الدين أو سلطة السياسة).لذا لا غرابة أن يكون الصراع من أجل إقرار مبدأ وواقعة الحقوق الطبيعية قد اندرج –ومنذ كبار إنسانيي النهضة إلى عصر التنوير- في سياقين:

–الصراع ضد المذاهب الدينية الثيوقراطية.

–الصراع ضد السلطة الزمنية (الدولة).

–لكن ثمة إشكال –أو تناقض- يعترضنا: كيف يستقيم القول بالوجود العقلي القبلي للحقوق الطبيعية المستندة إلى أفكار الحق و الحرية والعدل… مع إقرار التجاوز المعرفي النقدي –في سياق نشأة فكر التنوير- للأفكار الفطرية كما قال بها ديكارت؟

–نجد هذا الإشكال-مثلا- مطروحا بحدة لدى فولتير الذي ذهب إلى حد معارضة لوك في هذا الصدد: فبحسب فولتير، إنّ قول لوك بعدم الوجود الفطري للأفكار عموما (ما ندركه ونتخيل أنه موجود لدينا دائما وقبليا هو ما يأتينا وحسب عن طريق الحواس) لا يعني ضرورة البرهنة على عدم وجود مبادئ أخلاقية تتميز بخاصيتي الثبات والشمولية ، إذا اعتبرنا أن هذا الوجود ليس بالواقعة المعطاة مسبقا و بصفة كاملة ، ولكنه نتيجة استعدادات فطرية تعمل التجربة الإنسانية -وحسب -على بلورتها ، و بالتالي اتتصاب المبدأ المنشود وكسب وجوده. وعليه،لا يعقل –يؤكد فولتير- أن يكون الكون خاضعا في شموليته لقوانين طبيعية ثابتة ولا يكون هذا –أيضا-حال المجتمعات البشرية وسلوك الإنسان تحديدا… بمعنى وجود مبادئ أخلاقية ثابتة –ثبوت القوانين الطبيعية، وشاملة –شمول النظريات الكونية. وهذا ما يتماهى مع ما ندعوه بالحقوق الطبيعية؟!

–في ذات السياق –سياق إقرار وجود الطبيعة الأخلاقية كمصدر لقيم الحق والعدل والحرية- يسير ديدرو والموسوعيون عامة، مع تضمين هذه الطبيعة نزعة مادية جامحة. فديدرو لا يرى من قيمة لـ”قوانين” الأخلاق إلا بمدى عكسها لنوازع الفرد والمجتمع العميقة،وعملها على تحقيقها كتطلعات ووقائع (= مبدأ النفعية).وبالتالي، فالحرية ينحصر مضمونها في مجال إدراك ضرورات المجتمع البشري كشرط لضمان إبراز وتحقيق الحقوق الطبيعية الأصلية.وهذا ما يضعنا وجها لوجه مع موضوعة حقوق الإنسان والمواطن و مبدأ التعاقد الاجتماعي بالشكل الذي عرضهما وحللهما روسو.

{{3 – التقدم:}}

–فكرة التقدم مرتبطة بالنظرة إلى أحداث التاريخ ووقائع المجتمعات من حيث هيمنة قيم الإيجابية والتحسين المستمر للنوع الإنساني. وبالتالي،ففكرة التقدم حديثة وترتبط-ذاتها- بتقدم فكر التنوير وترسخ فلسفته.

— فمبدأ السكون وفكرة الثبات ومنطق المحاكاة و التقليد هي التي هيمنت – كوقائع- على امتداد عصور الحضارات القديمة. ولدى اليونان لم يتغير هذا الأمر على مستوى الجوهر. فأفلاطون-مثلا- هو واضع نظرية ثنائية الواقع (= عالم المثل وعالم الواقع) ومحدد النظرة الدائرية للزمن التاريخي. وهذا ما سنجد له أثرا و امتدادا في العقيدة المسيحية المتمحورة حول فكرة الخطيئة الأصلية ومثال يسوع المخلص. كما أن تباعدا أصليا سيتقرر في هذا الصدد-مثلا- بين “مدينة البشر” [“واقع السقوط”] و”مدينة الله” (القديس أوغسطين:354 -430).

— و مع بداية اكتشاف الإنسان لإنسانيته وفردانيته وذاتيته، واتجاهه المتزايد نحو تقرير حرية إرادته في إصلاح نفسه ومجتمعه (النهضة،الإصلاح الديني…)،ستبدأ في الهيمنة فكرة قدرة الإنسان على تحقيق خلاصه الفردي والجماعي بدون الاعتماد المطلق على قوى و إرادات خارجية غيبية أو غيرها. وهذا ما برزت إرهاصاته الأولى – بالخصوص- لدى فرانسيس بيكون ( أطلانتا الجديدة) في أنكلترا، وبايل (القاموس التاريخي والنقدي) وفونتينل (حوار الموتى) في فرنسا. لكن كتاب مونتسكيو روح القوانين هو علامة فارقة في هذا الصدد3: مبدأ العلل الفاعلة وليس العلل الغائية هو ما يلزم إبرازه في سياق فهم “تنوعات” و”تبدلات” المجتمعات البشرية، وهذه العلل الفاعلة هي مرتبطة من حيث طبيعتها بالبيئة والجغرافية ونوعية الاجتماع البشري…ومن هنا أهمية التشريع –باعتباره فعلا بشريا- في تقرير مآل المجتمعات البشرية.

–وفي نفس السياق تندرج كتابات فولتير المؤكدة على قدرة التربية على “تغيير” الطبيعة البشرية، وبالتالي، إمكانية تحسين نوعية المجتمعات البشرية والتقدم بها بانتظام؛ كما تبرز هنا،أيضا،كتابات “الموسوعيين” عامة وأبرزها كتاب كوندورسيه المعنون بموجز تاريخي حول تقدم الفكر الإنساني .

–وفي ألمانيا تبرز فكرة التقدم مرتبطة بفلسفة التاريخ كما تعرضها-بالخصوص- نصوص هردر Herder (1744-1803): فلسفة أخرى للتاريخ ، وليسنج Lessing : تربية الجنس البشري، وكانط الذي يمكن اعتباره، وبمعنى من المعاني، فيلسوف التنوير بامتياز.

1- Ernst Cassirer: La philosophie des Lumières, p45.

2- Dumarsais , Encyclopédie, article “Philosophe”

3- كما تجدر الإشارة أيضا إلى كتاب آخر له أقل شهرة: نظرات حول أسباب عظمة الرومان وسقوطهم (1734).