مفهوم العقل

هناك جملة من المبررات تفرض مطلب تحديد مفهوم العقل، فهو من بين المفاهيم المتداولة بكثرة ولكن دون تحديد دقيق في الغالب، كما أنّ اللحظة التاريخية الّتي يمرّ بها العرب بشكل خاصّ، تفرض مثل هذا المطلب؛ فالصراع بين القولين النصّيّ الإيمانيّ النقليّ المنغلق على ذاته من جهة، والقول العقليّ النقديّ المنفتح على الإثراء والتطور الدائمين من جهة ثانية، من استتباعاته التوجّه ناحية تدقيق هذا المفهوم والمفاهيم المجاورة له مثل العقلانية والتعقّل والمعقولية وإن كان المقام هنا لا يسمح بإنجاز هذه المهمّة كاملة.

وغنيّ عن البيان أنّ مهمّة التحديد هذه فلسفيّة بامتياز، فالفيلسوف رسّام حدود، بعبارة لويس ألتوسير، كما أنّ الفلسفة معنيّة ليس فقط بمساءلة المفاهيم المتداولة وإنما أيضا بنحت ما لم يظهر منها بعد إلى الوجود، رغم ما يفترضه الواقع الحيّ من تأسيس لها فمجالها المخصوص كما يشير إليه جيل دولوز وفليكس قاتاري هو صنع المفاهيم ونحتها.

يحتاج مفهوم العقل إذن إلى تحديد وتدقيق، فدلالاته مترامية الأطراف مما يستوجب تسييجها، فمهمّة التقييد والضبط هي من بين مهامّ العقل نفسه، واللافت هنا أنّ تحديد ماهية العقل، واختبار قدراته، ورسم حدوده ومجالاته يضعنا مباشرة إزاء العقل من حيث تفكّره في ذاته بذاته، فالعقل ومن خلال الفلسفة على وجه التحديد لا يفكّر فيما هو خارجه فقط، وإنما يسائل أيضا ذاته مرتدّا إلى الداخل.

وبالعودة إلى ما هو ايتمولوجيّ، يمكننا ملاحظة أنّ العقل يفيد في لغة العرب التحديد والتقييد بما من شانه أن يمنع الانزياح عن الوجهة المطلوبة، فارتبط من ثمّة بكلمة أخرى لصيقة به وهي كلمة العقال الذي تقيّد به ساق الناقة حتى تلزم مكانها ولا تبرحه.

وفي اللغة الفرنسية فإنّ كلمة عقل : raison مشتقّة من الكلمة اللاتينية : ratio التي تفيد معنى الروابط والصلات المتبادلة بين أمرين، وبالتالي الحساب الدقيق للعلاقات بين الأشياء، أما في اللغة اليونانية فإنّ كلمة logos تعني الخطاب والنظرية والكلام حول إشكالية ما.

وإذا عدنا إلى ما هو فلسفيّ وحاولنا الإمساك بجذر المفهوم مدار بحثنا وعاينّا لحظة انبثاقه، فإننا سنجد أنّه كان يونانيّ المنشأ ونعنى هنا نحته بالمعنى الذي يسوقه دولوز وغاتاري في كتابهما ما هي الفلسفة؟ فإذا كانت الفلسفة هي فنّ تكوين المفاهيم واختراعها وصنعها، فإنّ الفلاسفة اليونانيين القدامى برعوا في هذا الفنّ، وكان من بين ما نحتوا من المفاهيم مفهوم العقل، وتمّت عملية النحت تلك في خضمّ صراع الفلسفة مع الذهنية الأسطورية السائدة في زمانهم.

لقد سبقت الأسطورة الفلسفة بالمعنى التاريخيّ للكلمة، ومثّلت على المستوى الإيديولوجيّ التعبير عن المجتمع المشاعيّ البدائيّ، قبل أن تمارس تأثيرها على شعوب بأسرها، من حيث هي نظرة مخصوصة للكون وموقع الإنسان فيه، لأجل هذا لم ترتبط الأساطير بأفراد من حيث المنشأ وإنما بجماعات، فالفرد لم يكن له وجود إلا من حيث هو جزء ملحق بالجماعة التي منها يستمدّ قيمته، يقول

أ. ف . لوسيف ” هناك كانت العشيرة هي التي تفكّر وتحدد أهدافها، ولم يكن الفرد ملزما بأن يفكّر لأنّ العشيرة كانت هي عنصر الحياة”، تاريخ علم الجمال القديم، موسكو 1963.

