مقطع من رواية حراس الهواء

في ممرّ السفارة الطويل كانت تهرول!

حذاؤها الشرقي من جلد البقر، الذي لا تنتعل إلاه، يكاد لا يطأ الأرض الصقيلة، وذيل الفرس يتطوّح مناوشاً ظهرها.

بدت أشبه بجارية من عصر الرشيد، تخبّ في ممرات قصر الخلافة رافلة في سروال رهيف فضفاض أرجواني اللون مزموم عند كاحليها. لا أعرف حقيقة من أين استطاعت الحصول عليه في مدينة كدمشق وفي أوائل الألفية الثالثة!!

لم أتمكن من اللحاق بها آخر الممر حتى كادت أنفاسي تتقطع:

– مدام.. مدام صوفي!!

استدارت دهِشة كأن شيئاً لم يكن، وابتسمت تحييني.

من يرى وجه مدام صوفي، مديرة العلاقات العامة في السفارة، لن يقتنع أنه لظهر المرأة نفسها! من الخلف لن أصدق أنها تجاوزت الخامسة عشرة أو السادسة عشرة على أبعد تقدير، أما وجهها فيغصّ بتجاعيد دقيقة تحوّل صفحته الناصعة إلى ما يشبه ساحة حرب.

– بليز مدام صوفي كنت أريد أن أقول لك شيئاً..

– Yes؟!!

لم تطلب مني الدخول إلى مكتبها! مستعجلة كالعادة إذاً. وقفت منتظرة كلامي، تصالب ساعديها على صدرها. وأنا قررت أن أقنص الفرصة من فوري، وأبدأ بطلبي.

بادرتها بعربية فصحى:

– بليز مدام صوفي، علينا أن نغير ترجمة كلمة officer. لفظة ضابط وحدها تجعل أولئك المساكين يرتجفون والدماء تصعد إلى وجوههم.. لا يمكن لأي عربي أن يتخيّل ضابطاً مدنياً!

– …!!

– إنه تاريخ طويل عشّش في خلايا المخ، وليس من السهل تغييره!!.. Well, I know that الدقة في الترجمة هي المطلب الأول، لكن طرقات قلوبهم تصلني من بعيد كعصفور في قبضة صياد.. هل تفهمين عليّ مدام؟.

الاستغراب، كل ما كان ينضح به وجه صوفي. مصغية كانت دون أي تعبير آخر على ملامحها. ربما كان شرحي غير وافٍ! خاصة أن تغيير أية كلمة في الترجمة سيتطلب إقناعاً أكبر بالتأكيد، هذا إذا لم أطالب برفع كتاب خطّي إلى مكتب السفير!.

سهمت مدام صوفي برهة في قبضتي المتشنجة أمام وجهها والقابضة على عصفوري الأثيري. كان وجهها قد انبسط لكنها متجهمة وجديّة على غير عادتها! اعتقدت للحظات أنها ستستدير من فورها لتعود إلى الهرولة بعيداً عني.

لكن قبضتي لم تكد تسترخي، لتهوي إلى جنبي، حتى ابتسمت صوفي ببطء، ثم مدّت يدها لتربّت على كتفي.

– برافو أنات.. برافو.. أنت رائعة.

قالتها بعربية مجعلكة، وأردفت:

– بالنسبة لي هذه المحبة في قلبك أهم من الدقة الحرفية للترجمة.. قلبك عطوف بين أضلاعك الصغيرة.

قصدت أضلاعي الضئيلة ربما!

أنهت جملتها، وبشّرتني بابتسامتها العريضة التي تظهر كامل اصطفاف أسنانها اللامعة. ابتسامة بيضاء كوجهها الذي لا يحمل أية قسمات عربية.

– Do what ever you think is the best

شدّت قبضتها على كتفي قبل أن تتركني وتبتعد في الممر الطويل مؤرجحة شعرها.

صحت بأثرها:

– مدام.. ما رأيك بكلمة Boss، أليست أفضل؟

رفعت إبهامها عالياً علامة الأوكي دون أن تلتفت إلي، واستمرت في خطواتها العجلى التي يسمع حفيفها فحسب بين الجدران الباردة.

لوهلة بُعثت داخلي روحٌ طازجةٌ حيّة. سعادة خيالية راحت فجأة تطوّحني بين الغرف الكثيرة المتماثلة على جانبي الممر الطويل.

وافقت مدام صوفي على اقتراحي.. هكذا بمنتهى البساطة!

