
لا يمكن تقدير ما فعله الفنان الحبيب بوعبانة بالفضاء التشكيلي والثقافي التونسي. مازالت أصداء خطواته المترنحة الثقيلة يتردد صداها بقوة رغم وفاته منذ خمس سنوات. ومازالت أنفاسه اللاهثة المتلاحقة تُسمع في شارع الحبيب بورقيبة وسط العاصمة، حيث تتحلق نساؤه بأجسادهن السافرة ترتسم على وجوههن كل شهوات الأنثى وغرائزها وأوجاعها، صبواتها وتمزقاتها، تكابد ليلها الماجن الطويل، وتعوي من فرط اللذة والتهتّك، ومن فرط ما برّحت بها الآلام وداستها الأقدام.
كان بوعبانة فنانا شاملا ومنشقا ولا يهادن كائنا من كان، في الحياة كما في الأشكال والألوان. أعلن، منذ بدايته، تمرده على مدرسة مدينة تونس للرسم. وراح منتعلا حذاءً عسكريا يجتاح معارض زملائه، وكلما هيّجته الرداءة والزيف داس بحذائه العسكري ما صادفه من لوحات بائسة. هذا ما حدث فعلا وليس مجرد استعارة.
لم يكن يفذلك ولا كان يفتعل الغرابة ويوهم بالتميّز أو الاستثنائية، بل كان ساخرا سوداويا وكان عربيدا غريبا شديد الغرابة، وكان تميّزه استثنائيا لا يضاهى، يحارب على جبهات عديدة: ذاكرة البلاد. الذوق السليم، حسب تسليمه الضوئي وتناسبات أشكاله. الدفاع الباسل على الهامش والهامشيين. الالتحاف بالليل والنبش في ظلامه والتنديد بظلمه والتمتع بكل قطرة من سواده حتى الرمق الأخير، فضلا عن نصوصه وخربشاته ومناوشاته وحلقات أصدقائه من مختلف ألوان الطيف الثقافي والاجتماعي. أضف شموخه في قيامه وقعوده، في مسكه أو بسطه. في كلمة: إنه أسطورة ساحتنا الثقافية في مسيرته الحياتية وفي تجربته الفنية الفريدة والزاخرة بالعطاء الذي عمّر وأشرق في بيوت ومحلات عامة عديدة، بصفته كان يعيش من فنه، يبيع في كل يوم لوحة أو أكثر، لضرورة أكله وشرابه وسهره ولوازم شغله، بصورة جعلت الفن التشكيلي غرام الكثير من الناس في حاضرة تونس. لذلك فهو أسطورة بلاد، بحجم جغرافية تونس ومعنوياتها، في غياب مؤسف لأي إمكانية في أن تكون لنا أساطير ثقافية عربية معاصرة مشتركة.
أسطورة!!
الأسطورة لا تموت مهما كان ضيق حيّزها الجغرافي ومهما كانت الرغبة في خنقها وإلغائها أو التخلص منها. بل كلّما ضاق بالأسطورة المكان حضنها الوجدان واتسع لها الزمان.
يزداد تألق حضور الحبيب بوعبانة ميّتا أكثر بكثير من حضوره حيّا. تسكن الأسطورة الموت وفيه تزدهر بعد أن بذرت في الحياة أسباب الخلود بصخبها وصمتها واحتيالها ودسّها ومسّها وحسّها: بإبداعها المراوح بين جدل الخفاء والتجلي.
لست بصدد الكتابة عن الحبيب بوعبانه، لا عن شخصه وسيرته الذاتية الحافلة المغرية، ولا عن فنّه المثير العميم، ولا عن الغواية الإبداعية التي أشاعها، تذوقا وممارسة، في محيطه. إنما هي سطوة حضوره في غيابه حيث تأسس قبل سنتين، في ذكرى وفاته الثالثة، في مارس 2005، فضاء بنهج (شارع) مرسيليا بالعاصمة يحمل اسمه، وهو فضاء لا يحقّ لنا تسميته بالثقافي أو الفني أو الخدمي أو التجاري، لكن يحق لنا فيه التشبيه. فضاء يشبه الاسم الذي به تَسمّى: “فضاء الحبيب بوعبانة”، وكما شاعت تسميته بالفرنسية: ESPACE BOUABANA . فضاء فيه من الإبداع نصيب وافر، وفيه الجلسات والأمسيات والسهرات والنقاشات والمأكولات والمشروبات وما يتخلل ذلك من تجارة فنية ومداعبات ومناوشات وتحالفات وفكّ للتحالفات.
هنا يأتي دور الهاشمي غشام. هو صاحب فكرة الفضاء وهو المشرف عليه بمساندة أحمد علولو صاحب المكان. الهاشمي من رفاق الحبيب بوعبانة، بل من جلاّسه وملازميه، بل من المتتبعين له ومن المروّجين لفنه، بل من عشّاقه والمغرمين به، بل من أهله، بل من ورثته … بل، بل لعلّه كل هذا البَلبَل أو البُلبُل أو البلبلة!