وفي المقابل، فإنّ الفلسفة لم تنشأ إلا مع ظهور المجتمع الطبقيّ، حيث تشكّلت الملامح الأولى للفرد المفكّر، لأجل هذا تنسب الفلسفات إلى طاليس أو سقراط أو أرسطو على سبيل المثال، فهي من إبداع الذات المفكّرة، ومن هذه الزاوية كان من اللافت ذلك التصادم بين الفلسفة والأسطورة الذي من بواكيره تعارض منظومات الفلاسفة الأوائل مع أساطير زمانهم، إذ “يتّفق ظهور الفلسفة القديمة مع فترة تشكّل المجتمع الطبقيّ، عندما كانت الأساطير لا تزال الشكل السائد للوعي الاجتماعيّ، والواقع أنّ الفلاسفة الأوائل كانوا فلاسفة لمجرّد أنهم دخلوا في صراع مع النظرة الأسطورية التقليدية إلى العالم” تيودور وايزرمان، تطور الفكر الفلسفي.

في هذا الخضمّ بالذات انبثق اللوغوس، فقد نشأت الفلسفة كقول يحيل على العقل ويجد في الدهشة كما بيّن أرسطو دافعا له، وينصبّ على سائر القضايا لمساءلتها وفهمها طلبا للحقيقة والحكمة، وذلك مقابل الأسطورة / الميثوس القائمة على التسليم والإيمان والتقديس.

لقد قدّم الفلاسفة الأوائل تفسيرات جديدة للكون فأرجعوا أصله إلى العناصر الأربعة ( الاسطقسات ) وهى الماء والهواء والنار والتراب، أي إلى أصول مادية بحتة. وهكذا فإنّه مقابل التفسيرات التقليدية التي تضمّنتها الأساطير نشأت تصوّرات فلسفية مغايرة تقوم مقام النقيض منها، فإذا كانت أساطير اليونانيين تقول مثلا إنّ ما نسمّيه درب التبّانة هو لبن هيرا المسكوب في السماء، فإنّ الفلسفة في شخص ديمقريطس قد بيّنت أنّها ليست إلا عددا لا يحصى من النجوم. كما أنّه إذا كانت الأساطير قد أضفت على الشمس صفات قدسية فإنّ أنكساغوراس قد بيّن أنها ليست أكثر من كتلة من الصخور المحترقة. ولدى فلاسفة العرب يبرز اسم ابن رشد الذي تشير بعض الروايات التاريخية أنّ السبب في النكبة التي ألمّت به وأدّت إلى حرق كتبه ونفيه هو تشكيكه في القصّة القرآنية القائلة بفتك ريح عاتية بقوم عاد، فقد قال إنّ قوم عاد لم يوجدوا أصلا فما بالك بالريح التي قضت عليهم !!، ممّا يعني أنّه قد يكون أدرك اختراق الأساطير للأديان التوحيدية رغم التصادم الظاهريّ بينها، فأساطير الأوّلين تنام في الكتب المقدّسة للاحقين. وفي الحالتين فإنّ ما يلاحظ هو انقلاب الأدوار فالمخلوق يصبح خالقا والخالق مخلوقا، يقول ماركس وأنجلس في الايدولوجيا الألمانية ” اصطنع البشر باستمرار حتى الوقت الحاضر تصوّرات خاطئة عن أنفسهم، وعن ماهيتهم وعمّا يجب أن يكونوه، ولقد نظموا علاقاتهم وفقا لأفكارهم عن الله، والإنسان العاديّ. ولقد كبرت منتجات عقولهم هذه حتى هيمنت عليهم، فإذا وهم الخالقون ينحنون أمام مخلوقاتهم”.

لقد عبّرت الأسطورة عن الإنسان في لحظة تاريخية كان فيها عاجزا عن فهم الظواهر المحيطة به، فأضفى عليها القداسة وظلّ يمتدحها في طقوسه ومعتقداته أملا في استجلاب رضاها، ولم تكن الفلسفة من حيث نشأتها إلا محاولة لفكّ قيد ذلك التقليد والاتجاه ناحية تقديم تفسيرات عقلية من موقع الفرد المفكّر، المتمرّد على الجماعة المستسلمة لقداسة موهومة.

ورغم أنّ بعض الفلسفات لم تكن هي بدورها نقيّة تماما من تأثير الأساطير الرائجة في زمانها، فإنّ الاتّجاه العامّ الذي سارت فيه الفلسفة كان اتّجاها متصادما مع الأساطير كما ذكرنا.