لا أدري كيف تحمل تلك الكندية الباردة، البيضاء كالجبنة، هذه الروح! لديها قلب نقيّ خالص، ربما كان الشيء الوحيد الذي ورثته عن أبيها لبناني الأصل. قالت لي يوماً إنه قضى حياته يتنقل بين بلدان العالم في سيارات الإسعاف التابعة للصليب الأحمر. لم يشتعل نزاع في أي من مناطق العالم إلا حضره، لم تنشب حرب إلا كان في الكاست الطبي فيها!

ربما كان في الأمر مبالغة ما! لكنه، كما قالت لي صوفي، كان شاهداً في حرب دارفور، في البوسنة والهرسك، وحتى في أفغانستان!

– ثم مات، ويا لسخرية الأمر، في إحدى جائحات الملاريا في إفريقيا.

– …!!

لم أعرف وقتئذ ما السخرية في الموضوع! هل كان ينبغي أن يموت عجوز مثله بقنبلة أو صاروخ كي يغدو الأمر تراجيدياً وليس ساخراً؟! لكن مدام صوفي تعتقد أن أباها دفن في إفريقيا في إحدى المقابر الجماعية الكثيرة المنتشرة هناك.

المهم، إنجازي سيبدل يومي السيئ، سيجعل الأفكار السوداء، التي رافقتني منذ الصباح، تتبدد، تتلاشى كغيمة زائفة. باستخدام كلمة Boss لن أجبر يوماً بعد يوم على مراقبة عيونهم الفزعة وهم يقومون بتأدية التحية العسكرية أمام (الضابط)! ضاربين الأرض بأقدامهم بكل ما أوتوا من قوة، كأنهم عساكر في مشهد كوميدي أشبه بالتهريج.

تأخرت عن موعد المقابلات.

لا بد أن الضابط الكندي، أو عفواً المدير الكندي، قد استاء من طول انتظاري، والذين ستتم مقابلتهم اليوم راحوا يذرعون الممرات جيئة وذهاباً خارج غرفته وقد أخذ القلق ينهشهم أعمق فأعمق.

فتحت الباب، فستقي اللون، ودخلت غرفة المقابلات.

انتابتها رغبة بالتقيؤ، أنستها فرحها الطارئ بالنصر على اللغة. إنه شعور الغثيان الذي راح يجتاحها حالما تطأ هذه العتبة. ربما عمل الدفء اللزج على تصعيب الأمر أكثر. كان المكيّف يضخّ الحرارة في الغرفة، كذلك السخّانة الكهربائية الصغيرة المدورة، التي يضعها المدير قرب قدميه، وتتصاعد منها هبلة القهوة في الركوة النحاسية.

المدير من دائرة الهجرة والتجنيس الكندية تفرزه المفوضية العليا للاجئين كي يقوم بدراسة حالات اللجوء بكافة أشكاله إلى كندا. وهو الآن، ككل صباح منذ سنتين ونصف وحتى اللحظة، يتفحص الأوراق أمامه على المكتب، تلّة من المصنفات تغصّ بالأوراق الملونة والرسومات. كان يبدو متضايقاً وحزيناً على غير عادته الصباحية، يرتشف قهوته العربية من كوب خزفي بحجم القبضة.

القهوة هي الشيء الوحيد الذي أحبه جوناثان غرين هنا، إضافة إلى عيون الدمشقيات المكحّلة، حسب تعبيره.

حيّته عنات:

– Hi Joe; how are you?

– …

لم يجب.

رفع رأسه عن الأوراق، ابتسم بأسى مكشراً تكشيرة غزل ثم عاد ليدفن رأسه في التلّة! لا بد أنه يتفحّص التقرير الطبي لطالب اللجوء الجديد الذي سيقابله للتو والذي على عنات إسماعيل أن تترجم مقابلته.

اقتربت منه حيث كرسيها المعدني يلاصق كرسيه وراء المكتب، ولمحت من المصنف الأزرق الأنيق ورقة مليئة بالتواقيع وجانباً من صورة جسد محروق.

– How is the baby?

صاح بلكنة ممطوطة وهو يدسّ الصورة بين الأوراق، ثم ربّت على بطنها ضاحكاً. ربما أحسّ بصدمتها حين لمحت الصورة أمامه، أو بانزعاجها الواضح على ملامح وجهها، ورائحة الغرفة تأتيها كمزيج من رائحة صديد ودم فاسد.

– Fine ..

اصطنعت الابتسام، ثم تحسست بطنها التي تكتنف طفلها في بداية شهر الحمل الثالث.