الهاشمي غشّام، بحّار تونسي من عائلة البايات بالمهدية، ورث البحر وحبّ البحر ومهارة صيد السمك من والده الريّس. أمضى عشر سنوات ونيّف في فرنسا مسرحيا ومنشطا ثقافيا ومديرا إذاعيا، ثم عاد إلى تونس التي منها صدّعته ثقافة الغرب والكون أجمعين، وأعادت خلقه خلقا جديدا، بما يتناسب مع أصحاب الأذهان الخلاّقة، والقلق الروحي والوجودي الصميم، والمسارات التي تشق دربها في السفوح والوهاد، وهي تنشد بلوغ المرتفعات والأعالي. شأن تشييد العمارات الشاهقة عبر الغور بالأسس العميقة إلى ما يلزمها من بطن الأرض.
الهاشمي من أصحاب المبادرات الثقافية، آخرها فضاء بوعبانة الذي خصص فيه حيّزا للرسم له ولمجموعة تتنوّع من الفنانين التشكيليين. بعد الحيّز ينفتح الفضاء على مساحتين وفسحة لعرض الرسوم واللوحات والمنحوتات وما شابه، سواء منها تلك التي وقع الاشتغال عليها في الفضاء أو تلك التي تناسبت مع جوّ الفضاء وتوجهه الفني ومستواه وقيمه الجمالية من إبداع فرد أو أفراد. معرض مفتوح تتبدّل أعماله ومعروضاته كل شهر تقريبا، وفي محيط تلك المعروضات المعلّقة على الجدران ثمة معروضات بشرية تمارس حياتها اليومية أو شبه اليومية في الفضاء، متحلقة حول طاولات ذات ألحفة حمراء مكسوّة بأغلفة بيضاء وكراس منجّدة، حمراء هي الأخرى، لا تنفك آناء النهار وأطراف الليل، الرسومات الفنية واللوحات البشرية، تحتسي، ما سنحت لها به الجيوب والاندفاعات والأرصدة والديون، من مشروبها الموزع على كل الألوان من أحمر إلى وردي إلى أخضر وأصفر وأبيض وحليبي ومائي وما شاء الخيال وطفح الكيل واختلّ المكيال.
رسامون تشكيليون، من قدماء المحاربين ومن جنود الفن الجدد ومن المتطوعين ومن المتقاعدين ومن المتطفلين ومن المخذولين. مثقفون ضيّعوا ثقافتهم في طريق أو زقاق أو نشلت منهم أو قايضوها بشيء من الأشياء، وظلّوا يتذكرون ملامحها وعنوانيها ومصطلحاتها ومراجعها، ولا يأبهون، في ثملتهم الطويلة المزمنة، لغيابها، حسّا ومعنى. نقاد وشعراء وكتّاب كُتب عليهم أن تحترق الأوراق في أجوافهم ويستمر لهيبها مهما دلقوا عليها من شراب يزيد كحوله في استعار الحريق ولن يقدر على إطفائه أبدا. فتيان وفتيات الفنون التشكيلية بأجسادهم الطريّة التي أخذت جراثيم الفن في التسلّل إليها في غفلة من أصحابها، أطال الذكور منهم شعر رؤوسهم وثقبوا أنوفهم آذانهم وعلّقوا فيها حلقات الفضة، وقصت إناثهم شعر الرأس وعرّت السرر، في تدريبات أولى على أن يكونوا ويكنّ موديلات متحركة لرسوم قادمة سكنت أجسادهم قبل لوحاتهم. سياسيون مباشرون وعاطلون، معارضون، مناضلون في جمعيات حقوق الإنسان، محامون، موسيقيون ومسرحيون ومدرسون وأساتذة وجامعيون، موظفون، مرتشون، وشاة، مخبرون، زبائن الصدفة وعابرو سبيل…
حياة لونية وتشكيلية معلّقة على الجدران تحدّق في حياة بشرية تنتظر دورها في اللون والتشكيل والتعليق.
