“مغارة” الإِخوان

بعد أَن أعلن طلاقه من جماعة الإخوان المسلمين، عقب لقائه – الأخير- بالمستشار مأمون الهضيبي، خرج ثروت إلى الشّارع مفعماً بغبطة لم يعرف مثلها من قبل، كانت تلك غبطة الخارج من أغوار “مغارة” مقفرة أمضى فيها سنوات من التّنقيب المملّ عن “خاتم سليمان” أو “سيف المهدي” أو “عصا موسى” أو أيّ شيء يشبه الحلّ السّحري لمعضلة التّأخر التّاريخي.

خرج من التّجربة في الأخير خاوي الوفاض إلاّ من ذكريّات وأخبار وعبر. لاذ إلى أقرب مسجد، وكان وقت الصّلاة قد انقضى، وانفضّ النّاس، وهكذا شاءت الأقدار أن تكون أوّل صلاة يقيمها عقب فراقه للفرقة “النّاجية”، صلاة فرديّة خارج الجماعة بالمعنيين: جماعة الإخوان وجماعة الصّلاة- وقد طاوعه القلم ليكتب عن تلك الصّلاة الفرديّة بكلمات رقيقة قائلاً:

“دخلت إلى المسجد وكان أوّل ما فعلته حين دخلت أن سجدت لله ربّ العالمين، كانت هذه هي سجدة الشّكر لله ربّ العالمين، وأثناء صلاتي شعرتُ بمذاق روحاني غريب لم أشعر به من قبل، كان هذا هو مذاق الحريّة عندما يختلط بالعبادة، آه ما أروع عبادة الأحرار! فررت بقلبي من تنظيم لا يعرف القلوب ولا يأبه للمشاعر… “.

بهذه اللغة البليغة والعبارات البارعة، اختار القيادي الإخواني السّابق ثروت الخرباوي أن يصف تجربته مع أوّل صلاة له عقب خروجه من “مغارة” الإخوان.

أمامنا الآن خلاصة صريحة ومذهلة: إن كانت وظيفة الصّلاة أن تعيد إلى النّفس سكينتها، وإلى الرّوح راحتها، وإلى القلب طمأنينته، فالمستنتج من اعترافات ثروت الخرباوي أنّ كافّة صلواته السّابقة داخل مغارة الإخوان كانت بلا طعم ولا مذاق، بلى، فقد كانت بطعم الحِيل والذرائع والتمويه، ولذلك لم تكن تمنحه أيّ شعور بالسّكينة ولا أيّ قدر من الاطمئنان.

بل إنّ الرّجل الذي نزَف نفسه ونسيَ نفسه في الإخوان –كما يقول في كتابه سرّ المعبد- لم يستمتع بالمذاق الرّوحي الحقيقي للصّلاة إلا بعد ابتعاده عن “مغارة” الإخوان.

نحن هنا لسنا أمام مجرّد صلاة من الصّلوات الاعتياديّة، بل نحن أمام لحظة فارقة من لحظات الوعي بالذّات، انتفاضة الرّوح الإنسانيّة ضدّ ثقافة الإملاء والإفتاء، ضدّ شريعة الولاء والبراء، ضدّ عقيدة الطّاعة والجماعة، وبالجملة ضدّ “سرّ المعبد” بلغة ثروت الخرباوي، وتحديداً “المعبد الغريق” باستعارة أحد عناوين بدر شاكر السّياب.

يتابع اعترافاته بكلّ جرأة وتجرّد:

“كانت آخر أيّامي في تنظيم الإخوان هي أسعد أيّام حياتي، ويا لها من أيّام أدرك قلبي فيها أنّ تنظيم الإخوان كان سراباً يدفعني نحو التّيه، كنت قد عقدت العزم على التّخلّص من تلك القيود الثّقيلة التي أقعدتني وعرقلتني وحاولت تكبيل أفكاري، فالنّفس السّويّة ترفض الاستبداد حتّى ولو كانت قيوده من ذهب”.

والمؤكّد أيضاً أنّنا لسنا أمام مجرّد تجربة يتيمة أو فريدة أو نادرة، بل نحن أمام تجربة تكرّرت مرّات ومرّات، لأشخاص نفضوا غبار الذلّ عن ذواتهم، وشقّوا عصا الطّاعة عن شيوخ “المغاور”، وعادوا إلى الدّنيا أكثر عشقاً وشغفاً بالحرّيّة وبأشعّة الشّمس الذّهبية، منهم من روى روايته ومنهم من واراها النّسيان، وقد بدّلوا تبديلا جميلا.