على المكتب تقرير جديد للمفوضية العليا للاجئين باللغة الإنكليزية أدرجت فيه الأعداد المقدرة للأشخاص المستحقين اهتمام وتدخّل المفوضية. ربما رغبت عنات، عبر قراءتها له، في الخروج من حالة الغثيان، أن تنتقل من براثن عالمها الصغير، الذي يضغط على روحها وتفكيرها، إلى عالم أكبر.

العدد المقدر للاجئين في آسيا هو الأكبر بشكل ملفت. أوروبا تأتي بعدها بما في ذلك البوسنة والهرسك وفلول الشيوعية وما إلى ذلك. التقرير ذاك لم يكن مذيّلاً بتاريخ! لكن من الواضح أن زمناً طويلاً لم يفت عليه. سيمر هنا على الأرجح كورقة لا نفع لها، وربما رمته العاملة بعد انتهاء الدوام في سلة المهملات! لكنه بالتأكيد لن يمرّ في أماكن أخرى من العالم بمثل هذه السلبية.

بتر جو شرودها شارحاً لها بعض المعلومات عن طالب اللجوء الأول لهذا اليوم وقصته المكتوبة في التقرير.

اسمه سالفا كواجي.

شاب سوداني مسيحي من الجنوب. كان منتمياً إلى الحركة الشعبية لتحرير السودان، حركة جون قرنق، كما كانوا يطلقون عليها، ثم انخرط في الجيش الشعبي التابع لها، في القوات الراجلة حاملة الأربيجي، ليخوض الحرب الأهلية التي امتدت أكثر من عشرين عاماً بين الشمال والجنوب. إثر ذلك بقي شهوراً طويلة أسيراً في يد جنود البشير، قبل أن يتم إطلاق سراحه في تبادل الأسرى.

سالفا غير متزوج. يعيش وحيداً بعد أن قُتل معظم أهله على مدار الحروب.

كان جوناثان منهمكاً ومأخوذاً كما هي عادته دوماً فيما يخصّ القصص الجديدة، بينما أشعر في لحظة كهذه برغبة في التقيؤ، بصداع لئيم يعتصر دماغي ويجعلني أتهاوى على كرسيي الجلدي الأسود.

يبدو أن وجهي بدا شاحباً كالأموات حتى التفت إليّ قلقاً وأمسك بيدي ماطاً إنكليزيته أكثر:

– If you are tired, Annat, we can postpone today’s meetings

– Don’t worry, I’ll be fine

جوناثان غرين، على الرغم من برودته التي تستفزني، صديقي شبه اليومي طيلة السنوات الثلاث المنصرمة. سأحزن عليه حين يغادر قريباً، وقت تنتهي مدة عمله المحددة هنا في السفارة.

حين التقينا للمرة الأولى بدت قامته عملاقة بالنسبة لي. شعره كان فضياً مع قليل من الظلال السوداء، فيما عيناه الزرقاوان جاحظتين مع كثير من البياض، الأمر الذي يجعل نظراته أشبه بمشاريع للانقضاض على فريسة.

اليوم أضحى شعر جوناثان أبيض تماماً دون أية ظلال.

في اليوم التالي للقائنا الأول دعاني، بعد انتهاء العمل، لنتناول العشاء سوية، ومن ثم لنشرب كأساً من التيكيلا. قال، محاولاً إغرائي، إنه سيجعلني أشربها على الطريقة المكسيكية، فلأمه أصول لاتينية من بلدة صغيرة على خليج المكسيك، وهو يحمل جينات جنوبية في دمه أكثر بكثير من تلك الأميركية الشمالية.

على الرغم من عدم اقتناعي بتلك الكذبة قبلت الدعوة يومذاك.

كان خوليو يملأ المكان بأغنيته الشهيرة When I Need You، وأنا أحسّ بارتباك كبير لم أعهده قبلاً!

طلبنا طبقين من الدجاج مع شرائح البصل والفليفلة والفطر، على الطريقة المكسيكية طبعاً. وكان علي، نزولاً عند أمر جو، أن أفرغ كأس التيكيلا الصغير في فمي، كما فعل هو تماماً، ثم أرشف بعده مباشرة شريحة الليمون المضمّخة بالملح، والموضوعة فوق الكأس كغطاء، وأمضغ قشرتها ملتذة بمرارتها اللاذعة!

ذاك السائل الناري الذي حرق جوفي بالكامل خلال مسيرته إلى معدتي جعل جوناثان غرين، الضخم كعملاق وذا العيون الزجاجية الجاحظة، صديقي منذ تلك اللحظة وحتى اليوم.