لقد تعلّق الأمر بتناقض حادّ بين اللوغوس والصوفيا من جهة، والميتوس الدوكسا من جهة ثانية، وكما يقول وايزرمان فإنّ تناقضا بين الإيمان والمعرفة قد نشأ مع البداية الأولى لانبثاق الفلسفة، فالإيمان مجاله العقائد المغلقة والطقوس المكرّرة، بينما المعرفة مجالها الحقائق والمناهج والمفاهيم والنظريات المتجدّدة دوما.

ورغم تعبير الأسطورة عن تمثّلات خيالية للواقع، وافتقارها إلى البعد العقليّ بمعناه البرهانيّ، فإن النظام لا يعوزها، إنّها تضفي معنى محدّدا على الظواهر وتطلب بالتالي تفسيرها وتحقيق السيطرة عليها.

لم تفصل الأساطير بين الذات والموضوع وإنما نظرت إلى الظواهر جميعها نظرة إحيائية ذاتية، وهو ما يعني أنها لم تخطُ تلك الخطوة الفاصلة نحو التمثّل العقليّ البرهاني للكون. لقد تمثّلت العلاقة بين الإنسان والطبيعة كما لو كانت علاقة بين الأنا والأنت، لا بين الأنا والهو، كما بيّن ذلك فرانكفورت في كتابه ” ما قبل الفلسفة ” الذي يقول فيه “إنّ ترابط الذات والموضوع، هو بالطبع أساس التفكير العلمي كله، وهو الأمر الوحيد الذي يجعل المعرفة العلمية ممكنة، أما أسلوب الإدراك الثاني فهو المعرفة المباشرة الغريبة التي نكتسبها عندما نفهم كائنا يواجهنا كأن نفهم خوفه أو غضبه، وهذا الضرب من المعرفة لنا الشرف أن نشارك فيه الحيوانات”. ويمضي فرانكفورت بهذا التفريق لكي يبلغ به حدوده القصوى، ففي الأسطورة يكون الإنسان منفعلا بينما في العلم والفلسفة يكون فاعلا.

وكما ذكرنا، فإنّ هذا الفارق ينعكس على الخصائص المميّزة لكلّ من الفلسفة والأسطورة، من حيث أنّ الأولى تحيل إلى التفكير والتجريد والبرهان، بينما تحيل الثانية إلى العواطف والانفعالات والذاتية والإيمان.

تمحو الأسطورة إذن الحدود الفاصلة بين الكائنات الجامدة والكائنات الحية فهي تنظر إلى الكون كله نظرة إحيائية فـ ” العالم لا يبدو للإنسان البدائي جامدا أو فارغا بل زاخرا بالحياة ” فرانكفورت. ولهذه الاعتبارات فإنّ الأساطير عبارة عن حكايات تروى بخصوص هذه الظاهرة أو تلك، فالغالب عليها هو الأسلوب القصصيّ، أمّا التحليل بما يستدعيه من تعليل منطقيّ واستنتاج برهانيّ، فإنّه الغائب الأكبر.

لقد خلص فرانكفورت إلى تعريف الأسطورة على النحو التالي “الأسطورة ضرب من الشعر يسمو على الشعر بإعلانه عن حقيقة ما، ضرب من التعليل العقليّ يسمو على التعليل بأنّه يبتغي إحداث الحقيقة التي يعلن عنها، ضرب من الفعل أو المسلكية المراسمية لا يجد تحقيقه بالفعل نفسه ولكن عليه أن يعلن ويوسّع شكلا شعريا من أشكال الحقيقة”، كاشفا بذلك عن المفارقات التي تلازم بنية الذهنية الأسطورية.

وبهذا فإنّ الفلسفة من حيث النشأة كانت بمثابة إفلات للفكر من قبضة الميتوس، حيث برز ذلك التقابل بين الذات والموضوع، بين الأنا العارفة والموضوع المطلوب معرفته، وانحطت بذلك الأساطير والأديان إلى مستوى العقبات الابستمية الواجب إحداث قطيعة معها، فاتجه الفكر ناحية التجريد أكثر فأكثر، مرتدّا على ذاته محاولا رسم حدوده ورصد قدراته.