هنا يأتي دور مراد الزارعي. هذا السيد في أواسط الثلاثينات من عمره، له بسطة في الطول ومتانة في القامة واستواء في بنيته الجسدية الممشوقة، بما يضفى على جسمه ملامح ملاكم أو لاعب كرة سلّة. مدرّس جامعي في اختصاص له صلة بالرياضيات أو بالعلوم الطبيعية. يتمايل حين يمشي وحين يقف، يجمع الشراب إلى الرسم دون أن يرفّ له جفن. الفرشاة بيد والكأس باليد الأخرى والسيجارة بين الشفتين مثله مثل الهاشمي غشام والأمين ساسي وحليم قارة بيبان وأغلب الرسامين الحاليين الفاعلين في الساحة الثقافية التونسية. مراد يتعرّف على الرسم متسلحا بجميع حواسه، يشتمّ الألوان قبل أن يراها ويستعمل أنفه قبل يده، بل قبل مخيّلته، بل أحيانا يبدو بلا مخيّلة. يبدو كدابة خرافية تلتهم ولا تتخيّل، تقودها غرائزها التي لا تخطيء إلى حيث طرائدها وأسباب عيشها الرغيد، بلا مكدرات ولا محن. كأن جسده الرياضي يعمل على حماية روحه من أن تصاب بلوثة الفن. ولكن، هيهات! هل من الممكن أن تصمد الروح أمام لوثة الفن مهما كانت الحماية ومهما كانت التحصينات إسمنتية ومسلحة. ليس ثمة إجابة وافية على
هذا السؤال البديهي إلاّ ما يقدمه مراد الزارعي نفسه في معرضه الجديد بفضاء الحبيب بوعبانة بعنوان “لحظات فضاء”، والذي لا يجيب فيه فقط عن السؤال الآنف، بل يحدّد رؤيته الفنية أيضا، وهي أن الفن يمكن أن يكون سهلا ومتيسرا بصورة غير متوقعة، إذا التفت إلى محيطه واستوعبه، بل والتهمه.
وذلك، ببساطة، ما فعله مراد الزارعي. حوّل فضاء بوعبانة إلى مسرح افتراضي وأسكن الحياة في الرسومات ومزج الرسومات بالحياة. لم يمارس فن البورتريه كما هو معروف ومتداول. إنما كان عمله نوعا من المحاكاة الجادة أحيانا والهازلة المتهكمة أحيانا أخرى والقابضة بالزمن الهارب في كل الأحيان. وجوه لنماذج من روّاد الفضاء، في لوحات شخصية تكون خلفيتها رسم أو طيف رسم، نرى تعابيرها وحركتها، ذهولها، سكرها، تألقها، تأنقها، توهجها، انطفاءها، ما يبهجها وما يشقيها. وفي ذلك يتولى قيافة شخصياته، ويمنحها ألوان أمزجتها وروحها وحالتها، ويغمرها بالضوء الذي به تشعّ وتتحرك وتنهض بدورها، وتقول إلى الأبد قولها الذي تقول.
بورتريهات أو شبه بورتريهات أو بورتريهات ملعوب بها أو بورتريهات عصية على البورتريه، تلك جميعا لها مراجعها المعلومة في الواقع ولها أدوارها المرئية في اللوحات، ولها علاقات، أحيانا معلنة وأحيانا خفيّة، مع منشئ اللوحات، وهي بقدر ما تكشف لنا عن المدار الذي تتحرّك فيه عين الرسام، وما هي الزوايا والمناطق والأشكال والأحجام التي تسترعي انتباهه بصريا، تكشف لنا أيضا عن ذوقه ووعيه الجمالي ورؤيته للوجود والحياة. كأن تكشف لنا مثلا أن الزارعي يبحث عن نوع من الجذرية والحسم في الوجوه، بما هي روح وضوء وتعبير لا بما هي ملامح وأشكال، وليس له في ذلك منوال أو نمط للجميل أو القبيح، فالكائن البشري ليس قبيحا ولا جميلا بملامحه ولا بشبابه ولا بعمره ولكن بحالة تعبيره التي طيفها في الوجه. ضحكة رنانة، ذات أجراس، من فم سعيدة معلقة في الفضاء. هي مسألة فوق القبح والجمال، هي موسيقى. كذلك الشأن مع ظافر ناجي ومع فتحي العباسي ومع فتحي الدبك ومع القائد ومع أحمد الحاذق العرف ومع أحمد علولو وابنه ومع الأمين ساسي ومع ديك الفياشي، ولد سيدي عمر الفيّاش، صالح من صلاّح البلاد يواصل ابنه ديك الفياشي، لا ديك الجنّ، مزاولة الصلاح على طريقته في مثل هذه الفضاءات.
ثمة بورتريهات، وثمة محاكاة وليس ثمة وفاء في المحاكاة، وثمة لوحات جماعية، ضاجة بالحركة والحياة والضوء، وفيها لا تَستبين الوجوه في الغالب، إنما تستبين مقدرة الفنان مراد الزارعي على التأليف وعلى السرد واللعب والتفنن والتشويق، وعلى لياقته العالية في توجيه تحية حبّ وحنوّ للمكان ولأهل المكان، من موجودات وكائنات وحكايات، بل تحيّة يوجهها إلى نفسه بصفته منتميا إلى سلالة بوعبانة، أخير من أثار الزوابع، وليس آخرهم. حقا إنها وجوه من ألوان الطيف البشري تحتشد بها مدينة تونس بما يضفي عليها صفة المدنية، ويقتطف فضاء بوعبانة باقة منها ينقذها من الفناء وينذرها للقادم من الزمن، في سابقة تشكيلية هي الأولى من نوعها في تونس.