وضمن هذا المجال بالذات وعلى مدار تاريخ الفلسفة سيمثّل العقل إشكالا بحدّ ذاته، فتمّ اعتباره من طرف فلاسفة اليونان وفلاسفة العرب ملكة وقوّة من قوى النفس وظيفتها استنباط الحقائق، فهو الذي يفصل ضمن الأشياء بين صورها وجواهرها وحقائقها من جهة، وبين طابعها الحسّي وأعراضها من جهة أخرى، به نجرّد الظواهر من طابعها الحسّي لكي ندرك صورها الكلّية والمقولات العقلية التي تتحكّم بها مثل السببية والجوهر والعرض والمكان والزمان، وبالتالي فإنّه يمكّننا من تعقّل المسائل وفهمها بتجاوز ما هو حسّي وجزئيّ ومتعدّد إلى ما هو مجرّد وكلّيّ وواحد، لذلك عرّفه الكندي في كتابه : رسالة في حدود الأشياء ورسومها بأنه ” جوهر بسيط مدرك للأشياء بحقائقها”.

وسواء تعلّق الأمر بفلاسفة اليونان أو فلاسفة العرب، فقد تمّ النظر إلى العقل في صلة وثيقة بما هو ايتيقي، فبحضور العقل تكون الفضيلة وبغيابه تكون الرذيلة.

وضمن الأبستمية الكلاسيكية والوسيطة ساد الحديث عن العقل في وحدته وإن اختلفت مجالات بحثه، فهناك العقل النظريّ ومجاله مباحث مثل الرياضيات والطبيعيات والميتافيزيقا والمنطق والرياضيات، وعقل عمليّ ومجاله السياسة والأخلاق، ولكنّ العقل يظلّ بالمعنى الأنطولوجي جوهرا مفارقا متفردا، أزليا ومطلقا، لأجل هذا يعرّف الفارابي القوّة الناطقة (العقل) في كتابه فصول منتزعة بأنها “هي التي يعقل بها الإنسان، وبها تكون الروية، وبها تبنى العلوم والصناعات، وبها يميّز بين الجميل والقبيح، وهذه القوة منها عمليّ ومنها نظريّ”.

هذه النظرة سيطاح بها لاحقا، حيث تمّ الانتقال من التحديدات الجوهرانية السكونية للعقل الأقرب إلى اللاهوت والميتافيزيقا، إلى التحديدات المتبدلة المتغيرة والنسبية، فأضحى ينظر إليه باعتباره قدرات ومهارات وتقنيات ومناهج تمكن من الاستدلال والبرهنة، وهي تختلف باختلاف مراحل التاريخ ومجالات البحث. كما أمكن بيولوجيا وأنتروبولوجيا وسيكولوجيا البرهنة على أن الإنسان لا يولد ومعه عقل وإنما يكتسب العقل بفعل التنشئة الثقافية الاجتماعية، مما يعني أن العقل لا يمثل ملكة فطرية وهبتها العناية اللاهوتية مثلما يشير إليه على سبيل الذكر حديث منسوب إلى نبي الإسلام يقول فيه :” لما خلق الله العقل قال له: قم، فقام، ثم قال له: أدبر، فأدبر، ثم قال له: أقبل، فأقبل، ثم قال له: اقعد، فقعد، فقال: ما خلقت خلقاً هو خير منك، ولا أفضل منك، ولا أحسن منك، ولا أكرم منك، بك آخذ، وبك أعطي، وبك أعرف، لك الثواب، وعليك العقاب”، بل العقل نتاج للحياة الاجتماعية التاريخية، وهو ظاهرة إنسانية حيّة موسومة بالنسبية والتغير، إنّه يقيم في التاريخ ويؤثّر ويتأثّر بتطوّراته وتراجعاته.

وبهذا تمّ التأكيد على أنّه إذا أردنا معرفة العقل توجّب الانتقال من فكرة التعريف إلى فكرة التعيين، أي تنزيل العقل ضمن هذه الفترة أو تلك من فترات التاريخ، وضمن هذه الحقل المعرفيّ أو ذاك، على النحو الذي يصبح فيه الحديث عن معقوليات متكثرة في الرياضيات والفيزياء والحقوق والسياسة والطبّ والفلسفة الخ ..أمرا مشروعا. وهذا ما تنبّه إليه الياس مرقص في كتابه نقد العقلانية العربية بقوله متمثلا موقف هيجل من الإشكالية ذاتها: “ليس هناك تعريف، ويجب أن ندين مذهب التعريف أو عقيدة التعريف لصالح فكرة التعيين”.